Transcription
عمرك سالت نفسك ليه الأفكار الحلوة كلها بتجيلك وأنت بتستحمى؟ لو كنت فاكر إنك لوحدك بس اللي كده، فاسمح لي أصحح معلوماتك وأقول لك إن كلنا كده. بس تفتكر ليه إيه يعني الربط بين الدش والأفكار الحلوة والإبداعية دي كلها؟
أنا هوفر عليك الحيرة والتفكير الكتير وأقول لك إن الدش هو تقريبًا بقى وقت الفراغ الوحيد اللي عندنا، لأن لسه الحمد لله الموبايلات مش ووتر بروف لدرجة تسمح إننا ناخدها معانا واحنا بنستحمى. ولو كنت من الناس اللي بتشغل جنبك الموبايل في الحمام على بودكاست ولا أغاني ولا أي حاجة بتسمعها، فأنت مضيع على نفسك آخر وقت كان ممكن تسمح لمخك إنه يبدع فيه، لأن المخ ما يقدرش يبدع أو يفكر أو يحلل أو يحل المشاكل إلا في الفراغ.
زمان قبل ظهور السمارت فونز والسوشيال ميديا، كان فيه نظرة معينة كده لوقت الفراغ إنه حاجة سيئة ولازم الإنسان دايما يملى وقت فراغه، خصوصًا المراهقين لازم نملى وقت فراغهم عشان ما يفكروا في حاجات وحشة. لحد لحد ما وصلنا وبقدرة قادر إننا ما بقاش عندنا لحظة فراغ واحدة حرفيًا. عندك 30 ثانية فاضيين هتلاقي إيدك راحت مسكت الموبايل بدون أي تفكير واعي منك، فتحت فيسبوك، تيك توك، انستغرام، أي تطبيق سوشيال ميديا عشان تملى الكام ثانية دول باستهلاك أي نوع من أنواع الريلز أو الشوتس أو البوست اللي المنصة هتقرر إنها تطلعها لك، عشان الـ 30 ثانية يبقوا ثلاث ساعات من غير ما تقدر توقف.
موضوع المحتوى المصمم عشان يبقى إدماني ده قصة تانية مش هي موضوعنا دلوقتي. السؤال المهم هنا: أنت ليه حسيت إنك محتاج تملى الـ 30 ثانية اللي كانوا فاضيين عندك دول؟ يعني بين حاجة خلصتها وحاجة مثلا هتبدأها، أو لو أنت واقف مستني القهوة تجهز أو أي حاجة تانية. ليه بقينا حاسين إننا ما ينفعش نقعد في صمت أو فراغ لدقائق بسيطة والموضوع بقى يعني بيمثل تحدي كبير جدًا بالنسبة لنا؟
الإجابة ببساطة لأن دماغنا أدمنت على التحفيز. فتح شعور الملل أو الفراغ لدقائق أو لثواني حتى بقى صعب جدًا علينا. الدماغ بيفكر: ليه أحس بملل الكام ثانية دول في حين إن في جهاز موجود في جيبي ممكن يديني شوية دوبامين بدل الزهق ده؟ وكل شوية قدرتنا على تحمل ملل الفراغ بتقل. بصراحة أنا مش عايزة أتكلم عن موضوع فرط تحفيز الدوبامين وإزاي ده بيحرق الدماغ، عشان ده موضوع اتهرس والكلام فيه حتى مع الأسف ما ساعدش حد. أنا عايزة أتكلم في نقطة أهم: الفراغ.
أنتم عارفين إن الفراغ ده مصدوم معانا قوي في الأول. لما كان عندنا وقت اتزرع في دماغنا أفكار إن الفراغ ده شر لازم نتخلص منه ونملأه بأي حاجة مفيدة، ودي فكرة غلط جدًا يا جماعة. وبعدين لما بقى عندنا حاجة تملأ الفراغ، إحنا أسأنا استخدامها لدرجة إننا حرقنا دماغنا وفقدنا نفسنا. عرسنا وقت الفراغ تمامًا اللي عمر ما حد قال إن الفراغ ده شيء مهم جدًا للإنسان. الفراغ مهم نفسيًا وبيولوجيًا وعصبيًا. الفراغ احتياج أساسي للإنسان زي الأكل والشرب والنوم.
علم الأعصاب فيه حاجة اسمها الديفولت مود نتورك. دي شبكة في الدماغ بتشتغل بس في وقت الفراغ، الوقت اللي إحنا ما بنعملش فيه أي حاجة حرفيًا، مش مركزين في حاجة، مش بنشتغل، مش بنتكلم مع حد، مش بنتفرج على حاجة، مش بنسمع حاجة. مخنا باختصار مش متحفز. عارفين الشبكة دي مسؤولة عن إيه؟ مسؤولة عن الإبداع، التخطيط، حل المشاكل، التحليل، الأفكار الوجودية، التفكير في المعنى، الخيال، التفكير في المستقبل، اتخاذ القرارات، مراجعة نفسك، فهم أفكارك. فتخيلوا إن كل الوقت اللي إحنا كان المفروض نفعل فيه الشبكة اللي بتعمل الحاجات دي كلها، إحنا بقينا بنملأه باستهلاك المحتوى، مستنيين حد، ماسكين الموبايل، مستنيين دورنا، ماسكين الموبايل، راكبين مواصلات، ماسكين الموبايل. ما فيش ثانية فاضية دماغنا ترتاح فيها.
أنتم عارفين الأسوأ؟ لما قررت أوقف استهلاك المحتوى السريع. قررت إن أنا استهلاكي للسوشيال ميديا هيقل في الوقت وهيغير كمان في النوع. وفعلاً قللت ده وبقيت أستهلك فيديوهات طويلة وبودكاستس، وطبعًا ده محتوى أفضل بكتير من استهلاك المحتوى السريع. لكن اكتشفت إن أنا تقريبًا برضه مليت كل الوقت الفاضي بالنوع ده من المحتوى. سايقة العربية بسمع بودكاست، بطبخ أكل مشغلة بودكاست. صحيح بستفيد منهم، لكن ده معناه إن أنا طول الوقت بسمع ناس تانية. أنا هسمع نفسي امتى؟ دي كانت نقطة تحول مهمة جدًا جدًا في علاقتي بوقت الفراغ.
والأسوأ من كل ده هو استخدام التليفون أول ما تصحى من النوم وقبل النوم مباشرة. دول أسوأ قرارين ممكن يبوظوا حياة الإنسان أو يغيروها تمامًا 180 درجة. بس الكلام عن أضرارهم وفوايد التوقف عنهم محتاجة يعني يوم تاني. قولوا لي في التعليقات لو عايزين نتكلم عن الموضوع ده.
جماعة في ناس بتتعامل مع وقت استخدام التليفون على إنه وقت الراحة بتاعهم في اليوم. يعني بين المهام بتاعتهم أو بعد الشغل أو في أوقات الراحة من المذاكرة يمسكوا التليفون عشان هم كده بيريحوا جسديهم. أنت بتهلك دماغك أكتر مش بتريحها. استخدام الشاشات بيحفز الدماغ أكتر حتى من الشغل. الدماغ ما يقدرش يعمل بروسيسينج للأفكار والأحداث والمواقف والحاجات اللي تعلمناها إلا في وقت الفراغ، بلس وقت النوم طبعًا. لو ما فيش وقت فراغ في اليوم، الدماغ ما يعرفش ينام بعمق.
خلوني أشرح لكم إيه اللي بيحصل بالظبط. اليوم عبارة عن مواقف، أحداث، تعلم، شغل. كل دي حاجات محتاجة معالجة جزئية بتحصل في وقت الفراغ لما بتشتغل شبكة الديفولت مود نتورك. لو المعالجة دي ما حصلتش، يفضل بالنسبة للدماغ في أفكار ومواضيع مفتوحة ماتقفلتش، والدماغ ما بيحبش الأفكار المفتوحة. بالنسبة له الفكرة لازم تتقفل في نهاية اليوم. فلما إحنا ما نسمحش إن ده يحصل بأننا نملأ كل دقيقة في اليوم ده، يظهر علينا في صورة قلق، توهان، شعور بأننا مش عارفين إحنا جايين منين رايحين على فين، في أفكار كتير بس كلها ضبابية، في أوفر ثينكينج، قلق، أرق، نوم مش مريح أو نوم مش عميق أو صعوبة شديدة في الدخول في النوم.
في ناس بتقول: أنا بدخل السرير وأقعد أتقلب وأفكر في مواقف حصلت لي من 2009. هو طبيعي لأن هو ده الوقت الوحيد الفاضي اللي مخك بيلاقي فيه متنفس عشان يعالج أفكار مفتوحة بقى لها كتير، لأن المخ بياخد الأفكار والأحداث اللي هو تعلمها وعمل لها بروسيسينج جزئي في أوقات الفراغ دي ويكمل معالجتها أثناء النوم عشان تقدر تقوم تاني يوم بدماغ فايقة مترتبة نظيفة من غير زحمة وكركبة أفكار متراكمة يعني عليك بلا سنين ما فيش وقت المخ يتعامل معاها. صدقوني يا جماعة وقت الفراغ مش رفاهية. الملل شيء أساسي لصحة الدماغ.
طيب بلاش هقول لكم الناس اللي درست تاريخ وحضارات وآثار عارفين إن فيه حاجة علم كامل اسمه علم الميثولوجي، علم الأساطير البشرية. ما ورثناش من الناس الأقدم مننا آثار واختراعات بس إحنا ورثنا منهم أساطير، قصص، حكايات. اللي مش عارف يعني إيه أساطير، عارفين أسطورة نارسيس اللي جه منها مفهوم النرجسية؟ دي تقريبًا واحدة من أشهر الأساطير اللي ما زالت متداولة دلوقتي. يعني أغلب الناس تعرفها. دي واحدة من الأساطير اللي ألفها الناس زمان. الأساطير ما كانتش مجرد حكايات أو حواديت كده بتتحكي وخلاص، لا الأساطير دي كانت نتيجة للمعرفة اللي عند البشر في الوقت ده بلس الأسئلة الوجودية اللي كانت عندهم بلس وقت فراغ للتفكير نتج عنها قصص مسلية جدًا، مثيرة جدًا، وإبداعية بتحكي أفكارهم، مشاكلهم، مخاوفهم، دياناتهم، بيئتهم بطريقة رمزية وإبداعية.
كل شيء اتعمل في الدنيا في إبداع كان محتاج لحظة فراغ تسمح لدماغ إنسان إنه يفكر في مشكلة معينة ويلاقي ليها حل ما كانش موجود قبل كده. لو كان الإنسان قاعد بيتفرج على تيك توكس ما كانش هيكون في لحظة الفراغ دي، فبالتالي مش هيحصل الإبداع. 90% من مشاكلنا مش محتاجة معجزة، محتاجة وقت فراغ. أيوه يعني أعمل إيه؟ قولي حاجة مفيدة يا أستاذ غسان.
في حلول مختلفة كتير جدًا للموضوع ده، بس خلوني أحكيلكم أنا عملت إيه. دي الحاجات اللي جابت معايا نتيجة مذهلة يا جماعة والله مذهلة. اللي هيجرب اللي أنا هقوله ده هيحس بالفرق في حياته وفي نفسيته من أول يوم. أولًا: لا لازم نتصالح مع فكرة إننا نزهق. ازهقوا يا جماعة عادي، ازهقوا. ما فيش أي غضاضة في إننا نزهق. نرجع تاني نتصالح مع فكرة الزهق، مع الملل، إننا نقعد فاضيين ما بنعملش حاجة. مش لازم كل لحظة تكون مليانة حتى بالمناسبة لو هنملأها بشغل وإنتاجية عشان بس إحنا بنقع في الفخ ده بتاع "حرام الوقت اللي بيضيع، طب نعمل فيه حاجة مفيدة أحسن". نشتغل، نتعلم حاجة جديدة. الشغل والتعلم والإنتاجية كل دي حاجات مهمة جدًا، لكن عدم وجود وقت فراغ لمخنا بيصعب أصلًا القدرة على الشغل والتعلم والإنتاج. لازم يكون عندنا "منتال وايت سبيس"، نسيب لمخنا مساحة بيضا كده فاضية هو يملأها باللي هو شايف إنه مهم.
فأول ما تلاقي إيدك رايحة للموبايل، وقفي نفسك ثانية واسألي نفسك: هو في حاجة مهمة أنا همسك الموبايل عشانها دلوقتي؟ لو لا، يبقى. يجي السؤال الأهم: أنا ليه محتاجة أصلًا أملأ الدقيقة دي؟ أنا مش محتاجة أستهلك محتوى ناس تانيين. خليني أبص على الشباك شوية، أتأمل الأصوات الطبيعية اللي حواليا، أفكر في موضوع ماجلاه بقى لي كتير عشان حاسة إنه صعب وتقيل. يمكن هو ده وقته.
طيب أحسن وقت نعمل فيه ده إمتى؟ مبدئيًا في أوقات أنا منعت فيها استخدام التليفون نهائيًا وشايفة إن كل الناس محتاجة تمنع استخدام الشاشات في الأوقات دي: أول ساعة في اليوم وآخر ساعة في اليوم. عمومًا إحنا بنخفف استخدام الشاشات قبل النوم بأربع ساعات مثلًا، لكن الساعة اللي قبل النوم دي يعني ممنوع منعا باتًا إننا نستخدم شاشات. و15 دقيقة شمس ممنوع فيها استخدام التليفون. عندي 15 دقيقة الصبح لازم أطلع أقف في الشمس أو أمشي في الشمس. لما الجو يسمح، لما الجو بيكون صعب جدًا ممكن أبص على الشمس. 15 دقيقة يعني مهمين جدًا إننا نشوف الشمس وتشوفنا عشان دماغنا يصحى تمامًا وعشان نعرف ننام بالليل كويس، وعشان هم دول اللي بيكون فيهم صمت تام، لا حتى قراءة ولا كتابة ولا أي نشاط تاني حتى لو هو مش محفز جدًا للدماغ. 15 دقيقة بس شمس وصمت تام.
بالنسبة لي دي أوقات مهمة جدًا. عندي كمان أوقات بعمل فيهم حاجة اسمها "لو كوجنتيف لود أكتيفيتي"، أنشطة ذات حمل معرفي منخفض. وده يسري على أي نشاط بتعمليه بإيديكي وعينيكي ومش محتاج تفكير أو تركيز عميق من دماغك. زي إيه؟ زي السواقة، الطبخ، الرسم، تركيب بازل، ليجو، تعملي كروشيه، تغسلي أطباق، تطبقي هدوم. أي حاجة من الحاجات دي. أنا مثلًا لو بطبخ أو رايحة مشوار مثلًا بحاول إن أنا ما أشغلش حاجة في العربية، خصوصًا لو مشوار مش طويل، يعني مثلًا مشوار 10 دقايق ربع ساعة بحاول إن أنا ما أشغلش أي حاجة جنبي. أحيانًا لما بيكون عندي وقت بعمل حاجة اسمها "كرين باي نمبرز"، تلوين من غير حتى ما تفكري في الألوان اللي هتلونيها. هي لوحة بتجيلك مترقمة مع كده ألوان، كل لون فيها ليه رقم، بتلوني كل مربع باللون اللي هو بنفس الرقم ده. حاجة تافهة جدًا بس جميلة. ففعليًا إيدي بتشتغل بس مخي مش مشغول. ومش قادرة أقول لك الحاجات دي قد إيه ساعدتني إني أتخلص من التوتر، من الأوفر ثينكينج.
حاجة تاني أنا إنسانة بحب القراءة جدًا ودي هوايتي من وأنا صغيرة. للأسف قعدت فترة كبيرة جدًا أهملت فيها القراءة. يمكن كنت قعدت فترة ممكن في السنة كلها أقرأ بين ثلاثة. ليه دايما مخي يقول لي: أصل أنا مشغولة، ما فيش وقت للقراءة، عندي شغلي، عندي البيت، ابني عندي، مهمات كتير ما بتنتهيش. هألاقي وقت القراءة منين بقى؟ وفي مرة كده صدقيني والله في لحظة فراغ كنت قاعدة قدام المكتبة بتاعتي كده بتأملها، لقيتني بسأل نفسي سؤال واحد: كل الكتب اللي قاعدة على الرف دي أنا ما قرأتهاش عشان ما فيش وقت. لو كنت وفرت كل الوقت اللي أنا بستهلك فيه محتوى على السوشيال ميديا واستثمرته في قراءة الكتب دي، مش كان زماني خلصتها كلها وقريت قدها كمان 10 مرات من زمان؟ قلت أنا هعمل تجربة: هراقب الوقت اللي أنا بقضيه على السوشيال ميديا وهخليه وقت للقراءة مش للمحتوى. لقيت نفسي رجعت عادي جدًا أقرأ كتابين ثلاثة أربعة وأحيانًا خمسة في الشهر، وشغلي هو ما تأثرش، بقيت مهامي في الحياة هي ما تأثرتش. ففعليًا إحنا بس لازم نحدد أولوياتنا. إحنا مش ما عندناش وقت، إحنا عندنا وقت كتير جدًا بس إحنا بنضيعه في المكان الغلط.
أنتم كمان اسألوا نفسكم: إيه الحاجة اللي بتحبوها وبطلتوا تعملوها عشان ما فيش وقت؟ لو استغليتوا الوقت اللي أنتم بتقضوه على التليفونات في إنكم ترجعوا تعملوا الحاجة اللي أنتم بتحبوها وبطلتوا تعملوها، حياتكم هتتغير قد إيه؟ شوفوا أنتم بتحبوا إيه وارجعوا اعملوه حتى لو اللي بتحبوه ده ما فيش من وراه إنتاجية.
حاجة كمان مهمة جدًا: وقت النوم مقدس. أنا بنام عدد ساعات X في اليوم. كل واحد عارف هو بيكفيه كام ساعة، بس ما حدش يقول لي أنا بيكفيني أربع ساعات عشان ما أجيش أعرفك غلطك. فأنا هنام عدد الساعات ده. بقى ما حصل الساعة اللي هقعد أسكرول داون فيها قبل ما أنام دي هتصحيني متأخر على شغلي، هتصحيني متأخر على كليتي، هتصحيني متأخر على ولادي. دي لأن أنا مش هخصمها من عدد ساعات نومي. فهل أنا هقدر أتحمل تكلفة الساعة دي ولا لا؟ والساعة الفاضية قبل النوم أنا بقضيها في حاجتين: إما قراءة، إما "برين دمبن". مالهاش ترجمة حرفية بالعربي، بس باختصار بفضي مخي على الورق. بعمل جورنالينج، بكتب تدوين. أي حاجة بفكر فيها، أي موضوع شغلني، أي فكرة سخيفة، أي خطط لبكرة، أي حاجة مضايقاني، أي حاجة مهما كانت تافهة سخيفة. بدخل السرير قبل ميعاد النوم المحدد بساعة بنص ساعة، أهدي النور، أخلي الإضاءة خافتة بس لدرجة تسمح لي إني أقدر أقرأ وأكتب، وأقعد بقى أقرأ أو أعمل برين دمبن. يعني ممكن ساعة، نص ساعة، ممكن مثلًا كمان خمس دقايق تمارين تنفس وأنام من غير ما أبص على الموبايل. وفي اللحظة دي تلاقي دماغك بتلعبك: طب أبص، يمكن حد بعت لي حاجة، يمكن في إيميل مهم، استريح. ما فيش أي حاجة والكون مش هيتهد ولا في أي حاجة هتفوتك عشان ما فتحتش التليفون ساعة قبل ما تنام. لما بنقفل التليفون إحنا مش بننفصل عن العالم، إحنا بننام بس.
اعملوا الحاجات دي وكلموني يا جماعة عن عمق النوم. وآخر رول مهمة جدًا أنا حاطاها لنفسي: ما بستخدمش التليفون وقت الشغل. الشغل مثلًا بستخدم اللاب توب فقط. التليفون مش إنفولفد في الموضوع ومش هستخدمه طول ما أنا بشتغل، أيًا كان عدد الساعات اللي أنا هشتغل. طيب أوقات الراحة؟ لو بريح مثلًا كل ساعة؟ ما إحنا بقى قلنا التليفون مش راحة. التليفون التليفون بيحفز الدماغ أكتر. أمال هعمل إيه؟ ممكن أعمل أي حاجة، أعمل مثلًا حاجة أشربها، أقعد كده وأستلقي شوية وأنا يعني مغمضة عيني بس مركزة أكتر في السمع، سماع الأصوات اللي حواليا، أو أقعد مثلًا ماعملش أي حاجة خالص. أحط مثلًا تايمر إن هقعد خمس دقايق هقعد ساكتة مش هعمل أي حاجة. أو أعمل أي حاجة لو كوجنتيف لود أكتيفيتي من اللي إحنا قلنا عليها. لو حاسة إن أنا دماغي مليانة جدًا وفي لود كبير، ممكن أعمل برين دمبن تاني في نص اليوم عادي جدًا. ممكن أقعد أتكلم مع ابني شوية، نقرا قصة، نركب بازل. أي حاجة في مليون حاجة يا جماعة ممكن نضيع فيها الوقت من غير ما نزهق وتبقى بالنسبة لدماغنا وقت فراغ. دماغنا شغالة فيه بتعمل بروسيسينج وإحنا مش حاسين. ده بيخفف اللود جدًا، بيدينا مساحة بجد إننا نسمع نفسنا ونسمع أفكارنا ونحل مشاكلنا ونخطط لبكرة ونعمل كل الحاجات اللي بتخلينا حاسين إننا بنتحرق من جوه لأن ما بقاش فيه مساحة ليها في يومنا. فبقت قاعدة عمالة بتدور على الثغرات. مثلًا فين الأوقات اللي غالبًا هزهق فيها وهمسك التليفون وإيه البديل اللي أنا ممكن أعمله؟ لقيت مثلًا وقت التمرين بتاع ابني لما بقعد أستناه، خلاص باخد معاه الكتاب عشان ما أمسكش التليفون. يعني أنا عمومًا حد صعب إني أمشي وشنطتي ما فيهاش كتاب وما فيهاش قلم ودفتر. وتخيلوا إن بعد كل ده لسه برضه بيكون في وقت للتليفون واستهلاك المحتوى، بس أقل بكتير جدًا جدًا. وأنا استهلاكي غالبًا بيكون بودكاستس وبيكون فيديوز طويلة.
إحنا محتاجين يا جماعة بس الهدف من كل الكلام ده إننا نعرف قيمة الفراغ، قيمة الملل. ما أقدرش أتصور إن فيه شخص مبدع ما عندوش وقت فراغ. ما أقدرش أتخيل شخص هادي، حياته مرتاحة ومتصالح مع نفسه ما عندوش وقت فراغ. ما أقدرش أتخيل شخص عارف أهدافه، عارف طموحاته، عنده خطط لبكرة ما عندوش وقت فراغ. لأن دي كلها حاجات ما نقدرش نعملها وإحنا مشغولين ووقتنا كله مليان. صناعة وقت الفراغ هو المعجزة اللي أنت بتدور عليها عشان تحل مشاكلك وتعالجك من الأرق والقلق وتخلي يومك 48 ساعة وتخلي عيالك هاديين ويعني يومك يساعد كل حاجة أنت عايزها وأكتر. وقت الفراغ هو الثيرابيست المجاني اللي جلسته مش بـ 2000 جنيه ومش محتاج تحجزها قبل الميعاد بشهر. بس أوعوا وقت الفراغ يخليكم تتابعوا البودكاست وتكتبوا لي في التعليقات عايزين نتكلم عن إيه في المرة الجاية. وبس يا رب تكونوا انبسطتوا معايا ويومكم سعيد.