Transcription
سنه 1996، اثنين باحثين عسكريين اسمهم هارلان اولمان وجيمس ويد طوروا مفهوم عسكري اسمه الهيمنه السريعه. المفهوم ده، واللي نشره الاثنين في دراسه وقتها في جامعه الدفاع الوطني المموله من البنتاجون، كان بيشرح كيفيه استخدام اكبر قدر من القوه الناريه والاستهداف الواسع والسريع لتحقيق هيمنه وسيطره عملياتيه على الخصم في اقصر وقت ممكن.
يعني من الآخر كده، هو مفهوم استراتيجي بيشرح ازاي الجيش الأمريكي يدخل معركه فيحسمها في ساعات معدوده باستخدام قوه استخباراتيه وعسكريه مذهله وكاسحه، بحيث الخصم ما يكونش عنده فرصة يتنفس. الخصم في ثانية يكون بيستعد للمعركة، وفي الثانية اللي بعدها يصاب بالرعب والعجز النفسي قبل العسكري من قوة وكثافة الضربات، لدرجة أنه يبقى عاوز يدور على أي مخرج أو يستسلم على طول.
في القاموس العسكري، الاستراتيجية دي اسمها الهيمنة السريعة أو "رابد دومينس" زي ما قلت لكم، لكن العالم كله عرفها باسم تاني خالص وأشهر، وهي "شوك اند أوه" أو عقيدة الصدمة والترويع. تفتكروا مين أول دولة اختبرت تطبيق العقيدة الأمريكية دي؟ العراق سنه 2003 في بداية الغزو الأمريكي ليه.
الجيش الأمريكي وقتها دخل وقصف في أول ساعات معدودة من بداية الغزو ما لا يقل عن 500 هدف. وفي أول أسابيع الغزو، كان العدد ده وصل لـ 5000 هدف على الأقل، تدمير شامل وكامل لكل شيء كان مصنف في قواعد البيانات الأمريكية الاستخباراتية على أنه هدف تابع لنظام صدام حسين.
تلف الأيام والسنين، ونلاقي العقيدة دي بتطبق بالحرف الواحد وبأشرس مستوى ممكن في إيران. بس في فرق جوهري ومخيف هنا. الفرق ده إن اللي اتعرضت له إيران لحد اللحظة هو أضعاف أضعاف القصف اللي حصل على العراق في أول يوم من بدء الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران. أمريكا لوحدها قصفت ما لا يقل عن 1000 هدف عسكري ومدني. دي أمريكا لوحدها بدون الكيان المحتل. الـ 1000 هدف دول يساووا ضعف اللي اتضرب في أول يوم بطول العراق وعرضها.
لكن هفاجئكم وأقول لكم إن الرقم ده مش مخيف زي الرقم اللي هقوله دلوقتي. لحظة تصوير الحلقة دي، بعد مرور 15 يوم من بداية الهجمات الأمريكية الإسرائيلية، الاثنين قصفوا لحد اللحظة حوالي 15,000 هدف، فبطول إيران وعرضها بمختلف أنواع الأسلحة، من أول صواريخ وقنابل المقاتلات والطائرات المسيرة الانتحارية المحملة بالمتفجرات، مروراً بصواريخ التوماوك، وصولاً للقنابل الثقيلة الخارقة للتحصينات اللي بتلقى من القاذفات الضخمة والشبحية. بنتكلم عن 1000 هدف في اليوم يا إخوانا، في حملة بتكلف أمريكا مليار دولار تكاليف عسكرية مباشرة بدون أي شيء ثاني في اليوم الواحد.
بنك الأهداف ده معظمه هو بنك أهداف لحظي، يعني بيتم اختياره في نفس يوم القصف أو اليوم اللي قبله بالكتير. السؤال هنا: إزاي الأمريكان جمعوا 15,000 هدف أو معظمهم في أسبوعين بسرعة رهيبة في دولة شاسعة المساحة زي إيران؟ يعني ده بنك أهداف أمريكا كانت بتاخد شهور وأحيانا سنة كاملة تخطيط وآلاف من الخبراء والعسكريين والمحللين عشان تكونوا فازاي عملوها دي؟
الإجابة المخيفة اللي جايين نعرفها مع بعض النهارده بتقع في قلب مشروع سري أمريكي شغال من 10 سنين. المشروع ده متورطة فيه عدد من كبرى شركات أمريكا مع البنتاجون، وبيفتح باب مستقبل مظلم جدا جدا للبشرية. للأسف، النهارده هكلمكم عن مشروع "ميفن"، واحد من أخطر مشاريع الجيش الأمريكي السرية في القرن الحالي، وهنعرف مع بعض إزاي البنتاجون والشركات الأمريكية حولوا ChatGPT وكلود وغيرهم من النماذج اللغوية اللي ممكن تكون على موبايلك حالا وأنت بتتفرج عليا، لأدوات فتاكة بتقضي على الأخضر واليابس، وهنشوف العالم بتاعنا ده رايح على فين بالظبط. يلا بينا.
أنا أشرف إبراهيم، ده المخبر الاقتصادي. لو عايز تتابع اللي بيحصل في الأسواق المالية أول بأول وتحافظ على فلوسك، فإحنا أنشأنا مجتمع المخبر برو. مخبر برو هو مساحة احترافية بتجمع المستثمرين والمهتمين بالأسواق في مكان واحد بهدف الفهم قبل القرار والتحليل قبل المخاطرة. مخبر برو بيقدم محتوى تحليلي منضبط وبيشرح اللي بيحصل في الأسواق وليه بيحصل، من غير وعود سريعة ولا توصيات مباشرة. هدف المخبر برو هو بناء عقلية استثمارية واعية وتطوير أدوات القراءة والتحليل مع نقاشات حقيقية وتجارب عملية تساعدك تاخد قراراتك وأنت فاهم الصورة كاملة، مش مجرد متابع للأخبار وخلاص. هتلاقي رابط لمخبر برو تحت الفيديو في التعليقات.
في اليوم الأول من هجوم أمريكا والكيان المحتل على إيران، تم قصف موقع في مدينة ميناب. الموقع ده كانت بعتته وكالة استخبارات الدفاع، ودي الوكالة الأمريكية المسؤولة عن تحديد الأهداف الإيرانية للقيادة المركزية الأمريكية ضمن حزمة تضمنت مئات الأهداف الثانية. صحيفة نيويورك تايمز كشفت إن الموقع ده كان فيه مباني عسكرية تابعة للحرس الثوري الإيراني، وتحديداً للبحرية بتاعته، علشان كده الوكالة الاستخباراتية الأمريكية بعتته.
لكن المفاجأة إن المباني دي كانت موجودة بشكلها اللي اتبعتت بيه في 2013، يعني حزمة المعلومات عن الموقع ده كانت قديمة. طب وحالياً؟ حالياً الموقع ده كان فيه مدرسة ابتدائية للأطفال اسمها "الشجرة الطيبة"، بينما تم إزالة جزء كبير من المباني العسكرية لصالح مبنى المدرسة وملحقاته الرياضية والتعليمية، بحسب الصحيفة الشهيرة. القوات الأمريكية قصفت المدرسة دي ثلاث مرات متتالية. الكلام ده تسبب في مقتل ما لا يقل عن 170 طفلة وطفل إيراني، وإصابة ما لا يقل عن 90 آخرين، يعني تقريباً كل التلاميذ اللي كانوا بيدرسوا في المدرسة دي قبل ما يتم تسويتها بالأرض.
لحد اللحظة، الأمريكان بيعملوا تحقيق موسع حوالين اللي حصل، والنتائج الأولية للتحقيق ده أفضت إلى إن أمريكا هي المسؤولة عن جريمة الحرب دي. وده رغم إن ترامب شخصياً في الأول نفى مسؤولية أمريكا وقال إن إيران هي اللي قصفت المدرسة. بالمناسبة، معظم وسائل الإعلام الغربية ما استخدمتش في وصف اللي حصل ده لفظ "جريمة حرب" ولا حتى بشكل محتمل. وأنا حبيت أشير للنقطة دي بسرعة، لأن ده امتداد لتغطية وسائل الإعلام الغربية المتحيزة وغير المهنية أو الإنسانية للي حصل من أول طوفان الأقصى ولحد اللحظة.
المهم، الجريمة دي في رأيي بتحمل بصمات اللي جايين نتكلم عنه النهارده، واللي هو استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل واسع في الجيش الأمريكي. في 9 يناير اللي فات 2026، نشرت وزارة الحرب الأمريكية، البنتاجون، وثيقة معنونة بـ "استراتيجية وزارة الحرب لاستخدام الذكاء الاصطناعي: تسريع هيمنة الذكاء الاصطناعي العسكري الأمريكي". المذكرة دي، اللي وجهت لكبار قادة البنتاجون وقادة غرف العمليات القتالية ومديري وكالات الدفاع وأنشطة وزارة الحرب، ركزت على تسريع تبني رغبة ترامب في هيمنة أمريكا على عالم الذكاء الاصطناعي بالكامل وتعزيز الهيمنة دي في السنين القادمة.
ترامب وإدارته عاوزين الهيمنة دي تمتد من وإلى كل شيء تقريباً، من أول إدارة المؤسسات الحكومية والمرافق العامة والحملات الانتخابية، وصولاً لاستخدام الذكاء الاصطناعي في "سلسلة القتل". سلسلة القتل، اللي ما يعرفش من حضراتكم، هي المصطلح اللي بيطلقه الجيش الأمريكي على أي عملية عسكرية بشكل كامل، من أول لحظة رصد الهدف وتحديده، مروراً بمراجعته والتحقق منها بمستويات مختلفة، وانتهاء بلحظة ضربه بذخيرة دقيقة والتأكد من القضاء عليه، سواء كان هدف بشري أو مكان.
استراتيجية البنتاجون الجديدة للذكاء الاصطناعي دي بقى بتقدم تعهد حكومي غير مسبوق بالقضاء على المثالية الطوباوية، زي ما أنتم شايفين قدامكم كده. طب يعني إيه الكلام ده؟ يعني أمريكا عاوزة ذكاء اصطناعي بلا أي مسؤولية من أي نوع، وبلا أي قيود على سياسات الاستخدام. من الآخر، أي حد يقدر يبرطع براحته في أي مكان ويعمل أي حاجة بدون أي مسؤولية قانونية أو جنائية أو حتى إنسانية. ده كلام المذكرة الرسمية بالحرف.
هنا هيدخل معانا على الخط نجم الحلقة، مشروع "مافن". في سنة 2017، اجتمع فريق صغير في غرفة معزولة وسرية بمبنى البنتاجون عشان يبدأ يحول الذكاء الاصطناعي لكعبة وزارة الحرب الأمريكية. الفريق ده، بقيادة عقيد مارينز اسمه درو كوكر، كان عنده قلق بالغ من احتمالية نشوب حرب مع الصين، واللي هي، باعتراف الأجهزة الأمريكية الرسمية، متقدمة على أمريكا في استخدام الذكاء الاصطناعي العسكري، أو على الأقل مساوية ليها في بعض القطاعات الرئيسية.
وقتها، فريق "ميفن" خد صراع واسع مع بعض أهم قيادات البنتاجون اللي كانوا رافضين استخدام الآلات في اختيار وتحديد الأهداف بشكل سريع وبدون تحقق بشري دقيق ومقنن. ويكسبوا الخناقة دي. وبالفعل، بدأوا يزقوا شركات وادي السيليكون زي أمازون ومايكروسوفت وجوجل، واللي كانوا مترددين في البداية بسبب التبعات الأخلاقية وضغط موظفيهم لعدم الانخراط في المشروع ده. بالمناسبة، اللي سبب انسحاب جوجل بعد كده من المشروع لما انتشر خبر التعاون بينها وبين فريق "ميفن" واعترض آلاف من موظفيها اللي كانوا قلقانين بالفعل من إن مشروع "ميفن" هيؤدي لتطوير برنامج شامل لأسلحة ذاتية التشغيل، يعني أسلحة تختار الهدف وتتبعه وتضربه بدون أي تدخل بشري. وبسبب الضغط ده، جوجل وقتها قررت عدم تجديد عقدها مع البنتاجون.
من ضمن أهم الشركات بقى اللي ساعد التعاون مع فريق "ميفن" في تسريع نموها كانت شركة "بالانتير"، ودي اللي عاوزين نركز عليها، لأنها هي اللي معاها مفتاح نظام "ميفن" كله. الصحفية البريطانية الشهيرة كاترينا مانسن في كتابها "مشروع ميفن" بتحكي إن فريق المشروع بقيادة العقيد درو كان عاوز نظام ذكاء اصطناعي قائم على خوارزميات حاسوبية دقيقة يقدر يحلل كميات مهولة من البيانات ويحولها بسرعة لمعلومات استخباراتية مفيدة وسيناريوهات عسكرية قابلة للتنفيذ، مع توفير غطاء قانوني للعمليات دي.
وقتها، الحكومة الأمريكية نفت إن البرنامج هيستخدم في اختيار الأهداف واستهدافها بمختلف الأسلحة في العمليات العسكرية الفعلية، وإنما هيقتصر دوره على الجانب الاستخباراتي. لكن اللي شاركوا في البرنامج من بدايته بيأكدوا إن مشروع "ميفن" كان موجه من الأول ناحية الهدف ده بشكل أساسي، استخدامه في العمليات العسكرية في الوقت الفعلي وعدم اقتصاره على الجانب الاستخباراتي بس.
وبالفعل، بنت شركة "بالانتير"، واللي هي واحدة من أخطر وأسوأ الشركات في العالم والمتخصصة في إنتاج برامج تحليل البيانات، نظام "ميفن"، واللي شمل برضه بعض التقنيات من أمازون ومايكروسوفت وشركات تانية. اللي نعرفه لحد اللحظة إن "ميفن"، اللي اتكلف حسب أحدث التقديرات مبلغ لا يقل عن 2 مليار دولار، بياخد معلوماته من أكتر من 175 مصدر بيانات، بيجمع من خلالها كل المعلومات الاستخباراتية المفيدة، وبعدها بيختار الأهداف أو بيساعد في اختيارها، وبيساعد في التخطيط لعمليات القصف، وكمان بيقيم أضرار المعارك.
سرعات مذهلة ما كانتش متاحة لحد اللحظة. بجانب ده، فالبرنامج وغيره من أدوات الذكاء الاصطناعي بتساعد البنتاجون وقياداته وضباطه في إدارة إمدادات كل حاجة ممكن تتخيلوها، من الذخيرة للوقود لقطع الغيار لعمليات النقل اللوجستية، وبيديهم تقدير دقيق عن أفضل سلاح لكل هدف متاح. بيولد ميفن بيستخدمه حالياً جميع منصات القيادة العسكرية الأمريكية المنتشرة في العالم، وبدأ حلف الناتو نفسه في 2025 25 في استخدام نسخة منه، وعدد مستخدميه العسكريين تجاوز 200,000 شخص.
لكن استخدامه الأكبر والأضخم على الإطلاق كان في إيران من بداية هجمات أمريكا والكيان المحتل، ولحد اللحظة. وبسببه، نفذوا هجماتهم على إيران بسرعة غير مسبوقة بعد أشهر من التخطيط وحشد قوة عسكرية مهولة ما شافتهاش المنطقة من ربع قرن تقريباً.
بصوا يا إخوانا، في المعتاد هنلاقي إن اثنين من كل 10 أفراد عسكريين هم اللي بيقاتلوا بالفعل أو بيواجهوا أي خصم أو عدو بشكل مباشر، بينما نسبة الأفراد العاملين في مختلف أدوار الاستخبارات والدعم بتوصل لـ 80%. التحضير لأي ضربات عسكرية افتتاحية زمان كان بياخد من الـ 80% دول، واللي عددهم كبير زي ما عرفتم كده، وقت طويل جداً، أحياناً بيوصل لسنة.
في خلال الوقت ده، بيراجع آلاف المحللين عشرات الآلاف من الاتصالات المسجلة والفيديوهات والصور وبيانات الأقمار الصناعية والمعلومات الرادارية علشان يوصلوا لبنك أهداف دقيق وفعال يخلي أي ضربة عسكرية افتتاحية ناجحة. لحد سنين قريبة، العدد المهول ده من المحللين البشريين ما كانش يقدر يحلل أكتر من 4% من البيانات والمعلومات الخام الواردة من مختلف وسائل الرصد والمراقبة والمصادر المعلوماتية. يعني كل المحللين دول بيدوروا على شوية إبر اللي هي الأهداف في كوم قش اللي هي كمية البيانات المهولة.
هنا الذكاء الاصطناعي، واللي مشروع "ميفن" من أكبر الأمثلة عليه، بياخد كوم القش ده وبيفرزه بسرعة رهيبة وبيطلع الإبر. وبالتالي بيحول مهمة البحث عن الإبر أو الأهداف لمهمة فرز الإبر دي وترتيبها حسب الأهمية. هدي لكم مثال بسيط على التحول المذهل ده. إميليا بروباسكو، الباحثة في مركز الأمن والتكنولوجيا الناشئة بجامعة جورج تاون، بتحكي لصحيفة وول ستريت جورنال إن الفيلق الأمريكي الـ 18 المحمول جوا، وده واحد من أشهر فيالق الجيش الأمريكي، كان عنده رقم قياسي في أكثر عدد عمليات استهداف ناجحة حققها في تدريباته المعروفة باسم "سكارت دراجون" أو التنين القرمزي. الرقم ده حققه 2000 شخص من الفيلق في وقت طويل نسبياً في العراق من سنين.
لكن مؤخراً، وبعد ما الفيلق استعان ببرمجيات من شركة "بالانتير" وعلى رأسها مشروع "ميفن"، نجح الفيلق في معادلة الرقم القياسي ده. تفتكروا الفيلق حقق الإنجاز العملياتي ده بكام شخص؟ 1000 مثلاً بدل 2000؟ 500؟ 100؟ الحقيقة إن الفيلق حقق الرقم القياسي مرة ثانية وبشكل أسرع بكتير بـ 20 شخص بس.
أمريكا استخدمت نظام "ميفن" الذكي في كذا مساحة عملياتية وحربية قبل إيران، منها استخدامه لتقديم معلومات عن أهداف روسية لأوكرانيا سنة 2022، واستخدمته برضه في الحملات السريعة اللي شنها الجيش الأمريكي على العراق وسوريا واليمن في 2024. لكن استخدامه في إيران، زي ما قلت لكم، كان الأكبر والأضخم لحد اللحظة. هو بمثابة بروفة متعمدة من الجيش الأمريكي لكفاءة النظام في الحملات العسكرية الواسعة، وده استعداداً لحرب محتملة ضد الجيش الصيني في المستقبل.
البنتاجون مش بيكتفي كمان باستخدام مشروع "ميفن" وغيره من أدوات الذكاء الاصطناعي في فرز الأهداف وتحديدها وتنسيق العمليات العسكرية، وإنما كمان بدأ يستخدمها بشكل متزايد في وضع خطط العمل والسيناريوهات الحربية وإجراء سيناريوهات للحروب. في السنة اللي فاتت 2025، تعاقدت وزارة الحرب مع شركة "ستراتيجي روبوت" عشان تطور لها أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة تقدر تحلل ملايين السيناريوهات المحتملة لأي معركة أو حرب رقمية أو غيرها، حتى مع وجود كمية معلومات قليلة. وبالتالي يقدر مخططو البنتاجون يختاروا السيناريوهات الناجحة اللي هينفذوها.
ده غير إنه أصلاً هنلاقي إنه من أهم أجزاء نظام "ميفن"، ويمكن هو الجزء الأهم على الإطلاق، نموذج "كلود" اللغوي الشهير اللي من إنتاج شركة "أنثروبيك". طبعاً معظمنا عارف شركة "أنثروبيك" ونموذج "كلود"، واللي هي منافسة لشركة "أوبن إيه آي" ونموذجها الشهير ChatGPT. لكن للي ما يعرفش من حضراتكم، فشركة "أنثروبيك" هي واحدة من أشهر الشركات الناشئة وأكثرها نفوذاً في أمريكا حالياً، قيمتها السوقية بحسب أحدث تقدير 380 مليار دولار، ومنتجاتها التجارية وأدواتها في كل مكان تقريباً.
الشركة دي كانت حديثة الأسابيع اللي فاتت في الولايات المتحدة بسبب صراعها العلني والمفتوح مع إدارة ترامب ووزارة الحرب. حرب إحنا إن شاء الله هنبقى نحكي لكم الحكاية دي بالتفصيل في حلقة مفصلة، لأنها مهمة جداً. لكن باختصار كده، الخناقة سببها إن وزارة الحرب الأمريكية وإدارة ترامب عاوزين يستخدموا نموذج الشركة اللغوي الأشهر "كلود" بس بنسخته المتقدمة المخصصة لفرز البيانات الاستخباراتية والعسكرية بلا قيود أو سياسات استخدام من أي نوع، في تمكين الوزارة والأجهزة الأمنية الأمريكية من ممارسة مراقبة محلية واسعة النطاق واستخدام بعض أدوات الشركة في تطوير الأسلحة ذاتية التشغيل بالكامل.
بينما الشركة ومؤسسها الملياردير داريو أمودي، بيمنعوا ده بشدة وشايفين إن ده هيفتح أبواب الجحيم. مقارنة بالوضع الحالي طبعاً، بعد ضغط كبير من وزارة الحرب ومقاومة الضغط ده لفترة، حطت إدارة ترامب الشركة في القائمة السوداء اللي مخصصة بشكل أساسي للشركات الصينية التابعة للجيش الصيني، وصنفتها على إنها خطر على سلسلة التوريد، وعملت تعاقدات مع منافسين زي "أوبن إيه آي" و"إكس إيه آي" التابعة لإيلون ماسك.
هنا إن "كلود" جزء أساسي جداً مع نظام "ميفن" وكان فعال بشكل كبير بحسب تصريحات لعدد من القيادات العسكرية الأمريكية ومصادر رفيعة المستوى في الحملة الشرسة حالياً على إيران. رغم قرار ترامب الرئاسي بامتناع الحكومة عن استخدام منتجات "أنثروبيك"، الكلام ده كله ياخدنا لسؤال أساسي: هي أمريكا عاوزة توصل لإيه بالظبط؟
الحقيقة إن الهدف الأمريكي هو هدف خزعبلي شوية ويخوف شوية أي حد لسه مهتم بحقوق الإنسان وحق البشر في التعايش المشترك والكلام الجميل ده اللي الأمريكان والصهاينة بيدوسوا عليه يومياً بالقوة العسكرية. بالـ إرادة، من الناحية العسكرية، أمريكا عاوزة من خلال نظام "ميفن" إنها توصل لمرحلة يقدر فيها النظام يحدد ويختار 1000 هدف بس، مش في 24 ساعة زي ما بيعمل يومياً في الهجمات على إيران كده، وإنما أمريكا عاوزاه يختار الـ 1000 هدف دول في ساعة واحدة بس.
بجانب ده، فالجيش الأمريكي عاوز ينتج أسراب كاملة من الطائرات بدون طيار الانتحارية تمتلك القدرة باستخدام نسخ متطورة من النظام على تحديد الأهداف واختيارها وضربها بشكل آلي انقطاع الاتصالات اللاسلكية وفقدان التحكم في الطائرات دي. وبالفعل، فريق "ميفن" شغال على ده من أكتر من ثلاث سنين، وتحديداً من أوائل سنة 2022 لما بدأ يجمع كميات صور مهولة للسفن الصينية الحربية والتجارية المنتشرة في المحيط الهادئ. ومن خلال كمية الصور دي بيحاولوا يطوروا خوارزميات يستخدمها الدرونز دي بدون ما يتم التحكم فيها عن بعد بأي شكل.
علشان كده قلت لكم من شوية إن إيران هي بروفة ضخمة للجيش الأمريكي وترسانته من أدوات الذكاء الاصطناعي، تمهيداً لحرب أضخم غالباً هتكون في مواجهة الصين. طب هل ده معناه إن الذكاء الاصطناعي أدق من العنصر البشري في الحروب؟ الحقيقة يا إخوانا إن الموضوع رغم إنه مازال جدلي حتى اللحظة، إلا إن معظم الآراء المدركة لحقيقة الوضع، وبعضها من جوه المشاريع الأمريكية والإسرائيلية السرية نفسها، بتقول إننا دخلنا على كارثة أخلاقية وبشرية لا تنتهي.
من الناحية العسكرية البحتة، فالذكاء الاصطناعي حتى اللحظة لا يضمن الدقة الكاملة في فرز البيانات واختيار الأهداف. طبعاً الشواهد على ده والأمثلة مالهاش عدد، وإحنا بالفعل ضربنا عدد منها في حلقتنا دي وبعض الحلقات السابقة. والـ AI في أحيان كتير بيحط أهداف مدنية تماماً أو لا علاقة لها بأي نشاط عسكري أو أمني.
أما من الناحية الأخلاقية والقانونية، فدي مشكلة أكبر بمراحل. الملياردير داريو أمودي، مؤسس "أنثروبيك" ورئيسها التنفيذي، رغم تورط منتجات شركته بشكل مباشر في قصف إيران، بيقول في بودكاست لنيويورك تايمز من أيام إن صيانة الحقوق الدستورية في الهياكل الأمريكية العسكرية بتعتمد على وجود أشخاص هيكون عندنا أمل إنهم ما ينفذوش الأوامر غير القانونية. لكن لما يكون عندنا أسلحة ذاتية التشغيل من الألف للياء بالذكاء الاصطناعي، فمش هيكون عندنا الحماية دي.
طبعاً هو الكلام هنا فيه وجاهة، وده برغم اختلافي معاه، لأن منطقتنا عانت وبتعاني من الآلة العسكرية الأمريكية على مدار عقود طويلة، ولحد اللحظة، فمصطلح "الأوامر غير القانونية" و"القانون" نفسه دي مصطلحات أمريكية بحتة ناتجة عن قوانين حطها الأمريكان. وبالتالي اللي هم مش هيشوفوه ضرر، إحنا بالفعل بنشوفه دمار في منطقتنا بمختلف الأشكال. لكن الوجهة اللي أقصدها في كلامه إن حجم الدمار ده هيضرب في 10 مرات بسبب العصر اللي دخلناه ده وبنتقدم فيه بخطة ثابتة. وإحنا بالفعل شفنا ده في دمار غزة، واللي اتسوى معظمها بالأرض، وبرضه باستخدام آلة جوية وحشية بيحدد لها الأهداف أنظمة ذكاء اصطناعي باردة وبلا رقابة بشرية، وإحنا كنا عملنا حلقة عن الأنظمة دي وهي اللي ظاهرة قدامكم، مهم تشوفوها.
وبجانب ده، فإحنا شفنا العصر ده في قصف اليمن، وبنشوفه على نطاق أوسع بكتير في قصف إيران الحالي. المشكلة الأكبر إن أخطاء الذكاء الاصطناعي هي أخطاء كارثية، ولما بتحصل الضحايا بيكونوا بالمئات وأحياناً بالآلاف، خاصة مع شبه انعدام الرقابة البشرية الضرورية.
نيكول فان روين، المديرة التنفيذية لمنظمة "أوقفوا الروبوتات القاتلة"، وده ائتلاف مكون من 270 منظمة حقوقية ومناهضة لدخول الآلة والأتمتة الشاملة في العمليات العسكرية، بتقول إن المشكلة مش بتكمن في استخدام الأسلحة المزودة بالذكاء الاصطناعي ذاتية التشغيل أو في استخدام الخوارزميات من عدمها، وإنما بتكمن في إنها بتحول سيطرة الإنسان على المعارك وطريقة خوض الحروب لـ "فكرة ثانوية مالهاش قيمة" أو إجراء شكلي مش أكتر. علشان كده غزة كانت معيار كاشف لكل ده.
في مصدر استخباراتي إسرائيلي كان صرح لصحيفة الجارديان البريطانية في خضم استخدام الكيان المحتل الذكاء الاصطناعي لقصف القطاع بأنه بيوفر قائمة أهداف لا تنتهي، ولما تضرب هدف ففي 36,000 هدف ثانيين مستنيينك. وفي واحد ثاني قال لنفس الصحيفة إنه لما جه يقيم الأهداف قعد 20 ثانية بس في تقييم كل هدف اختاره الـ AI، وقال إنه ما كانش بيقدم أي قيمة مضافة كإنسان، وإنما تحول لحاجة شبه ختم موافقة مش أكتر.
مش عايز أطول على حضراتكم أكتر من كده. أتمنى السلامة لأهلنا في كل مكان. وفي النهاية، عندي سؤال لحضراتكم: تفتكروا دولنا العربية هتعمل إيه في مواجهة التغير الأمريكي العسكري الحالي الشرس؟ هل عندنا وسيلة لحماية شعوبنا من العصر اللي دخلناه بسرعة كبيرة ده؟ في رأيكم، الحرب الحالية دي هتنتهي على إيه؟ هتابع كل إجاباتكم في التعليقات. في النهاية، يا ريت لو عجبتكم الحلقة دي، اعملوا لايك وشير، وأهم حاجة تشتركوا في القناة لو كنتم لسه مش مشتركين، وتحكوا لأصحابكم وحبايبكم عنا، يمكن يستفيدوا. سلام.