📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

احذر الفتن والشبهات وقصة عبدة بن عبد الرحيم

الشيخ طارق داهود44:43

Transcription

الله. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا شبيه له، لا ضد ولا ند ولا مثل له. وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا وحب أفئدتنا محمدا عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وحبيبه وخليله، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى كل رسول أرسله.

أما بعد، فإنه من المهمات في الدين أن يسأل المسلم ربه دوام الثبات على هذا الدين. هذا من أهم المهمات أن يلجأ إلى الله تعالى ويسأله في سائر أحواله أن يثبته الله عز وجل على هذه النعمة المهداة، نعمة كونه مسلما. هذه النعمة أحبابنا أعظم نعمة دنيوية يؤتاها العبد. وبما أنها أعظم نعمة يؤتاها العبد، فعلى المسلم العاقل الذي قدر هذه النعمة قدرها وعرف عظيم شأنها أن يثبت عليها، وأن يسأل الله الذي هداه ووفقه إلى هذه النعمة ديمومية الثبات عليها، لا سيما في هذا الزمان الذي رفعت فيه ألويت الباطل، وعصفت فيه رياح الفتن، وتعاظمت فيه الشبهات والشهوات. ويسعى أناس في الشرق والغرب إلى طمس تعاليم هذا الدين الحنيف، وإلى صد الناس عنه، وإلى إبعادهم عن الالتزام بهذا الدين عقيدة وأحكاما.

لذلك يحضرني أن النبي عليه الصلاة والسلام، وهو المعصوم، وهو المعصوم المحفوظ من الوقوع في الفتن والشبهات، وهو المعصوم المحفوظ من انقلاب حاله إلى غير حال الرضا، بل إن ربنا سبحانه وتعالى قال: "ولسوف يعطيك ربك فترضى"، وعده ربه عز وجل أن يعطيه فيرضيه، وهو من هو في القدر والمنزلة عند الله سبحانه. ومع ذلك كان أكثر دعائه عليه الصلاة والسلام: "يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك". أعيد، فأكرر، نبينا عليه الصلاة والسلام معصوم، محفوظ من انقلاب حاله إلى السخط، فهو أرضى المرضيين عند ربه، وهو أقرب الخلق إلى بارئه ربه الله رب العالمين. ومع ذلك، لأن الدعاء مظهر عظيم من مظاهر التذلل لله وإظهار افتقار العبد لربه، كان يدعو بهذه الدعوة، بل كان يكثر منها، بل كان يكثر منها.

روى الإمام أحمد والترمذي وأبو داود من حديث سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك". فقال أنس: أتخاف علينا يا رسول الله؟ آمنا بك وصدقنا بما جئت به، أتخاف علينا يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: "إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء". إن شاء أقام قلب العبد، وإن شاء أزاغه.

وروى مثله الإمام أحمد رضي الله عنه وأرضاه من رواية النواس بن سمعان الصحابي الجليل، إلا أنه بدأ الحديث بقوله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أزاغها". قال: وكان أكثر دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك". ومثل ذلك روته السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وروته أيضا السيدة أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها، وهي من جملة أمهات المؤمنين.

هذا الحديث أحبابنا ينبهنا على أمر مهم جدا، ينبغي أن نبقيه في خلدنا، أن هذا الإسلام الذي نحن عليه ما وصلنا إليه إلا بنعمة من الله وفضل. لولا أن الله تعالى وفقنا وهدانا ومكنا من اتباع هذا الدين لما كنا عليه، فالفضل له سبحانه وتعالى. ولا ينبغي أن ننسى إحسان كل ذي إحسان علينا، وإحسان ربنا عز وجل فوق إحسان كل خلقه إلينا. فينبغي أن نعرف قدر هذه النعمة، وأن نسأل الله سبحانه وتعالى الثبات عليها، وأن نسأله سبحانه وتعالى أن يديم علينا هذه النعمة، وأن نديم على ألسنتنا شكره والثناء عليه، أن تلهج ألسنتنا بذلك. الحمد لله أن وفقنا للإيمان، الحمد لله أن هدانا للإسلام.

فإذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو من هو في القدر والمنزلة والرتبة، كان يسأل الله تعالى ذلك، لأنه يعلم يقينا أنه ما وفق لهذا المبلغ العظيم وهذه الرتبة العليا، رتبة النبوة، إلا بتوفيق من الله عز وجل وفضل ومنة. لهذا كان يسأل ربه هذا الدعاء، مع أنه كما بينت لكم المعصوم المحفوظ من انقلاب حاله إلى غير حال الرضا. بل إن الراسخين في العلم أحبابنا، والراسخون في العلم هؤلاء الذين رسخت أقدامهم في علوم الشريعة، فاتضحت لهم مقاصدها ومراداتها، وعرفوا محظوراتها وأضرارها، أضرار محظوراتها. هؤلاء أكثر من غيرهم معرفة بكل هذا، ومع هذا كانوا يسألون ربهم سبحانه ألا يزيغ قلوبهم، ألا يميلها عن هذا الحق الذي وصلوا إليه. يقول ربنا عز وجل: "والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا". يسألون الله عز وجل أن يميل قلوبهم وأن لا يزيغها عن الحق، لأن الواحد منا عرضة لذلك.

ذلك يعني لا ينبغي أن يقول واحد منا: أنا ضمنت الجنة. من أين لك؟ من أين لك أن تقول أنا ضمنت الجنة؟ وهل بشر المعصوم بالجنه؟ نعم، نقول العشرة المبشرون بالجنة ومن كان على شاكلتهم ممن بشرهم نبينا صلى الله عليه وسلم بوحي من الله أنهم من أهل الجنة، هؤلاء مبشرون. أما أن يقول واحد منا من عوام الناس في زماننا: أنا ضمنت الجنة، أو أن فلانا يقينا في النار مع أنه لا يزال حيا، ليس لنا إلى هذا سبيل. ينبغي أن يكون حال الواحد منا خائفا من عذاب الله، وخائفا من سوء الخاتمة، ويرجو رحمة ربه عز وجل. هذا حال الإنصاف الذي ينبغي علينا أن نكون عليه أحبابنا في الله.

يعني الذي يسمع القصص التي يذكرها أهل العلم في سابق الأزمان، يقف عند هذه الحقيقة. جبله بن الأيهم، هذا كان ملكا من ملوك النصارى، وكان ملكا في بلاد الشام ها هنا، هذه البلاد كانت تحت حكمهم. ثم إنه بسبب الفتوحات ودخول الإسلام إلى هذه البلاد زمان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، أسلم جبله بن الأيهم. أسلم، إلا أنه كان يوما يطوف حول الكعبة، فداس رجل رداءه، وطئ رداءه بغير قصد منه، وطئ رداء جبله بن الأيهم بغير قصد منه. فما كان من جبله بن الأيهم إلا أن لطمه لطمة على وجهه فهشم له أنفه. فشكاه إلى سيدنا عمر. هذا الرجل الفزاري من بني فزاره، شكى جبله إلى سيدنا عمر بن الخطاب. سيدنا عمر استدعاه، استدعى جبله وقال له: أما أن تستحله، وأما القود، يعني يلطمك كما لطمته، يلطمك كما لطمته، وأما أن تستحله. فقال جبله: منذ أيام كنت ملكا، وكنت أحسب أني في الإسلام أعز وأكرم، لا أقبل أن يلطمني سوقي، سوقي، لأني لطمته أنا الملك. يعني وإن أسلم، لازال ذلك الشموخ في قلبه يعالجه. نسأل الله السلامة. والإسلام ينبغي أن يهذب في نفوسنا الانكسار للحق والتواضع والتزام شرع الله. فقال لسيدنا عمر: أمهلني حتى أفكر. حين جاء الليل وخلت السبل والطرق، ركب فرسه ولحق بقيصر ملك الكفار في ذلك الوقت، وارتد والعياذ بالله. فأكرمه قيصر وقربه. يقال إنه نديم، لكنه لم يرجع إلى الإسلام. تنصرت الأشراف من أجل لطمة، وما كان عليها لو صبرت لها من ضرر. هذا يروى عنه أنه قاله: تكنفني منها لجاج ونخوة، وبعت بها العين الصحيحة بالعور. يقال إنه نديم، لكنه لم يوفق أن يرجع إلى الإسلام من جديد. نسأل الله السلامة. فتنة تعرض لها، فكانت سبب ارتداده.

لذلك أحبابنا، لا ينبغي أن يعتد الإنسان منا بنفسه. لو عبد عبادات الأولين والآخرين، لو ذكر الله كثيرا، لو حفظ القرآن وجمع في صدره من العلوم أضرابه وأشكاله وأنواعه معه وألوانه، معه والوانه، لا ينبغي أن يعتد بنفسه وتشمخ أنفه وتشمخ نفسه ليرى في نفسه مزية على إخوانه. بل ينبغي إذا تعلمت العلم لوجه الله، أو عملت العمل لوجه الله، أن يهذبك هذا العلم والعمل، وأن يكسرك، وأن يلينك، وأن يزيدك تواضعا. وإلا فإنه ليس بذلك العلم النافع. علم، لكنه ليس بذلك العلم النافع. لأن العلم النافع والعمل المتقبل عند الله ينبغي أن يزيد الواحد منا تواضعا وانكسارا والتزاما، لا شموخا وكبرا واعتدادا وترفعا.

لذلك أحبابنا، سؤال الله تعالى الثبات على هذا الدين أمر مهم عظيم جلل. ينبغي أن يعرف الواحد منا قدر هذه النعمة التي هو عليها، وأن يسعى بالمحافظة على المحافظة عليها، وأن يعض عليها بالنواجذ. الفتن كثيرة، والشبهات كثيرة. يروي ابن كثير في تاريخه "البداية والنهاية"، وأنتم تعرفون أن هذا الكتاب يعني يذكر فيه حوادث سنين، يعني في سنة كذا تحصل حوادث، فيذكر ما يناسب أن يذكره من التواريخ في كتابه "البداية والنهاية". يذكر في حوادث سنة 78 و2 للهجرة يقول: مات في هذه السنة عبده بن عبد الرحيم، قبحه الله. وكان صواما قواما، حافظا لكتاب الله، مجاهدا في سبيل الله. لو حظينا بمثل هذا الإنسان في زماننا، كنا تبركنا به وقبلنا يمينه ويسراه. ومع ذلك يقول: قبحه الله. كيف قال: قبحه الله؟ لأنه عرف من حاله شيئا. قال: خرج مع جيش المسلمين لقتال أعدائهم، في وقت الاستراحة، أطلت بنت شابة حدثة السن، جميلة، وضيئة، من نافذة من نوافذ حصنهم، حصن الكفار. فكانها رمته بسهم من جمالها، أخذته من كنانتها، فأصاب ثغره وقلبه. فتن بها، فتن بهذه البنت، أعجبته. فجعل يراسلها، يراودها عن نفسه. تأبى، ترفض. حتى ألح كثيرا عليها من شدة تعلق قلبه بها. فما كان منها إلا أن أرسلت له: لا أمكّنك من نفسي حتى تترك دين الإسلام. انظروا إلى هذه الفتنة العظيمة التي تعرض لها. فما كان منه، قبحه الله، إلا أن ترك دين الإسلام لأجلها. كان حافظا لكتاب الله، قواما، صواما. معنى قواما يعني كل ليلة يقوم الليل. صواما، هذه صيغة مبالغة دالة على كثرة صيامه النافلة. مجاهدا في سبيل الله، هكذا وصفه. فكفر وارتد والعياذ بالله. لقيه بعض أصدقائه من المسلمين، لقيه يوما وكان انقلب إلى غير الإسلام. نسأل الله السلامة. قال له: أتذكر يوم كذا؟ أتذكر كذا؟ أتذكر عبادتك؟ أتذكر صلاتك؟ أتذكر حفظك للقرآن؟ يذكره، لعله يرعوه، لعله يرجع. فقال: لا أحفظ من القرآن إلا واحدة. نسي القرآن كله. قال: لا أحفظ منه إلا واحدة. ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين. ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون. ربما هذه فيها قراءتان، ربما بالتشديد وبالتخفيف. ربما. ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين. هذا الذي يذكره من كتاب الله القرآن، بعد أن كان حافظا لآياته. فتنة، فتن بها، انقلب قلبه من الإيمان إلى الكفور.

لهذا كان يلقن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ذلك. وحديث أنس يدل عليه. أنس بن مالك حين انتبه أن النبي عليه الصلاة والسلام يكثر من دعائه: "اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك"، يكثر منها صلى الله عليه وسلم، سأله أنس، قال له: يا رسول الله، آمنا بك وصدقناك، فهل تخاف علينا؟ هل تخاف علينا يعني أن ينقلب حالنا إلى غير حال الرضا؟ قال: "نعم". قال: "نعم، إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن". انتبهوا أحبابنا، الله عز وجل لا يوصف بالأصابع حقيقة، إنما هذا تعبير، تعبير بليغ عربي فصيح يراد منه أن ربنا سبحانه وتعالى بسهولة، بلا تعب ولا كلفة ولا مشقة، يقلب قلوب عباده من إيمان إلى كفر، من طاعة إلى معصية، أو من كفر إلى إيمان، بسهولة. هذا لفظ يراد به الكناية والمجاز، وليس أن الله له إصبعان جارحتان، تنزه ربي عن ذلك. وأنتم تستعملون مثل هذا في زماننا، وربما الآن إن ذكرتكم تتذكرون، يعني ياتي واحد ممن أنت ربيته مثلا وأحسنت إليه ثم تمرد عليك، فتقول: قولوا له انتبه، أنت ما بتاكل معي غلوة. وفي ناس بتقول: بلعبك على أصابع العبد، ما هيك؟ ما معنى هذه العبارة؟ معناها أنا بسهولة أستطيع أن أنزل بك عقوبتي بسهولة. وكذلك هذا التعبير، قوله عليه الصلاة والسلام: "إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن"، المراد منه سهولة تقليب قلوب العباد من إيمان إلى كفر، ومن كفر إلى إيمان. أن الله تعالى له جوارح وأعضاء. يدل على هذا المعنى تتمة الحديث، لأن نبينا عليه الصلاة والسلام قال: "إن شاء أقام قلب العبد". إن شاء أقام قلب العبد يعني على الطاعة. إن شاء ربنا عز وجل لعبد التوفيق والتيسير للترقي في الكمالات والعمل بالطاعات، يهيئ له أسباب ذلك. "وإن شاء أزاغه". يعني إن شاء ربنا أزاغ قلب العبد من الطاعة إلى العصيان، ومن الإيمان إلى الكفر. نسأل الله السلامة، كما حصل مع عبده بن عبد الرحيم، قبحه الله، وكما حصل مع جبله بن الأيهم.

بل إن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن كتب الوحي لرسول لثلاثة منهم، كانوا كتبوا سورا من القرآن. واحد منهم كتب سورة البقرة وسورة آل عمران، أطول سور القرآن كتبها حين نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومع ذلك هؤلاء الثلاثة ممن كتب الوحي ارتدوا، كفروا والعياذ بالله. لكن لم يعد من الثلاثة إلى الإسلام إلا واحد منهم. وذكرهم الحافظ العراقي في ألفية السيرة قال: وذكروا ثلاثة قد كتبوا، وارتد كل منهم وانقلبوا. ابن أبي سرح مع ابن خطل، وآخر أبهم لم يسم لي. ولم يعد منهم إلى الدين سوى ابن أبي سرح، وباقيهم غوى. ابن أبي سرح رجع بعد ارتداده. أما الباقيان، ماتا على الردة. واحد منهما يقال له عبد الله بن خطل، والآخر أبهم العراقي ذكره ولم يأت على تسميته، لكن ذكره بعض علماء السيرة قالوا اسمه عبيد الله بن جحش. وهذا كان هاجر إلى الحبشة وارتد هناك والعياذ بالله. عظمته النصارى، فشرب الخمر وكفر بالله. فدفن الأرض بزقته، لم تقبله الأرض، قذفته من باطنها على ظهرها. قالوا: هذا فعل أصحاب محمد. أصحاب محمد أرادوا أن ينتقموا منه لتركه دين الإسلام، فنقضوا قبره وتركوه على ظاهر الأرض. فأعادوا دفنه من جديد، فلفظته الأرض. ليس من فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، حتى تركوه على وجه الأرض وجعلوا عليه الحجارة. الحافظ العراقي قال: وآخر أبهم لم يسم لي. لم يذكر اسمه، لكن ذكر اسمه عدد من علماء السيرة أنه عبيد الله بن جحش.

بعد هذا يا أحبابنا، نحن في زمان صعب جدا، زمان كثرت فيه فتن الشهوات والشبهات، وكثر فيه الطعن في هذا الدين، وكثر الطعن في القرآن، وكثر الطعن في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكثر الطعن في صلاحية هذا الدين لزماننا، من أناس والعياذ بالله يريدون أن ينقضوا عرى الدين. بعضهم والعياذ بالله وصل إلى درجة أن فتن ويريد أن يفتن غيره بشبهات يلقيها على عامة الناس. وقر في قلبه التشبيه، ونبذ تنزيه الله تعالى خلف ظهره ظهريا، وبات يشككهم فيما جاء في كتاب الله تعالى من التنزيه. منهم والعياذ بالله من يفتن بسبب حرف جر. بسبب حرف جر. بعض الناس ممن لم ترسخ العقيدة الإسلامية في قلبه، يقرأ قول الله تعالى: "إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه". يقول لك: "إليه" حرف جر، فماذا يتوهم من فساد اعتقاده؟ أن الله تعالى يسكن السماء لمجرد حرف في حرف الجر "إلى". يقول: "إليه يصعد"، لأنه توهم الجهول أن "إلى" في حق الله تفيد إثبات جهة أو مكان أو تحيز في السماء. هكذا توهم هو، فتن في عقيدته ويريد أن يلقي هذه الآيات شبهات على الناس ليفتنهم. وهذا موجود. هذا موجود. "إليه يصعد الكلم الطيب". أي إلى محل كرامة الله، لا إلى المحل الذي الله تعالى هو فيه، لأن الله تعالى خالق السماء. كان قبل خلق السماوات بلا سماء. من الذي خلق السماوات؟ الله. كان موجودا قبلها، لأنها مخلوقة له سبحانه. فكما يقبل العقل السليم أن الله تعالى كان قبل خلق السماء، بعد خلق السماء لا يجوز على ربنا التغير والحلول فيها، لأن الخالق الله مستغن عن مخلوقه، لا يحتاج إلى شيء مما خلق. وهذه عقيدة لابد أن نبقى مستمسكين بها. أن الله لا يحتاج إلى شيء من خلقه. حين نقول: الله لا يحتاج إلى شيء من خلقه، لا نعني فقط لا يحتاج إلى البشر، بل هو لا يحتاج إلى السماء، لا يحتاج إلى العرش، لا يحتاج إلى الجهات، لا يحتاج إلى الزمان، لا يحتاج إلى المكان، لا يحتاج إلى الملائكة، لا يحتاج إلى شيء. "إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه". معناه أن الكلمة الطيبة، اسمع حبيبنا إلى تأويلها وتفسيرها، أن الكلمة الطيبة: "لا إله إلا الله"، من آمن بها وصدق بها مع أختها "محمد رسول الله". إن عمل عملا صالحا، يقبل الله تعالى منه عمله، ودليل قبول الله تعالى لعمله رفعه. رفع هذا العمل. هذه تفيد أن شرط قبول الأعمال الصالحة الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأن العمل الصالح لا يرفع، لا يكون له شأن، لا يكون مقبولا إلا بعد الإيمان بالكلمة الطيبة. "لا إله إلا الله". "إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه". ماذا توهم المفتون؟ أنه لوجود حرف "إلى"، "إليه"، إذا الله في جهة فوق. أقول لمثل هذا: لو أنك كنت موفقا لاهتديت إلى فساد اعتقادك. انتبهوا أحبابنا، ربنا عز وجل قال إخبارا عن نبيه إبراهيم عليه السلام حين كثرت الفتن في العراق. إبراهيم عليه السلام كان في العراق يدعو إلى دين الله هناك، فصد عنه أقوامه وأوذوه وأيس منهم، فأمره ربه عز وجل أن ينقل مكان الدعوة من العراق إلى فلسطين. فارتحل إلى فلسطين. ماذا قال الله عز وجل عن سيدنا إبراهيم؟ "إني ذاهب إلى ربي سيهدين". مع أنه لوين كان رايح؟ إلى فلسطين. وهل يعتقد مسلم أن الله يسكن فلسطين لمجرد حرف الجر "إلى"؟ شو؟ صايمين بعرف، بس أنه شوية تركيز. شوية يعني. ما هيك يا أبو بلال؟ نعم. بعرف أنه مصلاكم فيه استعداد للنوم العميق، مهيأ لذلك، لكن كل اللي عم نحكيه نص ساعة، وإذا طلعنا عن نص ساعة خمس دقائق، ما بعرف شو بصير. نص ساعة وبدنا ننام. لا يناسب هذا يا أحبابنا. "إني ذاهب إلى ربي سيهدين". ما في حرف الجر "إلى". ومن بعده شو في؟ "ربي". هل لوجود حرف الجر "إلى" يفهم هذا الجهول أن الله تعالى يسكن فلسطين؟ طيب كيف فهم؟ لكان من قوله: "إليه يصعد الكلم الطيب" أن الله في السماء. ما دام حرف الجر "إلى" هون وهون. شو؟ طيب إذا ما معنى قول الله تعالى: "إني ذاهب إلى ربي سيهدين"؟ أي أني ذاهب إلى حيث وجهني ربي أن أذهب إليه. الله أمره أن يذهب إلى فلسطين ليدعو إليه هناك، فنفذ أمر الله. هذا لا يلزم منه لوجود حرف الجر "إلى" أن الله يسكن فلسطين. فكذلك لا يلزم من قوله تعالى: "إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة" في حق سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام. الله يقول: "إني متوفيك ورافعك إلي". شو يعني؟ ورافعك إلي؟ أي إلى محل كرامتي. السماء لا إلى المحل الذي أسكنه، وإلا بصير عيسى والله مع بعض. بصير هيك؟ هذا اعتقاد المسلمين. هذا ليس اعتقاد المسلمين. الله غني عن السماء. ما كلكم يحفظ حديث جبريل المشهور على ألسنة المسلمين؟ ماذا فيه؟ فيه أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: "فمن كانت هجرته...". كم له؟ إلى الله ورسوله. فهجرته إلى الله ورسوله. طيب لوين كان النبي عليه الصلاة والسلام أمر بالهجرة؟ إلى المدينة المنورة. فمن كانت هجرته إلى الله. وهل الله يسكن المدينة المنورة؟ عم تنتبهوا يا أحبابنا؟ مع أنه في حرف الجر "إلى". ما كل ما شاف هالمشبه حرف الجر "إلى" بده يقعد يورد عليكم شبهات من مثل هذه الآيات.

ينبغي على المسلم، مسلم، أن يدرأ عن قلبه كل تشبيه لله تعالى بخلقه. هذه فتن موجودة الآن، يكثر منها من فتن قلبه، يريد أن يشركه الناس في هذه الفتنة. نسأل الله السلامة. لذلك لابد من العلم، لابد من الفهم، لابد أن تتعلم لتحصن دينك كي لا ينقلب قلبك، كما فتن جبله بن الأيهم، وكما فتن إبليس. إبليس كان مسلما مؤمنا. إبليس الذي كل يوم تلعنونه وتتخذون لعنه وردا لكم، كان في وقت من الأوقات مسلما. ما الذي قلب قلبه؟ كبره. الكبر هذا مرض من الأمراض تكون في القلب. ربما يكون هذا المرض سببا لانقلاب قلب المسلم إلى الكفر. إبليس كذلك، حين أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم، سجود تحية واحترام لا سجود عبادة، كان مندمجا مع الملائكة، مع كونه جنيا، لم يكن ملكا. فأبى واستكبر، وكان من الكافرين. فأبى واستكبر: "أسجد لما خلقت طينا؟ أنا خلقتني من نار". قاس إبليس قياسا فاسدا. هو أول من قاس قياسا فاسدا، حيث أنه حسب بوهمه أن المخلوق من نار أشرف وأعظم من المخلوق من طين، فابى أن يسجد لآدم المخلوق من طين، ونظر إلى نفسه بعين التعالي والترفع والتكبر، فابى واعترض على الله وكفر. هذا انقلاب قلب، سببه ما هو؟ تكبر. وهذا من أكثر أسباب انقلاب القلوب. تكبر الجهل من جملة ذلك الاعتداد بالنفس. شو يعني الاعتداد بالنفس؟ أنا على طول على صح، وأنتم كلكم غلط. هذا شو اسمه؟ اعتداد بالنفس. فكر حاله فهيم الزمان، الهمداني هو الذي يفهم وغيره لا يفهم. وهؤلاء نرى منهم أحبابنا، ويكلمونا ونكلمهم، وفي قلوبنا نسأل الله لهم الهداية. موجودون فيما بين الناس. واحد كان يقول: أنا لما أمشي بالشارع بشوف الناس برغش. يعني هذا شو؟ هذا شو؟ ماذا ترجو منه؟ أنه عنده من التكبر والتعالي على الناس إلى درجة أنه يرى البشر الذين يراهم كأنهم برغش، لا يعتبرهم ولا يرى لهم وزنا ولا شأنا. لذلك أحبابنا، الكبر من أعظم أمراض القلوب وأكثرها، وأكثرها شؤما. تجد بعض الناس، وهذه شبهة يلقيها بعض الناس في زماننا، يقول والعياذ بالله حين يسمع قول الله تعالى: "سبح اسم ربك الأعلى". الأعلى؟ ماذا يتوهم؟ أن الله تعالى في جهة فوق. قل له: طيب، ألست تقول: "سبحان ربي العظيم" في الركوع؟ إنه شو يعني العظيم؟ يعني الله حجم كبير، عظيم، جسم ممتد واسع؟ المثال هيك معناه؟ أم أن المقصود من قول المسلمين في ركوعهم: "سبحان ربي العظيم" أي شأنا ورتبة وقدرا ومنزلة، وأنه أعظم من كل عظيم في قدره ورتبته؟ كمان حين تقول: "سبحان ربي الأعلى"، أي أن الله عز وجل أعلى من كل علي قدرا، لا ارتفاعا في الجهة والمكان. يعني حين قال ربنا عز وجل: "ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون". إنه يعني هي دول اللي عم يتناقروا مع بعضهم في مين ركب على كتاف صاحبه؟ "وأنتم الأعلون"، يعني عربش على كتافه، فصار أعلى من ذاك الذي تحت أقدامه. هيك المعنى؟ أم أن قول الله تعالى: "ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون" خطاب للصحابة بعد غزوة أحد؟ أنه إن قتل منكم سبعون من الصحابة، إلا أنكم عند الله درجتكم عالية، مقامكم عال. لا أن بعضهم ركب على أكتاف الكفار. إذا ما كل كلمة "أعلى" أو "علو" معناها علو جهة ومكان في حق الله. سبحان ربي الأعلى، أي الذي هو أعلى من كل شيء قدرا، ومنزلة ورتبة. كما أنك إذا قلت: "الله أكبر" في صلاتك، هل يقع في خلدك أن الله حجم أكبر من كل الأحجام؟ لا، ليس هذا معناه. الله أكبر، أي الله أكبر من كل شيء قدرا وعظمة ومنزلة ورتبة، لأنه العلي الأعلى سبحانه.

نسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعا لرضاه، وأن يصلح أحوالنا، ويقبلنا بقبول حسن. اللهم علمنا ما جهلنا، وانفعنا بما علمتنا، وبارك لنا فيما أعطيتنا، ونسألك يا ربنا رضاك والجنة، ونعوذ بك يا مولانا من سخطك ومن النار، وأحينا ما أحييتنا مسلمين.