Transcription
الحمد لله رب العالمين، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن. صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين وحبيب رب العالمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين. قال شيخنا الشيخ عبد الله الهرري رحمه الله: أما بعد، فإن الله تبارك وتعالى قال: يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً، ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً.
المتقون يحشرهم الله يوم القيامة مكرمين، ليس عليهم نكد ولا فزع ولا خوف. ليس عليهم خوف إلا خوف الإجلال والتعظيم، أما خوف أن يصيبهم عذاب من الله فقد آمنوا أن يصيبهم عذاب. وليس ذلك من تلك الساعة، أي ساعة الحشر، بل هذا الفرح والأمن الذي في أنفسهم، مستقر في أنفسهم، بده من عند وقت النزع، أي الاحتضار. فإن المؤمن التقي حين يحضر يبشر برحمة الله ورضوانه، فعندئذ يعرف مصيره أنه إلى الجنة، وروح وريحان ورضوان. روح يعني الرحمة، ورضوان من الله، فيحب الموت فيذهب عنه الخوف والكراهية للموت الذي كان يجده قبل ذلك. لأن كل واحد منا إن كان تقياً وإن كان عاصياً وإن كان فاسقاً، الآن قبل أن تحضر ظاهره الوفاة، الآن يخشى من الموت، يخاف الموت. كل واحد منا كذلك، حتى لو كان من عباد الله الصالحين. إنما يذهب عنه هذا الخوف من الموت عند البشارة، عندما يصير محتضراً، حضرتة الوفاة. يأتيه إن كان صالحاً ملائكة الرحمة، وجوههم كالشمس كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام. لما يأتون إليه، قد يأتي إلى بعض الصالحين ٥٠٠، ٥٠٠ من ملائكة الرحمة، يقعدون هكذا في وجهه، يراهم الذين عنده لا يرونهم، هو يراهم. الله يكشف يريه هؤلاء الملائكة، وهم لما يحضرون هكذا في وجهه ينظرون إليه نظر الاحترام. يعرف ذلك من وجوههم، من نظرتهم إليه، أنهم ينظرون إليه نظر الاحترام. ويأتي عزرائيل عليه السلام، عزرائيل الذي هو ملك الموت، الملك الموكل بقبض الأرواح. عزرائيل لا يأتي إلى كل الناس بهيئة واحدة. بعض الناس، بعض الناس لما يأتيهم عزرائيل يكون بهيئة رجل صالح، بهيئة مؤنثة. إذا راه هذا المؤمن الصالح يستأنِس لرؤيته، وإذا أتى للـ للكافر يخاف. لما يأتي للكافر يخاف، والكافر لا تحضر ملائكة الرحمة عند الاحتضار، عند حضور الوفاة، يحضره ملائكة العذاب سود مخوفون، سود مخوفون.
فهنا الشيخ رحمه الله يقول: إن هذا العبد الصالح حين يبشر من قبل عزرائيل عليه السلام برحمة الله ورضوانه، لأنه حين يأتيه عزرائيل يقول له: السلام عليك يا ولي الله، ابشر برحمة الله ورضوانه. لما يقول له هذا القول يذهب عنه الخوف من الموت ويحب الموت. الآن نحن نكره الموت، ما معنى نكره الموت؟ نخافه. إذا أتانا عزرائيل على هذه الصورة الحسنة، حسنة الله يرزقنا ذلك، وآتت ملائكة الرحمة وبشرنا عزرائيل، نسأل الله أن يرزقنا ذلك، يزول عنا الخوف من الموت في تلك اللحظة. ومن هذا يتبين لكم عن هذه القصة المشهورة، يرويها بعض الناس، يتناقلونها، وهي ليست صحيحة. يقولون إن أحد الأولياء سئل: متى الراحة؟ فقال: عند أول قدم تضعها في الجنة. لا راحة قبل ذلك. هي القصة مشهورة عند مدعي التصوف. يقولون إن أحد كبار الأولياء سأله واحد من المريدين: متى الراحة؟ قال له: عند أول قدم تضعها في الجنة. أما الآن، أنتم تعلمتم متى يحصل لهذا المؤمن الصالح التقي الراحة؟ لما يبشره عزرائيل، لما يبشره عزرائيل عليه السلام برحمة الله ورضوانه، ولما يقول له: السلام عليك يا ولي الله. هو أكثر الأولياء لا يعرفون أنهم أولياء، لو كانوا من كبار الأولياء إلا عند البشارة من عزرائيل. لأنهم هم من شانهم أنهم يتهمون أنفسهم بالتقصير، يعني لو كان هو من الصالحين من أهل الدرجات العالية، دائماً يتهم نفسه بأنه مقصر فيزيد في الطاعات فيترقى أكثر عند الله. هذا الولي لما يقول له عزرائيل: السلام عليك يا ولي الله، يعرف أنه من أولياء الله الصالحين.
ثم أيضاً بعد هذا التبشير، وبعد قبض الروح من قبل عزرائيل، عزرائيل عليه السلام يأخذ هذه الروح الطيبة، روح الـ المؤمن التقي، الروح المؤمن التقي. الرسول قال: لا يتركها في يده هذه طرفة عين، يسلمها لمن؟ ملائكة الرحمة. ملائكة الرحمة يزفون هذا الروح من الأرض إلى السماء. ومن الأرض إلى السماء أيضاً ملائكة يرحبون بهذا الروح المؤمن الطيب. والروح بقدرة الله سبحانه وتعالى يرى ويسمع ويشم، يعني يشم الرائحة الطيبة. أليس ورد في الحديث أن المؤمن الطيب التقي يفتح له طاقة من قبره إلى الجنة فيصله إيش؟ ريح الجنة، يعني معناه يشمه، يشم رائحة الجنة. الروح يشم، والروح يسمع، والروح يرى، والروح يحس، هذا الروح يشعر. يعني فَأيضاً هنا انظروا لما يكون هذا المؤمن التقي في القبر ويوسع قبره ٧٠ ذراعاً في ٧٠ ذراعاً، ويملا بنور كنور القمر ليلة البدر، ويملا خضرة، هذه راحة أم ليست راحة؟ راحة. كيف لكان راحة؟ أما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران. يعني وجد راحة قبل أن يضع قدمه وين؟ في الجنة. يعني هذا الكلام الأول وهذا الثاني يدل على أن هذه القصة التي يرونها ليست صحيحة، وهو أنه لا يجد الراحة، راحة إلا عندما يضع قدمه في الجنة. غير صحيح، التقي يجد الراحة قبل ذلك عندما تحضره الوفاة ويأتي ملائكة الرحمة، وعندما يدخل إلى القبر ويوسع قبره ٧٠ ذراعاً في ٧٠ ذراعاً، شيء يعني واسع. ثم لا يزال وهو آمن مطمئن في حال القبر في البرزخ. وهو مدة القبر، المدة التي هي بين وفاته إلى يوم القيامة، هذه تسمى البرزخ. البرزخ معناه في الأصل الحاجز، يعني هذه البرهة هذه المدة هذا الوقت بين الوفاة وبين يوم القيامة يسمى البرزخ. لذلك العلماء يستعملون هذا اللفظ في حياة البرزخ، في البرزخ. البرزخ هو هذا بعد الوفاة في كل هذا الوقت المؤمن التقي مطمئن مرتاح مسرور، ما عليه نكد ما عليه انزعاج. وفيما بعد ذلك، يعني في كل هذه المدة مدة البرزخ، وما بعد ذلك، ما بعد رجوع روحه إلى الجنة حين يبلى جسده. لأنه لو كان تقياً أكثر الناس تبلى أجسامهم لو كانوا من الأتقياء. بعد بلى الجسد، روح التقي إلى أين يصعد؟ إلى الجنة. هناك أيضاً سرور يعيش في شكل طائر كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: يأكل من ثمار الجنة. هذا روح التقي، وتتلاقى أرواح الأتقياء، يلتقي بعضهم ببعض ويرحب بعضهم ببعض، يستأنِسون. يعني هذا للصالحين، هذا للأتقياء. فروحه هناك يعيش في شكل طائر، ليس كما يقول كثير من العوام يقولون: الطفل إذا مات يكون عصفور الجنة. لا، الطفل إذا مات في الآخرة كالكبير، يصير جسمه كشكل جسم سيدنا آدم عليه السلام ٦٠ ذراعاً في السماء في عرض سبعة أذرع. هذا جسم كل أهل الجنة، وفي جمال يوسف عليه السلام. حتى الذي كان دميمًا الآن في هذه الدنيا ليس جميلاً، يصير جميلاً هناك في الجنة. لا يوجد إنسان يبقى دميم الخلقة، ولا يوجد إنسان يكون أسود هناك في الجنة، أسود ليس الآن في الدنيا يوجد أسود ويوجد هناك يكون أبيض مشرقاً. لأن يوسف عليه السلام كما جاء وصفه أبيض مشرق، والرسول أبيض مشرق عليهما الصلاة والسلام. حين يبلى جسده فإنه يرجع إلى الجنة، الروح يرجع إلى الجنة، يعيش هناك في شكل طائر. ثم عند النفخة الثانية يعاد جسده الذي بلى إن كان من الأجساد التي تبلى، يعيد الله ذلك الجسد فيجمع الروح مع الجسد، ثم ينشق عنه القبر فيخرج من القبر وهو فرح مستبشر. ثم لا يزال فرحاً مسروراً إلى ما لا نهاية، يعني حتى لما ينفخ إسرافيل النفخة الثانية عليه السلام، هو ينفخ النفخة الأولى فيموت كل الأحياء يموت، ثم ينفخ النفخة الثانية عزرائيل عليه السلام، فَالذي كان مات هذا يحييه، يحييه الله تبارك وتعالى.
روينا في الصحيح، صحيح البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه. لقاء الله معناه الموت، إنه اللقاء عندنا في لما نقول التقيت بهذا، التقيت بهذا الشخص، يعني معناه صار بيني وبينه مقابلة. هذا اللقاء بين المخلوقين، أما لقاء الله ما معناه؟ الموت. من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ما معنى على هذه الجملة من حديث الرسول؟ يعني الذي يحب الموت الله يكرمه، هذا يكون من عباد الله الصالحين. متى يحب الموت؟ وقلنا كلنا نخاف الموت، متى يحب الموت؟ عند البشارة، عند الاحتضار. هذا العبد الذي أحب الموت عند الاحتضار بسبب بشارة الملائكة له، هذا الله يكرمه. هذا معنى من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه. يعني هذا العبد الذي هو الكافر حين تقول له الملائكة، حين يقول له عزرائيل عليه السلام: ابشر بعذاب الله وسخطه، يزداد كراهية للموت. هو الآن يخاف الموت، لما يصير عند الاحتضار يأتيه عزرائيل بشكل يخيف، ومن يحضره ملائكة العذاب سود مخوفون. لما يقول له: ابشر بعذاب الله وسخطه، يزداد خوفاً من الموت. الآن هو يخاف، هذا الله سبحانه وتعالى يهينه، الله سبحانه وتعالى يعذبه، كره الله لقاءه، يعني هذا يكون من أهل العذاب لأنه مات على الكفر. من الذي يروي هذا الحديث؟ قلنا عائشة رضي الله عنها قالت: هي سمعت، سمعت كلام الرسول يقول هاتين الجملتين. قالت: قلت يا رسول الله أنا نكره الموتى، يعني نحن نخاف من الموت، لأنه الرسول كان يقول: ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه. قالت: أنا نكره الموتى، يعني نخاف الموتى، هذا معنى نكره الموتى. فقال: ليس ذاك، يعني ليس الذي ذهب قلبك إليه، ولكن المؤمن إذا حضر حضرتة الوفاة بشر من يبشره الملائكة برحمة الله وثوابه، فيحب لقاء الله ويحب الله لقاءه. مهم جداً تعرفوا شو يعني ويحب الله لقاءه؟ يكرمه. يعني لما نقول هذا العبد يحبه الله، شو يعني؟ يكرمه الله. لأنه المحبة عندنا انفعال، نحن إذا أحببنا شخصاً ننفعل، وإذا كرهنا شخصاً ننفعل. نحن إذا رضينا ننفعل، وإذا غضبنا ننفعل. رضا الله ليس انفعالاً، وغضب الله ليس انفعالاً، ومحبة الله ليس انفعالاً، وبغض الله ليس انفعالاً. ليش ليس انفعالاً؟ فسّرنا في درس البارحة، الانفعال تغير، وأقوى علامات الحدوث التغير، والتغير لا يجوز على الله، لأنه لو كان متغيراً لكان كخلقه، ولو كان كخلقه لم يكن خالقاً لهم، وثبت أنه خالقهم، فإذًا هو ليس مثلهم، لا يشبههم. فيحب لقاء الله ويحب الله لقاءه، وأن العبد الكافر إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته، فَكره لقاء الله وكره الله لقاءه.
المتقون هم المؤمنون الذين يؤدون ما فرض الله عليهم من الواجبات العملية والعلمية، ويجتنبون ما حرم الله. يعني هذا هو التقي الذي يؤدي كل الواجبات ويجتنب كل المحرمات، ماذا نقول عنه؟ عبد تقي. الواجبات قسمَان: واجبات علمية وواجبات عملية. والعلمية: معرفة ما فرض الله تعالى من علم دينه وما لا بد منه من علم دين الله، وأداء الصلوات الخمس، وصيام رمضان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى غير ذلك من الواجبات التي لا يعلمها جميعها إلا من تعلم علم الدين. لأن الذي لم يتعلم علم الدين ويتعبد يعرف الجزء القليل من الأمور، يعرف الصلوات الخمس من غير إتقان، ويعرف صورة الصيام. هؤلاء المتقون هم الذين يقول الله تعالى فيهم في كتابه: يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً. أي أنهم يحشرون وفوداً، أي أنهم وفود الرحمن، وفود الله. يعني الوفود الذين يكرمهم الله، الذين يكرمهم الرحمن. فالله تبارك وتعالى شكور عليم، يعطي الثواب الكثير على العمل القليل. هذا معنى اسم الله الشكور، احفظوها، الشكور هو الذي يعطي الثواب الكثير على العمل القليل. يعني البارحة أمس كان عاشوراء، الرسول قال عن من يصوم عاشوراء: تكفر له السنة الماضية من الذنوب. طب هذا الذي صام عاشوراء وتسحر، وكم يكون تعب قليلاً من الجوع، حصل له قليل من الجوع، حصل له قليل من العطش ومرتاح، ثم جاء المغرب فَأفطر وكان نوى الصيام لله تعالى اتباعاً للرسول. الرسول يقول: تكفر له سنة من الذنب، عمل قليلاً والله جازاه بثواب كبير. هذا الذي ورد في الحديث: من قال: استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفر له ما تقدم من ذنبه وإن كان قد فرّ من الزحف. الرسول يقول: وإن كان قد فرّ من الزحف. طب هذا الذي قال: استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، كم تعب؟ ما تعب بالمرة، لأنه استعمل لسانه في شيء خفيف ولا يأكل وقتاً طويلاً. ما هو ثوابه؟ غفر له ما تقدم من ذنبه. الرسول يقول: وإن كان قد فرّ من الزحف، تعرفون الفرار من الزحف؟ إذا التقى جيش المسلمون مع جيش الكفار وفرّ هو من جيش المسلمين بلا عذر، هذا فارّ من الزحف. الرسول قال: اجتنبوا السبع الموبقات، أي المهلكات. قيل: وما هن يا رسول الله؟ ذكرها من جمله ما ذكر والفرار من الزحف، يعني أنها من أكبر الكبائر. ماذا يكفرها؟ استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه. عمل قليل والثواب جزيل، فهذا معنى الشكور من أسماء الله، الذي يعطي الثواب الكثير الجزيل على العمل القليل، على الحسنة القليلة. أليس ورد في الحديث أن رجلاً سمع أن الرسول ومن معه من المسلمين يريدون قتال الكفار فتحمس، أخذته الحمية، فجاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، كان بعد هذا الرجل ليس من المسلمين. قال يا رسول الله: أسلم أو أقاتل؟ قال له الرسول: أسلم ثم قاتل، لأنه لا ينفعه شيء قبل الإسلام. فأسلم فقاتل فقتل، عرف الرسول، فقال: عمل قليلاً وأجر كثير. شو هو الذي عمله؟ تشهد، ذهب إلى القتال وقت ساعة من الوقت ثم قتل فنال الشهادة. فهذا معنى اسم الله الشكور. الله تبارك وتعالى شكور عليم، يعطي الثواب الكثير على العمل القليل.
كان الوفد الذي يفد إلى الناس الكرماء يلقى نزلاً وإكراماً. يعني إذا وفد وفد عند ناس من أهل الكرم، ماذا يلقى من أهل الكرم؟ نزلاً، مكاناً يسكن فيه، ويلقى ما يلقى من الطعام والشراب والإكرام، وتهيئة مكان ليرتاح فيه. يلقى نزلاً وإكراماً من الذي يفد إليه، فكيف الذي هو وفد الرحمن أكرم الأكرمين؟ لذلك جاء في القرآن هذا اللفظ في هذه الآية: يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً. ليش جاء لفظ وفداً؟ يعني أنهم يريدون إلى هذا المكان الله يكرمهم، وهم مكرمون عند الله. لأن الشخص إذا وفد على كريم الكريم يكرمه، فكيف إذا كان وفد الله، وفد الرحمن؟ معناه ينال فضلاً كبيراً من الله، ينال إكراماً عظيماً من الله، لأن الله هو أكرم الأكرمين. ثم من كرامة المتقين عند الحشر أنهم يكونون راكبين ويكونون سيناً، لا يحشرون حفاة عراة كغيرهم من المسلمين. لأن من سوى المتقين يحشرون حفاة عراة، غير التقي لو كان مسلماً يحشر حافياً عارياً، والكافر يحشر حافياً عارياً، ويساق على وجهه الكافر. أما المؤمن فيمشي على رجليه. فإذا سمعتم حديث الرسول صلى الله عليه وسلم انتبهوا لهذا: يحشر الناس حفاة عراة، ليس معناه أن كل فرد من أفراد البشر يحشر حافياً عارياً، لا، لا يجوز أن يعتقد ذلك. ما معنى يحشر الناس؟ أغلب الناس، يحشر الناس معناه أغلب الناس حفاة عراة. أما الأنبياء لا يحشرون حفاة عراة، الأولياء لا يحشرون حفاة عراة، الشهداء لا يحشرون حفاة عراة، الأتقياء الأولياء الصالحون لا يحشرون حفاة عراة. أحياناً الرسول يقول جملة عليه الصلاة والسلام، ويأتي بيان معنى هذه الجملة في كلام آخر للرسول. يأتي أحياناً تفصيل هذه الجملة التي قالها الرسول في حديث آخر، شرح هذه الجملة في حديث آخر للرسول، لأنه ورد حديث رواه الترمذي: إن الناس في يوم الحشر يكونون على ثلاثة أصناف: قوم كاسون راكبون طاعمون، راكبون على نوق رحائلها من الذهب، طاعمون يعني ليس بهم جوع، كاسون ليسوا عراة. هؤلاء الأتقياء والأنبياء، سادات الأتقياء. وقوم يكونون حفاة عراة يمشون على أرجلهم، وهم فسقة المسلمين. وقوم يكونون حفاة عراة غرلاً، يعني الجلدة التي تقطع عند الختان موجودة، يحشرون على وجوههم، وهم الكفار. فالنبي ليس كالكافر في يوم الحشر، والتقي ليس كالكافر في يوم الحشر، لا يجوز أن يعتقد أن كل الناس يكونون في يوم الحشر حفاة عراة. فإذا واحد قال لكم: طب نحن سمعنا حديث الرسول اللي روته عائشة كمان يحشر الناس حفاة عراة، فالرسول فسر ذلك في الحديث الآخر أنهم لا يكونون على صنف واحد، على ثلاثة أصناف. فَالأتقياء لا يحشرون حفاة عراة كغيرهم من المسلمين. لأن من سوى المتقين يحشرون حفاة عراة، المسلم والكافر يحشرون حفاة، أي بلا حذاء ولا نعل ولا ثياب يلبسونها، المسلم الفاسق قلنا مش التقي، وأما الكافر فإنه يبشر إذا حضر بعذاب الله وعقوبته. يقول له ملائكة العذاب الذين يحضرون الكفار عند موتهم: ابشر بسخط الله وعذابه. ومن ذلك الوقت لا يفرح أبداً الأبدين، خلص انتهى. إذا كان مسروراً في الدنيا وغني وعنده مال وسيارات وقصور، وجه مجرد ما يبشره بالعذاب ملائكة العذاب ما بيعود بلاقي لحظة سرور، لا يجد لحظة راحة ولا لحظة سرور. فكيف واحد يقول أنا من المسلمين ثم يسمع بموت كافر فيقول: الله يرحمه؟ كيف؟ كيف هي وهو تأتيه البشارة بالعذاب من ملائكة العذاب، فلا يجد بعد ذلك راحة، شو بقضيها؟ نكد وعذاب والم، كيف واحد بيقول الله يرحمه أو كيف واحد يزيد على ذلك فيقول: الله يدخله الجنة، وقد علم أنه مات كافراً والعياذ بالله، هذا تكذيب للدين، تكذيب للقرآن وتكذيب للحديث. ومن ذلك الوقت لا يفرح أبداً الأبدين، لا يلقى فرحاً أبداً الأبدين. ومن شدة خوفه وقلقه يرى الكافر عندئذ كئيباً، يعني عند الاحتضار يظهر عليه الكآبة والحزن، والظلمة تظهر على وجهه، لا يرى فرحاً مستبشراً.
أعرف شخصاً من أحبابنا كان يسكن في ناحية فيها كفار أصليون، فصار بينه وبينهم صحبة، يساكنهم يمشي معهم، قال لي: مشهور عندهم في الضيعة، هي ضيعة في لبنان، قال: إذا أتوا إلى شخص وقد دنى أجله يسود وجهه قبل القبض، فيقولون: خلاص مات انتهى. عرف عندهم شهر بينهم، إذا رأوا سواد الوجه فيه يكون جميل الشكل، أبيض وأشقر وعيون وزرق وخضر اللي معروف عندهم، إذا رأوا هذا السواد في وجهه يخرجون يقولون: خلص خلص. هم لا يعرفون أن ملائكة العذاب جاؤوا، وأن ملائكة العذاب يضربونه من قدام ومن خلف، ويسود وجهه ولا يستطيع النطق، يعني لا يستطيع أن يقول: آه أرى ملائكة سوداء، لا يستطيع أن يقول: الملائكة يضربونني. ينحبس يرتبط لسانه. الإنسان عند الموت تنحل أعصابه، لما يأتي الموت تنحل أعصابه، وفي الغالب لا يستطيع أن يتكلم، حتى لو كان من المؤمنين، من انحلال الأعصاب في الغالب لا يستطيع أن يتكلم. أحياناً يريد النطق بالشهادتين لا يستطيع، أغلب الناس هكذا. أليس رأيتم بعض الناس ما استطاعوا أن يتكلموا، فرفعوا السبابة يريدون التشهد، يرون بعد القبض أنهم رافعوا السبابة لأنه ما استطاع أن يتكلم. أما بعض الصالحين فيتكلمون، بعض الصالحين تكلم يقول: رأيت أرى الملائكة تبشرني، تسلم عليّ، تبشرني. هذا لبعض الصالحين، الله يجعلنا منهم حتى نرى البشارة ونستطيع أن نتكلم كما حصل لهؤلاء الصالحين. لا يوجد كافر يكون في حالة الاحتضار وجهه مشرقاً، لو كان قبل ذلك حسن الشكل والهيئة. لأن هذا الخوف الذي نزل به من تبشير ملائكة العذاب له بالعذاب والعقوبة لا يسعه بعد ذلك أن يفرح أو يستبشر.
وأما ما يروى أن إبراهيم الخليل عليه السلام جاءه ملك الموت عند مفارقته الدنيا، هذا الكلام غير صحيح، هو الشيخ يقول: وأما ما يروى لتفنيد ذلك، لبيان أنه كذب وهو مشهور بين بعض الناس. يقولون: جاءه ملك الموت فحصل له يقولون جزع، هو لا يحصل للأنبياء جزع، خوف يعني قلق. يقولون: جاءه ملك الموت عند مفارقته الدنيا وقال: هل يقبض الخليل خليله؟ قال على زعمهم إبراهيم: لملك الذي يقبض الروح، يعني عزرائيل: هل يقبض الخليل وخليله؟ أهو؟ يعني كأنه عم بيقول له: شو قصتك؟ ما نحن أصحاب، خليل مع خليل كيف تقبض روحي؟ تركيب تأليف، لكن يقع عند الجهال موقعاً، هذا الكلام، فذهب ملك الموت يقولون يزعمون فقال: يا ربي إن عبدك إبراهيم لا يحب الموت، فقال: ارجع إليه فقل له: الخليل يشتاق إلى خليله. شوف ملا تركيبة الجهال! الله أكبر، بيقولوا لما يسمعون هذا يتأثرون، يقولون: الله أكبر. قال: الخليل يشتاق إلى خليله. وكلمة خليل الله ليس معناه أن بينهما صحبة كما إذا قلت: فلان خليلي، يعني صاحبي. ويعز عليّ. خليل الله يعني الذي بلغ الغاية في الانقطاع في العبادة إلى الله. من هو خليل الله؟ إبراهيم ومحمد. مقام الخلة كله ما ناله إلا إبراهيم ومحمد، لأنهما بلغ الغاية بين العباد في الانقطاع في العبادة إلى الله. أكثر الناس لا يعرفون المعنى، فَركبوا هذه القصة على ظاهر اللفظ: الخليل يشتاق إلى خليله، فيكبّرون يقولون: الله أكبر، لأنهم لا يعرفون الحقيقة وهي أن كل صالح يبشر عند الموت، لو كان قبل هذه البشارة هو شأنه أنه يخاف الموت، عند البشارة يحب الموت، يزول عن قلبه بقدرة الله الخوف من الموت فيحب الموت. فهذه القصة غير صحيحة. وكذلك ما يروى عن موسى، هلا ما يروى عن موسى الآن هذه القصة صحيحة، لكن انتبهوا لها معنى ولها تأويل. يعني انتبهوا لما سَيَسِرّه الشيخ عن معنى هذه القصة، أنه لما جاءه ملك الموت حصل هذا، لكن له تفسير. فَقأ عين ملك الموت، فرقا من الموت أي خوفاً من الموت. فليس الأمر كذلك، مش مثل ما هم عم بيقولوا أنه خوفاً من الموت، لا، هو حصل فَقأ عينه لأنه ما كان يعرف أنه ملك الموت، ظنه صائلاً هاجماً عليه يريد الاعتداء عليه، فأراد أن يدفعه عن نفسه فَقأ عينه. أما ما هم يقولون قال فرقا يعني فزعاً خوفاً، لا ما صحيح هذا الكلام، فليس الأمر كذلك يعني كما هم يقولون أنه ضربه فزعاً من الموت خوفاً من الموت، لا. إنما الصحيح أن ملك الموت فاجأه مفاجأة ولم يكن موسى تلك الساعة متصوراً أنه هو ملك الموت، فظنه إنساناً صائلاً، هاجماً عليه يريد الاعتداء عليه فأراد أن يدفعه عن نفسه. فَقأ عينه. أما ما هم يقولون قال فرقا يعني فزعاً خوفاً، لا ما صحيح هذا الكلام. فليس الأمر كذلك يعني كما هم يقولون أنه ضربه فزعاً من الموت خوفاً من الموت، لا. إنما الصحيح أن ملك الموت فاجأه مفاجأة ولم يكن موسى تلك الساعة متصوراً أنه هو ملك الموت فظنه إنساناً صائلاً، جاء معتدياً فبطش به، صائلاً يعني هاجماً عليه ليعتدي عليه، يقال له في اللغة صائل يعني مهاجم يريد الاعتداء، ليس عن كراهية الموت. يعني هذا الذي حصل منه لما فَقأ موسى إحدى عيني عزرائيل أكيد ما بقي به ذلك، إنما بهذه اللحظة فقط حصل، ليس عن كراهية الموت إنما موسى ظنه إنساناً جاء ليعتدي عليه. ثم لما علم أنه عزرائيل استسلم ورضي بالموت فَقبض روحه بأمر من الله تبارك وتعالى في اللحظة التي شاء الله تعالى أن يقبض فيها عزرائيل روح سيدنا موسى عليه السلام. هذا الكلام مفيد جداً الذي قلناه لا شك في ذلك، لكن مفيد أيضاً الذي عنده فهم صحيح. يقول: لولا شرح العلماء لهذا الكلام ولولا التلقي عرفنا كل هذا؟ كيف عرفنا أن تلك القصة الأولى: يشتاق الخليل إلى خليله مكذوبة، ليست صحيحة؟ كيف عرفنا؟ بعلم الدين، بالتلقي من أهل المعرفة، وإلا هي موجودة في بعض الكتب. طيب وهذه الحادثة الثانية اللي هي أصلها صحيح، أنه لما جاء ملك الموت إلى موسى ما عرفه موسى، سَجاءه مفاجأة ظنه معتدياً صائلاً هاجماً، فأراد أن يدفعه فَقأ عينه. قلنا فَورا ذهب عنه ذلك. آية، لولا أننا عرفنا من أهل العلم أنه ليس فرقا من الموت فزعاً من الموت، إنما ظنه صائلاً يريد الاعتداء عليه لذلك فعل ذلك. فلما عرف أنه ملك مرسل من عند الله استسلم، لأن الصالح يبشر كما قلنا كما ورد في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم والذي ذكرناه قبل هذا. كيف عرفنا أن القصة المروية التي هي مشهورة أن أحد الصالحين قيل له: متى الراحة؟ فقال: يعني للمؤمن متى بلا راحة؟ فقال: عند أول قدم يضعها في الجنة. الراحة متى تحصل؟ عند بشارة الملك لهذا العبد، عبد صالح خلص يحب الموت ويذهب عنه كراهية الموت، ولا يجد بعد ذلك نكداً ولا عذاباً، وروحه يسلمها برفق. عزرائيل يسلم يعني يسحب، يخرج روح المؤمن التقي برفق، وينزع روح الكافر بشدة، يتألم ألماً شديداً حين ينزع روحه. وبعد ذلك ماذا يلقى هذا المؤمن الصالح؟ بشارات، بشائر من الملائكة وزف، يزفونه، يزفون الروح من الأرض إلى السماء. وروحه يصعد بها إلى أين؟ إلى عليين، مكان في الأرض السابعة. سجل أرواح أهل السعادة، سجل في السماء السابعة، سجل أرواح المتقين حتى يسجل روحه هناك. وقديش بتبعد الأرض من السماء؟ مسيرة ٥٠٠ عام، وكل سماء من كل سماء ٥٠٠ عام. في كل هذه الرحلة الملائكة يزفونه، كل خازن سماء يسأل الملائكة، ملائكة الرحمة الذين يحملون الروح بقطعة حرير يأتون بها من الجنة. كل هذا هو يراه ويسمع، يشم الروائح الطيبة ويسمع خطاب الملائكة خزان السماوات لهؤلاء الملائكة من يقولون: روح فلان ابن فلان، لأنه لا تفتح أبواب السماء لأرواح الكفار إلا لهؤلاء الصالحين. فيقولون: مرحباً بالروح الطيب. هو عم يسمع، إذا واحد الآن بيسمع كلمة مرحباً بالروح الطيب بيفرح. لما نسمع نحن ماذا قال الرسول عن تبشير الملائكة لهذا الروح نشعر بسعادة، كيف لو حصل لنا ذلك حقيقة بأن كنا من الأتقياء وأخذت الملائكة، ملائكة الرحمة الروح وسمعنا بأذنينا أنهم يقولون: مرحباً بالروح، الروح الطيب، لأنه روح عبد صالح. وهكذا في السماء الثانية والثالثة، ثم يسجل اسمه وين؟ في عليين، سجل، سجل أرواح أهل السعادة الأتقياء. فإذا سجل هناك لا يمحى بعد ذلك، لا يمحى بعد ذلك، خلص هو شو عم يحصل له هلا؟ سرور وانس وراحة. وإذا أدخل روح إلى الجسد في القبر ووضع التراب، كيف يصير؟ يصير هذا المكان الذي في الأصل ضيق ومظلم وبيت الدود والوحشة والظلمة يصير واسعاً منوراً، يملا خضرة، ويفتح له طاقة من وين؟ قلنا من الجنة إلى قبره، فيشم رائحة الجنة، أي سرور يدخل على قلب هذا المؤمن العبد.
الصالح شيخنا رحمه الله حدثنا عن واحد من الصالحين كان في بلدهم، وقال: هذه القصة مشهورة عندنا، متواترة بين الناس. دفن هذا الرجل الصالح في قبر، ثم مات آخر، فأرادوا أن يدفنوه في قبر مجاور لقبر العبد الصالح الولي. فحفروا هذا القبر، فانهدم جدار قبر الولي الصالح، فإذا به قاعد يقرا القرآن بعد موته بمده. هذا حصل، فنظر إليهم، هم يعني لما رأوا هذا تعجبوا، استغربوا، لكن معروف أنه ولي صالح. فقال لهم: ردوا علي التراب، ردوا علي، يعني أنا مسرور في هذا المكان، أقرأ القرآن استئناساً، الآن أقرأ القرآن، أفرح به. هذا شيء الله تعالى كشفه لبعض الناس في حالة مخصوصة، والا في الغالب لا يرى الناس ذلك، لا يرون نعيم المتنعمين في القبور، ولا يرون عذاب المتعذبين في القبور من الكفار وبعض الفسقة من المسلمين.
قال شيخنا الشيخ عبد الله رحمه الله: لو رأى الناس أحوال من في القبور من العذاب، لما تدافنوا، لكانوا تركوا دفن أهاليهم، لأنهم يخافون عليهم من العذاب في القبر. يعني بيموت أبوه، بحبه كثير، يقول: كيف بدي أدفنه وأنا شفت عذاب في القبر؟ مات ابنه مثلاً، يقول: كيف بدي أدفنه وأنا شفت عذاب في القبر؟ أو ماتت زوجته، أو أمه مثلاً. قال: لما تدفن الناس؟ لحكمة الله، أخفى أحوال أهل القبور عن غالب الناس. فنسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا من عباده المتقين، وأن يرزقنا عند الاحتضار البشرى من ملائكة الرحمة، ومن سيدنا عزرائيل عليه السلام. اللهم فقهنا في الدين، وأكرمنا برؤية وجه محمد عليه الصلاة والسلام. يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين. نهلل: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله. اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. رب اغفر لي وللمؤمنين والمؤمنات. رب اغفر لي وللمؤمنين والمؤمنات. رب اغفر لي وللمؤمنين والمؤمنات. قولوا: لله. اللهم أوصل مثل ثواب ما تقبل من أعمالنا لكل من حضر هذا المجلس، ومن يسمع هذا الدرس، ولمن سبقنا إلى البرزخ من أحبابنا. آمين