Transcription
من أكتر الحاجات اللي ممكن تضايقك إنك تكون مجتهد وتلاقي حد غيرك أقل اجتهاد وصل للمكانة اللي أنت بتتمناها، ويمكن تقابل في حياتك ناس ما بتجتهدش أصلاً وعايشة حياة أفضل من غير عناء.
ومن هنا يبدأ التفكير المظلم اللي ممكن يخليك تشك في عدل الله والعياذ بالله، وتبدأ تسأل نفسك: هو ليه ربنا خلق ناس أغنياء وناس فقراء، ناس أصحاء وناس مرضى، ناس مرتاحة وناس بتعاني؟
وأول إجابة هتلاقيها في كتاب الله: "وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون". هتقابل في حياتك الغني المترف اللي بيتقي الله ويتصدق وعايش سعيد ومرتاح ومنعم، وهتلاقي الغني الملهي عن ذكر الله اللي قلبه قاسي ومتكبر وأنانى، وغني ومريض أو تعيس في حياته. هتقابل الفقير المريض اللي راضي بحاله ودايماً على لسانه الحمد لله، هتقابل الفقير العنيد الناقم على حاله ومافيش على لسانه غير "اشمعنى أنا؟" وباصص لغيره وبيعد على تقسيمة ربنا والعياذ بالله.
"الله عز وجل لا يسأل عما يفعل وهم يسألون". في اعتقادي إن كل تفكير مظلم بالشكل ده بيكون السبب فيه فكرة الـ 24 قيراط اللي إحنا فاهمينها غلط، لأن الفكرة دي بتقول إن كل واحد هياخد حقه في الدنيا 24 قيراط، أما مال ويتحرم من الأولاد أو يبتلى فيهم، أو ياخد حظه أولاد وماله يكون قليل، واللي حظه صحة أو ذكاء أو منصب كبير أو حتى علم.
ولكنك هتقابل ناس ما عندهاش أي حاجة، ما عندهاش أي حاجة خالص، ناس مشردة لا مال ولا عيال ولا راحة بال ولا صحة ولا حتى بيت يعيشوا فيه. هتقول لي: "حظهم رضا؟" هقول لك: منهم اللي راضي ومنهم اللي مش راضي بحاله وحاقد على غيره. هتقابل أغنياء وعندهم أولاد وصحة ومرتاحين البال وكمان على خلق ودين، يعني ناس مرتاحة 24 قيراط، وناس ما عندهاش ولا قيراط.
ناس هتكون عبرة لغيرها ونهايتهم هتكون عظة للمتفرجين، وناس هتتفتح بغيرها وهتاخد حقها كله في الدنيا لكن مالهاش مكان في الجنة والعياذ بالله، تبقى الفكرة مش صحيحة. الموضوع ده مالوش كتالوج، الكتالوج عند ربنا هو وبس اللي يعرف، دي تقسيمة ربنا وهو يفعل ما يشاء.
طيب، إحنا المفروض نعمل إيه لو فكرنا التفكير المظلم ده؟ المفروض بكل بساطة إنك تبص في ورقتك، ورقتك وبس، خليك في امتحانك اللي هيتصفى. تساعدك على الخروج من التفكير المظلم ده إنك تفتكر أركان الإيمان: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، القدر خيره وشره. ده العهد اللي بينك وبين ربنا وأنت اللي أخدته على نفسك يوم ما قررت تؤمن بالله.
إيمانك بحكمة ربنا هو النور اللي هيطمنك وقت ظلام. الإحساس إن ربنا والعياذ بالله مش عادل، إيمانك الثابت هو بمثابة إمضاء منك على العقد أو العهد اللي بينك وبين ربنا. إيمانك بالله بكل أسمائه الحسنى اللي من ضمنها اسم الله العدل. إيمانك بالقرآن، قال عز وجل: "ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا". يمكن ما تشوفش بعينك العدل في الدنيا لأنها ببساطة مش دار حساب، لكن بكل تأكيد هتشوفه يوم القيامة. وربنا قال: "لا ظلم اليوم".
نور إيمانك باليوم الآخر هو اللي هيريح قلبك ويطمنك إنك هتشوف العدل بعينك يوم القيامة. يوم القيامة يوم يستاهل إنك تحمد ربنا عليه، ده يوم الجبر لكل مظلوم، والعوض لكل مريض، والكرم لكل فقير ولكل محروم، والجنة بلا حساب لكل صابر، يوم العدل ورجوع الحقوق لأصحابها، يوم شفاء الصدور لكل مقهور. يعني لو مافيش يوم القيامة يبقى مافيش عدل، وحاشاه ربي أن لا يعاملنا بغير العدل.
يبقى كل اللي عليك إنك تركز في امتحانك وتحاول بكل قوة إنك تعدي من كل ابتلاء بكل إيمان، لأن نجاحك في الاختبار عوضه ومكانته كبيرة قوي إنك هتكون مع الصفوة اللي كتف في كتف النبي صلى الله عليه وسلم. الجنة أصلها ما بتلمش كده أي حد، قال عز وجل: "أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون". هتتفتح تبرًا علشان الجنة للصفوة وبس.
شوف أنت كده في الدنيا ممكن ترفض السكن في مكان معين علشان الجيران مستواهم مختلف عنك اجتماعيًا أو ثقافيًا؟ نفس الكلام في الجنة، الجنة مش أي حد ينفع يكون جار النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين والصديقين، لأن كل دول ناس نجحت في الإنترفيو وعدوا على كل الاختبارات الصعبة، لكنهم كانوا قدها واستحقوا إنهم ينضموا للصفوة ويكونوا جيران النبي صلى الله عليه وسلم.
زي ما في الدنيا وأنت بتقدم على شغل في شركة كبيرة وليها اسمها، بيعملوا معاك إنترفيو ويشوفوا سيرتك الذاتية اللي صنعتها بتعبك واجتهادك، وعديت باختبارات كتير علشان توصل لمستوى علمي وخبرات في مجالك وتنضم للصفوة في الدنيا. نفس الكلام في الجنة، الموضوع محتاج اجتهاد وتعب وصبر علشان تنضم للصفوة وتعيش في نور لا ينتهي.
خليك في اختبارك وما تشغلش نفسك مين قاعد في مكان أحسن أو مين جت له أسئلة أسهل أو ده أخد وقت أطول، لأن اللي بيصحح الملك وعامل حسابه على كل ده. اللي بيصحح اختبارك هو أعدل العادلين. يعني مثلاً اللي عاش لـ 16 سنة واللي عاش لأكتر من 116 سنة، كل واحد فيهم هياخد فرصته وهياخد حقه. اللي اتولد في مجتمع وأسرة متدينة واللي اتولد في بيئة منحلة وعافر علشان يكون على طريق الله، كل واحد هياخد فرصته على قد وضعه.
ما تقلقش خالص وهات آخرك في العبادة والسعي والقرب من طريق ربنا. واللي هيصحح امتحانك وهيوفى أعمالك هو الرحمن الرحيم اللي بإذن الله هيعاملك بالفضل لا بالعدل، اللي بيحسب الحسنة بعشر أمثالها ويضاعف لمن يشاء، وبيحسب السيئة بمثلها. المهم هتاثر في العبادات ولا تظلم عباد الله في المعاملات، هتشوف العدل والفضل والنور بإذن الله.
فاللهم إنا نسألك عيشة هنية وميتة سوية، واكفنا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن.