Transcription
بالاختيار، أم، وقسم أتى عن طريق وصل بصيغة أسرى الحرب؛ لأن الفتوحات والحروب أيضاً كانت توصل الناس إلى الكوفة على أساس أنهم أسرى الحرب. قسم آخر أتى عن طريق التجارة لكي يتاجر في هذه الحاضرة الجديدة. قسم آخر أتى عن طريق ما قام به الخليفة الثاني عندما أجلى اليهود وأخرجهم من المدينة والحجاز، ونقل بعض هؤلاء إلى الكوفة. نعم.
ولهذا، تركيبة مجتمع الكوفة الذي دخل إليه مسلم بن عقيل صلوات الله وسلامه عليه من المجتمعات التي يصطلح عليها علماء الاجتماع بأنها مجتمعات ذات تركيبة معقدة جداً، أم لم تكن سهلة مثل مجتمع المدينة الآن. المدينة فيه الأنصار بقسميهم، وفيه المهاجرون وبعض اليهود. أما إذا أتينا إلى مجتمع الكوفة، نجد أنه مجتمع معقد جداً من حيث التركيبة الدينية، من حيث التركيبة القبلية، من حيث التركيبة المذهبية، ومن حيث الاختلاف القومي الذي يكون فيه.
فمن حيث التركيبات الدينية، نجد أن هنالك أدياناً متعددة في الكوفة. منهم أولاً: اليهود الذين أجلاهم عمر بن الخطاب من المدينة والحجاز إلى الكوفة بتغيير ديموغرافي معين من أجل أن يغير جزءاً من المعادلات التي كان يؤمن بها اليهود. نعم، تجد أيضاً النصارى بشقيهم: النساطرة والعاقبة. نعم، أيضاً موجودون في الكوفة، وهم نصارى أتوا من منطقتين: من مناطق تغلب الغلباء، ونصارى نجران. والغريب أن وفود النصارى الذين انقسموا إلى قسمين: النساطرة والعاقبة، فعلوا فعلهم في النسيج الكوفي، أم باعتبار أنهم وصلوا إلى مراتب عليا. يعني الوليد بن عقبة الذي عبر عنه القرآن، الوليد بن عقبة الذي عبر عنه القرآن بالفاسق، لما وصل إلى ولاية الكوفة، جعل مدير سجن الكوفة نصرانياً، أم وجعل مسؤول مسجد الكوفة المعظم من النصارى، ما شاء الله، ونديمه نصراني. أحسنت، ونديمه نصراني. بالتالي، ساعدهم إلى مناصب حساسة. أبو موسى الأشعري عندما وصل أيضاً، جعل كاتب بيت المال وكاتب الجند أيضاً من النصارى. لهم دور أيضاً. من التركيبة الدينية لدينا الصابئة، نعم، الذين أتوا من بابل. ولدينا المجوس الذين يقدر عددهم بالآلاف الذين وصلوا إليه. هذه التركيبة الدينية.
عندما نرجع إلى التركيبة المذهبية، نجد أنه أغلب المذاهب في الكوفة. منها: الخوارج الذين قويت شوكتهم بعد أن قتلوا أمير المؤمنين، فأعطاهم معاوية الدعم الذي لا يحلمون به أبداً. أم أيضاً موجودون النواصب الذين نصبوا الحرب لأمير المؤمنين صلوات الله عليه. أيضاً موجودون الأمويون الذين عاثوا في الكوفة فساداً، باعتبار أن الحكومة لهم، وأن كل متبنات ات الفكرية لديهم. أيضاً موجودون في الكوفة آنذاك الشيعة من أنصار أمير المؤمنين سلام الله عليه، إضافة إلى بقية المذاهب الأخرى أمثال القدرية، أمثال المفوضة، أمثال المجبرة، وغير هؤلاء. نعم.
إذا رجعنا أيضاً بعد التركيبة الدينية والتركيبة المذهبية إلى الاختلاف القومي، الكوفة يا سيدي الكريم فيها قوميات كثيرة. منها أولاً: العرب، الأتراك، الأكراد كان لديهم حضور في الكوفة. نعم، الفرس. نعم، لعل المشاهد الكريم يسمع أول مرة بأن المؤرخ في الهاوزن والمستشرق يثبت بالأدلة أن نصف عدد سكان أهل الكوفة هم من الفرس. أم وأي نوع من الفرس؟ يقول: إنهم من الفرس الديالمهم. طبعاً الفرس الديالمة إذا ما رجعنا إلى تاريخهم، أتوا من منطقة جيلان في شمال الهضبة الإيرانية. وعندما حدثت معركة القادسية، لم يشتركوا لا مع المسلمين ولا مع الفرس، اعتزلوا القتال. بعدين انتقلوا إلى الكوفة، وبعض هؤلاء أتى بهم سعد بن أبي وقاص عندما فتح مدينة عين التمر، وأتى بهم أيضاً أوصلهم إلى الكوفة، وبالتالي استوطنوا. الظاهر في فعل الديالمة أنهم لم يكونوا على خط أمير المؤمنين أبداً. نعم، بل كانوا نواصب لعلي بن أبي طالب صلوات الله عليه.
ولهذا يقول العلامة البلاذري في كتاب "الأشراف"، نعم، "أنساب الأشراف" الجزء الثالث صفحة 253، يقول: "وجهز منهم أي من الديالم الفرس، أم عمر بن سعد 4000 مقاتل لحرب الديلم". لحرب الديلم جهزت عبيد الله، جهزها بقيادة عمر بن سعد 4000 مقاتل لحرب الديلم، ثم حولها إلى قتال الحسين صلوات الله وسلامه عليه في كربلاء، وسميت بالكتيبة الحمراء راء أو الكتيبة الأحمرية. إذاً، نصف عدد الكوفة من هؤلاء الفرس الديالم الذين كانوا يبغضون أمير المؤمنين صلوات الله عليه، والذين شكل منهم عمر بن سعد 4000 مقاتل دخلوا إلى كربلاء وقاتلوا الحسين.
ومن هنا يا سيدي الكريم، لا نستغرب، لا نستغرب مثلاً عندما ينزل الإمام الحسين يقاتل، ماذا يقول لهم عمر بن سعد؟ يقول لهم: "هذا ابن الأنزع البطين، هذا ابن قتال العرب". يعني الظاهر أن هؤلاء لا يعرفون شيئاً عن الحسين بن علي صلوات الله وسلامه عليه. حتى من خاطبهم الإمام في يوم كربلاء، نادى بأعلى صوته: "يا شيعة آل أبي سفيان". لم يكونوا شيعة، أغلب هؤلاء لم يكونوا على خط أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه.
أضف إلى ذلك، في الكوفة تنوع قبلي. المشاهد الكريم لعله يعلم أنه أول ما أسست الكوفة، قسمت إلى سبعة أقسام حسب وجود القبائل التي تكون فيها. فهذه القبائل السبعة كانت من ضمنها قبائل موالية أمثال كنانه وحلفائها من الأحابيش كانوا مع السلطة الأموية. كانت قبائل يعني موالية لأمير المؤمنين مثل مذحج وجمير وهمدان مع أمير المؤمنين.
أمام هذه التركيبة المعقدة في التركيبة الدينيه والمذهبيه، ولدينا التركيبة القومية والتركيبة القبلية، استطاع مسلم بن عقيل صلوات الله وسلامه عليه أن يجمع أكبر عدد من الشيعة الموالين، الأنصار المحبين لأمير المؤمنين، وأن يقوم بمهمته العظمى التي تبنيناها نحن. نحن قلنا وأثبتنا بالأدلة أن مسلماً لم يأتِ إلى السيطرة على الكوفة، وإلا لكان سيطر على الكوفة أيام الخليفة المستضعف النعمان بن بشير، وإنما أتى من أجل أن يخرج ويستخرج الجنود والجنرالات والقيادات العسكرية ويرسل بهم إلى كربلاء. فأقول: انظروا إلى عظمة مسلم بن عقيل أمام هذه التركيبة المعق قد قومياً ودينياً ومذهبياً وقبلياً. استطاع أن يخرج آلاف الجند، ويستطيع أن يزج بعضهم في معركة كربلاء، ويؤخر البعض إلى مثلاً معركة عين الوردة، ويستطيع أن يحقق الانتصارات العسكرية واحدة تلو الأخرى.
شكراً جزيلاً. يعني هذا الطرح مفيد جداً حتى ننتقل للأستاذ محمد العوادي. يعني وصول مسلم بن عقيل إلى الكوفة إذاً لابد أنه يشكل أزمة كبيرة بالنسبة إلى التحرك في كثير مما اتخذه من المواقف التي اتخذها. أم.