📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

خاصية العموم والتجريد في أحكام الدين والقانون

وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية 15:22

Transcription

سنتحدث عن خاصيه العموم التي تضمن الشموليه وعدم التمييز، وخاصيه التجريد التي تعلي من مبدأ المساواه أمام النصوص الشرعية والقانونية. فما مفهوم كل واحدة من هاتين الخاصيتين، وكيف تخدم الفرد والمجتمع، وما دورهما في تحقيق العدالة؟ للإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها، يحضر معنا فضيلة الدكتور الأستاذ عبد الرحيم الأمين، أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق جامعة محمدين الخامس بالرباط، مدير معهد محمدين السادس للقراءات والدراسات القرآنية. مرحبا بك سيدي عبد الرحيم.

شكراً، بارك الله فيك. إذاً، بداية أستاذي الفاضل، ماذا نعني بخاصية العموم في أحكام الدين، أو بكيفية أخرى، كيف يمكننا فهم العمومية في أحكام الدين، وهل هي شاملة لكل الأفراد والمواقف؟

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بخصوص قضية العموم في الدين، فالدين الإسلامي هو دين عام في مفهومه العام. الله عز وجل يقول: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين". ونصوصه عامة، أي أنها تنطبق على جميع الأفراد الذين تتوفر فيهم الشروط طبعاً. ولذلك نجد القرآن الكريم يقول: "يا أيها الناس اتقوا ربكم". فمثل هذه العبارات تشمل الناس جميعاً. فعبارة "الناس" تشمل المسلمين وغير المسلمين، سيما وأن الدين هو خاتم الأديان، وهو جاء للناس كافة. "وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً". لا فرق بين مسلم وغير مسلم، لا فرق بين ذكر وأنثى. وفي آية أخرى وفي نصوص أخرى نجدها تتحدث مع المسلمين ومع المؤمنين. ولذلك نجد الآيات تقول: "يا أيها الذين آمنوا". وهذا نلاحظ أن القرآن الكريم الذي نزل بمكة، نجده يخاطب الناس جميعاً: "يا أيها الناس"، يخاطب لأن أغلب الناس آنذاك والذين يخاطبهم القرآن هم غير مسلمين، هم مشركو مكة. في حين أن القرآن المدني بدأ يخصص ويتحدث مع المؤمنين، سيما حينما يتعلق الأمر بالأحكام التي يخاطب بها المسلمون. وهناك خلاف فقهي هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة أم لا. فحينما يخاطب الله عز وجل المسلمين في الأمور المتعلقة بالتعبد وبالاحترام: "يا أيها الذين آمنوا"، فمثل هذه الصيغ هي صيغ عموم، لأن اسم الموصول هو صيغة، صيغة من صيغ العموم. نجد: "يا أيها الذين آمنوا"، فهذا يدل على أن هذه الأحكام وهذه القواعد هي توجه للناس جميعاً دون تمييز بين هذا وذاك، ولا تراعي أحوالهم الشخصية ولا حالة كل فرد على حدة. فشأن الخطاب الديني وفي الأحكام الشرعية أنها عامة إلا إذا دل دليل على التخصيص. وطبعاً، ما من عام كما يقول الفقهاء، كما يقول الأصوليون، ما من عام إلا ودخله تخصيص. فحكاية الدين التي نجدها، وخاصة منها ما يتعلق بالأحكام، نجدها مجسدة في القواعد الفقهية. والقواعد الفقهية دائماً الفقهاء يتحدثون عن القاعدة والاستثناء. حتى أن الأصوليين يقولون: ومعيار العموم الاستثناء. أي الدليل على عموم القاعدة هو أننا نستطيع أن نستثني منها شيئاً. الله عز وجل يقول: "والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات". فهذا دليل على عموم اللفظ، إذ كما يقولون: التخصيص هو قصر العام على بعض أفراده. والاستثناء إخراج ما لولاه لدخل في الكلام السابق. وبالتالي فإن هذا التخصيص يدل على أن اللفظة السابقة كان عاماً ويشمل الناس جميعاً. ولهذا فالفقهاء يقولون في في القواعد الفقهية: ما من قاعدة إلا ونجد لها تخصيصات ونجد لها استثناءات. من الأمثلة على قضية التخصيص وقضية الاستثناء في القواعد الفقهية، نجد في القواعد المعروفة مثلاً: "اليقين لا يزول بالشك". أي أننا إذا يقينا شيئاً لا يمكن أن نرفعه وأن نعمل بما هو مشكوك فيه. ولكن نجد مثلاً في أحكام الطهارة ومن باب الاحتياط أننا نأخذ بالشك. ولذلك يعتبر المالكية أن الشك ناقض للوضوء، مع أن الإنسان متيقن بوضوئه، ولكن شك في نقضه للوضوء، ومع ذلك نعمل بالاستثناء في هذه القاعدة.

نعم، تحدثت أستاذي الفاضل عن العموم في أحكام الدين. وهل نفس الخاصية أيضاً ممكن نطبقها، يعني خاصية العموم في القوانين الوضعية؟

نعم، أكيد. حينما تحدثنا عن مفهوم القاعدة القانونية، قلنا إنها مجموعة من القواعد القانونية العامة والمجردة الملزمة والمصحوبة بجزاء. فقضية العموم أيضاً هي خاصية من من خصائص القاعدة القانونية، لأن المشرع حينما يصدر قوانين هو يصدرها بصيغة عامة. من فعل كذا فله حكم كذا. يعني من، حينما نتحدث عن مثلاً...

أستاذي الفاضل، يا ريت حتى المشاهد الكريم أو المشاهدة الكريمة تعرف بأنني مني كنت تحدثوا على خاصيات العموم، سواء لا في الجانب الديني ولا في الجانب القانوني، نوضحها بأمثلة باش توضح أكثر.

نعم. إذاً، القانون حينما يتحدث، حينما يصدر التشريع، يأتي بصيغة عامة دائماً. يكون بصيغة "من" أو "من فعل كذا" أو "إذا" يعاقب مثلاً بالعقوبة الفلانية من ارتكب الفعل الفلاني. فهي صيغة من صيغ العموم. وحينما نتحدث عن مثلاً في عقود الزواج، نجد أن كل عقد مثلاً كل عقد اختل فيه شرط من شروطه أو ركن من أركانه، فهو، كل في الزواج مثلاً، فهو عقد غير صحيح. حينما نتحدث عن الزواج الصحيح أو الزواج الفاسد في عقد الز في الأمور المتعلقة بالزواج، نجد أن العقد، أن الزواج الصحيح هو كل عقد توفرت فيه أركانه وشروطه وانتفت فيه الموانع. فهي صيغة عامة. وأن الزواج الفاسد هو كل عقد اختلت فيه الأركان أو الشروط أو وجدت فيه الموانع. فهي صيغة عامة. والعام كما يقول الأصوليون هو لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر. فهو يتناول جميع الأفراد.

نعم. بعد الحديث عن خاصية العموم، نود الآن أن نتحدث عن خاصية التجريد. ماذا نعني بخاصية التجريد في أحكام الدين؟

هي خاصية التجريد، كما يقول العلماء، القانون يقولون إنها أن العموم والتجريد هما وجهان لعملة واحدة. فإذا نظر إلى اللفظ القانوني أو اللفظ الشرعي، نجده عاماً، أي يصدق عليه تعريف العام. فهي قاعدة عامة. وما معنى التجريد؟ أي أننا لا نراعي خصوصية الأشخاص ولا خصوصية الأفراد. أي لأننا ننظر إليه من جانب المنطبق، من جانب الحالة التي ينطبق عليها ذلك القانون. فحينما نقول مثلاً بأن من تأخر مثلاً في العمل، كل عامل وكل موظف تأخر عن العمل لمدة كذا، فيخصم منه مثلاً، يخصم من أجره كذا أو يطبق عليه القاعدة الفلانية. فنحن لا نراعي هذا الموظف من من هو؟ هل هو فلان؟ هل هو زيد أو عمرو أو فلان أو فلانة؟ لا نراعي ذلك. فهذه خاصية عامة، خاصية العموم، وكذلك التجريد بمعنى أننا لا ننظر إلى أحوال من تنطبق عليه هذه القاعدة بالنسبة ل بالنسبة ل الجانب الفقهي والجانب الشرعي. الذي يراعي الخصوصية هو القاضي. هو الذي يطبق القاعدة القانونية. فالقاعدة القانونية عامة ومجردة، ولكن القاضي مطالب بأن يطبقها على الخواص. ولذلك فهو يبحث في أحوال الناس ويميز بين الصادق والكاذب، والفقير والغني، ويعني يراعي تلك الأحوال والخصوص والضعف والمرض وغيرها. فهذه الأمور يراعيها القاضي حينما يريد أن يطبق القاعدة القانونية. فمثلاً، الله عز وجل يقول: "كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم". فالصيام واجب على كل مسلم توفرت فيه الشروط، البالغ العاقل، يجب عليه عليه الصيام. ولكن المفتي حينما يسأل عن حالات خاصة، مثل مثلاً حالة المريض، فينظر إلى مرضه وهل هذا المرض يخول له الفطر أم لا. كذلك قد تسأله امرأة حامل، فيراعي حالها، حالة المرأة الحامل والمرضع. فهذه خصوصيات، لأن كل خاص له كل خاص له خصوصية تليق به ولا تليق بغيره. فحين انطباق القاعدة العامة على الأفراد، لابد من مراعاة الخصوصية. ولذلك عندنا في الشريعة الإسلامية عندنا الاستثناء، وعندنا الرخص، عندنا العزائم والرخص، وعندنا القاعدة والاستثناء، وعندنا الضرورات. إذاً، مجموعة من الأمور التي تراعي هذه الخصوصيات. إذاً، ولكن الذي يطبقها هو المفتي. المفتي حينما يريد بيان الحكم الشرعي لحالة خاصة ولشخص معين، وكذلك القاضي حينما يريد تطبيق قاعدة قانونية على فرض أو على حالة.

نعم، واضح أستاذي الفاضل. تكلمتم على أن هناك استثناءات، يعني تتكلمون على خاصية تجريد والعموم، أن هناك استثناءات. بغينا نعرف أستاذي الفاضل كيف يعالج الدين والقانون الإشكالات الناتجة عن تطبيق العموم والتجريد في الحالات الاستثنائية؟

هو، الأصل في الشريعة الإسلامية أنها عامة. نعم، هذا هو الأصل. ولذلك فما جاء في القرآن وما جاء في السنة النبوية، والذي خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم، هو خطاب للأمة كلها. لكن في بعض الأحيان نجد حالات ورد النص لشخص أو للنبي صلى الله عليه وسلم نفسه بخصوصه، وهذه القاعدة لا تتجاوزه إلى غيره. وهذا ما نقول فيه بشان النبي صلى الله عليه وسلم خصائص وخصوصيات النبي صلى الله عليه وسلم. أعط مثالاً على هذه الخصوصيات مثلاً، التي هي قاعدة ولكنها لا تنطبق إلا على النبي صلى الله عليه وسلم ولا تنطبق على غيره. مثلاً، قول الله عز وجل: "وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي". فيقول الفقهاء بأن هذه من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج عن طريق الهبة، ما يسمى بالهبة. فنحن في، والهبة معناها بدون عوض، أي بدون صداق. فنحن في الفقه الإسلامي معروف أن الصداق ركن من أركان الزواج، وبالتالي فلا يصح الزواج إلا بصداق. ولكن في هذه الآية حملها الفقهاء على أنها خاصية من خصوصيات النبي صلى الله عليه وسلم، فهو وحده الذي يجوز له أن يتزوج بدون صداق دون غيره من أفراد الأمة. وكذلك حتى في مع غير النبي صلى الله عليه وسلم، نحن نعلم القصة المعروفة للصحابي الجليل الذي قبل النبي صلى الله عليه وسلم شهادته وحده لتقوم مقام شهادة عدلين. فآيات والنصوص الشرعية كلها تقول: "واشهدوا ذوي عدل منكم". فكثيرة هي القضايا التي لا تثبت إلا بشهادة عدلين في الأمور المالية وفي الحدود والقصاص وغير ذلك. ولكن هذا الصحابي الجليل اختص دون غيره من الصحابة ومن أفراد الأمة بأن شهادته تعدل شهادة رجلين عدلين.

نعم، شكراً أستاذي الفاضل. أخيراً، بغينا نبين على أن خاصية التجريد والعموم، يعني الغاية منهما هو تحقيق المساواة بين الأفراد والمجتمع. سيدي عبد الرحيم، صحيح؟

هو، الأصل يعني هذا الأصل المتعلق بالمساواة هو أصل أصيل في الشريعة الإسلامية. ولذلك الله، القرآن الكريم والنصوص الشرعية نجدها تتحدث عن هذا الأصل: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم". فالأصل في الناس هو المساواة، لا فرق بين عربي وعجمي، لا فرق بين مسلم وغير مسلم، لا فرق بين ذكر وأنثى. ولكن إذا، هذا هو الأصل. ولكن قد تكون هناك خصوصيات لا يمكن لا يمكن تجاوزها بالنظر لخصوصيات بيولوجية تتعلق بوض، بحالة المرأة وحالة الرجل، تتعلق بحالة الضعف وحالة القوة. ولذلك فهنا هناك الخطاب الموجه للناس هو موجه للذكر والأنثى. "النساء شقائق الرجال"، ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف. ولكن هناك أحكام تخص المرأة تتعلق بالحيض والنفاس، بعض أحكام الحج، بعض أحكام الجهاد. فهناك بعض الأحكام التي تخص المرأة نظراً لخصوصيتها. وإلا فالأصل هو المساواة في الأحكام، سواء كانت هذه الأحكام من باب العبادات أو من باب المعاملات. كذلك في الجوانب القانونية، القانون الأصل فيه هو المساواة. ولكن قد تكون هناك شروط بأن هذا القانون لا ينطبق إلا على فئة خاصة ولا ينطبق على فئات أخرى. فحينما مثلاً، مباراة الولوج إلى مهنة الطب لا تتاح لأي طالب، لجميع الطلبة، وإنما للطلبة الذين تتوفر فيهم شروط معينة، متخصصون يعني في تخصص معين، تخصص معين. كذلك الشأن بالنسبة لطلبة لمن أراد الالتحاق بمهنة القضاء، الملحقين قضائيين، أو مهنة المحاماة، فلابد أن تتوفر فيه شروط معينة. وبالتالي يكون تكون هذه القاعدة، هذه العموم هو إما أن يكون عموماً مطلقاً، وإما أن يكون عموماً نسبياً.

بارك الله فيكم أستاذي الفاضل على هذه الإضاءات القيمة في هذا الموضوع. يعني بينتم أستاذي الفاضل أن خاصيتي العموم والتجريد، أو تعدان ركنين أساسيين في أحكام الدين والقانون، تسعيان لضمان العدالة والمساواة بين الناس. في الحلقة القادمة بحول الله تعالى سنتناول خاصية لا تقل أهمية عن هاتين الخاصيتين، وهي خاصية الإلزام والالتزام في أحكام الدين والقانون. إلى ذلكم الحين، دمتم في رعاية الله، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.