Transcription
سيرة كتاب، نافذة إذاعية تستدعي قصص كتب، وشم تاريخ الإنسانية. سيرة كتاب هي محاولة إعادة وصل من انقطع من أواصر الصداقة مع الكتاب في زمن الاغتراب الإلكتروني. سيرة كتاب، من إعداد محمد المساوي، ومن تقديم سارة المساوي، كل سبت واحد، على الساعة الثالثة بعد [موسيقى] الزوال [موسيقى]. لكم منا أجمل تحية، مستمعينا الكرام، متتبعي النافذة الإذاعية "سيرة كتاب".
نحاول في كل حلقة من حلقات هذا الموعد الثقافي، تقديم مسيرة أو تلخيص لكتاب معين. حلقة اليوم سنقدم فيها سيرة لرواية "المتشائل" لإميل حبيبي. "المتشائل"، عنوان مختصر لرواية الكاتب والصحفي الفلسطيني الراحل إميل حبيبي، التي أصدرها سنة 1974 بعنوان طويل وغريب هو: "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل". والرواية في مجملها ملحمة تحكي مأساة الشعب الفلسطيني، وهي صادرة عن كاتب ينتمي إلى عرب 48، أي الفلسطينيين الذين ظلوا في منازلهم حتى بعد هجوم عصابات الصهاينة لطردهم وتهجيرهم خارج أراضيهم ومنازلهم، فيما سمي بعام النكبة، سنة 1948. بمعنى، هي رواية تحكي مأساة الشعب الفلسطيني من الداخل الإسرائيلي.
تنبني الرواية على ثلاثة أقسام، فضل الكاتب أن يسميها كتباً، كل كتاب معنون باسم أنثوي، وكل اسم له علاقة عاطفية مع بطل الرواية سعيد أبي نحس المتشائل. والرواية في الأصل هي رسائل بعثها سعيد أبو النحس المتشائل، الذي اختفى بشكل غامض، صحبة كائن فضائي، إلى الراوي. تعتمد الرواية السخرية السوداء لتعريّة وفضح حقيقة الدولة الصهيونية، وسياستها تجاه مواطنيها من الفلسطينيين الذين أصبحوا مواطنين من الدرجة الثانية، وإيضاً تجاه الفلسطينيين اللاجئين الذين يتوقون إلى العودة لديارهم، إلى درجة أن بعض هؤلاء تركوا أقداح القهوة فوق طاولات منازلهم عندما طردوا بالحديد والنار سنة 1948. جاء في الرواية، على لسان البطل: "في أيام الأولى، زعيم عمال في اتحاد عمال فلسطين، ولجت بيوتاً عربية مهجورة كثيرة في حيفا من أبوابها المكسورة، فوجدت أقداح القهوة مصبوبة، لم يجد أهل البيت وقتاً حتى [موسيقى] يشربوها".
القسم الأول، المعنون بـ "يعاد"، تنطلق رسائل الكتاب الأول من محاولة حفر أركيولوجي في تاريخ شجرة أنساب عائلة بطل الرواية، ثم تنتقل بعد ذلك لتطلع القراء على معنى كلمة "المتشائل"، التي لا وجود لها في اللغة العربية، بل هي من نحت الكاتب، أغنى بها القاموس العربي. "المتشائم بين التشاؤم والتفاؤل"، جاء في الرواية، "فالمتشائل هي نحت من كلمتين اختلطت على جميع أفراد عائلتنا منذ مطلقة القبرصية الأولى"، يقصد جدتهم، "وهاتان الكلمتان هما المتشائم والمتفائل، فدعينا بعائلة المتشائل. خذني أنا مثلاً، فأني لا أميز التشاؤم عن التفاؤل، فأسال نفسي: من أنا؟ أم متشائم أنا أم متفائل؟ أقوم في الصباح من نومي فأحمد على أنه لم يقبضني في المنام، فإذا أصابني مكروه في يوم أحمده على أن أكرّه منه لم يقع، فأيهما أنا؟ المتشائم أم المتفائل؟". ويتكئ الكاتب على تقنية الاسترجاع لإطلاع القارئ بجمله من الأحداث تتعلق بالبطل: طفولته، علاقته بـ "يعاد"، المدرسة، الأسرة، ثم نشاطه النقابي بوصفه زعيم اتحاد عمال فلسطين. كما يحكي سعيد في هذا القسم كيف أنهما دين للحمار لاستمراره في الحياة، حيث تعرض هو ووالده عام النكبة لهجوم بالرصاص من طرف العصابات الصهيونية، فقتلوا والده، أما هو فقد وقع حمار سائب بينه وبين رصاصهم، فندل الحمار ونفق عوضاً عنه. ويعترف سعيد أن حياته في إسرائيل كانت فضل حمار، فلولا هذه الدابة المسكينة لكان في عداد الشهداء.
القسم الثاني، المعنون بـ "باقية"، يغطي هذا القسم زمانياً المرحلة الممتدة من سنة 1951 إلى هزيمة 1967، ثم إلى 1972. غير أن الأحداث لا تقدم وفق تسلسل زمني متصاعد، بل يتخللها استباق واسترجاع تجعل الأحداث تتوالى دون ناظم زمني. يبدأ القسم بتوقف سعيد عن الكتابة لأسباب أمنية، في سياق الحديث الذي دار بينه وبين صديقه الفضائي، ثم يعرج بهما الحديث إلى رواية "كانديد" لڤولتير، ليعمل مقارنة غير مباشرة بين أحداث الرواية الفولتيرية والأحداث التي يعيشها البطل في الأراضي الفلسطينية المحتلة. بينما يبدأ زمن الحكاية الفعلي من الرسالة الرابعة في هذا الكتاب، حيث يكشف سعيد عن حيثيات لقائه بـ "باقية"، التي يسميها "الطنطورية" لانحدارها من قرية الطنطورة على شاطئ حيفا، وكيف وقع في حبها، وتخبره فيما بعد بسرها عن الكنز المدفون بين صخور شاطئ الطنطورة. يولد لهما ولد يسمونه ولاء، الذي رفض الاحتلال تسميته فتحي لشبه اسمه بإحالة على منظمة فتح المقاومة للاحتلال الصهيوني آنذاك. غير أن ولاء لم يدن بالولاء للدولة الصهيونية، بل عمل على استخراج الكنز بعد أن كبر، وشكل بعائداته مجموعة فدائية لمقاومة الاحتلال الصهيوني. فيطلب جيش العدو من والديه رده إلى رشده. في الأخير، ظل سعيد وحيداً، فيما انضمت زوجته باقية إلى ابنها ولاء ليختفي في أعماق البحر. وأثناء فترة الحرب، سمع سعيد أن من بين الكتائب الفدائية ثمة كتيبة تحمل اسم [موسيقى] "الطنطورة".
القسم الثالث، المعنون بـ "يعاد الثانية"، تدور أحداث هذا القسم حول هزيمة يونيو 1967. يبدأ بالحديث عن حلم سعيد الذي رأى فيه نفسه جالساً على خوّ وق بلا رأس، فلا هو يستطيع النزول ولا هو يستطيع الاستيقاظ. وتجر الأحداث لنتعرف كيف التقى سعيد بـ "يعاد الثانية"، وفي قصة مأساوية مضحكة ومبكية في نفس الآن. سمع سعيد من المذيع الإسرائيلي يدعو الفلسطينيين المهزومين إلى رفع الأعلام البيضاء فوق أسطح المنازل عقب هزيمة 1967، فيستجيب برفع شرشف نومه الأبيض على مكنسة فوق بيته في حيفا، فيتم اعتقاله لأنه بذلك قد اعتبر حيفا مدينة محتلة، في حين المذيع كان يقصد سكان الضفة الغربية هم المعنيون برفع الأعلام البيضاء. بينما سعيد الخانع للدولة الجديدة، أفرط في الخنوع حتى أصبح متهماً بالتفريط، ودخل السجن بتهمة اعتبار حيفا مدينة محتلة. يقول سعيد: "أما كيف دخلت السجن، فذلك حين أفرطت في الولاء حتى أصبح في عرفهم تفريطاً". وعند دخوله إلى سجن الشطة، التقى هناك بابن يعاد، الذي أحدث تحولاً في مسار حياته، إذ يقرر بعد خروجه الانقطاع عن تعاونه مع العدو، ما يجلب عليه مضايقات الإسرائيليين، فيُزج به في السجن مرات عديدة. وأثناء خروجه في إحدى المرات، يلتقي بـ "يعاد الثانية"، التي تذهب معه إلى البيت ليتكرر المشهد الذي حدث مع أمها، لكن مع تغيير طفيف: الأول كان في 1948، الثاني جرى سنة 1967، حيث تغير العدو الصهيوني وتغيرت يعاد. فتخبره أنها ابنة يعاد الأولى، وأن الشاب الذي التقاه في السجن واسمه سعيد هو أخوها، إذ إن يعاد الأولى، بعد أن قطع الهاين حبل الوصال مع حبيبها سعيد المتشائل، نظرت نفسها بعد أن تزوجت من غيره أن تسمي ابنها سعيد وابنتها يعاد، تكريماً لعلاقة الحب التي جمعتهما. تنتهي الرواية بمشهد اختفاء سعيد وصعوده إلى السماء على أكتاف صديقه الكائن الفضائي، فتحضر في المشهد جميع شخصيات الرواية: يعاد الأولى، يعقوب، باقية، وغيرهم. ويعلق سعيد أبو النحس المتشائل قائلاً: "و رأيت يعاد ترفع رأسها إلى السماء وتشير نحونا وتقول: حين تمضي هذه الغيمة تشرق الشمس". ثم يختم الكاتب الرواية بفصل أخير عنوانه "للحقيقة والتاريخ"، يأخذ فيه الكلمة الراوي الذي تكلف ببث رسائل سعيد، ويكشف للقراء أن هذه الرسائل كانت تأتيه من نزيل لمستشفى الأمراض العقلية بعكا، كما يظهر من خاتم البريد الذي تحمله الرسائل، لكنه فشل في العثور عليه رغم بحثه المضني، ليخلص إلى القول: "فكيف ستعثرون عليه يا سادة يا كرام دون أن تتعثروا به؟".
هكذا حدثتنا الرواية عن سعيد الذي أنقذ حياته حمار، سعيد الذي اختار الخضوع للدولة الصهيونية، سعيد الذي تنازل عن كل شيء من أجل أن يعيش في كنف الدولة الجديدة، وجد نفسه أولاً وآخراً مشروع متهم، وحتى إن انتفت التهم قد يُزج به في السجن بتهمة الإفراط في الولاء، كما حدث له في مشهد رفع علم الاستسلام. فقرر أخيراً أن يستفيق من وهمه ويقتنع [موسيقى] باستحالة عمل روائي نسج على غير منوال، ولم يعتمد السرد الكلاسيكي، بل اعتمد التجريب، واتكاء على استحضار واستثمار التراث في قالب رمزي. أما من حيث المضمون، فتتشكل الجدّة في أنه نجد أنفسنا أمام رواية تراجيدية فلسطينية على لسان بطل من داخل إسرائيل، يحكي عن النكبة، وعما بعدها بنفس ساخر إلى حد الوجع، وهو ما جعل إدوارد سعيد يصف رواية إميل حبيبي بكونها "تفجر بركاني للبارودي، المحاكاة الساخرة، وللهجة المسرحية"، كما أنها رواية مدهشة صادقة غير قابلة للتنبؤ، شخصيتها الرئيسية خليط من عناصر موجودة في الخراف والمقامات الحريري، وكافكا، ودوس، وولتر [موسيقى] ديزني.
إلى هنا نصل وإياكم، مستمعينا الكرام، إلى ختام حلقة اليوم. نشكر لكم حسن الاصغاء والمتابعة. موعدنا يتجدد الأسبوع المقبل مع كتاب آخر. تقبلوا أجمل تحية كالمعتاد، من محمد المساوي في الإعداد، سارة المساوي في التقديم، يوسف شنواني في الإخراج. دامت لكم صداقة الكتاب. سيرة كتاب، نافذة إذاعية تستدعي قصص كتب، وشم تاريخ الإنسانية. سيرة كتاب هي محاولة إعادة وصل من انقطع من أواصر الصداقة مع الكتاب في زمن الاغتراب الإلكتروني. سيرة كتاب، من إعداد محمد المساوي، ومن تقديم سارة المساوي، كل سبت واحد، على الساعة الثالثة بعد [موسيقى] الزوال.