📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

كتاب صوتي | العادات السبع للناس الأكثر فعالية | بأعلى جودة

إستمع | listen3:20:01

Transcription

تستمعون إلى العادات السبع للناس الأكثر فعالية. دروس فعالة في التغيير الشخصي. تأليف ستيفن كوفي. الناشر فرانكلين كوفي. بصوت تامر لباد. صدر عن كتاب صوتي.

ستيفن كوفي هو واحد من خمسة وعشرين أمريكياً وصفتهم مجلة تايم بأكثر الأشخاص تأثيراً في حياة الآخرين. لقد كرس حياته لإثبات حقيقة أن كل شخص يمكنه أن يتحكم بمصيره عبر الاستعانة بالتوجيه العميق والمباشر في الوقت ذاته. لقد أنارت أفكاره الطريق لملايين الأشخاص، وذلك لكونه قائداً عالمياً يتسم بالاحترام الشديد، وخبيراً في العلاقات الأسرية، ومعلماً، وكاتباً، ومستشاراً للمنظمات العالمية.

تصدير. عندما نشر كتاب العادات السبع للناس الأكثر فعالية لأول مرة، أحدث تغييراً هائلاً في العالم. فالحياة أضحت أكثر تعقيداً وتزخر بالكثير من الضغوط والمطالب المتزايدة. فقد انتقلنا من عصر الثورة الصناعية إلى عصر المعلومات والمعرفة بكل عواقبه العميقة التأثير. لذا فنحن نواجه تحديات ومشاكل في حياتنا الشخصية، ومع أسرنا، وداخل أماكن عملنا ما كانت لتخطر في بالنا خلال العقد أو العقدين الماضيين. وهذه التحديات ليست جديدة من ناحية حجمها فحسب، بل هي فريدة تماماً من نوعها. وهذه التغييرات الشاملة التي غيرت وجه المجتمع وسلسلة التحولات المقلقة في سوق الأرقام العالمية أثارت سؤالاً مهماً دائماً ما أسأله لنفسي: هل ما زال كتاب العادات السبع للناس الأكثر فعالية يتعامل مع تحديات الوقت الحاضر؟ ولنفس السبب، هل سيظل كذلك لعشر سنوات أو عشرين أو خمسين أو مئة عام قادمة؟

والإجابة أنه كلما كانت التغييرات كبيرة وازدادت صعوبة التحديات، كان كتاب العادات السبع متصلاً بالواقع. والسبب أن مشاكلنا وآلامنا عامة وشاملة ومتزايدة، ودائماً ما تبنى حول تلك المشكلات على أساس عالمي غير محدود بزمن، والتي تناسب كل مجتمع عبر التاريخ. وأنا لم أخترع هذه المبادئ، كل ما في الأمر أنني وضحتها ورتبتها في إطار تتابعي واحد.

المبادئ التي كان لها أعمق الأثر في حياتي هو: إذا أردت تحقيق أقصى طموحاتك وتجاوز أكبر التحديات التي تواجهك، حدد المبادئ أو القوانين الطبيعية التي تحكم الأهداف التي تسعى وراءها، واعمل على تطبيقها. وستتباين مناهج تطبيق تلك المبادئ تبايناً كبيراً، كما أنها ستعتمد أي اعتماد على قوانا المنفردة ومهاراتنا وملكتنا الإبداعية. ولكن يظل نجاحنا في أي جهود نبذلها متحققا من العمل المتسق مع المبادئ المرتبطة بالنجاح.

ومع ذلك، لا ينتهج الكثير من الناس هذا الأسلوب في التفكير، أو على الأقل لا يدركونه. وفي الحقيقة، ستجد باستمرار أن الحلول التي يتم التوصل إليها على أساس من المبادئ تتناقض تناقضاً صارخاً مع ممارسات التفكير الشائع بين الثقافات الشعبية. واسمحوا لي أن أوضح هذا التناقض باستخدام قليل من أكثر التحديات شيوعاً التي تواجه البشر.

الشعور بالخوف وانعدام الأمن. في عصرنا هذا، يتملك الشعور بالخوف الكثير من الناس. الخوف من المستقبل، الخوف داخل أماكن العمل، الخوف من فقد وظائفهم، ومن ثم عدم القدرة على الوفاء باحتياجات أسرهم. وهذا الشعور بالخوف يترجم في صورة تقبل الحياة الراكدة. الخوف من المخاطر والاعتماد على الآخرين، سواء في المنزل أو في العمل. والاستجابة الطبيعية لهذه المشكلة هي المزيد والمزيد من الاعتماد على الذات. سأركز تفكيري على نفسي وعلى صالحي، وسأقوم بعملي على أكمل وجه، وسأحصل على متعتي الشخصية بعيداً عن العمل. والاعتماد على الذات هو شيء مهم وحيوي وذو قيمة كبيرة. ولكن المشكلة هي أننا نعيش واقع الاعتماد بالتبادل، وأن أهم إنجازاتنا تتطلب مهارات للاعتماد بالتبادل تفوق إمكانياتنا الحالية بكثير.

أود تحقيق هذا الأمر الآن. العجلة هي طبيعة البشر. فالناس يريدون تحقيق الأشياء في طرفة عين. أود ربح مال ومنزلاً جميلاً كبيراً وسيارة جيدة والذهاب إلى أكبر وأفضل مركز ترفيه. أنا أستحق كل هذا وأريده الآن. رغم أن مجتمع بطاقات الائتمان الذي نعيش بداخله حالياً يسهل الحصول على هذه الأشياء أعمالاً لمبدأ "ابْدِعْ مَا تَسَاءَلْ الآنَ وَادْفَعْ لاحِقًا"، إلا أن الحقائق الاقتصادية تكون لها اليد العليا في النهاية. وندرك في بعض الأحيان بطريقة مؤلمة أن مشترياتنا لا يمكنها تحسين قدرتنا الإنتاجية المستمرة، ولن تصمد محاولتنا بالتظاهر بخلاف هذا طويلاً، لأن الفوائد لن تتهاون معنا، كما أن التسامح ليس من طبعها.

حتى العمل بجد ليس كافياً. فما معدلات التغيير السريعة والمتلاحقة في مجال التكنولوجيا والمنافسة المتزايدة والمحمومة الناتجة عن تعليم ظل عولمة الأسواق والتكنولوجيا؟ لابد ألا تكتفي بالتعليم، بل علينا تعليم أنفسنا باستمرار وإعادة اكتشافها. وينبغي أن نطور عقولنا ونشح ذمتنا ونستثمر في تنمية كفاءتنا حتى لا تكون طرازاً عتيقاً.

وفي العمل، رب العمل هو المسؤول عن تحديد النتائج وذلك لسبب وجيه. ففي ظل المنافسة المحمومة، تصبح المقدرة على البقاء على المحك. والحاجة إلى الإنتاج اليوم هي حقيقة واقعنا الحالي وتعني توافر رؤوس الأموال. ولكن قاعدة النجاح الأساسية هي القدرة على الاستمرار والنمو. ربما تكون قادراً على الوفاء بالأعداد ربع السنوية، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل تقوم بالاستثمار الضروري الذي من شأنه الحفاظ على استمرار النجاح وزيادته خلال عام أو خمسة أعوام أو عشرة أعوام من اليوم؟

إن ثقافتنا طلباً للنتائج اليوم. ولكن مبدأ إحداث توازن بين الحاجة إلى الوفاء بمطالب اليوم والاستثمار في الإمكانيات التي ستساعد على صنع نجاح محقق في الغد يشكل أهمية كبيرة. ونفس الأمر ينطبق على صحتك وزواجك وعلاقاتك الأسرية واحتياجات مجتمعك.

اللوم والشعور بأنك ضحية. اللوم هو ما ينتظرك إذا ما واجهتك مشكلة، لأن المجتمع أدمن أداء دور الضحية. لو لم يكن رئيسي في العمل أحمق أو محباً للسيطرة. لو أنني لم أوجد فقيراً. لو أنني عشت في مكان أفضل. لو لم أعرف عن أبي المزاج السيء. لو لم يكن أطفالي بهذا القدر من العناد. لو لم ينتهك القسم الآخر الأوامر طوال الوقت. لو أننا لا نعاني من تدهور هذه الصناعة. لو لم يكن العاملون معك كسولين ويعملون بلا حافز. لو كانت زوجتي متفاهمة. لو لو لو. إننا نلقي كل شخص وكل شيء على مشاكلنا وتحدياتنا. وقد يريحنا ذلك بعض الشيء من الألم الذي نعاني منه، ولكنه يقيدنا أيضاً بهذه المشاكل. فحاول أن تجد لي شخصاً يتمتع بالتواضع الكافي الذي يجعله يعترف بخطئه ويتحمل مسؤولية ظروفه ويتحلى بالشجاعة الكافية ليقوم بأي مبادرة لازمة تساعده على شق طريقه بين تلك الصعاب أو حولها، وسوف أجد لك القوى العليا للاختيار وأعرضها عليك.

اليأس. أبناء اللوم متشائمون ويائسون. وعندما نعتنق مبدأ أننا ضحايا لظروفنا ونستسلم لظلمة الحتمية، فهذا يعني فقدان الأمل وفقدان الحافز، ومن ثم الوقوع في مستنقع الركود وتقبل الأمر الواقع. "إنني مجرد بيدق دمية في عجلة لا يملك من أمره شيئاً. بالله عليك، ما الذي يسعني القيام به؟" وهذا الشعور يراود أكثر الناس ذكاء وموهبة، ويأتي متبوعاً بسلسلة كبيرة من الإحباطات ومشاعر الاكتئاب. وبالطبع، استجابة النجاة في الثقافات الشائعة هي التشاؤم: "لا تبالغ في توقعاتك من الحياة، بل انزل بها إلى أقل درجة ممكنة حتى لا تخيب آمالك في الأشخاص أو الأحوال." ولكن، وعلى مر العصور، كان الأمل والنمو هما المبدأ المضاد لليأس، والذي يعني أن تكتشف أنك تمثل القوة الإبداعية في حياتك.

الافتقار إلى التوازن في الحياة. أضحت الحياة في عصرنا هذا، عصر الهاتف الخلوي، أكثر تعقيداً، كما تزايدت الضغوط والمطالب وأصبحت بلا شك حياة مرهقة. فأمام كل الجهود التي نبذلها لإدارة وقتنا والقيام بالكثير من المهام والرغبة في أن نكون أفضل وأكثر فعالية داخل دهاليز عالم التكنولوجيا الحديثة، لماذا نجد أنفسنا دوماً مثقلين بهموم الحياة ونعتبر أشياء مثل الصحة والأسرة والتكامل وغيرها من الأشياء الأكثر أهمية في العمل في مرتبة أدنى؟ كلا، إن المشكلة ليست في عملنا، والذي يحافظ على استمرار محرك حياتنا، ولا يتعلق الأمر بالتعقيد أو التغيير، بل تكمن المشكلة في ثقافتنا الحديثة التي تقول: "اذهب مبكراً وابقى لوقت متأخر، وكن أكثر فعالية، وقم بالتضحية الآن." ولكن الحقيقة هي أن التوازن وراحة البال لا ينتجان عن تلك الأشياء، بل يلازمان الشخص الذي لديه رؤية واضحة لأولوياته ويعمل بتركيز وتكامل لتحقيقها.

ما الذي سأجنيه من هذا؟ تعلمنا ثقافتنا أننا إذا أردنا الحصول على شيء من الحياة، فالبحث عن الشيء رقم واحد أو الأفضل. وتقول أيضاً: "إن الحياة لعبة وسباق ومنافسة، والأفضل أن تفوز بها." وعلينا التعامل مع زملاء الدراسة وزملاء العمل وحتى أفراد الأسرة على أنهم منافسون. فكلما حققوا مكاسب، خسرنا نحن. وبالطبع، نحن نحاول أن نبدي حسن الأخلاق ونصفق لنجاح الآخرين، ولكن بداخلنا، وعندما ننفرد بأنفسنا، نعد على أناملنا من الغيظ للإنجازات التي حققها الآخرون. نعم، لقد تحققت الكثير من الإنجازات العظيمة التي يشهد لها تاريخ حضارتنا بالإرادة المستقلة للروح العازمة. غير أن أفضل الفرص والإنجازات اللانهائية لعصر المعرفة مقتصرة على هؤلاء الذين يجيدون فن "نحن". فيمكن تحقيق أعظم الأشياء من خلال أعمال العقل المتفتح الذي يعمل بمبدأ عدم الأنانية وعلى أساس الاحترام المتبادل والاستفادة المتبادلة.

التلهف من أجل أن تُفهم. أن حاجتك لأن تكون مفهوماً هي من بين عدد قليل من الحاجات الإنسانية الأساسية. وتعني هذه الحاجة أن يكون صوتك مسموعاً، وتحترم كلمتك، وتكون ذا قيمة، وتكون مؤثراً. ويعتقد معظم الناس أن التواصل مفتاح التأثير، أن تصل إلى مقصدك بوضوح وأن يكون كلامك مقنعاً. وفي الحقيقة، عندما تفكر في الأمر، لا تجد أنه عندما يتحدث الآخرون إليك، فإنك لا تكون مصغياً لهم وتفهم ما يقولون، لأنك غالباً ما تكون منشغلاً بإعداد ردك. إن البداية الحقيقية للتأثير تحدث عندما يستشعر الآخرون تأثرك بهم، عندما يشعرون أنك تفهمهم وأنك كلك آذان صاغية وأنك متفتح. ولكن معظم الناس لا يستطيعون الإصغاء بعمق، ولا يستطيعون تعليق جدول أعمالهم لفترة طويلة بما فيه الكفاية لفهم ما يقال قبل أن يحاولوا التعبير عن أفكارهم. ولكن ثقافتنا تطالب، بل هي في حاجة ماسة إلى الفهم والتأثير. ومع ذلك، فإن مبدأ التأثير خاضع للفهم المتبادل المتمخض عن التزام شخص واحد على الأقل بالالتصاق.

الصراع والخلافات. يتشارك الناس في الكثير من الأشياء، غير أن الاختلافات بينهم كبيرة. فتفكيرهم متباين، ولديهم قيم ودوافع وأهداف مختلفة، بل متنافسة أحياناً. وتنشأ صراعات طبيعياً من هذه الاختلافات. والعمل الذي يقدمه المجتمع التنافسي لهذه الصراعات والخلافات يتمركز حول الفوز بكل ما تطاله يدك. وعلى الرغم من الفوائد التي تجنى من فن التوصل إلى تسوية أو الحل الوسط، حيث يقدم كل طرف تنازلات إلى أن يلتقي عند نقطة، إلا أنه في هذه الحالة لا يشعر أي من الطرفين بالرضا. ويا لها من خسارة أن تؤدي الاختلافات بين الناس إلى دفعهم نحو أقل قاسم مشترك واعتباره حلاً للمشكلة. ويا لها من خسارة أن نفشل في إطلاق العنان لمبدأ التعاون الخلاق من أجل التوصل إلى حلول للمشاكل أفضل بكثير مما تصوره كلا الطرفين.

الركود على المستوى الشخصي. لطبيعة البشرية أربعة أبعاد: الجسم، والعقل، والقلب، والروح. والآن، لاحظ الفروق والنتائج الجيدة لهاتين الطريقتين:

الجسم:

النزعة الثقافية: الابقاء على أسلوب الحياة والعمل على معالجة المشاكل الصحية عن طريق الجراحة أو الدواء.

المبدأ: الوقاية من الأمراض والمشاكل عن طريق توفيق أسلوب الحياة كي يكون منسجماً مع مبادئ الصحة المتعارف عليها عالمياً.

العقل:

الثقافة: مشاهدة التلفاز، إمتاع الذات.

المبدأ: القراءة المتعمقة في مجالات شتى والتعلم المستمر.

القلب:

الثقافة: استغلال علاقاتك بالآخرين لتحقيق أهدافك الشخصية والأنانية.

المبدأ: الإنصات باحترام وخدمة الآخرين هما أفضل وسيلة للشعور بالإشباع والسعادة.

الروح:

الثقافة: الاستسلام الدائم للأمور الدنيوية والتشكيك.

المبدأ: الإدراك أن مصدر احتياجنا الأساسي للمعنى والأمور الإيجابية التي نسعى وراءها والمبادئ، وتلك المبادئ هي الشريعة التي وضعها لنا الله عز وجل.

والآن، أود منك أن تضع هذه التحديات العامة والتحديات والاحتياجات الخاصة بك في ذهنك وتتذكرها جيداً. وعندما تقوم بذلك، ستجد وجهتك وطريقك إلى الحلول المناسبة. كما أنك ستكتشف أيضاً التباين بين مفهوم الثقافة الشائعة والمفهوم القائم على مبادئ صالحة لكل زمان والتي سيثبت الوقت ملائمتها لكل العصور.

وفي آخر ملحوظة شخصية لي، أود إعادة سؤال أتوقف عنده دائماً في محاضرتي: كم واحد ممن يرقدون على فراش الموت يتمنون لو أنهم أمضوا المزيد من الوقت في العمل أو جلسوا فترة أطول أمام التلفاز؟ الإجابة: لا أحد. لأنهم يفكرون فيمن يحبون وفي عائلاتهم وهؤلاء الذين خدموهم. وحتى أعظم علماء علم النفس، أبرهم ماسلو، وضع في نهاية حياته سعادة ونجاح وإسهامات خلفائه في المرتبة الأولى قبل تحقيق ذاته. الحاجة الأولى في هرم الاحتياجات الشهير خاصته، وأطلق عليها "ما وراء الذات". وأنا أعتقد أن هذا الأمر صحيح. فحتى الآن، كانت أهم تأثيرات المبادئ المجسدة في كتاب العادات السبع وأكثرها إشباعاً مشتقة من حياة أولادي وأحفادي. على سبيل المثال، تم اختيار حفيدة شانون البالغة من العمر 19 عاماً لتخدم في ملجأ للأيتام في رومانيا. وقد كتبت لي: "وليساندرا عن طفل مريض صغير تقيأ عليها ثم ارتمى في حضنها. في هذه اللحظة، أخذت شهر: 'لا أريد أن أعيش لنفسي فقط، لابد أن أساعد الآخرين طيلة حياتي'." وهي ما زالت تعيش في رومانيا وتساعد الناس. وجميع أبنائنا متزوجون الآن، وقد وضعوا هم وأزواجهم رسائل لحياتهم أساسها مبدأ مساعدة الآخرين. وعندما ننظر إليهم وهم يعيشون رسائل الحياة تلك، نشعر بالسعادة لأنهم خلفاؤنا.

وبينما تشرع الآن بقراءة كتاب العادات السبع للناس الأكثر فعالية، أعدك أن تخوض مغامرة تعليمية مسلية ومثيرة. وعليك مشاركته من تحبهم ما تعلمت، والأهم أن تبدأ في تطبيق ما تعلمت. فحينما تتعلم ولا تطبق ما تعلمت، فأنت لم تتعلم شيئاً. فأنت تعرف ولا تطبق، فهذا هو الجهل. وعن نفسي، اكتشفت أن معايشة العادات السبع هو صراع دائم، لأنك كلما تحسنت، تغيرت طبيعة التحديات تماماً مثل ما يحدث عند ممارسة رياضة التزلج على الماء أو الجولف أو التنس أو غيرها من الرياضات. ولأنني أعمل بإخلاص وأكافح كل يوم من أجل معايشة العادات التي تجسد المبادئ، فإنني أود بشدة مشاركتك في هذه المغامرة.

ستيفن برافو.

يوليو الرابع والعشرون، 2004.

الجزء الأول: التصورات الذهنية والمبادئ. من الداخل إلى الخارج. في عالمنا هذا، لا يمكن الفصل بين الامتياز وأسلوب الحياة الصحيح. ديفيد ستار جوردن.

خلال أكثر من 25 عاماً من العمل مع الناس في العمل والجامعة واستشارات الزواج وعلاج الأسرة، التقيت بالعديد من الأفراد الذين حققوا نجاحاً مادياً هائلاً، ولكنهم وجدوا أنفسهم في صراع مع أنفسهم الداخلية والرغبة العميقة لتحقيق التوافق الشخصي الداخلي والفعالية والعلاقات الصحية المتنامية مع الآخرين. وأعتقد أننا نشاركهم بعضاً من تلك المشاكل التي يعانون منها. لقد نجحت في تحقيق كل أهدافي المهنية كما حققت نجاحاً عملياً كبيراً، ولكن هذا كلفني حياتي الشخصية والعائلية. فلم أعد أعرف زوجتي وأطفالي، بل إنني لم أعد متأكداً من معرفة نفسي وما هي الأمور المهمة بالنسبة لي. لذا كان علي أن أسأل نفسي: هل يستحق الأمر كل هذا؟

لقد بدأت في اتباع حمية غذائية للمرة الخامسة خلال هذا العام. أعرف أنني أعاني من زيادة في الوزن وأرغب بالفعل في إحداث تغيير. لذا فقد قرأت جميع المعلومات الجديدة ووضعت لنفسي أهدافاً وانتهجت موقفاً إيجابياً وأصبحت مهيئاً ذهنياً وقلت لنفسي: "إنه يمكنني النجاح." ولكنني لم أنجح. فبعد أن مرت عدة أسابيع، حتى فترت همتي ولم أستطع الوفاء بالوعد الذي قطعته على نفسي.

لقد تلقيت دورة تدريبية تلو الأخرى حول تدريب إداري فعال، وكنت أتوقع الكثير من العاملين معي. فعملت جاهداً على خلق علاقة ودية معهم ومعاملتهم بأسلوب راقٍ، غير أنني لم أشعر بولاء أي منهم. وفكرت: "لو أنني مرضت يوماً واحداً وتغيبت عن العمل، فإنهم سيقضون هذا اليوم في اللعب داخل النافورة. لماذا لم أتمكن من تدريبهم على الاعتماد على الذات وتحمل المسؤولية؟ أم يتعين علي البحث عن موظفين أفضل؟"

ابني المراهق متمرد ويتعاطى المخدرات، وجميع محاولاتي تذهب سدى. فهو لا يستمع إليّ. فماذا أفعل؟ لدي الكثير لأقوم به، ولكن اليوم لا يكفي. لذا أشعر بأنني مضغوط وألهث طوال الأربع وعشرين ساعة لمدة سبعة أيام في الأسبوع. ولقد حضرت دورات حول إدارة الوقت وجربت عشرات الخطط، وجدت فيها بعض المساعدة، ولكن ما زلت أشعر أنني لا أعيش الحياة السعيدة المنتجة والمريحة التي أريدها.

أود أن أعلم أطفالي قمة العمل، ولكن تكليفهم بأداء عمل ما يكلفني مراقبتهم طوال الوقت وتحمل شكواهم الدائمة. لذا أفضل القيام بأي عمل بنفسي. لماذا لا يفعل الأطفال واجباتهم بسعادة ودون الحاجة إلى تذكيرهم بما يتعين عليهم فعله طوال الوقت؟ إنني مشغول للغاية، ولكن في بعض الأحيان أتساءل: ألم أفعل سيحدث فرقاً في حياتي على المدى البعيد؟ وكم أود أن يكون لما أفعله بحياة معنى حقيقي وأن يحدث وجود فرقاً حقيقياً.

إنني أرى أصدقائي وأقاربي يحققون بعضاً من النجاح ويتلقون على صنائعهم، وأنا بدوري أبتسم وأهنئهم بحماس، ولكن بداخلي أعض على أناملي غيظاً. ماذا يراودني هذا الشعور؟ إنني أتمتع بشخصية قوية للغاية وأرى هذا في جميع تعاملاتك. فأنا أستطيع التحكم في النتائج معظم الوقت من خلال التأثير على الآخرين ليخرجوا بالحل الذي أريده. وفي كل موقف يمر به، أشعر بأن الحل الذي توصلت إليه عادة ما يكون الأفضل للجميع. ولكنني أشعر بعدم الارتياح وأتساءل دائماً: ما الذي يعتقده الآخرون في وفي أفكاري؟

لقد أصبح زواجي مملاً. إننا لا نتتشاجر أو أي شيء من هذا القبيل. إننا ببساطة لم نعد نحب بعضنا. ولقد ذهبنا إلى مستشار زواج وجربنا العديد من الأشياء، ولكن يبدو أننا لم نعد يمكن لبعضنا أي مشاعر.

كانت تلك هي المشاكل الكبيرة والمؤلمة، المشاكل التي لا يمكن للحلول السريعة التعامل معها. ومنذ عدة سنوات، كنت وزوجتي ساندرا نقاوم هذه الهموم. فقد كان أحد أبنائنا يعاني من مشاكل في مدرسته وكان مستواه الدراسي متدنياً للغاية، ولم يكن يعرف كيف يتبع التعليمات الخاصة بالامتحانات، ناهيك عن التفوق فيها. ومن الناحية الاجتماعية، كان متهوراً وغالباً ما يتسبب في حرج لنفسه ولنا. أما على المستوى الرياضي، فقد كان ضئيلاً ونحيقاً، وكان يضرب بمضرب كرة القاعدة في الهواء حتى قبل أن تقذف الكرة نحوه، وكان الآخرون يسخرون منه.

وكنت أنا وساندرا نرغب بشدة في مساعدته وشعرنا بأن نجاح في أداء دورنا كآباء وأهم نجاح يمكن أن نحققه في حياتنا. لذا فقد ركزنا على توجهاتنا وسلوكياتنا تجاهه، وكذلك توجهاته وسلوكياته. وحاولنا تهيئته عقلياً باستخدام تكنيكات التوجه العقلي الإيجابية: "هيا يا بني، يمكنك القيام بهذا. نحن نعلم هذا. فقط ضع يديك أعلى المضرب قليلاً وركز عينيك على الكرة ولا تحرك المضرب حتى تقترب منك." وكنا نتم هذا في تشجيعه عندما يحقق تحسناً طفيفاً: "هذا رائع، أحسنت يا بني، داوم على هذا." وعندما كان الآخرون يسخرون منه، كنا نعرفهم: "دعوه وشأنه، توقفوا عن مضايقته، إنه يتعلم." وكان ابننا يبكي ويصر على أنه لن يتحسن أبداً وأنه لا يحب كرة القاعدة. وبدا أن لا شيء مما فعلناه كان مجدياً. ولقد اعترانا القلق إذ كنا نرى تأثير هذا على تقييمه لذاته. ولقد حاولنا تشجيعه ومساعدته، ولكن عقب الفشل المتكرر الذي واجهنا، انسحبنا وحاولنا تناول الموقف من منظور آخر.

وفي ذلك الوقت، كنت أقود أعمال تنمية مهارات عدد من عملاء البلاد على طولها وعرضها. وعلى هذا الأساس، كنت أعد برامج كل شهرين حول موضوع التواصل ومفهوم المشاركين حول برنامج التطوير التنفيذي لشركة IBM. وبينما كنت أجري أبحاثي وأعد تلك العروض، أصبحت مهتماً من الناحية العملية بكيفية تكون المفاهيم وكيف تتحكم فيما نراه وكيف يتحكم ما نراه في سلوكياتنا. وقادتني هذه الدراسة إلى نظرية التوقع وتنبؤات ذاتية التحقق، أو ما يعرف بتأثير بيغماليون، وإلى إدراك أن مفاهيمنا متأصلة بداخلنا. ولقد تعلمت أنه يتعين علينا النظر إلى العدسة التي نرى العالم من خلالها، وكذلك إلى العالم الذي نراه. وأن هذه العدسة ذاتها هي التي تشكل أسلوب تفسيرنا للعالم.

وبينما كنا نتحدث أنا وساندرا عن الأفكار التي أدرسها في IBM وعن مشكلتنا الخاصة، بدأنا ندرك أن ما كنا نفعله لمساعدة ابننا لم يكن متسقاً مع الطريقة التي كنا نراه بها. فعندما تفحصنا مشاعرنا العميقة، كشفنا أننا نراه يعاني نقصاً وأنه متأخر عن رفاقه. وبغض النظر عن محاولتنا وسلوكنا، فلم تكن جهودنا مجدية. فعلى الرغم من تصرفاتنا وكلامنا معه، إلى أن الرسالة التي أوصلناها له كانت: "أنت غير قادر على القيام بهذا ولا بد من حمايتك." وعندها أدركنا أننا إذا أردنا تغييره، فلابد أن نغير أنفسنا أولاً تغييراً فعالاً. وأول أوجه هذا التغيير هو تغيير مفاهيمنا.

السمات الأخلاقية والأخلاق الشخصية. بالإضافة إلى بحث حول الإدراك الحسي، كنت في الوقت ذاته منغمساً في دراسة متعمقة لكل ما نشر بالولايات المتحدة من الكتب التي تتناول النجاح منذ عام 1776. وكنت أقرأ وأتصفح بالمعنى الحرفي للكلمة مئات الكتب والمقالات التي تناولت مجالات مثل التطور الذاتي وعلم النفس العام والمساعدة الذاتية. ووجدت تحت يدي كل معلومة ومادة اعتبرها الأحرار والديمقراطيون مفتاحاً للنجاح في حياتهم.

وبينما دفعتني دراستي إلى السفر عبر الزمن والعودة إلى الوراء 200 عام لاستعراض الكتابات حول النجاح، لاحظت نموذجاً مذهلاً في هذه الكتابات. فبسبب آلامنا وآلام المماثلة التي رأيتها في حياة الكثير من الناس وعلاقتهم بالآخرين، راودني شعور متزايد بأن هذه الأعمال التي نشرت خلال الأعوام الخمسين كانت سطحية. فقد كانت تسودها الصور الاجتماعية العقلية والتكنيكات والحلول السريعة، والتي هي عبارة عن إسعافات أولية للمجتمع وأسبرين مسكن لأوجاعه المزمنة. وفي بعض الأحيان يكون حلاً مؤقتاً للمشكلة، ولكن تظل المشكلة المزمنة موجودة تحت السطح مستعدة للتفجر مرة أخرى وفي أي وقت.

وفي تناقض واضح، فإن الكتابات التي تناولت النجاح في أوائل المئة وخمسين عاماً الماضية كانت تركز على ما يطلق عليه "السمات الأخلاقية" باعتبارها أساس النجاح، مثل التكامل، والتواضع، والوفاء، وضبط النفس، والشجاعة، والعدل، والصبر، وحب العمل، والبساطة، والقاعدة الذهبية. وسيرة ذاتية لبني مثال بهذا النوع من الكتابات، وهي قصة رجل بذل جهداً خارقاً لدمج مبادئ وعادات بعينها داخل طبيعته. وتعلمنا السمات الأخلاقية أن هناك مبادئ أساسية نعيش بها حياة فعالة، وأنه بإمكان الناس أن يجربوا النجاح الحقيقي ويذوقوا طعم السعادة فقط إذا تعلموا هذه المبادئ وجعلوها جزءاً لا يتجزأ من شخصياتهم الأساسية.

ولكن بعد الحرب العالمية الأولى بفترة قصيرة، تحولت النظرة الأساسية للنجاح من السمات الأخلاقية إلى ما يمكن أن نطلق عليه "الأخلاق الشخصية". فقد أصبح النجاح وظيفة الشخصية والصورة العامة والتوجهات والسلوكيات والمهارات التي تيسر عمليات التفاعل الإنساني. والأخلاق الشخصية تسلك واحداً من طريقين: الأول متعلق بالبشر وتقنيات العلاقات العامة، والثاني متعلق بالتوجه العقلي الإيجابي (بي أم أي). وقد كانت بعض من هذه الفلسفة ملهمة، وجاءت في صورة أقوال مأثورة ما زالت مستخدمة، مثل: "إن توجهك يحدد أقصى ما يمكنك تحقيقه." "ابتسامتك تجذب إليك الأصدقاء وعبوسك ينفرهم منك." "يمكنك تحقيق كل ما تريد إذا آمنت به."

أما جوانب الشخصية الأخرى، فخادعة، مضللة، وتشجع الناس على استخدام تقنيات من أجل اكتساب حب الآخرين، أو إبداء اهتمام زائف بهوايات الآخرين ليحصلوا منهم على ما يريدون، أو استخدام النظرة القوية أو التشكيك في مسلكهم في حياتهم. تعرف بعض أنواع هذه الكتابات السمات بأنها مكون النجاح، غير أنها تعمد إلى تقسيم تلك السمات بدلاً من التعامل معها على أنها الأساس والعامل المحفز. وغدت الإشارة إلى السمات الأخلاقية مجرد تملك، وساد استخدام تقنيات تأثير الإصلاح السريع واستراتيجيات السلطة ومهارات التواصل والتوجهات الإيجابية.

وبدأت أدرك أن الأخلاق الشخصية هي المصدر الباطني للحلول التي كنت أحاول أنا وساندرا استخدامها مع ابننا. وكلما فكرت بعمق في الاختلاف بين السمات الأخلاقية والأخلاق الشخصية، أدركت أنني وساندرا كنا ننتزع من سلوكيات أطفالنا الحميدة المميزات الاجتماعية. كنا نرى أن طفلنا لا يرتقي إلى هذا المستوى، وكان تصورنا لأنفسنا ودورنا كآباء مراعين لأبنائهم أعمق من تصورنا لابننا. وربما يكون قد تأثر بهذا التصور. لقد اهتمنا بالطريقة التي كنا نرى ونتعامل بها مع المشكلة أكثر من اهتمامنا بصالح ابننا في حد ذاته.

وبينما وصلت وساندرا الحديث، أدركنا، وأسوأ زملاؤنا، مدى تأثير القوي لشخصيتنا ودوافعنا على فهمنا له. وعرفنا أن دوافع المقارنة الاجتماعية لم تكن منسجمة مع قيمنا المتأصلة وقد تؤدي إلى حب مشروط وفي النهاية التقليل من إحساس طفلنا بتقديره لذاته. لقد عزمنا على تركيز جهودنا علينا لا على تقنياتنا وعلى أعمق دوافعنا وإدراكنا. وبدلاً من أن نحاول تغييره، حاولنا أن نفصل أنفسنا عنه وأن نحثه على أن يستشعر كيانه وشخصيته وكونه إنساناً مستقلاً له قيمة.

ومن خلال التفكير العميق والإيمان والصلاة، بدأنا نرى ابننا على أساس الأشياء التي تميزه عن الآخرين. واكتشفنا بداخله الكثير والكثير من الإمكانيات الكامنة التي يمكن له أن يدركها بأسلوبه الخاص وبسرعته. وقررنا التنحيه والابتعاد عن طريقه لنسمح لشخصيته بالظهور. وأدركنا أن دورنا الطبيعي هو الإيمان به والاستمتاع به وتقديره، كما عملنا على إصلاح دوافعنا وصقل مصادرنا الداخلية للأمان حتى لا نعمد إلى استمداد شعورنا بقيمة ذاتنا من سلوكيات أطفالنا المقبولة.

وما إن تخلصنا من مفهومنا السابق عن ابننا وطورنا دوافع أساسها الشعور بقيمته، بدأت مشاعر جديدة في الظهور. وجدنا أنفسنا نستمتع به كما هو دون مقارنته بالآخرين أو إصدار الأحكام عليه. وتوقفنا عن محاولة حذفه على أن يصبح نسخة منه أو قياس ما يفعله بما هو متوقع منه على المستوى الاجتماعي. وأوقفنا محاولاتنا لإعادة تشكيله في قالب مقبول اجتماعياً. ولأننا رأينا أنه لا يعاني أي نقص وقادر على التوافق مع الحياة، توقفنا عن حمايته من مضايقات الآخرين. ولأنه كان قد اعتاد على الحماية، فقد عانى من بعض الألم الانسحابي، والذي عبر عنه وتقبلناه، ولكننا لم نستجب له. وكانت رسالتنا الصامتة له: "لست في حاجة إلى الحماية، لأنك على ما يرام."

وبمرور الأيام والأسابيع، بدأ يكتسب ثقة وإيماناً بنفسه وبدأ ينمو ويتطور بطريقته وبسرعته. وأصبح متميزاً وفقاً للمعايير الاجتماعية على المستوى الدراسي والاجتماعي والرياضي بسرعة تفوق. ويطلق عليه عملية التطور الطبيعية. وبمرور السنوات، أصبح بطلاً رياضياً، وكانت تقديراته لا تقل عن امتياز، وكان يتمتع بشخصية جذابة طبيعية خالية من الزيف. حتى أنه تمكن من عقد صداقات مع أناس شتى دون أي خوف.

وأؤمن أنا وساندرا أن إنجازات ابننا المهمة اجتماعياً هي تعبير تلقائي عن المشاعر التي يحملها لنفسه أكثر من كونها مجرد استجابة للمكافأة الاجتماعية. وكم كانت التجربة رائعة لو لساندرا وأفادتنا في التعامل مع أطفالنا الآخرين وفي أدوارنا الأخرى. وقد جعلتنا هذه التجربة المدرك على المستوى الشخصي الفروق الحيوية بين الأخلاق الشخصية والسمات الأخلاقية للنجاح.

الصلاح الثانوي والصلاح الأساسي. إن خبرتي مع ابني ودراستي للإدراك الحسي وقراءاتي في أدبيات النجاح اتحدت مع بعضها لتطور مجموعة من الخبرات الحياتية الرائعة، والتي جعلتني أستوعب فجأة العلاقة بين الأشياء. فقد أصبحت فجأة قادراً على رؤية التأثير القوي للأخلاق الشخصية وفهم تلك الفروق البسيطة والتي غالباً لا نلحظها. وبينما أعلم أنه صحيح، وهي الأشياء التي تعلمتها منذ زمن طويل عندما كنت طفلاً، والاشياء التي كانت نابعة من إحساس داخلي متأصل بالقيمة. وبين فلسفة الحلول السريعة التي تحيطنا كل يوم، وخلال سنوات عملي مع الناس من مختلف دروب الحياة، استطعت تعميق فهمي لأسباب الاختلاف بين ما أعلم وأعتقد أنه فعال وبينما هو شائع.

ولا أقصد أن عناصر الأخلاق الشخصية، نمو الشخصية، والتدرب على مهارة التواصل، وتعلم استراتيجية التأثير، والتفكير الإيجابي لا فائدة لها. بل إنها في الحقيقة تكون في بعض الأحيان أساسية لتحقيق النجاح. ولكنها صفات ثانوية وليست أساسية. وربما أثناء استغلالنا لقدراتنا البشرية لوضع الأسس للأجيال القادمة، أصبحنا دون أن ندري نركز على بناء أنفسنا ونسينا الأساس الذي يبقي البناء قائماً. أو ربما لأننا قد اعتدنا على أن نحصد ما لم نزرع لفترة طويلة، فإننا قد نسينا الحاجة إلى وضع البذور في الأرض.

وعلى المدى البعيد، لن أتمكن من النجاح في عملي إذا حاولت استخدام استراتيجيات وتقنيات التأثير البشرية لحث الناس على فعل ما أريد وعلى العمل بشكل أفضل وعلى التمتع بحافز أقوى وعلى حبي وحب الآخرين، بينما أنا إنسان مخادع وغير صادق ولا تخلو شخصيتي من عيوب جوهرية. وسيكون انعدام الثقة هو النتيجة الحتمية لشخصية مخادعة. وكل ما أفعله، حتى استخدام ما يطلق عليه تقنيات العلاقات الإنسانية الحميدة، سيتم تفسيره على أنه تلاعب. ومع انعدام الثقة، لن يهم حسن النوايا وكون الكلام مقنعاً، فليس هناك أساس لتحقيق نجاح دائم. فالخير الأساسي فقط هو الذي يبث أنفاس الحياة في التقنيات.

وعندما تركز على التقنيات فقط، تكون مثل الطالب الذي يشرع في تحصيل ما فاته قبل الاختبار بفترة قصيرة. وربما تتمكن من الحصول على درجات مرتفعة، ولكنك لن تستفيد من المواد التي تدرسها ولن تحصل أي معلومات ما لم تعمل بجد طوال الوقت. هل فكرت يوماً كم هو سخيف أن تنسى وضع البذور في الأرض في فصل الربيع وتظل تلهو طوال فصل الصيف، وعندما يحل فصل الخريف تتذكر الحصاد، فتشرع في القيام بكل أعمال الزراعة الفائتة التي لم تقم بها في حينها؟ بالطبع، هذا مستحيل، لأن الزراعة ما هي إلا نظام طبيعي يتطلب بذل الجهد في البداية لتجني الثمار في النهاية. فدائماً تحصد ما تزرع يده، ولا مكان للطرق المختصرة في هذه الرحلة.

نفس هذا المبدأ ينطبق على السلوك البشري والعلاقات الإنسانية. فهي أيضاً نظام طبيعي أساسه قانون اليد تجني مزرعه. وعلى المدى القصير، يمكنك في نظام اجتماعي اصطناعي مثل المدرسة الحصول على ما تريد إذا تعلمت كيف تتلاعب بالقواعد التي يضعها البشر، أو حينما تعرف أصول اللعبة. وفي معظم التعاملات الإنسانية القصيرة، يمكنك استخدام الأخلاق الشخصية من أجل الحصول على ما تريد ولتترك لدى الناس انطباعات رائعة عن طريق الشخصيات الساحرة والمهارات والتظاهر بالاهتمام بهوايات الآخرين. وبإمكانك اختيار تقنيات سريعة وسهلة من شأنها النجاح في المواقف قصيرة الأمد. غير أن الصفات الثانوية بمفردها لم تصمد في العلاقات طويلة الأمد. وفي النهاية، إذا لم تتمتع الشخصية بالقوة المتكاملة والضرورية، فإن تحديات الحياة ستحول الدوافع الحقيقية إلى دوافع سطحية، وسيحل الفشل في إقامة العلاقات الإنسانية محل النجاح قصير الأمد.

والكثير من الناس الذين يتمتعون بالصلاح الثانوي (أي تقدير المجتمع لمواهبهم) يفتقرون إلى صلاح الشخصية الأساسي. وعاجلاً أم آجلاً، سيبدو هذا جلياً في كل علاقة طويلة الأجل يخوضونها، سواء أكانت علاقة مع شركاء العمل، أو زوج، أو صديق، أو حتى مراهق يمر بأزمة.

البحث عن الذهب. إن الشخصية أو الخصائص هي أفضل رسول لتوصيل الأفكار والآراء. وكما قال إيمرسون ذات مرة: "عندما تصرخ في أذني، لا أسمع ما تقول." وبالطبع، توجد مواقف يتمتع فيها الناس بالشخصية القوية، ولكنهم يفتقرون إلى مهارات التواصل، الأمر الذي يؤثر بلا شك في جودة علاقاتهم. ولكن تلك التأثيرات تكون ثانوية. وقد أظهر أحدث تحليل تم إجراؤه أن التواصل دون استخدام كلمات يترك أثراً أعمق من أي شيء آخر قد يقال أو يفعل. وهو أمر يعرفه الجميع. وهناك أناس نثق بهم ثقة عمياء لأننا نعرف شخصياتهم وخصائصهم. فبغض النظر عن كونهم قادرين على إيصال مشاعرهم بدون استخدام الكلام من عدمه، وعن امتلاكهم تقنيات العلاقات من عدمه، فنحن نثق بهم حسب، ونجح في التعامل معهم. وكما قال ويليام جورج جوردن: "بين يدي كل واحد منا قوة هائلة للخير والشر، وهي المؤثر الخفي والصامت وغير الواعي في حياته، وهي ببساطة الإشعاع المستمر لحقيقة الإنسان، لا ما يتظاهر به."

قوة التصور الذهني. ينطوي كتاب العادات السبع للناس الأكثر فعالية على العديد من المبادئ المهمة والأساسية لتحقيق الفعالية البشرية. وتعد هذه العادات أساسية بل ومهمة، وهي تمثل التمسك بالمبادئ الصحيحة التي على أساسها تقوم السعادة ويتحقق النجاح. ولكن، وقبل أن نفهم هذه العادات السبع فهماً صحيحاً، نحن في حاجة أولاً إلى أن نفهم تصوراتنا الذهنية وكيف نحدث تغيير التصور الذهني.

تمثل كل من السمات الأخلاقية والأخلاق الشخصية نموذجاً للتصورات الذهنية الاجتماعية. وكلمة "تصورات ذهنية" هي كلمة يونانية الأصل، فهي مشتقة من مصطلح علمي وشاع استخدامها اليوم بمعنى نموذج أو نظرية أو تصور أو فرض أو إطار مرجعي. وبالمفهوم العام للكلمة، فإنها الطريقة التي نرى بها العالم، ليس على أساس الرؤية الحسية، ولكن على أساس التصور والفهم والتفسير. وأيسر طريقة لفهم التصورات الذهنية هي التعامل معها على أنها خرائط. وبالطبع، كلنا نعرف أن الخريطة لا تعني الأرض، بل تعني ببساطة شرحاً لطبيعة الأرض. وهذا بالتحديد معنى التصور الذهني: إنه نظرية أو تفسير أو نموذج لشيء ما.

لنفترض أنك تود الوصول إلى مكان ما بوسط شيكاغو. بالطبع، ستستعين بخريطة لشوارع المدينة تساعدك على الوصول إلى وجهتك. ولكن لنفترض أن الخريطة التي تحملها هي خريطة مدينة ديترويت، وطبع عليها اسم مدينة شيكاغو. إذن، هل يمكنك تخيل كم المتاعب التي ستقع فيها نتيجة لهذا الخطأ، وكيف أنك لن تتمكن من الوصول إلى وجهتك؟ الأمر ذاته ينطبق على سلوكك، فإنك قد تعمل بجد من أجل تحسين جهودك ومضاعفة سرعتك، ولكن تذهب هذه الجهود أدراج الرياح وتؤدي بك وبسرعة إلى الطريق الخطأ. لكن المطلب الأول والأهم هو الدقة في اختيار واستخدام الخريطة الصحيحة.

وبداخل رأس كل واحد منا توجد العديد والعديد من الخرائط، والتي يمكن تقسيمها إلى فئتين أساسيتين: خرائط الواقع الذي تجري به الأحداث، وخرائط الشكل الذي ينبغي أن تكون عليه الأمور أو القيم. ونحن نادراً ما تروّضنا الشكوك في دقتها، وعادة لا ندرك وجودها، بل نفترض ببساطة أن الطريقة التي نرى بها الأشياء هي حقيقتها، أو هكذا ينبغي أن تكون. وهذه الفروض هي الأرض التي تنمو فيها توجهاتنا وسلوكياتنا وفهمنا لهذه الأشياء والمصدر الذي يشكل أسلوب تفكيرنا وتصرفاتنا.

وقبل المضي قدماً، أود أن أشارككم هذه التجربة الفكرية والعاطفية. تأمل في ثوانٍ الصورة الموجودة في الصفحة التالية. والآن، تأمل الصورة الموجودة في صفحة 35. وصف ما رأيت بدقة. هل ترى السيدة الموجودة في الصورة؟ في رأيك، كم تبلغ من العمر؟ وكيف يبدو شكلها؟ ماذا ترتدي؟ ما الدور الذي تؤديه في تصورك؟

من المحتمل أن تصف السيدة الموجودة في الصورة الثانية بأنها سيدة شابة تبلغ من العمر حوالي 25 عاماً، وهي فائقة الجمال ومسيرة للموضة، لها أنف دقيق وطله بهية. وإذا كنت تعمل في مجال الأزياء، لو وظفتها عارضة أزياء. لكن ماذا لو قلت لك أنك مخطئ، وأن هذه الصورة ليست لسيدة شابة، بل لأمرأة عجوز في الستين أو السبعين من عمرها، وأنها تبدو حزينة، وأن أنفها ضخم للغاية، وبكل تأكيد لا تصلح لمهنة عارضة أزياء. إنها سيدة عجوز قد تقابلك في الشارع وتساعدها في عبور الطريق.

والآن، من منا على صواب؟ انظر مرة أخرى إلى الصورة. هل ترى السيدة العجوز؟ إذا لم تتمكن من رؤيتها، داوم على النظر إليها. ألم تتمكن بعد من رؤية أنفها الخاطف الكبير والشال الذي ترتديه؟ لو كنا نتحدث وجهاً لوجه، لتناقشنا معاً حول الصورة، ووصفت لي ما ترى، ووصفت لك ما أرى من وجهة نظري. وكل منا ممسك الصورة بيده. ولأننا لن نتمكن من هذا، سانتقل بك إلى الصفحة 57. أما من النظر في الصورة الموجودة بها، ثم أعد النظر مرة أخرى في الصورة الموجودة بين أيدينا. والآن، هل ترى السيدة العجوز؟

من المهم للغاية أن تراها قبل متابعة القراءة. أول مرة رأيت فيها هذا التدريب كان منذ سنوات مضت في كلية التجارة بجامعة هارفارد، وكان الأستاذ يستخدمه ليشرح لنا شرحاً وافياً ودقيقاً فكرة أنه لو نظر شخصان إلى شيء ما، سيراه كل واحد منهما بمنظار مختلف عن الآخر، ويكون كلاهما على حق. والأمر هنا لا يتعلق بالمنطق، بل يتعلق بعلم النفس. وقد جلب هذا المعلم ألواحاً كبيرة من النوع الذي توضع عليه الصور، وضع على نصفها الأول الصورة الموجودة في الصفحة 34، وعلى النصف الثاني صورة السيدة العجوز التي شاهدتموها توا في صفحة 57. وقسم الصف إلى قسمين، وزع على الأول صورة السيدة الشابة، وعلى النصف الثاني وزع صورة السيدة العجوز. وطلب منا النظر بأمعان في الصور التي معنا لعدة ثوانٍ، ثم أعادتها مرة أخرى إليه. ثم عرض على الشاشة الصورة التي شاهدتموها في صفحة 35، وتم جمع الصورتين اللتين وزعهما على الصف، وطلب منا أن نصف ما رأينا.

وبالطبع، عندما شهدت المجموعة الأولى الصورة على شاشة العرض، صورة السيدة الشابة التي عرضت عليهم في بادئ الأمر. وبالنسبة للمجموعة الثانية، فقد رأوا صورة السيدة العجوز التي عرضت عليهم في البداية. ثم طلب المعلم من أحد الطلاب أن يشرح لأحد زملائه من الفريق الآخر ما شاهده. وحينها اشتعلت نيران الحوار بينهما: "ماذا تقول؟ سيدة عجوز؟ إنها لا تتجاوز 20 أو 22 من العمر!" "يا إلهي، لابد أنك تمزح! إنها في السبعين من عمرها وربما تكون في الثمانين!" "ما خطبك؟ ألا ترى أنها سيدة شابة وجميلة لدرجة أنني أود أن أتقدم لخطبتها؟" "يا إلهي، إنها رائعة الجمال! رائعة الجمال! إنها عجوز شمطاء!"

تواصلت المحادثة بين كر وفر، وكل واحد منهما واثق مما يقول ويصر على رأيه. كل هذا يحدث على الرغم من أن كل واحد من الطلاب حظي بميزة تفوق كل هذا أهمية. هذه الميزة، لأن معظمهم كان يدرك في بداية المحاضرة وجود وجهات نظر مخالفة له وأنها صحيحة، وهو أمر لا يعترف به معظمنا.

وبالرغم من ذلك، ففي بداية الأمر، حول عدد قليل من الطلاب رؤية الصورة من منظور الطرف الآخر. وبعد فترة من النقاش غير المجدي، نهض أحد الطلاب وتوجه نحو شاشة العرض وأشار إلى خط الرسم قائلاً: "ها هو عقد السيدة الشابة".

فعارضه الآخر قائلاً: "كلا، إنه فخ مصيدة العجوز". وهدأت حدة المناقشة، وشرع في مناقشة نقاط الخلاف.

وفجأة، تمكنا من رؤية الصورتين. ومن خلال المناقشة الهادئة المتراوية، تمكن كل واحد منا من إدراك وجهة نظر الطرف الآخر. ولكن عندما أبعدنا بصرنا عن الصورة وعُدنا النظر إليها مرة أخرى، شاهد معظمنا الصورة التي شاهدها أول مرة.

وغالباً ما استخدم هذا المنظور مع الأشخاص والمؤسسات الذين أعمل معهم، لأنه يعمق الفعالية الشخصية والفعالية بين الأشخاص. وأول شيء يظهره لنا مدى التأثير القوي الذي يتركه التكيف على تصوراتنا الذهنية. وإذا كانت عشر ثوانٍ فقط تركت هذا التأثير القوي على رؤيتنا للأشياء، فما بالك بتأثير ظروف الحياة كلها علينا؟

وكل المؤثرات التي تحيط بحياتنا من أسرة ومدرسة ودار عبادة وبيئة العمل والأصدقاء والشركاء إلى التصورات الذهنية الاجتماعية الحالية مثل السمات الشخصية الأصلية، كلها تمثل المؤثر الصامت اللاواعي علينا، والذي يساعد على تشكيل إطار مرجعيتنا وتصوراتنا الذهنية وخرائطنا.

كما يوضح لنا أيضاً أن تلك التصورات الذهنية هي مصدر توجهاتنا وسلوكنا، وأننا لا يمكننا التصرف بتكامل خارج إطار هذه التصورات. والأمر ببساطة أنه لا يمكننا الحفاظ على تكاملنا إذا قلنا خلاف ما نفعل.

فإذا كنا من بين تسعين بالمئة من الذين شاهدوا السيدة الشابة في الصورة المركبة، فسيكون من الصعب بمكان التفكير في أنها سيدة عجوز في حاجة إلى من يأخذ بيدها لتعبر الشارع. لذا، فإن توجهك وسلوكك نحوها لابد أن يتوافقا مع الطريقة التي تراها بها.

وهذا يلقي الضوء على واحد من أهم العيوب الأساسية للأخلاق الشخصية، وهو أن محاولة تغيير التوجهات والسلوكيات الخارجية لن تخدمك على المدى البعيد إذا أخفقت في التعرف على التصورات الذهنية الأساسية التي تستقي منها تلك التوجهات والسلوكيات.

وهذا المفهوم الاستدلالي يوضح أيضاً مدى قوة تأثير التصورات الذهنية على أسلوب تفاعلنا مع الآخرين. فكلما تعاملنا مع الأشياء بموضوعية ووضوح كما نراها، أدركنا أن الآخرين يرون الأشياء بمنظور مختلف وفقاً لوجهة الموضوعية والواضحة.

أين نقف يتوقف على مكان جلوسنا، وينزع كل واحد منا إلى التفكير في أننا نرى الأشياء كما هي، وأننا موضوعيون. ولكن الوضع ليس كما يبدو، لأننا نرى العالم ليس كما هو، ولكن كما نريد أن نراه أو كما تم تكييفنا كي نراه.

وعندما نهم بوصف ما نرى، فإننا نصف أنفسنا أو مفاهيمنا أو تصوراتنا الذهنية. وعندما يختلف الآخرون معنا في الرأي، فإن أول فكرة تقفز إلى أذهاننا هي أنهم يعانون من خطأ ما.

ويوضح هذا الاستدلال أن الأشخاص الذين يتمتعون بصفاء الذهن يرون الأشياء بمنظور مختلف من خلال عدسة تتفرد بها كل شخصية. ولكن هذا لا يعني أنه لا توجد حقائق ثابتة.

فمن خلال هذا الاستدلال، ينظر شخصان مختلفان إلى صورة معاً بعد تعرضهما مسبقاً للمؤثرات المختلفة لصورتين. إنهما ينظران الآن إلى نفس الحقائق المتماثلة، نفس الخطوط السوداء والمساحات البيضاء. وحينها يدركان هذه الحقائق، ولكن كل واحد منهما يفسر تلك الحقائق وفقاً للخبرات السابقة. والحقائق لا تعني شيئاً بعيداً عن التفسير.

وكلما أصبحنا أكثر وعياً بتصرفاتنا الذهنية أو خرائطنا أو فروضنا ومدى تأثرنا بخبراتنا، تمكنا من تحمل مسؤولياتنا تجاه تلك التصورات الذهنية وتفحصناها بدقة واختبرنا مصداقيتها تجاه الواقع واستمعنا إلى الآخرين بعقل متفتح، ومن ثم حظينا بصورة أشمل وكانت رؤيتنا للأمور أكثر موضوعية.

قوة تغيير التصور الذهني. ربما تكون أهم رؤية يمكن اكتسابها من مفهوم الاستدلال هي الجزء المتعلق بتغيير التصور الذهني، أو ما نطلق عليه تجربة فهم الشيء، أي عندما يتمكن الشخص أخيراً من رؤية الصورة المركبة من وجهة النظر الأخرى.

وكلما كان الشخص مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بمفهومه المبدئي، كانت تجربة الفهم أقوى، وكأنها ضوء متقد توهج بداخله. وأول من استخدم مصطلح تغيير التصور الذهني في كتابه المتميز الذي ترك علامة مؤثرة.

ويوضح كون أن أي إنجاز علمي تحقق في أي من مجالات العلوم المختلفة انطلق من الانقسام على التقاليد ومناهج التفكير القديمة والتصورات الذهنية القديمة. وكان عالم الفلك المصري الشهير بطليموس يعتقد أن الأرض هي مركز الكون، بعيد أن كوبرنيكوس رأى أن الشمس هي مركز الكون.

وتمخض عن هذا التغيير في الذهنية مقاومة شديدة ولحق به الكثير من الأذى. ومن حينها بدأ تفسير كل شيء تفسيراً مختلفاً. وكان نموذج نيوتن الفيزيائي يمثل تصوراً ذهنياً دقيقاً، ما زال أساساً لعلم الهندسة الحديث. ومع ذلك، كان هذا النموذج يعاني قصوراً جزئياً.

أما التصور الذهني لأينشتاين، وهو توصله لنظرية نسبية، فقد أحدث ثورة في الأوساط العلمية نظراً لقيمته التنبؤية والتوضيحية الكبيرة. وإلى أن تم التوصل إلى نظرية الجراثيم، كانت نسبة وفيات السيدات والأطفال أثناء الولادة نسبة كبيرة. وفي ذلك الحين، لم يتمكن أي شخص من فهم السبب وراء ذلك.

وكانت نسبة الوفيات بين الجنود الذين يتعرضون لجروح بسيطة أكبر منها مقارنة بالجنود الذين يتعرضون لإصابات جسيمة على الجبهة. ولكن ما إن تم التوصل إلى نظرية الجراثيم، ظهرت تصور ذهني جديد واتضحت أسباب تلك الإصابات، فتطورت الخدمات الطبية تطوراً كبيراً.

والولايات المتحدة الأمريكية اليوم هي نتاج تغيير التصور الذهني. فقد ظل نظام الحكم الملكي والمفهوم التقليدي للحكومة طوال قرون عدة، وكان يعرف بالحق الإلهي للملوك. ثم ظهرت تصور ذهني جديد وتشكيل حكومة من الشعب يختارها الشعب بنفسه وتعمل لصالحه. وولدت الديمقراطية الدستورية مطلقة العنان لطاقات البشر وإبداعاتهم التي لا حدود لها، وحققت مستوى معيشياً ووضعت معياراً للحرية والتحرر، ومعياراً للتأثير والأمل غير المسبوق في تاريخ الأمم والشعوب.

ولكن ليست جميع أنواع التغيير الذهني ذات توجهات إيجابية. فكما لاحظنا، فإن التحول من السمات الأخلاقية إلى الأخلاق الشخصية حاد بنا عن الطريق القويم وقت إعلامنا من جذورنا التي تغذينا بأسباب النجاح والسعادة الحقيقيين.

ولكن سواء أدى بنا تغيير التصور الذهني إلى توجهات إيجابية أو سلبية، أو ابتسم هذا التغيير بأنه لحظي أو تطوري، فإنه يساعدنا على الانتقال إلى رؤية جوانب العالم بشكل مختلف. وهذه التغييرات هي التي تصنع التحول القوي.

وتمثل تصوراتنا الذهنية صحيحة أو خاطئة مصادر توجهاتنا وسلوكياتنا، وكذلك تشكل علاقاتنا بالآخرين. وأتذكر تجربة تحول ذهني صغير مررت بها عندما كنت في طريقي إلى قطار أنفاق نيويورك صباح أحد أيام الأحد.

كان الناس يجلسون في هدوء، بعضهم كان يقرأ الجرائد، والبعض الآخر كان غارقاً في التفكير، والبعض الآخر أغلق عينيه طلباً للاسترخاء. كان الجو يغلفه الهدوء والسلام. وفجأة، دلف إلى عربة قطار الأنفاق رجل بصحبة أطفاله، وكانوا يثيرون جلبه شديدة أحدثت تغييراً مفاجئاً في جو العربة.

جلس الرجل إلى جواري وأغلق عينيه وكأنه لا يرى ما يحدث من أطفاله. وكان الأطفال يزرعون العربة ذهاباً وإياباً وهم يصرخون ويقذفون الأشياء، بل وينتزعون الصحف من أيدي الناس، مما تسبب في إزعاج شديد. ومع ذلك، لم يحرك الرجل الجالس بجواري ساكناً.

وكان من الصعب ألا أشعر بالضيق. ولم أستطع تصديق أن هذا الرجل متبلد إلى الحد الذي يجعله يترك أطفاله يفعلون ما يحلو لهم دون أن يفعل شيئاً حيال تصرفاتهم أو أن يتحمل مسؤولياتها. وكان من السهل أن أستشعر ضيق باقي الركاب.

وأخيراً، شعرت أنني كنت صبوراً ومتحملاً أكثر من اللازم، فالتفت إلى الرجل قائلاً: "سيدي، إن أطفالك يسببون إزعاجاً للكثير من الركاب، فهل يمكنك السيطرة عليهم قليلاً؟"

رفع الرجل بصره ونظر إلي وكأنه يعي أخيراً ما يجري وقال بهدوء: "أنت على حق. أعتقد أنه علي فعل شيء ما حيال هذا. لقد عدنا لتونا من المستشفى حيث توفيت والدته منذ ساعة، وأنا عاجز عن التفكير تماماً، وأعتقد أنهم أيضاً لا يعرفون كيف يتعاملون مع الموقف."

هل تتخيل كيف كان شعوري لحظتها؟ لقد تغير تصوري الذهني وفجأة رأيت الأشياء من منظور مختلف. ولأنني رأيت الأشياء من منظور مختلف، فقد فكرت بأسلوب مختلف، وصورني شعور مختلف، وبالتالي جاء تصرف مختلف. إذ زاد ضيقي ولم أعد مهتماً بالسيطرة على توجهي أو سلوكياتي. فقد شعرت بالرجل يعتصر قلبي وتدفقت بداخلي مشاعر التعاطف والشفقة على حاله.

"لقد توفيت زوجتك تواً، إنني شديد الأسف. هل يمكنك التحدث معي عن هذا الأمر؟ هل توجد طريقة أساعدك بها؟"

ومن هذه اللحظة، تغيرت الأمور تماماً. لقد مر العديد من الناس بهذا التغيير الجذري في التفكير عندما واجهوا أزمة تهدد حياتهم ورأوا أولوياتهم تتجسد فجأة أمام أعينهم من منظور مختلف، أو عندما اكتشفوا فجأة أن عليهم لعب دور جديد في الحياة، مثل لعب دور الزوج أو الزوجة أو الوالد أو الجد أو المدير أو القائد.

وقد نمضي أسابيع أو شهوراً أو حتى سنوات في العمل الجاد باستخدام السمات الشخصية الأصلية محاولين تغيير توجهاتنا وسلوكياتنا دون أن نخطو خطوة واحدة للاقتراب من ظاهرة التغيير التي تحدث تلقائياً عندما نرى الأشياء بمنظور مختلف.

وبات من الواضح أننا إذا أردنا إحداث تغييرات صغيرة في حياتنا، فعلينا بذل المزيد من التركيز على توجهاتنا وسلوكياتنا. ولكن إذا أردنا تغييراً جذرياً، فعلينا استخدام التصورات الذهنية الأساسية.

وكما قال ثورو: "من بين كل ألف ورقة شجر نقتلعها، توجد واحدة متميزة بالقرب من الجذر." ويمكننا تحقيق تطورات مذهلة في حياتنا إذا تجاهلنا أوراق توجهاتنا وسلوكياتنا وتنبهنا إلى الجذور، أي التصورات الذهنية التي هي منبع سلوكياتنا وتوجهاتنا.

تدبر وكن ما ترى. بالطبع، لا يمكن القول بأن جميع التغييرات الذهنية تحدث تلقائياً. فعلى عكس التحول الذي حدث لي عندما كنت أستقل قطار الأنفاق، فإن تجربة تغيير التصور الذهني التي مررت بها أنا وساندرا مع ابننا كانت تجربة بطيئة وصعبة وموجهة.

إن النهج الذي استخدمناه أولاً كان نتاج سنوات من الأخلاق الشخصية التي تربينا عليها وتأثر بالمؤثرات الخارجية. ولكن نجاحنا الحقيقي كآباء كان نتاج اعتناقنا تصورات ذهنيه أعمق، وكذلك إدراكنا لمقياس النجاح لأطفالنا. فنحن لم نتمكن من رؤية الأمور بمنظور مختلف حتى تمكنا من تغيير تصوراتنا الذهنية الأساسية، وبالتالي تمكنا من تحقيق تغيير جذري في حياتنا ومواقفنا.

وكان تمكن من رؤية ابننا بعين مختلفة كان علينا أن وساندرا أن نتغير. وقد تشكلت تصوراتنا الذهنية بعدما استثمرناها في تطوير وتنمية شخصياتنا. ولا يمكن الفصل بين التصورات الذهنية والشخصية. فما تكون عليه وما تراه في الأبعاد الإنسانية وما تراه ذا صلة وثيقة بما أنت عليه.

ولا يمكننا تغيير نظراتنا للأشياء إلا بتغيير ما نحن عليه في الحال، والعكس صحيح. حتى في تجربتي مع التغير الفوري في تصوراتي الذهنية صباح ذاك اليوم في قطار الأنفاق، كانت التغير في نظرتي للأمور ناتجاً عن شخصيتي الأساسية ومتشكلاً وفقها.

وأنا على يقين عدداً من الناس ممن أدركوا حقيقة الموقف فجأة لم يتجاوز إحساسهم الشعور بالأسى أو بالذنب، إذ جلسوا في صمت مطبق بجوار الرجل المرتبك. ومن ناحية أخرى، كنت على يقين أن هناك بعض الناس الذين استشعروا حساسية الموقف وأن المشكلة عميقة وحاولوا تقديم يد المساعدة قبلي.

وتصوراتنا الذهنية قوية لأنها تصنع العدسة التي نستطيع رؤية العالم من خلالها. وقوة تغيير التصور الذهني قوة أساسية للتغير الجذري، سواء أكانت تغيير تلقائياً أو بطيئاً أو متروياً.

التصور الذهني وفقاً للمبادئ. تقوم السمات الشخصية الأصلية على أساس فكرة رئيسية وهي المبادئ التي تحكم الفعالية الإنسانية، وهي القوانين الطبيعية للأبعاد الإنسانية الحقيقية التي لا يطولها التغيير ولا تقبل المناقشة، شانها شأن قانون الجاذبية في البعد الفيزيائي.

ويمكننا التعرف على واقع وتأثير تلك المبادئ من خلال تجربة أخرى لتغيير التصور الذهني رواها لنا فرانك كوتش في "بروسيدنج"، وهي مجلة يصدرها المعهد البحري. تم اختيار سفينتين حربيتين لإجراء مناورات بحرية في إطار تدريب للأسطول لعدة أيام في ظروف جوية سيئة.

وكنت أخدم في السفينة الحربية الرئيسية، وكنت أراقب منصة الربان عندما حل الليل وكانت الرؤية متعذرة نتيجة للشبورة الكثيفة. لذا ظل القائد متيقظاً ويقف على منصة الربان يراقب ما يجري.

وعند حلول الظلام بفترة قصيرة، أعلن المراقب الواقف على جنب المنصة: "هناك ضوء يصنع عند مقدمة الميمنة". فسأل القائد: "وهل هو ثابت أم يتحرك؟" عند مؤخرة المركب؟" فأجابه المراقب: "ثابت أيها القائد".

وهو ما يعني أننا معرضون لخطر الاصطدام بهذا المركب. فنادى الربان على عامل الإشارة قائلاً: "ابعث إشارة خطر إلى هذا المركب. إننا على وشك الاصطدام. أقترح تغيير مساركم 20 درجة". وجاءت إشارة من المركب: "أقترح أن تغيروا مساركم 20 درجة".

فقال القائد: "أرسل ما يلي: أنا القائد. غير مساركم 20 درجة". وجاء الرد: "أنا بحار من الدرجة الثانية. من الأفضل لكم تغيير مساركم 20 درجة". وهنا انتهت غضب القائد موجه غضب عارمة وصاح: "أرسل لهم: نحن سفينة حربية. غير مسارك 20 درجة". وجاء الرد: "هنا الفنار". فغيرنا مسارنا.

وتجربة تغيير التصور الذهني التي تعرض لها الربان وتعرضنا لها عقب قراءة الرسالة غيرت الموقف كلية. فقد اكتشفنا حقيقة المنظور الضيق للربان نتيجة للضباب الكثيف. ونفس الأمر ينطبق على أسلوب فهمنا لحياتنا.

إذاً، المبادئ هي الفنار الذي نقتدي به، لأنها قوانين الطبيعة التي لا يمكن خرقها، تماماً كما علق على المبادئ التي تضمنها في المهر الرائع "الوصايا العشر" قائلاً: "مستحيل أن ننتهك القانون، لكن باستطاعتنا فقط أن نهزم أنفسنا أمام هذا القانون".

وبينما قد ينظر الناس إلى حياتهم وتعاملاتهم من خلال التصورات الذهنية أو الخرائط القائمة على خبراتهم أو تأثراتهم الخارجية، فإن تلك الخرائط ليست هي الأرض، بل الواقع المتأثر بآرائنا مجرد محاولة لوصف الأرض فحسب. أما الحقيقة الموضوعية أو الأرض نفسها، فهي تتألف من مبادئ الفنار التي تحكم نمو البشر وسعادتهم، قوانين الطبيعة المتداخلة في نسيج كل مجتمع متحضر على مر التاريخ.

وتتألف أيضاً من جذور كل أسرة ومؤسسة بقيت وازدهرت على مر الزمان. ولا تغير درجة دقة وصف الخرائط الذهنية للارض من تواجدها. وتصبح حقيقة هذه المبادئ أو قوانين الطبيعة واضحة لكل من يفكر تفكيراً عميقاً ويتفحص دورة حياة التاريخ الاجتماعي. وتطفو هذه المبادئ على السطح في كل العصور والأزمان.

ومدى إدراك الناس في المجتمع لهذه المبادئ وتعايشهم المتسق معها يؤدي إما إلى بقائهم واستقرارهم أو تفرقهم وفنائهم. المبادئ التي أشير إليها في هذا المجال لا يقتصر فهمها على فئة محددة من الناس، كما أنها لا تتسم بالغموض أو بأنها أفكار دينية. فهذا الكتاب لا يتضمن بين درفتيه أي مبادئ فريدة غريبة على أي عقيدة أو دين، بما في ذلك عقيدتي شخصياً.

إن هذه المبادئ جزء من كل العقائد الدينية والفلسفات الاجتماعية والنظم الأخلاقية، كما أنها واضحة في ذاتها ويمكن لأي شخص إثبات صحتها. الأمر يبدو كما لو أن هذه المبادئ أو قوانين الطبيعة جزء من ضمير كل إنسان وجزء من معرفته. فيبدو أن هذه المبادئ توجد بداخل كل كائن حي بغض النظر عن ظروفه الاجتماعية أو تمسكه بها.

وبالرغم من حقيقة أن هذه المبادئ قد تكون مدفونة تحت السطح أو غير محسوسة نتيجة للظروف أو لعدم التمسك بها، فأنا أشير على سبيل المثال إلى مبدأ العدالة الذي يستمد منه مفهوم المساواة والعدل. فيتحلى الأطفال الصغار بمبدأ العدالة بالفطرة حتى عند معايشتهم لتجارب معاكسة.

ولمعنى العدالة تعريفات كثيرة، كما توجد أساليب متعددة لتحقيقها، لكن لها مفهوماً واحداً عالمياً. ونزاهة وأمانة أمثلة أخرى للمبادئ، فهما يضعان حجر الأساس للثقة، والتي تعد ضرورية للتعاون والنمو الشخصي والجماعي.

تم مبدأ آخر: والكرامة الإنسانية. وإعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكية والتجسيد الواضح لهذه القيمة أو المبدأ. إننا نؤمن بحقيقة هذه المبادئ. لقد خلق الله الناس سواسية ومنحهم حقوقاً لا يمكن تجريدهم منها، من بينها الحق في الحياة والحرية والسعي لتحقيق السعادة.

ومن بين المبادئ أيضاً مبدأ مساعدة الغير من خلال تقديم المساعدات المادية. وهناك مبدأ آخر والجودة أو التميز. وهناك مبدأ الإمكانات المحتملة، وهو يعني أننا في مرحلة مبكرة للغاية من التطور، ومن ثم يمكننا النمو وإطلاق المزيد والمزيد من الإمكانات المحتملة وتنمية المزيد من المهارات.

وأكثر المبادئ ارتباطاً بمبدأ الإمكانات المحتملة هو مبدأ النمو، وهو عملية إطلاق الإمكانات وتنمية المهارات، بالإضافة إلى الحاجة المصاحبة إلى مبادئ أخرى مساعدة مثل الصبر والنضج والتشجيع.

والمبادئ ليست ممارسات. فالممارسة هي نشاط أو عمل محدد. والممارسة التي تنجح في ظل ظروف محددة لا تنجح بالضرورة في ظل ظروف أخرى، تماماً مثل الوالدين اللذين يحاولان تنشئة طفلهما الثاني بنفس الأسلوب الذي اتبعاه مع طفلهما الأول، ولكنهما يفشلان في ذلك.

إذاً، الممارسات تخضع لمواقف محددة، فإن المبادئ تتسم بأنها حقائق وعميقة وعالمية التطبيق. والمبادئ تنطبق على الأفراد وتنطبق على الزيجات وعلى الأسر وعلى المؤسسات العامة والخاصة بجميع أنواعها. وعندما تتحول هذه المبادئ إلى عادات، فإنها تمكن الناس من خلق مجال واسع ومتنوع من الممارسات الصالحة للتعامل مع جميع المواقف على اختلاف أنواعها.

والمبادئ ليست قيماً. فأفراد العصابة تجمعهم قيم واحدة هي انتهاك المبادئ الأساسية التي نتحدث عنها. فالمبادئ هي الأرض والقيم هي الخرائط. وعندما نعتنق المبادئ الصحيحة، فإننا نمتلك الحقيقة، وهي معرفة الأشياء كما هي.

والمبادئ هي إرشادات للسلوك الإنساني، والتي ثبت أنها ذات قيمة ثابتة ودائمة. وأن هذه المبادئ أساسية وغير قابلة للنقاش لأنها ذاتية البرهان.

واحدة من أسرع الطرق التي تمكنك من فهم الطبيعة الثابتة للمبادئ هي التفكير في سخافة أن تعيش حياة فعالة أساسها اعتناق أو استخدام عكس تلك المبادئ. فلا أعتقد أن أياً منا سيفكر بجدية في اتخاذ الظلم أو الخداع أو الدنيوية أو اللامبالاة أو المقدرة المتوسطة التدني كأساس قوي للنجاح والسعادة الأبديين.

وعلى الرغم من أن الناس قد يجادلون حول طريقة تعريفهم لتلك المبادئ أو توضيحها أو كيفيه تحقيقها، فهناك إحساس بوجودها. وكلما تشابهت خرائطنا أو تصوراتنا الذهنية مع تلك المبادئ أو قوانين الطبيعة، ازدادت دقتها وفعاليتها.

ومما لا شك فيه أن تأثير الخرائط الصحيحة على شخصيتنا وعلى فعالية علاقتنا مع الآخرين يتسم بأنه أقوى من أي جهد نبذله لإحداث تغيير في توجهاتنا وسلوكياتنا.

مبادئ النمو والتغيير. إن البريق المتوهج للأخلاق الشخصية سببه أنها الطريقة الأسرع والأسهل لتحقيق حياة تتمتع بالفعالية الشخصية والثراء وإقامة علاقات قوية وعميقة مع الآخرين دون اتباع العملية الطبيعية للعمل والنمو، والتي يمكن عن طريقها نيل هذا المراد.

إنها رمز بلا مادة، وهي الخطة الواعدة بتحقيق الغنى السريع أو جني ثروة بدون ما شقت العمل. وهي خطة قد تبدو ناجحة، غير أن واضعها لا يتحرك من مكانه. والأخلاق الشخصية ما هي إلا وهم وخداع ومحاولة استخدام تقنياتها وحلولها السريعة بهدف تحقيق نتائج عالية الجودة، أشبه ما تكون بمحاولة الذهاب إلى مكان ما في شيكاغو باستخدام خريطة ديترويت.

يقول إريك فروم: "هو أفضل من لاحظ جذور وثمار الأخلاق الشخصية. أصبح إنسان اليوم يتصرف مثل الإنسان الآلي الذي لا يعرف نفسه ولا يفهمها. والشخص الوحيد الذي يعرفه هو الشخص الذي من المفترض أن يكون عليه، والذي حلت لديه الدردشة عديمة المعنى محل الحديث التواصلي، وحلت ابتسامته المصطنعة محل ضحكته الراقية التي تخرج من القلب، واستبدل الألم الراقي بإحساس من اليأس الممل. وهناك عبارتان يمكن وصف هذا الفرد بهما: الأولى أنه يعاني من عيوب في التعامل بتلقائية وعيوب في شخصيته، والتي تبدو غير قابلة للعلاج. وفي نفس الوقت، يمكن القول أنه لا يختلف اختلافاً أساسياً عن ملايين البشر الذين يعيش بهم الكون."

وفي جميع مناحي الحياة توجد خطوات متتابعة للنمو والتطوير. فالطفل يتعلم كيف يتقلب ثم يجلس ثم يحبو ثم يتعلم كيف يمشي ويجري. وكل خطوة من هذه الخطوات تأخذ كل واحدة منها فترة من الوقت، ولا يمكن إلغاء أي منها. نفس الأمر ينطبق على جميع مراحل الحياة وجميع مجالات التطور، سواء كانت تعلم العزف على البيانو أو التواصل الفعال مع زملاء العمل.

وينطبق هذا الأمر أيضاً على الأفراد وبين الأزواج والأسر والمؤسسات. ونحن نعرف ونتقبل حقيقة أو مبدأ العملية في نطاق الأشياء المادية، ولكن فهمها في نطاق العواطف والعلاقات الإنسانية وفي إطار شخصية الفرد أقل شيوعاً وأكثر صعوبة. وحتى لو تمكنا من فهمها، فإن تقبلنا لها والعيش في تناغم معها أقل شيوعاً وأكثر صعوبة. وبالتالي نلجأ في بعض الأحيان إلى طرق مختصرة متوقعين تخطي هذه الخطوات الحيوية بهدف توفير وقتنا وجهدنا وننتظر حصاد الثمار المرغوبة.

ولكن ماذا يحدث عندما نحاول العملية الطبيعية لنمونا وتطورنا؟ إذا كان تصنيفك كلاعب متوسطاً، ولكنك قررت اللعب في مستوى أعلى لتترك انطباعاً أفضل، فماذا ستكون النتيجة المتوقعة؟ هل كانت التفكير الإيجابي وحده عوناً لك في المنافسة الفعالة ضد اللاعب المحترف؟

ماذا لو أقنعت أصدقائك بأنه بإمكانكم عزف البيانو في قاعة الحفلات بينما مهاراتكم الحالية لا تتجاوز مستوى المبتدئين؟ الإجابة واضحة ببساطة: من المستحيل انتهاك عملية التطور أو تجاهلها أو اختصارها، فذلك مناف للطبيعة. ومحاولة السعي وراء هذه الطرق المختصرة لن تتمخض إلا عن خيبة أمل وإحباط.

فإذا كنت أحتل المرتبة الثانية في مجال ما مكون من عشرة مستويات وأرغب في الارتقاء إلى المستوى الخامس، فلابد أن أتقدم أولاً إلى المستوى الثالث. طريق الألف ميل يبدأ بخطوة، ولا يسعك أخذ أكثر من خطوة واحدة في المرة الواحدة.

فإذا لم تسمح لمعلمك بمعرفة مستواك بتوجيه سؤال أو بإظهار جهلك، فإنك لن تتعلم شيئاً أو تنمو. ولن تتمكن من التظاهر لفترة طويلة، لأن أمرك سينكشف حتماً. وغالباً ما يكون الاعتراف بالجهل خطوة على طريق التعلم.

ويقول ثورو: "كيف يمكننا تذكر جهلنا الذي تتطلبه عملية نمونا بينما نستخدم معرفتنا طوال الوقت؟" وتحضرني مناسبة عندما أتت إلي فتاتان شابتان وهما ابنتا صديق لي، وكانتا تدرفان الدموع وتشكوني لي قسوة والديهما وعدم قدرته على فهمهما، وكانتا خائفتين من التحدث إلى والديهما خشية العواقب التي قد تترتب على هذا، ولكنهما في حاجة إلى حب والديهما وتفاهمهما وإرشادهما.

تحدثت إلى والدهما ووجدته مدركاً للوضع على المستوى الفكري. وبالرغم من اعترافه هذا، إلا أنه كان يعاني من مشكلة سرعة الغضب ويرفض تحمل مسؤولية هذه المشكلة وأن يتحلى بالصدق مع نفسه ليتقبل حقيقة أن تطوره العاطفي كان ضعيفاً. لقد كان كبرياؤه أقوى من أن يجعله يستطيع أن يأخذ الخطوة الأولى على طريق التغيير.

ولابد من تعلم الإنصات من أجل إقامة علاقات فعالة مع الزوجة أو الزوج أو الأطفال أو الأصدقاء أو شركاء العمل. وهذا يتطلب قوة عاطفية، لأن الصبر والانفتاح والرغبة في الفهم جزء من الإنصات، وهي سمات عالية التطور للشخصية. ومن السهل للغاية أن يتصرف المرء من منطلق مستوى عاطفي منخفض ويعطي نصائحه رفيعة المستوى.

ومن السهل ملاحظة تطور مستوى أدائنا في لعبة التنس أو العزف على البيانو، حيث يصعب التظاهر بخلاف الحقيقة. لكن الأمر ليس بهذا الوضوح عندما يتعلق بالتطور على المستوى الشخصي والعاطفي. فيمكننا إبهار أو خداع الغرباء أو الزملاء، كما يمكننا التظاهر بخلاف طبيعتنا، ونستطيع النجاح لفترة على الأقل في العالم، وربما نتمكن حتى من خداع أنفسنا.

ولكن أعتقد أن معظمنا يعرف شخصيته الحقيقية حق المعرفة، وأعتقد أن الكثير ممن نعيش معهم أو نختلط بهم في العمل يعرفونها كذلك. وقد شاهدت عواقب محاولة اختصار عملية النمو الطبيعية في داخل عالم الأعمال، إذ يحاول المديرون التنفيذيون شراء ثقافة جيدة لتحسين الإنتاج والجودة وتقوية أواصر الثقة وتطوير خدمة العملاء، مستخدمين الخطب الرنانة أو التدريب على كيفية الابتسام والتدخلات أو الدخول في عمليات اندماج أو استحواذ أو استيلاء ودي أو بالقوة، متجاهلين جوا انعدام الثقة الذي أفرزته عملية التلاعب تلك.

وعندما لا تفلح مثل هذه الأساليب، يبحثون عن غيرها من تقنيات الأخلاق الشخصية، متجاهلين ومنتهكين طوال الوقت المبادئ والعملية الطبيعية، على الرغم من أنها الأساس الذي تبنى عليه الثقة.

وأتذكر أنني كأب انتهكت هذا المبدا منذ عدة سنوات. ففي أحد الأيام، عدت إلى المنزل حيث كنا سنحتفل بعيد ميلاد طفله الثالث. وعندما دلفت إلى المنزل، وجدت ابنتي تجلس منزويه في أحد أركان الحجرة الأمامية، متشبثة بكل الهدايا التي قدمت لها، ولا تسمح لأي من الأطفال بمشاركتها اللعب بتلك الألعاب.

وأول شيء لاحظته هو أن العديد من الآباء المتواجدين في الحجرة لاحظوا هذا السلوك الأناني. وقد شعرت بحرج شديد، وقد تضاعف شعوري بالحرج لأنني كنت في الوقت ذاته أعلم طلاباً في الجامعة فن العلاقات الإنسانية، وأعلمهم أو على الأقل أشعر بما يتوقعه مني الآباء الآخرون.

وكان جو الحجرة مشحوناً، وكان الأطفال متجمرين حول طفلتي وأيديهم ممدودة مطالبين باللعب بالهدايا التي قدموها لها، وابنتي ترفض بإصرار. قلت لنفسي: "لابد أن أعلم ابنتي مبدأ المشاركة، لأن قيمة المشاركة من أهم الأشياء التي نؤمن بها."

إذا حاولت في البداية أن أطلب منها ببساطة: "حبيبتي، من فضلك، هلا سمحت لأصدقائك بمشاركتك اللعب بالألعاب التي قدموها لك؟" فأجابت بعناد: "كلا". وحاولت في الطريقة الثانية استخدام القليل من المنطق: "حبيبتي، إذا تعلمت مشاركة لعابك مع الآخرين، فإنهم سيسمحون لك بمشاركتهم لعابهم عندما تذهبين إلى منازلهم". ومرة أخرى كان ردها الفوري: "كلا".

وازداد وضوح حرجت، لأنه بات من الواضح أن أسلوبي غير مؤثر. وكان الطريقة الثالثة هي استخدام الرشوة، فقلت لها بهدوء شديد: "حبيبتي، إذا شاركتهم اللعب، سأقدم لك مفاجأة جميلة، سأمنحك قطعة من العلك". فانفجرت قائلة: "لا أريد علكاً!"

والآن بدأت أشعر بضيق وحنق شديدين. وفي محاولة رابعة، لجأت إلى التخويف والتهديد: "إذا لم تشاركيهم اللعب، ستقعين في متاعب جمة". أجابت باكية: "لا يهمني، إنها أغراضي وليس علي مشاركتها مع أحد".

وأخيراً، لجأت إلى القوة وانتزعت منها بعض اللعب وأعطيتها للأطفال الآخرين قائلاً: "حسناً أيها الأطفال، العبوا بهذه اللعب". وربما كانت ابنتي في حاجة إلى تجربة الامتلاك قبل أن تسمح بمشاركتها. فإذا لم أتمكن من امتلاك الأشياء، فهل يمكنني منحها؟

لقد كانت ابنتي تحتاج مني، باعتباري والدها، أن أتمتع بقدر عالٍ من النضج العاطفي كي أتركها تمر بهذه التجربة. ولكن في هذه اللحظة، كنت أقدر آراء الآباء الآخرين أكثر من تقديري لنمو وتطور طفلتي وعلاقة كل منا بالآخر. لقد أصدرت حكماً مبدئياً بأنني على صواب وأنها مخطئة لعدم قيامها بما أريد.

وربما أكون بلغت في فرض مستوى عالٍ من التوقع على ابنتي، لأنني أرى من وجهة نظري أنني كنت في المستوى الأضعف. فأنا لم أكن مستعداً لمنحها الصبر أو التفاهم. لذا توقعت أن تقدم أغراضها. وفي محاولة لتعويض ضعفي، استعرت القوة من موقعي وسلطتي وفرضت عليها القيام بما أريد.

ولكن استعارة القوة تبني ضعفاً في المستعير، لأنها تعزز الاعتماد على العوامل الخارجية للقيام بالأشياء. وهذه الاستعارة تبني ضعفاً داخل الإنسان الذي يفرض ما يريد، وتصيب عملية تطوير ونمو الاستقلال المبني على المنطق، وكذا الانضباط الداخلي بسكتة مؤقتة. وأخيراً، تبني استعارة القوة ضعفاً في العلاقات، لأن الخوف يحل محل التعاون، ويصبح الشخصان أكثر دفاعية وعشوائية.

ومن أمثلة مصادر القوة المستعارة: التفوق في الحجم أو القوة البدنية أو الموقع أو السلطة أو المؤهلات أو المظهر أو الإنجازات السابقة. ولكن ماذا يحدث عندما يتغير مصدر القوة المستعارة أو يتلاشى؟

لو كنت أكثر نضجاً، لتمكنت من الاعتماد أكثر على قوة مفهوم المشاركة والنمو وقدرة على الحب والتربية. ولا سمحت لابنتي بحرية الاختيار سواء رغبت في مشاركة لعابها أم لا. وبعد محاولة استخدام المنطق معها، ربما كان يتعين علي تحويل انتباه الأطفال الآخرين إلى لعبة مسلية ورفع كل هذا الضغط العاطفي عن ابنتي.

ولقد تعلمت أنهما إن يشعر الأطفال بإحساس التملك الحقيقي، فإنهم يشاركون أغراضهم بطبيعية وحرية وتلقائية. وكانت الخبرة التي اكتسبتها من هذا الموقف هي اختيار الوقت المناسب للتعليم. فعندما تكون العلاقات متوترة والجو مشحوناً بالانفعالات، فإن أي محاولة للتعليم تترجم على أنها إصدار لأحكام ورفض.

ولكن إذا تحدثت إلى الطفل بهدوء وعلى انفراد والعلاقة بينكما على ما يرام، سترى أن تعليماتك أو القيم التي تحاول غرسها تترك أثراً كبيراً فيه. وربما كان النضج العاطفي الذي أغفلته الموقف حينها خارجاً عن نطاق صبري وسيطرتي على نفسي. وربما يكون من الضروري أن نشعر بحرية الامتلاك قبل أن نشعر بضرورة المشاركة.

والعديد من الناس ممن يعطون بطريقة ميكانيكية أو يرفضون مشاركة ما لديهم مع الآخرين في زواجهم أو أسرهم، ربما لم يجربوا معنى امتلاك أنفسهم وشعورهم بشخصيتهم وقيمتهم. ومن المهم ونحن نربي أطفالنا أن نسمح لهم بالشعور بمعنى الامتلاك وأن نتحلى بالقدر الكافي من الحكمة لنعلمهم قيمة العطاء ونكون مثالاً لهم.

المشكلة تكمن في المنظور الذي نراها من خلاله. ينبهر الناس عندما يرون أشياء جيدة تحدث للأفراد الآخرين أو الأسر أو المؤسسات القائمة على أساس من المبادئ القوية. إنهم يحترمون قوة شخصية هؤلاء ونضجهم ووحدة أسرهم وثقافتهم المؤسسية المستخدمة.

والسؤال الأول الذي يطرحونه يكشف تصورهم الذهني الأساسي: "كيف فعلت هذا؟" علمني التقنيات التي استخدمتها. ولكن المعنى الحقيقي لسؤالهم: "أعطني نصيحة سريعة أو حلاً سريعاً يخفف من الألم الذي أعانيه نتيجة للموقف الذي أمر به." وسيجدون من يلبي احتياجاتهم ويعلمهم تلك الأشياء.

وقد تنجح تلك المهارات والتقنيات لوقت قصير، وقد تساعد في التخلص من بعض المشاكل الظاهرية أو الخطيرة عن طريق "الأسبرين الاجتماعي" والضمادات السريعة. ولكن تظل الحالة مزمنة كما هي، وستظهر أعراض جديدة خطيرة أخرى.

وكلما انخرط الناس في استخدام الحلول السريعة والتركيز على المشكلات الخطيرة والآلام التي تسببها، أدت هذه الحلول إلى تفاقم المشكلات المزمنة. إن المشكلة تكمن في الأسلوب الذي نراها بها.

أود أن ألقي نظرة أخرى على بعض الشكاوى التي استعرضتها في بداية هذا الفصل وتأثير التفكير باستخدام الأخلاق الشخصية. لقد تلقيت دورة تدريبية تلو الأخرى عن التدريب الإداري الفعال، وكنت أتوقع الكثير من العاملين معي. وقد عملت جاهداً من أجل خلق علاقة ودية معهم وعاملتهم معاملة راقية.

غير أنني لم أشعر بولاء أي منهم. وفكرت أنني لو مرضت ليوم واحد وتغيبت عن العمل، فإنهم سيقضون هذا اليوم في اللعب داخل النافورة. لماذا لم أتمكن من تدريبهم على الاعتماد على الذات وتحمل المسؤولية؟ أم يتعين علي البحث عن موظفين أفضل؟

والأخلاق الشخصية تجعلني أشعر أنه من الضروري التصرف تصرفاً درامياً، مثل زيادة التحدي في المكان وشغل الجميع بمهام إضافية، الأمر الذي من شأنه أن يشحذ طاقتهم ويحثهم على تقدير ما بين أيديهم. أو ربما يمكنني إيجاد برنامج تدريبي تحضيري يدفعهم إلى الالتزام. أو ربما يتعين علي البحث عن موظفين قادرين على أداء العمل بأسلوب أفضل.

ولكن هل من الممكن أن يكون متوارياً أسفل انعدام الولاء الظاهري هذا تساؤل لدى العاملين: "إن كنت حقاً حريصاً على مصلحتهم أم لا؟" هل يشعرون أنني أتعامل معهم وكأنهم آلات؟ هل رأيهم هذا يحمل قدراً من الصدق في أعماقهم؟ هل هناك احتمال أن تكون الطريقة التي أنظر بها للعاملين لدي جزء من المشكلة لدي؟

الكثير لأقوم به، ولكن اليوم لا يكفي. لذا أشعر بأنني مضغوط وألهو طوال الأربع وعشرين ساعة لمدة سبعة أيام في الأسبوع. ولقد حضرت دورات حول إدارة الوقت وجربت عشرات الخطط وجدت فيها بعض المساعدة، ولكني ما زلت أشعر أنني لا أعيش الحياة السعيدة المنتجة والمريحة التي أريدها.

وتشير الأخلاق الشخصية بأنه لابد من وجود شيء ما من شأنه مساعدتي على التعامل مع كل هذه الضغوط بفعالية. ربما بعض الخطط الجديدة أو الندوات. ولكن هل يمكن أن لا تكون الفعالية هي الإجابة؟ إنجاز الكثير من الأشياء في وقت أقل سيحدث فرقاً، أم تراه سيزيد فقط من السرعة؟

التفاعل مع الناس والظروف التي يبدو أنها تتحكم في حياة المرء. هل من الضروري أن أبحث داخل أعماقي عن تصورات ذهنية من شأنها التأثير على نظرتي للوقت وللحياة ولطبيعة الخاصة؟

لقد أصبح زواجي مملاً. إننا لن نتتشاجر أو أي شيء من هذا القبيل. إننا ببساطة لم نعد نحب بعضنا. ولقد ذهبنا إلى مستشار زواج وجربنا العديد من الأشياء، ولكن يبدو أننا لم نعد نكن لبعضنا أي مشاعر.

تخبرنا الأخلاق الشخصية بضرورة وجود كتاب جديد أو ندوه يتحدث الناس من خلالها عن مكنونات صدورهم بحيث يتمكن الزوج أو الزوجة من فهم الطرف الآخر فهماً صحيحاً. أو ربما يكون كل هذا غير مجدٍ. والحل في أن أبحث لي عن علاقة جديدة.

ولكن هل من الممكن ألا تكمن المشكلة في شريك حياتي؟ هل يحتمل أنني أعزز نقاط ضعف شريك حياتي وأعيش حياتي وفقاً للطريقة التي يعاملني بها؟ هل تكونت لدي بعض التصورات الذهنية عن شريك حياتي وزواجي وعلى المعنى الحقيقي للحب، والتي تغذي المشكلة؟

هل يمكنك أن ترى مدى تأثير الأساسي لتصوراتنا الذهنية للأخلاق الشخصية على الطريق التي ترى بها المشاكل، وكذلك الطريقة التي تحاول حلها بها؟ وسواء تمكن الناس من رؤيتها أم لا، فإن الكثيرين منا أصبحوا لا يقعون في شراكة الخداع بالوعود الجوفاء للأخلاق الشخصية.

فمن خلال الجولات في جميع أنحاء البلاد وعملي مع العديد من المؤسسات، اكتشفت أن المديرين التنفيذيين ذوي المقدرة على التفكير بشكل سليم يشعرون بالفطور والملل عند استماعهم إلى المتحدثين النفسيين والتحفيزيين ممن لا يملكون سوى القصص المسلية الممزوجة بالأحاديث المكررة. فهم بحاجة إلى مادة وإلى عملية، كما أنهم بحاجة إلى أكثر من مجرد أسبرين أو ضمادات.

إنهم في حاجة إلى حل لمشاكلهم المزمنة وتركيز على المبادئ التي تتمخض عن حلول طويلة الأمد.

مستوى جديد من مستويات التفكير. ذكر ألبرت أينشتاين ملاحظة قائلاً: "لا يمكن حل المشكلة الكبيرة التي تواجهنا ونحن على ذات مستوى التفكير الذي كنا عليه عندما صنعنا هذه المشكلات."

عندما ننظر حولنا وبداخلنا وندرك المشاكل التي خلقناها على مدار حياتنا وأثناء تفاعلنا مع الأخلاق الشخصية، ندرك أنها مشاكل أساسية وعميقة لا يمكن حلها بنفس المستوى السطحي الذي تكونت نتيجته. ونحن بحاجة إلى مستوى جديد وأعمق من مستويات التفكير.

نريد تصوراً ذهنياً قائماً على أساس المبادئ التي تقدم وصفاً دقيقاً لأرضية فاعلية وتفاعل البشر لحل تلك الهموم العميقة. وهذا المستوى الجديد من مستويات التفكير هو ما يدور كتاب "العادات السبع للناس الأكثر فعالية".

إنه عبارة عن منهج من الداخل إلى الخارج يتمركز حول المبادئ وقائم على الشخصية ويهدف إلى تحقيق الفاعلية الشخصية والجمعية. ومن الداخل إلى الخارج تعني أن تبدأ بنفسك أولاً، والأكثر أهمية أن تبدأ بالجزء الداخلي لذاتك بتصوراتك الذهنية وسماتك ودوافعك.

وهذا يعني أنك لو أردت أن تحظى بزواج سعيد، فكن الشخص الذي يولد طاقة إيجابية وتخلَّ تماماً عن الطاقة السلبية ولا تعمل على تعزيزها. وإذا أردت أن يكون ابنك المراهق أكثر سعادة وتعاوناً، فكن أباً محباً يتمتع بدرجة كبيرة من التفاهم والإحساس بمشاعره والتوافق معه.

وإذا أردت أن تحظى بالمزيد من الحرية في عملك وأن تقول وتفعل ما تشاء، فعليك بتحمل المسؤولية وأن تمد يد المساعدة للجميع وأن تكون الموظف المتعاون. وإذا أردت أن تكون موضع ثقة، فاحرص على أن تستحق هذه الثقة. وإذا أردت احتلال المرتبة الثانية في قائمة الموهوبين، فعليك بالتفكير أولاً في الصلاح الأساسي للأخلاق.

ويعني منهج التناول من الداخل إلى الخارج أن الانتصارات الشخصية تسبق الانتصارات العامة، أي أن قطع العهود على أنفسنا والحفاظ عليها يأتي قبل التعهد أمام الآخرين والحفاظ على تلك العهود. كما يعني هذا التناول أيضاً أن وضع الشخصية قبل السمات أمر غير مجدٍ، لأنه من الصعب تحسين علاقتنا بالآخرين قبل أن نحسن من أنفسنا.

ومن الداخل إلى الخارج هي عملية عملية تجديد مستمرة أساسها قوانين الطبيعة التي تحكم نمو البشر وتطورهم، وهو نوع من التطور اللولبي الصاعد الذي يؤدي إلى أشكال متطورة وراقية من الاعتماد على الذات المسؤولة والاعتماد بالتبادل الفعال.

وقد أتيحت لي فرصة العمل مع العديد من الناس، أناس رائعين، وأناس موهوبين، وأناس يودون من أعماقهم تحقيق السعادة والنجاح، وأناس باحثين، وأناس يتسببون في شرح الآخرين، كما عملت مع مديرين تنفيذيين وطلبة جامعات وجماعات دينية ومدنية وعائلات وأزواج وزوجات.

وخلال التجارب العديدة، لم أرَ أبداً حلولاً دائمة للمشاكل وسعادة ونجاحاً دائمين تأتي من الخارج إلى الداخل. وما رأيته يتمخض عن التصورات الذهنية التي تأتي من الخارج إلى الداخل، وأناس تعساء يشعرون بأنهم ضحايا ومقيدون، والذين يركزون دائماً على نقاط ضعف الآخرين ويلومون ظروفهم على الجمود الذي ألم بحياتهم.

وقد رأيت زيجات تعيسة حيث يريد كل طرف من الطرف الآخر أن يتغير، ويعدد كل واحد منهما خطايا الآخر ويحاول تشكيل الطرف الآخر على هواه. وكم شاهدت من خلافات إدارية حيث يهدر الناس الكثير من وقتهم وطاقاتهم في محاولة لوضع تشريع يجبر الناس على التصرف، وكأن أسس الثقة ضاربة بجذورها.

ويعيش عدد من أفراد أسرتنا في أكثر بقاع العالم سخونة، جنوب أفريقيا وأيرلندا. وأعتقد أن مصدر استمرار المشاكل في تلك المناطق وسيطرة التصور الذهني من الخارج إلى الداخل. فكل جماعة مؤمنة أن المشكلة تكمن هناك بالخارج وأنهم، أي الآخر، لابد أن يعاد تشكيلهم أو يختفوا فجأة من الوجود، ومن ثم تحل المشكلة.

ومن ثم، يعد تغير التصور الذهني إلى طريقة من الداخل إلى الخارج تغيراً كبيراً ومفاجئاً للكثير من الناس. ويرجع السبب إلى حد كبير إلى التأثيرات الخارجية والتصورات الذهنية والاجتماعية الحالية للأخلاق الشخصية. ولكن من خلال تجربتي، سواء الشخصية أو من خلال العمل مع الآخرين ومن خلال الدراسة.

المتانيه للافراد والمجتمعات الناجحه عبر التاريخ اقتنعت ان العديد من المبادئ التي يتضمنها كتابي العادات السبع موجوده بالفعل في اعماق كل واحد منه داخل وعينا واحساسنا الفطري. ولكي نتمكن من ادراكها وتطويرها واستخدامها لمواجهه من الداخليه لابد ان نفكر بطريقه مختلفه ونغير تصورات ذهنيه الى مستوى جديد واعمق من مستويات من الداخل الى الخارج.

وبينما نسعى سعيا حثيثا لفهم تلك المبادئ وادخالها في حياتنا اثق تمام الثقه اننا سنكتشف ونعيد اكتشاف الحقيقه. في ملاحظه تي اس ينبغي ان لا نتوقف عن الاستكشاف وستنتهي جميع استكشافاتنا بالوصول الى النقطه البدايه وسنكتشف اننا نرى المكان لاول مره.

العادات السبع لمحه سريعه. ما نفعله بشكل متكرر هو ما نحن عليه ومن ثم فان التميز عاده وليس فعلا. ارسطو.

تتكون شخصيتنا في الاساس من عادتنا. تزرع فكره تحصد عملا وتزرع عملا تحصد عاده وتزرع عاده تحصد شخصيه وتزرع شخصيه تحصد مصيرا. وتستمر تلك الحكمه بلا نهايه. وتعد العادات عوامل مؤثره في حياتنا لانها متماسكه ومترابطه وعاده ما تكونون نماذجه غير واعيه. فانها تعبر بشكل دائم ويومي عن شخصيتنا وتصنع فعاليتنا او انعدام تلك الفعاليه.

وكما قال المعلم العظيم هوراس مان: "العادات تشبه الحبل الغليظ ننسج احد خيوطه كل يوم وسريع ما يصبح مستحيل القطع".

وانا شخصيا لا اتفق معه في الجزء الاخير من تعبيره. فانا يعلم انه قابل للقطع. فالعادات يمكن تعلمها ويمكن التوقف عن القيام بها. ولكني اعلم انها ليست حلا سريعا لانها تتطلب عمليه والتزاما لا حدود له.

وهؤلاء الذين شاهدوا رحله ابولو 11 الى القمر جمدتهم الدهشه في اماكنهم عندما شاهدوا اول الرجال الذين ساروا على سطح القمر وعادوا الى الارض. وكانت صفات المبالغه مثل رائع وامر لا يصدق غير كافيه لوصف هذه الايام العظيمه. ولكن لوصول رواد الفضاء هؤلاء الى سطح القمر كان عليهم ان يخترقوا قوه الجاذبيه الارضيه الهائله. وقد استهلك الطاقه الكبيره في الدقائق القليله الاولى للانطلاق اثناء الاميال القليله الاولى للرحله والتي تفوق في قدرها تلك الطاقه التي استخدمت مره اخرى في الايام الاخرى التاليه لقطع مسافه نصف مليون ميل.

والعادات ايضا لها جاذبيه هائله اكثر مما يدركه الكثير من الناس او يعترفون به. والانتهاك العميق الذي ينطوي على عادات مثل المماطله او نفذ الصبر او اللامبالاه او الانانيه والتي تنتهك مبادئ الفعاليه الانسانيه الاساسيه يتطلب اكثر من بعض من الاراده والقليل من التغييرات التي يمكن احداثها في حياتنا. والانطلاق يتطلب جهدا هائلا. ولكن ما ان ننطلق خارج نطاق الجاذبيه تاخذ حريتنا بعدا جديدا تماما.

وقوة الجاذبيه شانها شانه اي قوه من قوه الطبيعه يمكنها ان تعمل معنا او ضدنا. فقوه جاذبيه بعض عاداتنا قد تعيقنا مؤقتا من السير نحو وجهتنا. ولكن قوه الجاذ هي ايضا التي تبقي على منع وحده واحده وهي التي تحافظ على سير كوكبنا في مداره وتحافظ على نظام الكون. انها قوه مؤثره. واذا استخدمناها بفاعليه يمكننا استغلال قوات جاذبيه عادتنا لخلق الترابط والنظام الضروريين لتحقيق الفعاليه في حياتنا.

تعريف العادات من اجل اهدافنا المنشوده سنعرف العاده بانها نقطه التقاء المعرفه والمهاره والرغبه. والمعرفه هي تصور ذهني نظري وبعباره اخرى هي ما يتعين عليك القيام به ولماذا يتعين عليك القيام به. والمهاره هي كيفيه القيام بهذا الامر. اما الرغبه فهي الدافع اي الحاجه الى القيام بهذا الامر.

كي يتحول امر ما الى عاده في حياتك لابد ان تتحلى بكل الصفات الثلاث السابقه. وربما تعاملي مع الزملاء او الزوج او الزوجه او الاطفال يشوبه شيء من القصور لانني دائما ما اخبرهم بما افكر فيه ولكني لا امنح نفسي الفرصه للاستماع اليهم. ولن ادرك حاجه الى الانصات الى الاخرين ما لم اعرف المبادئ الصحيحه للتعامل معهم. وعلى الرغم من انني اعرف تمام المعرفه اهميه الاستماع الى الاخرين من اجل تحقيق تواصل فعال فربما لا تتوافر لدي هذه المهاره. فربما لا اعرف حقا كيف انصت بعمق لشخص اخر.

العادات: المعرفة (ماذا نفعل ولماذا نفعله)، الرغبة (ماذا نريد)، المهارات (كيف نقوم به).

العادات الفعاله المؤثره مبادئ وانماط السلوك الداخليه. ولكن معرفتي انني بحاجه للانصات ومعرفه كيف انصت ليس كافيتين. فانا ان لم ارغب في الاستماع الى الاخرين رغبه قويه فلن يتحول الامر الى عاده في حياتي.

فخلق العادات يتطلب العمل على الابعاد الثلاثه وعمليه تحول الكينونه. الرؤيه هي عمليه صاعده فالكينونه تغير الرؤيه والاخيره بدورها تغير الكينونه وهكذا دواليك. اي اننا نلمو نمو اللولبيا صاعدا. ويمكننا من خلال تطوير كل من المعرفه والمهارات والرغبه الانتقال الى مستويات جديده من الفعاليه على المستوى الشخصي ومع الاخرين. بينما نقوم بكسر التصورات الذهنيه القديمه والتي قد تكون مصدرا من مصادر الامن الزائف طوال سنوات عده.

وفي بعض الاحيان تتسم هذه العمليه بانها مؤلمه. فهذا التغيير يكون نابعا من هدف اسماء من اعتقادك بان ما تريده الان تابع لما تريد ان تكون عليه في المستقبل. ولكن هذه العمليه تولد السعاده وهي ما نسعى لتحقيقه في حياتنا. ومن ثم يمكن السعاده ولو جزئيا بانها ثمره الرغبه والقدره على التضحيه بما تريد الان من اجل ما تريد في المستقبل.

تدرج النضج. لا يقدم كتاب العادات السبع مجموعه منفصله او عشوائيه من الوصفات النفسيه. بل يقدم تطور الفعاليه على المستوى الشخصي وعلى مستوى التعامل بين الافراد بما يتوافق وقوانين الطبيعه المتعلقه بالنمو. باستخدام نهج تدريجي ومتتابع ويبتسم بدرجه عاليه من درجات التكامل.

وتتقدم بنا هذه العادات على تدرج النضج بدءا من الاعتماد على الاخرين الى الاعتماد على الذات الى الاعتماد بالتبادل. فكلنا بدا حياته رضيعا يعتمد اعتمادا كليا على من حوله في التوجيه والاطعام والاستمراريه. ولو لم يتم اطعامنا لما بقينا على قيد الحياه اكثر من ساعات معدوده او ربما ايام قليله على اكثر تقدير. ثم تدريجيا الشهور وسنين نصبح اكثر اعتمادا على الذات من الناحيه البدنيه والعقليه والعاطفيه والماديه ايضا الى ان نتمكن من العنايه بانفسنا في النهايه ومن ثم نتلقى التوجيهات من داخلنا ونعتمد على انفسنا.

وبينما ننمو ونضج يزداد ادراكنا بان الطبيعه تتطلب الاعتماد بالتبادل وان هناك نظاما بيئيا يحكم الطبيعه بما فيها المجتمع. كما نكتشف ايضا ان المناطق المهمه والاسمى في طبيعتنا ترتبط ارتباطا وثيقا بعلاقاتنا بالاخرين. وهذا يعني ان الحياه الانسانيه تتطلب الاعتماد بالتبادل. وتجري عمليه النمو من مرحله الطفوله الى مرحله البلوغ في اطار قوانين الطبيعه. وبالطبع هناك ابعاد كثيره للنمو. على سبيل المثال لا يعني بالضروره اكتمال نضجنا البدني اكتمال نضجنا العاطفي والعقلي تبعا. ومن ناحيه اخرى لا يعني اعتماد الشخص بدنيا على غيره عد نضجه العاطفي والعقلي.

وعلى تدرج النضج فان الاعتماد على الاخرين هو تصور ذهني مفاده: "انت انت تعتني بي وتقف الى جانبي. واذا لم تفعل سالقي عليك اللوم اذا نزل بخطب". والاعتماد على الذات هو تصور ذني مفاده: "انا انا يمكنني القيام بهذا الامر وانا المسؤول وانا اعتمد على نفسي وانا من يملك حق الاختيار". اما الاعتماد بالتبادل فهو تصور ذهني مفاده: "نحن نحن يمكننا القيام بهذا الامر ونحن يمكننا ان نتعاون ونحن يمكننا مزج مهاراتنا وقدراتنا معا لنصنع شيئا عظيما لنا جميعا".

والناس الذين يعتمدون على غيرهم في حاجه الى من يحقق لهم ما يريدون. اما الناس الذين يعتمدون على ذواتهم يمكنهم الحصول على ما يريدون بجهودهم الشخصيه. والناس الذين يتبادلون الاعتماد على بعضهم البعض يوحدون شهودهم لتحقيق اعظم نجاحاتهم.

واذا كنت اعتمد بدنيا على شخص اخر نتيجه للاصابه بالشلل او اعاقه او اي شيء اخر يعيق حركه البدنيه فهذا يعني انني في حاجه الى مساعدتك. واذا كنت اعتمد على الاخرين من الناحيه العاطفيه فانني اذا استقي تقدير لذاتي وشعور بالامان من راي الاخرين فيه. وقد يحطمني عدم حبهم لي. اما اذا كنت اعتمد على الاخرين من الناحيه العقليه فهذا يعني انني في حاجه الى من يفكر لي ويفكر في مشاكل وهمومي نيابه عني.

وعلى الجانب الاخر اذا كنت اعتمد على ذاتي من الناحيه البدنيه فانني قادر على فعل ما يحلولي. واذا كنت اعتمد على ذاتي من الناحيه العقليه فهذا يعني انني قادر على التفكير لذاتي والانتقال من احد مستويات التفكير العام الى المستوى الاخر. ومن ثم يمكنني التفكير باسلوب ابداعي وتحليلي وانظم واعبر عن افكاري باساليب مفهومه. واذا كنت اعتمد على ذات من الناحيه العاطفيه فسوف يتولد بداخل رضا عن ذاتي وسوف تنبع توجهات من الداخل ولن يتاثر الشعور بتقدير لذات بحب الاخرين لي او حسن معاملتهم.

ومن السهل ان ترى ان الاعتماد على الذات اكثر نضجا من الاعتماد على الاخرين. فيعد الاعتماد على الذات انجازا عظيما في حد ذاته. ولكن الاعتماد على الذات ليس هو التفوق المطلق. غير ان التصور الذهني الحالي للمجتمع يتوج الاعتماد على الذات وهو الهدف المنشود للكثير من الافراد والحركات الاجتماعيه. ويحتل الاعتماد على الذات موقع الصداره في العديد من المناهج التي تتناول تحسين الذات.

وكان التواصل والعمل بروح الفريق والتعاون مصنفه في القيم. ولكن الكثير من تاكيدنا في الوقت الحالي على الاعتماد على الذات هو رد فعل للاعتماد على الاخرين اي وجود من يتحكم فينا ويستغلنا ويتلاعب بنا. ويبدو ان المفهوم المحدود الاعتماد المتبادل يحمل بداخله معنا الاعتماد على الاخرين. ومن ثم نجد لاسباب تغلفها الانانيه اناسا يحطمون زيجاتهم ويهجرون اطفالهم ويتخلون عن كل مسؤولياتهم الاجتماعيه باسم الاعتماد على الذات او الاستقلاليه.

وغالبا هذا النوع من رد الفعل الذي يتكون بداخل الناس التحرر من جميع القيود وان يصبحوا احرارا وتحقيق الذات وفعل ما يحلو لهم يكشف عن المزيد من الاعتماد على الاخرين الذي لا مفر منه لانه يكون نابعا من الداخل لا من الخارج. ومن امثله هذا الاعتماد على الاخرين السماح لنقاط ضعفهم بهدم حياتنا العاطفيه او الاحساس باننا ضحايا نتيجه لتصرفاتهم او الاحداث الخارجه عن ارادتنا.

وبالطبع ربما نحتاج الى تغيير ظروفنا. بين ان مشكله الاعتماد على الاخرين هي مساله تتعلق بالنضج الشخصي وعلاقتها بالظروف محدوده للغايه. فيستمر كل من الاعتماد على الاخرين وعدم النضج حتى في ظل ظروف افضل. ويعزز الاعتماد الحقيقي على الذات قوتنا التي تعزز فعاليتنا بدلا من ان ندع الاخرين يتصرفون بدلا عنه. كما انه يحررنا من اعتمادنا على الاخرين وعلى الظروف. ووهدف تحرري قيم في ذاته ولكنه في الوقت نفسه لا يعد الهدف الاسمى للحياه الفعاله.

ولا يتناسب التفكير المستقل وحده مع مفهوم الاعتماد بالتبادل. فالاشخاص المستقلون ممن لا يمتلكون القدره على التفكير او العمل مع الاخرين ربما يكونون افرادا منتجين ولكنهم لا يستطيعون ان يكونوا قاده جيدين او يعملون مع فريق. فهم لا يعتنقون التصور الذهني الضروري للنجاح في الزواج او العائله او الواقع المؤسسي. والحياه بطبيعتها تتطلب قدرا كبيرا من الاعتماد بالتبادل. ومحاوله تحقيق الحد الاقصى من الفاعليه من خلال الاعتماد على الذات يشبه لاعب التنس في نادي الجولف. بالطبع لا تكون الادوات ملائمه للواقع.

ويتميز مفهوم الاعتماد بالتبادل بانه اكثر نضجا واكثر تقدما. فاذا كنت من الناحيه البدنيه استخدم مبدا الاعتماد بالتبادل فانا قادر على الاعتماد على ذاتي ولكنني ادرك في نفس الوقت اننا لو عملنا انا وانت معا يمكننا انجاز الكثير من العمل بقدر يفوق ما قد انجزه بمفردي حتى لو بذلت قصار جهدي. واذا كنت من الناحيه العاطفيه اتعامل من منطلق الاعتماد بالتبادل فانا اتمتع بقدر كبير من الاحساس بقيمه الذات ولكنني ادرك انني ايضا في حاجه الى الحب والعطاء والشعور بحب الاخرين. واذا كنت من الناحيه العقليه استخدم مبدا الاعتماد بالتبادل فانني ادرك حاجتي الى عقول اخرى جديه لتفكر معي.

وعندما يكون شخصا يعمل بمبدا الاعتماد بالتبادل فهذا يعني ان لدي فرصه سانحه لاشارك الاخرين ما لديها بكل صدق. ومن ثم تتاح للفرصه لاشارك الاخرين مواردهم وامكانياتهم الهائله. الاعتماد بالتبادل هو خيار من حق الاشخاص الذين يعتمدون على ذواتهم فقط. اما الاشخاص الذين يعتمدون على غيرهم فليس بامكانهم ان يختاروا الاعتماد بالتبادل كاسلوب للحياه. فهم لا يملكون الشخصيه التي تؤهلهم للقيام بهذا الخيار كما انهم لا يملكون قدرا كافيا من انفسهم.

ولهذا السبب ستتناول العادات الاولى والثانيه والثالثه خلال الفصول التاليه موضوع امتلاك الذات. ان هذه العادات الثلاث هي التي ستحولك من شخص يعتمد على الاخرين الى شخص يعتنق مبدا الاعتماد بالتبادل. وهي الانتصارات الشخصيه التي هي جوهر نمو الشخصيه. وبالطبع انتصارات الشخصيه تسبق الانتصارات العامه. ولا يمكنك قلب هذه العمليه باي حال من الاحوال الا اذا تمكنت من حصاد ارض قبل ان تزرعها. انها عمليه تسير من الداخل الى الخارج.

وبعدما تصبح شخصا يعتمد على ذاته بحق يصبح لديك الاساس لتحقيق الاعتماد بالتبادل الفعال. فسوف تضحى شخصا يتمتع باساس الشخصيه الذي من خلاله يمكنك العمل بفعاليه لتحقيق انتصارات عامه مع فريق عمل ومن خلال التعاون والتواصل وهي العادات الرابعه والخامسه والسادسه. ولكن هذا لا يعني انه يتعين عليك التفوق في التحلي بالصفات الاولى والثانيه والثالثه قبل العمل على الصفات الرابعه والخامسه والسادسه. ان فهم التسلسل سيساعدك على التعامل مع النمو تعاملا فعالا.

ومع ذلك فانا لا اقترح عليك وضع نفسك بمعزل لعده سنوات حتى تتمكن من بالصفات الاولى والثانيه والثالثه والاتصال بالعالم كل يوم هو جزء من عالم الاعتماد بالتبادل. ولكن يمكن لمشاكل هذا العالم الخطيره ان تجعل من الصعب رؤيه اهداف الشخصيه الاساسيه بسهوله. وفهم كيف تؤثر كينونتك في كل تفاعل من تفاعلات الاعتماد بالتبادل سوف يساعدك على التركيز جهودك بشكل متسلسل ومتوافق مع قوانين النمو الطبيعيه.

والعاده السابعه هي عاده التجدد وهو التجدد المنتظم والمتوازن للابعاد الاربعه الاساسيه للحياه. وهذه العاده تحيط بالعادات الاخرى وتجسدها وهي عاده التحسين المتواصل التي تخلق النمو اللولبيه الصاعد الذي يحملنا معه الى مستويات جديده من فهم ومعايشه العادات الاخرى. حيث تحلق حولها من داخل طائره اكثر تطورا وعلوا.

والرسم التوضيحي في الصفحه التاليه استعراض لتدرج العادات السبع واعتمادها المتبادل على بعضها البعض. وسوف يستخدم هذا الرسم التوضيحي خلال الكتاب بينما نكتشف تدرج العلاقات بين العادات وكذلك اتحادها مع بعضها البعض وكيف يؤدي هذا الى صنع اطور جديده جريئه لكل منها يضيف المزيد الى اهميتها. وساقوم بتوضيح كل مفهوم او عاده عند العرض لها.

تعريف الفعاليه. ان العادات هي عادات الفعاليه. ولانها قائمه على المبادئ فهي تحقق الحد الاقصى من النتائج المفيده طويله المدى. والعاده السبع هي الدعائم الاساسيه لشخصيه الانسان وهي مركز تعزيز الخرائط الصحيحه والتي من خلالها يمكن للفرد وضع حلول فعاله للمشاكل وتعظيم الفرص والاستمرار في التعلم والتكامل مع المبادئ الاخرى في نمو نبي صاعد.

وتعتبر هذه العادات السبع فعاله لانها تقوم على اساس من التصورات الذهنيه الفعاله المتناغمه مع قوانين الطبيعه وهو مبدا اطلق عليه توازن الف على قاف الف والذي يتخلى الناس عنه. وفي الواقع يمكننا فهم هذا المبدا فهما جيدا اذا تذكرنا قصه ايسوب الخياليه والتي تحكي عن الاوزه التي تبيض بيضه ذهبيه. وتدور احداث هذه القصه الخياليه حول فلاح فقير دخل حظيرته في احد الايام وجد اوزته وضعت بيضه ذهبيه. فظن في اول الامر انها خدعه وهم بالقاء البيضه ولكنه عاود التفكير مره اخرى في الامر وقرر اخذ البيضه لعرضها على الصائغ لتقييمها. وعندما عرف ان البيضه من الذهب الخالص لم يتمالك نفسه لانه يمتلك ثروه بين يديه.

وفي اليوم التالي انتبهته دهشه شديده عندما وجد بيضه ذه اخرى وتكرر الامر واصبح يهرول كل صباح الى الحظيره ليجد بيضه ذهبيه اخرى في انتظاره. واصبح الفلاح الفقير يمتلك ثروه كبيره وكان يظن انه يحلم من فرط سعادته. ولكن تضخم ثروته جعله جشعا وغير صبور وضاق ذرعا بامر انتظار البيضه الذهبيه كل صباح. لذا قرر ان يقتل الاوزه ليحصل على كل البيض الذهبي دفعه واحده. ولكنه عندما شق بطن الاوزه وجدها خاويه ولم يكن بداخلها اي بيض ذهبي ولم يعد يحصل على اي بيض ذهبي لانه قتل الاوزه التي تبيض له ذهبا.

واعتقد ان هذه القصه الخياليه تحمل في مضمونها احد قوانين الطبيعه. التعريف الاساسي للفعاليه. فيرى الكثير من الناس الفعاليه من خلال التصور الذهني للبيضه الذهبيه. كلما كنت منتجا زاد عملك واصبحت اكثر فعاليه. ولكن كما اتضح من خلال القصه فان الفعاليه الحقيقيه مكونه من شقين: المنتج (البيض الذهبي) والاصل المنتج او القدره الانتاجيه (الاوزه).

ملاحظة للقارئ: الصفحة 67 هي الرسم التوضيحي في الصفحة التي تحدث عنها الكاتب في الصفحة السابقة. فاذا كان النموذج الذي تسير حياتك وفقا له يركز على البيض الذهبي ويتجاهل الاوزه سرعان ما تفقد الاصل الذي ينتج البيض الذهبي. وعلى الجانب الآخر اذا اعتنيت بالاوزه ولم تهتم بالبيض الذهبي فسرعان ما تفقد الوسيله الضروريه لاطعام نفسك او اطعام الاوزه. وتكمن الفعاليه في التوازن اي ما اطلق عليه توازن الف على قاف الف. وترمز الف لانتاج النتائج المرجوه. وبينما ترمز قاف الف الى معايير القدره الانتاجيه اي القدره او الاصل الذي ينتج البيض الذهبي.

أنواع الأصول الثلاثة. توجد ثلاثة انواع اساسيه للاصول: الاصول الماديه والاصول الماليه والاصول البشريه. والان سندرس كل واحد منها على واحده.

منذ عده سنوات مضت قمت بشراء اصل مادي وهو اله جزر الحشائش وظللت استخدمها مرات ومرات دون ان افكر في صيانتها. وبالفعل ظلت الاله تعمل جيدا لموسمين غير انها تعطلت. وعندما حاولت اعادتها للعمل عن طريق صيانتها او شحنها اكتشفت ان المحرك قد فقد اكثر من نصف قدرته. ومن ثم اصبحت عديمه الفائده. ولو كنت احسنت الاستثمار في قاف الف اي الحفاظ على الاصل وصيانته لكنت الان محتفظا بقاف سليما اي اله جزاء الحشائش.

وبالطبع وبالحل الذي الت اليه الاله اضطررت الى انفاق مال ووقت لاستبدالها اكثر مما كنت سافعل لو اجريت لها الصيانه اللازمه. اذا لم يكن الامر فعالا. واثناء بحثنا عن المردودات او النتائج القصيره المدى غالبا ما ندمر اصلا ماديا قيما مثل السياره او المغسله او المجفف او حتى جسمنا او البيئه. اذا الحفاظ على توازن قاف وقاف الف من شانه احداث فرق هائل في الاستخدام الفعال للاصول الماديه.

ولهذا الامر تاثير قوي على الاستخدام الفعال للوصول الماليه. الى اي مدى يخلط الناس بين المبدا والفائده؟ هل سبق لك انتهاك مبدا ما من اجل تحسين مستواك المعيشي ومن اجل الحصول على المزيد من البيض الذهبي؟ كلما قلت المبادئ انخفضت الطاقه المنتجه للفائده او الدخل. ويظل راس المال يقل تدريجيا حتى يبيت غير كاف للوفاء بالاحتياجات الاساسيه.

واهم اصولنا الماليه هو قدرتنا على الكسب. واذا لم نداوم على الاستثمار في تحسين قف الف الخاص بنا فهذا يعني اننا نحد من الخيارات المطروحه امامنا ونحبس انفسنا داخل سجن وضعنا الحالي ونفر رعبا من راي المؤسسه التي نعمل بها او راي رئيس العمل. ونتحول الى الاعتماد على الاخرين اقتصاديا ونتحول الى الموقف الدفاعي. ومره اخرى اقول ان هذا هو ما يطلق عليه انعدام الفعاليه.

وبالنسبه للجزء البشري فان توازن الف على قف الف يشكل اهميه كبيره ايضا تفوق اهميه الاصلين السابقين ولكنه اكثر اهميه لان الناس يتحكمون في الاصول الماديه والماليه. عندما يركز زوجان كل اهتمامهما على البيض الذهبي والفوائد اكثر من اهتمامهما بالحفاظ على العلاقه التي تجعل من تحقق تلك الفوائد امرا ممكنا فانهما غالبا ما يصبحان منعدمي الاحساس ولا يهتم احدهما بمشاعر الاخر. ويغمضان تقويه روابط الموده بينهما وامور اللياقه البسيطه التي تعتبر الغذاء الذي يعمق العلاقه بينهما. ويشرع كل واحد منهما في التلاعب بالطرف الاخر والتركيز على احتياجاته الشخصيه وتبرير موقفه وكذلك البحث عن دليل يؤكد خطا الطرف الاخر.

وتتحول الحب وثراء العلاقه والرقه وتلقائيه الى اشباح من الماضي وتوهن الاوزه بعد يوم. والان ماذا عن علاقه الاباء بابنائهم؟ عندما يكون الابناء صغارا يكونون معتمدين اعتمادا كليا على من حولهم لانهم ضعفاء. ويضحي من السهل اهمال عمل قاف الف اي التدريب والتواصل وتدعيم العلاقات والانصات. ويصبح من السهل التلاعب والحصول على ما تريد بالطريقه التي تراها الان. فانت الاكبر والاذكى وانت على حق. اذا ما المانع في ان تملي عليهم ما يفعلون؟

واذا استدع الامر يمكنك الصياح فيهم وتهديدهم والاصرار على ما تريد او يمكنك التساهل معهم ويمكنك السعي وراء بيضه الشعبيه الذهبيه بان تسعدهم وتعطيهم ما يريدون وقت ما يشاؤون. ومن ثم ينشؤون دون اي احساس داخلي بالمعايير او التوقعات وبدون اي احساس بالالتزام بالانضباط او تحمل المسؤوليه. وفي اي من الحالتين التسلط التساهل فانت تفكر بعقليه البيضه الذهبيه. فانت اما ان تفرض رايك عليهم او ترغب في كسب حبهم. ولكن في هذه الاثناء ما الذي يحدث للاوزه؟ وما القدر الذي يمكن ان يحظى به هذا الطفل في رحلته بالحياه من الاحساس بتحمل المسؤوليه والانضباط الذاتي والثقه في قدرته على اتخاذ القرارات الصحيحه او تحقيق اهداف مهمه؟

وماذا عن علاقتك بطفلك؟ فعندما يصل الى سنوات المراهقه الحرجه ويواجه ازمه الهويه هل سيعرف من خلال خبرته معك انك ستستمع اليه دون ان تحاول اصدار احكام وانك تهتم به بالفعل كانسان وانك تثق به مهما حدث؟ هل ستكون العلاقه بينكما قويه بالقدر الذي يسمح لك بالنزول الى مستواه والتواصل معه والتاثير عليه؟

ولنفترض انك ترغبين في ان تكون حجره ابنتك نظيفه. هذا هو قاف الانتاج اي البيضه الذهبيه. ولنفترض انك تريدين منها تنظيف الحجره. هذا قاف الف القدره الانتاجيه. اذا ابنتك هي الاوزه الاصل الذي ينتج البيضه الذهبيه. فاذا كان هناك توازن بين الف وقف الف فهذا يعني انها ستسعد بتنظيف حجرتها دون ان تحتاج الى تذكير لانها ملتزمه ولديها قدر من الانضباط لتحافظ على هذا الالتزام.

اذا الابنه تمثل اصلا قيما يمكنه انتاج بيض ذهبي. ولكن اذا تركز تصورك الذهني على الانتاج وتنظيف الحجره فانك ستكونين في شقاق دائم معها وربما تتصاعد جهودك لتصبح تهديدا وصياحا في وجهها. وفي اثناء محاولاتك للحصول على البيضه الذهبيه ستضرين بصحه الاوزه. والان ساشارككم تجربه قف الف ممتعه مررت بها مع احدى بناتي.

كنا نخطط لموعد شخصي وهو امر استمتع به مع كل واحد من ابنائي وكنا نجد متعه في الترقب لهذا الموعد بقدر ما نستمتع به عند حدوثه. لذا فقد اقتربت من ابنتي قائلا: "حبيبتي الليله ليلتك ما الذي تنوين القيام به؟" فاجابتني: "ابي لا باس". فقلت لها: "كلا ما الذي تنوين عمله؟" فاجابتني اخيرا: "حسنا ما اريد القيام به لن تود القيام به". فاجبتها باهتمام: "بلى يا حبيبتي اود القيام باي شيء تريدين". فاجابتني: "اود مشاهده فيلم حرب النجوم ولكنني اعلم انك لا تحب حرب النجوم. لقد غلبك النعاس وانت تشاهده من قبل لانك لا تحب هذا النوع من الافلام الخياليه".

"لا باس بهذا الامر يا ابي". "كلا يا حبيبتي اذا كان هذا ما تودين القيام به فانني اود القيام به ايضا". "ابي لا تكترث لهذا الامر ليس من الضروري الخروج في هذا الموعد". وسكتت لبرهه ثم استطردت: "ولكن هل تعلم لماذا لا تحب حرب النجوم؟ لانك لا تفهم فلسفه وتدريب فرصه جداي". "ماذا؟ هل تعرف الامور التي تدرسها يا ابي؟" "انها نفس الامور التي يتضمنها تدريب فرسا الجداي". "حقاً؟ لنذهب اذا ونشاهد حرب النجوم".

وبالفعل ذهبنا وجلست الى جواري وبدات تقدم لتصورا ذهنيا واصبحت انا تلميذها وهي المعلمه. وكان الامر رائعا بالفعل. ومن منطلق هذا التصور الذهني الجديد بدات ارى كيف تتجلى فلسفه فرسان الجداي الاساسيه في التدريب في ظل الظروف المختلفه. ولم تكن تجربه قاف هذه مخططا لها بل كانت ثمره رائعه للاستثمار في قاف الف. وكانت تجربه المدعمه للروابط ومرضيه للغايه. ولكننا استمتعنا بالبيض الذهبي ايضا حيث قمنا بتغذيه الاوزه التي هي قيمه العلاقه قاف الف الخاصه بالمؤسسات.

واحده من بين الموضوعات المهمه الكثيره المتعلقه باي مبدا صحيح وقابليته للتطبيق على مدى المتسع من الظروف والاحوال. ومن خلال هذا الكتاب اود ان اشارككم بعضا من الاساليب التي يمكن من خلالها تطبيق هذه المبادئ في المؤسسات بما في ذلك العائلات والافراد على حد سواء.

عندما يخفق الناس في احترام توازن الف على قاف الف عند استخدامهم للاصول الماديه داخل المؤسسه فانهم يقللون من فعاليه المؤسسه وغالبا ما يخلفون للاخرين ورائهم اوزه ميته. على سبيل المثال عندما يكون شخص ما مسؤولا عن اصل مادي مثلا فانه يكون متلهثا من اجل ترك انطباع جيد لدى رؤسائه. وربما تكون الشركه في مرحله نمو سريع ومن ثم تاتي الترقيات سريعا. لذا يحاول هذا الشخص تحقيق مستويات عاليه من الانتاج متجاهلا ضروره اراحه الماكينه او صيانتها. فهو يبقيها دائره ليل نهار محققا انتاجا مذهلا ومخفضا للتكلفه.

وبالطبع تصل الارباح الى مستويات غير مسبوقه وخلال وقت قصير يحصل على الترقيه التي يريد والتي هي البيضه الذهبيه. ولكن لنفترض انك من خلفه في العمل. بالطبع سترث الاوزه في اسوء حالتها. فالماكينه ستكون صدات واصبحت دائمه التعطل. لذا سيتعين عليك بذل المزيد من الاستثمار في اراحه الماكينه وصيانتها وبالتالي سيصل مؤشر التكلفه الى عنان السماء امام مؤشر الارباح فانه سيصل الى ادنى المستويات. ومن الذي سيلام لفقدان البيض الذهبي؟ بالطبع انت. وعلى الرغم من ان سلفك هو من قام بتصفيه الاصل الا ان النظام يحسب وحدات الانتاج على اساس التكلفه والمكسب فقط.

ويعتبر توازن الف علاقه الف امرا ذا اهميه خاصه عند تطبيقه على الاصول البشريه للمؤسسه اي العملاء والعاملين. اعرفوا مطعما يقدم حساء محار رائعا واثناء وقت الغداء تجده مزدحما على الدوام. ثم بيع المطعم لمالك جديد كان كل ما يعنيه التركيز البيض الذهبي. لذا فقد قرر تخفيف طبق الحساء. وبعد حوالي شهر انخفضت التكاليف وارتفع الدخل وزادت الارباح. ولكن بدا عدد الرواد يقل رويدا رويدا وذهبت الثقه ادراج الرياح وانحدر مستوى المطعم الى الصفر. وحاول مالك المطعم الجديد يائسا استعاده المطعم ولكنه تجاهل الرواد وزعزع ثقتهم وخسر الاصل وهو ولاء الرواد للمطعم. ولم تعد هناك الاوزه التي كانت تبيض ذهبا.

وهناك مؤسسات تتحدث دوما عن العملاء متجاهله تماما الناس اي الموظفين الذين يتعاملون مع العملاء. ولكن مبدا قاف الف يحثك دائما على التعامل مع موظفيك بالطريقه ذاتها التي تريد منهم التعامل بها مع افضل عملائك. ان بامكانك شراء مجهود شخص ولكن لا يمكنك شراء قلبه. فقلبه وموطن الحماس والولاء. وبامكانك ان تشتري موظفا وتجعله يعمل لديك ثانيه ولكن لا يمكنك شراء عقله. فعقله هذا هو موطن ابداعه وذكائه وموارده.

وتعليق الف معامله موظفيك على انهم متطوعون تماما كما تعامل عملائك كمتطوعين لان هذه هي حقيقتهم بالفعل. فهم يتطوعون بافضل ما لديهم قلوبهم وعقولهم. كنت ذات مره مع مجموعه عندما طرح احدهم سؤالا: "كيف يمكنك اصلاح الموظفين الكسولين وغير الاكفاء؟" اجابه رجل اخر قائلا: "بنسفهم". وايد العديد من الحاضرين هذا النوع من الاسلوب الاداري: "اصلحهم او انسفهم". ولكن شخصا اخر من المجموعه طرح سؤالا: "من الذي يجمع البقايا؟" "لا توجد بقايا" قال الرجل الاخر. "حسنا لما لا تفعل هذا مع عملائك؟ لماذا لا تقول انت اذا لم تكن مهتما بشراء هذه البضاعه فلتغادر المكان؟" فقال: "لا يمكنك فعل هذا مع العملاء". "اذا لماذا تفعل هذا بالعاملين لديك؟" "لانهم يعملون لديك". "نعم. هل العاملون لديك مخلصون لك؟ هل يبذلون قصار جهدهم؟ ما هو معدل دوران العماله او الاستعاضه بعاملين جدد لديك؟" "هل تمزح؟ لا يمكنك العثور على عاملنا كفاءه في هذه الايام. ان معدل دوران العماله مرتفع للغايه وكذلك الغياب والقيام بوظيفتين. الناس اليوم لا يعبئون لشيء".

ان هذا التركيز على البيض الذهبي هذا التوجه وهذا التصور الذهني غير ملائم وغير كاف بالمره من اجل تفجير الطاقات الهائله الموجوده داخل عقول وقلوب الناس. نعم ان النتائج قصيره ولكنها ليست كل شيء. ان الفعاليه تكمن في التوازن. والتركيز الزائد على قاف سيؤدي الى تدمير الصحه واهلاك الماكينه واستنزاف ارصده البنك وتحطيم العلاقات. والافراط في التركيز على قاف الف يشبه الشخص الذي يجري ثلاث او اربع ساعات في اليوم ويفتخر بالعشر سنوات التي سيضيفها ذلك الى عمره ولكنه لا يعي انه يمضيها في الجري. او شخص لا ينفك يذهب الى المدرسه طوال عمره ولكنه غير منتج ويعيش على التفاخر بالبيض الذهبي الذي يحققه الاخرون. انها متلازمه الطالب الابدي.

هذا وليس من السهل الحفاظ على التوازن الف على قف الف. هذا التوازن بين البيضه الذهبيه (الانتاج) وصحه ورفاهيه الاوزه (القدره على الانتاج). غير انني ارى ان هذا التوازن هو جوهر الفعاليه. فهو يحدث التوازن بين الامور قصيره المدى وبعيده المدى. كما انه يوازن من الحصول على درجه علميه والثمن الذي لابد من دفعه وهو التعليم. ويوازن ايضا بين الرغبه في الحصول على حجره نظيفه وبناء علاقه يشعر من خلالها الطفل بالالتزام والاستعداد الداخلي بالمداومه على تنظيف حجرته وهو يشعر بالسعاده دون الحاجه الى رقابه خارجيه.

انه مبدا يمكنك رؤيته يتحقق في حياتك الخاصه عندما تحرق الشمعه من طرفيها لتحصل على مزيد من البيض الذهبي وينتهي الامر بك الى المرض والانهاك وعدم القدره على تحقيق المزيد من الانتاج. او عندما تنعم بنوم هادئ وتستيقظ في الصباح مستعدا للانتاج طوال اليوم. ويمكنك ان ترى هذا عندما تبذل قصار جهدك لتسير الامور كيف تشاء مع شخص ما ولكنك تشعر داخلك بخواء العلاقه بينكما. او عندما تستثمر وقتا في علاقه ما وتجد لديك الرغبه والقدره على العمل والتواصل معا وتشعر بانها تطورت تطورا جيدا.

ويعد توازن الف على قف الف جوهر الفعاليه وهو صالح لجميع مناح الحياه. ويمكنك اما العمل معه او ضده ولكنه موجود. انه المناره الهادئه وهو تعريف الفعاليه وتصورها الذهني وهو عماد العادات السبع.

كيف تستخدم هذا الكتاب. قبل ان نشرع في التحدث عن العادات السبع للناس الاكثر فعاليه اود اقتراح تغيرين في التصورات الذهنيه والذين من شانهما زياده القيمه التي ستتلقاها من خلال هذا الكتاب الذي بين يديك.

اولا اود ان اقترح الا تتعامل مع هذه الماده على انها كتاب تقراه مره واحده ثم تحفظه على ارفف المكتبه وربما تختار قراءه الكتاب دفعه واحده باعتباره وحده متكامله. بين ان هذه الماده معده لتكون لك في عمليه النمو والتغيير المستمر وهي ماده مرتبه ترتيبا تدريجيا. وعقب كل عاده ستجد مقترحات حول كيفيه التطبيق. ومن ثم يمكنك دراسه اي واحده من العادات والتركيز عليها اثناء القراءه. وبينما ننتقل الى مستويات اعمق من الفهم والتطبيق يمكنك العوده مره اخرى الى المبادئ التي تضمها كل عاده والعمل على توسيع مدى معارفك ومهاراتك ورغباتك.

ثانيا اود ان اقترح عليك تغيير تصورك الذهني عند انخراطك في مطالعه هذه الماده من دور المتعلم الى دور المعلم. وعليك اتباع منهج من الداخل الى الخارج واضع النصب عينيك مشاركه او مناقشه ما تعلمت مع غيرك خلال 48 ساعه من تعلمك ما قرات. على سبيل المثال اذا علمت انك ستعلم شخصا اخر ما تعلمت على المبدا جواز الف على قاف الف خلال 48 ساعه. هل ستشعر بفرق حل قراءتك؟ والان حاول تجربه هذا وانت تقرا هذا الجزء الاخير من الفصل الذي بين ايدينا بمعنى ان تقرا لانك خلال اليوم او غدا ستعلم ما قرات لزوجتك او ابنائك او زملائك في العمل او اصدقائك.

والمعلومات ما زالت حاضره في عقلك ولاحظ الفرق الذي سيطرء على عملياتك العقليه والعاطفيه. واستطيع ان اضمن لك انك اذا تعاملت مع الماده المقدمه في الفصول التاليه من هذا المنطلق لن تتذكر ما قرات فحسب بل سيتسع منظورك للامور ويتعمق فهمك لها وستزداد دوافعك لتطبيق الماده التي تعلمتها. وبالاضافه الى هذا عندما تشارك ما تعلمت مع الاخرين بكل صدق وامانه ستندهش عندما ترى كل المفاهيم السلبيه التي كونها الاخرون عنك تتلاشى. فهم فيك شخصا يتغير وينمو. كما ستزداد لديك نزعه مساعده الاخرين ودعمهم وانت تعمل على جعل العاده السبع جزءا لا يتجزا من حياتك. ربما تجد الاخرين يشاركونك هذا.

ما الذي يمكنك توقعه من خلال التحليل الاخير الذي اجته مارلين فوركسون؟ لاحظت ما يلي: ليس بمقدور اي شخص اقنع شخص اخر بالتغيير لان كل واحد منا يحرس بوابه تغيير تفتح من الداخل فقط ولا يسعنا فتح بوابه اي شخص اخر لا بالمناقشات ولا بالاسعاف. واذا قررت فتح بوابه التغيير بداخلك لتفهم المبادئ المتضمنه في العادات السبع فهما صحيحا وتعيشها اؤكد لك انك ستحظى بالعديد من الامور الايجابيه في حياتك.

اولا سيكون نموك ارتقائيا ولكن صافي التاثير سيكون ثوريا. الا تتفق معي ان العمل بمبدا توازن الف على قاف الف من شانه تغيير حياه معظم الاشخاص والمؤسسات. اما صافي تاثير فتح بوابه التغيير امام اول ثلاث عادات وهي عادات النصر الشخصي فهو زياده ثقتك بنفسك زياده ملحوظه. فسوف تتمكن من معرفه نفسك معرفه اعمق باسلوب ستتعرف الى طبيعتك وقيمك المتاصله وقدرتك الاسلاميه المتفرده. فعندما تعيش قيمك الخاصه فانه يتكاملك وحس السيطره لديك وتوجهتك الداخليه ستندمج جميعا معا وتصل بك الى فيض من السلام والسعاده الداخليه.

وحينها ستتمكن من معرفه نفسك من الداخل ولن تعود في حاجه الى انتظار اراء الناس بك او وضع نفسك في مقارنه مع الاخرين. ولن يعود الخطا والصواب معيار ما تؤول اليه الامور. والامر المثير للسخريه هو انك ستكتشف انه بينما يقل اهتمامك براي الاخرين فيك سيزيد اهتمامك براي الناس في انفسهم وعالمهم الخاص بما في ذلك علاقتهم بك. فانت لن تبني حياتك العاطفيه على نقاط ضعف الاخرين.

وبالاضافه الى ذلك ستجد انه من الاسهل والافضل ان تتغير لانك ستكتشف ان هناك شيئا شيئا عميقا في صميمك لن يتغير ابدا. وبينما تفتح ابواب التغيير امام العادات الثلاث الاولى عادات النصر الشخصي ستكتشف بل وستطلق العنان للرغبه وللموارد التي من شانها اصلاح واعاده بناء العلاقات التي افسدتها او قطعتها. وستتحسن العلاقات الجيده وتصبح اعمق واكثر قوه واكثر ابداعا. كما انها ستتسم بروح المغامره.

واذا تمكنت من تاصيل العاده السابعه بداخلك فانها ستعمل على تجديد الست الاولى وتجعل منك شخصا معتمدا على ذاته بالفعل وقادرا على تحقيق مبدا الاعتماد بالتبادل. ومن خلال هذا يمكن شحن بطاريات الشخصيه. ومهما كان موقفك الحالي استطيع ان اؤكد لك انك لست عبدا لعاداتك وانه بامكانك استبدال الانماط القديمه مثل الشخصيه الانهزاميه بانماط جديده مثل عادات الفعاليه والسعاده والعلاقات القائمه على الثقه.

وبدافع من اهت الصديق بكم اشجعكم على فتح بوابه التغيير والنمو وانتم تدرسون تلك العادات. ولكن كن صبورا مع نفسك لان النمو الذاتي والقارب الذي يحملك وهو الارض المقدسه التي تقف عليها. ولا يوجد استثمار افضل منه. ويبدو جليا انه ليس حلا سريعا. ولكنني لا اشك في انك ستشعر بالفوائد وسترى نتائج فوريه من شانها تشجيعك.

وكما قالت توماس باين: "انما نكسبه بسهوله نضيعه بسرعه. انما يعطي القيمه لشيء هو مقدار اهتمامنا به".

الجزء الثاني: النصر الشخصي. العاده الاولى: كن مبادرا. مبادئ الرؤيه الشخصيه. لا اعرف حقيقه مشجعه للانسان اكثر من قدرته الاكيده على رفع مستواه المعيشي مستخدما جهوده الواعيه. هنري ديفيد ثورو.

حاول وانت تقرا هذا الكتاب الانفصال عن ذاتك والتخلي عن وعيك الذاتي والنظر الى نفسك وانت تقرا بعين عقلك. هل يمكنك ان تنظر الى نفسك وكانك شخص اخر؟ والان لنحاول امرا اخر. فكر في حالتك المزاجيه الحاليه. هل يمكنك تحذيرها؟ ما الذي تشعر به الان؟ كيف تصف حالتك الذهنيه الحاليه؟ والان خذ دقيقه للتفكير في الطريقه التي يعمل بها عقلك. هل هو سريع ويقظ؟ هل تشعر انك ممزق بين القيام بهذا التدريب العقلي وتقييم المقصد منه؟

ان قدرتك على القيام بهذا الامر هي قدره بشريه الفريده لا تمتلكها الحيوانات. ونحن نطلق عليها الوعي الذاتي او القدره على التفكير في عملية التفكير ذاتها. ولهذا السبب جعل الله سبحانه وتعالى الانسان صاحب اليد العليا في هذا العالم. ولهذا السبب هو الذي يحقق تطورات قيمه عبر الاجيال المختلفه. ولهذا السبب ايضا يمكننا الارتقاء والتعلم من تجاربنا الشخصيه وتجارب الاخرين. ولنفس السبب يمكننا بناء وتغيير عادتنا.

اننا لسنا المشاعر التي تعترينا ولسنا الحالات المزاجيه التي تنتابنا ولسنا الافكار التي تعتمر داخل عقولنا. فان الحقيقه الثابته اننا نستطيع التفكير في تلك الاشياء وهو ما يميزنا عن عالم الحيوانات. اذا الوعي الذاتي يمكننا من الانفصال عن انفسنا وتفحص الطريقه التي نرى بها ان تصورنا الذاتي لانفسنا والذي يعد التصور الذهني الاساسي للفعاليه. وهو لا يؤثر على توجهاتنا وسلوكياتنا فحسب بل يؤثر على الطريقه التي نرى بها الناس. لذا فهو خريطتنا لمعرفه اسس طبيعه البشر.

وفي الحقيقه الى ان نهتم بالطريقه التي نرى بها انفسنا وكيف نرى الاخرين فاننا لن نتمكن من فهم كيف يرى الناس انفسهم وكيف يشعرون بالعالم المحيط بهم. وسنعمل دون ان نشعر الى اقحامنا وعيالنا في سلوكهم ثم نصف انفسنا بالموضوعين. وبالطبع هذا يحد من امكانياتنا الشخصيه ومن قدرتنا على اقامه علاقات جيده مع الاخرين. ولكن لان البشر يتمتعون بصفه الوعي الذاتي المتفرده يمكننا دراسه تصوراتنا الذهنيه لتحديد ما اذا كانت واقعيه او قائمه على اساس مبادئ.

أو أنها نابعة من الخارج، والظروف. المرأة الاجتماعية، إذا كان المنظور الوحيد الذي نرى أنفسنا من خلاله، وانعكاس للمرآة الاجتماعية، أي من خلال التصور الذهني للمجتمع، ومن خلال الآراء والمفاهيم، وتصورات الذهنية للمحيطين بنا، فهذا يعني أننا نرى انعكاساً لأنفسنا في حجرة المرايا المجنونة في الملاهي. "أنت دائما متأخر. لماذا لا تستطيع الإبقاء على الأشياء منظمة؟ لابد أنك فنان. إنك تلتهم الطعام بنهم. لا أستطيع تصديق أنك فزت." الأمر بسيط للغاية. ألا تستطيع أن تفهم؟

كل هذه الرؤى غير مترابطة وغير متناسبة، وغالباً ما تكون من نسج الخيال، وليست انعكاساً لشيء. فهي تبرز مخاوف ونقاط ضعف الناس الذين يقولونها، أكثر مما تقدم انعكاساً دقيقاً لما نحن عليه بالفعل. ويخبرنا انعكاس التصور الذهني للمجتمع أننا إلى حد كبير نسير بالتأثيرات الخارجية والظروف. وفي حين أننا مدركون للتأثير الهائل للمؤثرات الخارجية في حياتنا، إلا أن الاعتراف الصريح بخضوعنا لها، وأننا لا نملك أدنى سيطرة على مثل هذا التأثير، يخلق خريطة مختلفة تماماً.

وتوجد ثلاث خرائط اجتماعية دقيقة لتفسير طبيعة الإنسان، أي ثلاث نظريات لكون الإنسان مسيراً متعارف عليها عالمياً، سواء بشكل مستقل أو متآلف، لشرح طبيعة الإنسان. النظرية الأولى هي نظرية الحتمية الوراثية، والتي تقول بأننا نحصد صنيعة أجدادنا، ولهذا السبب قد نعاني من حدة المزاج الذي انتقل إلينا من أجدادنا عبر الحمض النووي، وهو يواصل انتقاله من جيل إلى جيل عبر سلسلة وراثية. بمعنى: "أنت إيرلندي، وهذه طبيعة الشعب الإيرلندي."

أما النظرية الثانية فهي الحتمية، والتي تقول أننا نحصد صناعة آبائنا، بمعنى أن توجهاتك الشخصية وتركيبة شخصيتك هما في الأساس نتاج أسلوب تربيتك والتجارب التي مررت بها في طفولتك. أي أن شعورك بالخوف من مواجهة الناس هو نتاج الأسلوب الذي رباك عليه والداك. وإذا كان ينتابك شعور كبير بالذنب إذا ارتكبت أي خطأ، فلانك تتذكر المشاعر الدفينة المحفورة بداخلك عندما كنت ضعيفاً وتميل إلى الاعتماد على الآخرين. إنك تتذكر العقاب العاطفي والرفض، ومقارنتك بأقرانك إذا أخفقت في أداء ما هو متوقع منك.

أما النظرية الثالثة فهي الحتمية البيئية، والتي تقول أن رئيسك هو الذي يجني عليك، أو زوجك، أو ربما ذلك المراهق سيء الطباع، أو وضعك الاقتصادي، أو السياسات التي تنتهجها بلادك. بمعنى آخر، شيء ما في بيئتك هو المسؤول عن الموقف الذي أنت فيه. وتقوم كل واحدة من تلك الخرائط على أساس نظرية المثير والاستجابة، والتي غالباً ما ترتبط في أذهاننا بتجارب على الكلاب. والفكره الأساسية هي أن هناك استجابة بعينها تحدث نتيجة لوجود مثير محدد. وهنا شكل يوضح المثير وسهمان باتجاه الاستجابة.

كيف تصف هذه الخرائط الحتمية بدقة وبشكل وظيفي الأرض؟ إلى أي درجة من الوضوح تقاس هذه الخرائط الطبيعة الحقيقية للإنسان؟ هل تصبح تنبؤات مشبعة ذاتية؟ هل هي قائمة على مبادئ نستطيع إيجاد إثبات لها بداخلنا بين المثير والاستجابة؟ وكيف تتمكن من الإجابة عن تلك الأسئلة؟

اسمح لي أن أروي لك قصة فيكتور فرانكل المؤثرة. كان فرانكل من أتباع مذهب الحتمية، تربى في كنف علم النفس الفرويدي، حيث بان أي شيء يحدث لك في طفولتك يشكل شخصيتك، وبالتالي يسيطر على حياتك بأكملها، وبذلك تكون أطروحات حياتك قد تكونت بالفعل، ولا يكون بوسعيك فعل شيء. كان فرانك أيضاً طبيباً نفسياً، وقدم اعتقاله في المعسكرات النازية الألمانية، حيث مر بتجارب بغيضة للغاية لا تسمح لنا أصول اللياقة بأن نعرضها هنا. وقد مات والداه وأخوه وزوجته في المعسكرات، أو تم إرسالهم إلى محارق الغاز. وقد هلكت أسرته بالكامل فيما عدا أخته. وقد عانى فرانكل نفسه من التعذيب، وانتهكت كرامته مرات عديدة، ولم يعرف قط أن كانت نهايته ستكون في المحارق، أم أنه سيكون من بين الناجين الذين يخرجون جثثاً، أو يجرفون رماداً.

هؤلاء الذين يلقون هذا المصير. وفي أحد الأيام، بينما كان جالساً في غرفته وحيداً وعارياً، بدأ يدرك ما أسماه لاحقاً آخر حريات البشرية، الحرية التي لم يكن بمقدور معتقله النازيين سلبها إياها. إن بإمكانهم السيطرة على بيئته بشكل كامل، وباستطاعتهم فعل ما يريدونه بجسده، ولكن فيكتور فرانكل نفسه كان مخلوقاً مدركاً لذاته، والذي يستطيع النظر بعين الملاحظ لمحيطه. فكانت هويته الأساسية سليمة، لم يصبها أي أذى. كان يستطيع أن يقرر في قراره نفسه كيف سيؤثر كل هذا عليه. وبينما حدث له أو المحفز واستجابته له، تولدت حريته أو القوة لاختيار هذه الاستجابة.

وفي وسط تجاربه تلك، تخيل فرانكل نفسه في ظل ظروف مختلفة، من بينها إلقاء المحاضرات على طلابه بعد خروجه من معسكرات الموت. كان يصف نفسه في الفصل الدراسي بعين عقله، ويشرح لتلاميذه الدروس التي كان يتعلمها أثناء تعذيبه. ومن خلال سلسلة من تدريبات ضبط النفس تلك الذهنية والعاطفية والأخلاقية، عن طريق استخدام الذاكرة والخيال في الأساس، بدأ يصقل حريته الصغيرة وغير الناضجة، إلى أن أضحت أكبر وأكبر، وحتى أصبح يتمتع بقدر من الحرية يفوق ذلك الذي يتمتع به معتقلوه النازيون. لقد كان لديهم مزيد من الامتيازات ومزيد من الاختيارات للاختيار من بينها في بيئتهم، ولكنه كان يتمتع بمزيد من وبمزيد من القوات الداخلية لتحقيق اختياراته. وقد أصبح مصدر إلهام لمن حوله، بمن في ذلك بعض حراسه. فقد ساعد الآخرين على إيجاد معنى لمعاناتهم، لايجاد الكرامة داخل سجنهم.

وفي خضم تلك الظروف المذلة والبائسة، استخدم فرانكل موهبة الإدراك الذاتي البشرية كيكتشف مبدأ أساسياً عن طبيعة الإنسان بين الحافز والاستجابة. يتمتع الإنسان بحرية الاختيار، وتكمن داخل حرية الاختيار تلك المواهب التي تجعل منا بشراً متفردين عن غيرهم من المخلوقات. فبالإضافة إلى الإدراك الذاتي، فنحن نمتلك الخيال، وهو المقدرة على تصور أشياء لا يمكن حدوثها في واقعنا الحالي. ونمتلك الضمير، وهو وعي داخلي عميق بالصواب والخطأ، وبالمبادئ المسيطرة على سلوكنا، وإحساس بدرجة انسجام أفكارنا وأفعالنا معها. ونمتلك الإرادة الحرة، وهي المقدرة على التصرف، وهي التي تكون مسؤولة إدراك ذاتي بعيداً عن كل التأثيرات الأخرى. وحتى أكثر الحيوانات ذكاءً لا تمتلك أياً من هذه المواهب. فهي تخضع لبرمجة باستخدام الغريزة أو التدريب كي تستطيع اكتساب مهارة معينة، إن كان بالإمكان تدريبها لكي تكون مسؤولة، ولكن ليس باستطاعتها أن تكون مسؤولة عن هذا التدريب. بمعنى آخر، ليس بمقدورها توجيهه. إنها لا تستطيع تغيير البرمجة، بل إنها حتى غير مدركة لها.

ولكن بسبب مواهبنا البشرية المتفردة، نستطيع كتابة برامج جديدة لأنفسنا بعيدة كل البعد عن غرائزنا وتدريبنا. ولعل هذا هو السبب في المحدودية النسبية لمقدرة الحيوانات، ولا محدودية لمقدرة الإنسان. ولكن إذا عشنا مثل الحيوانات، وتركنا غرائزنا والمؤثرات الخارجية والظروف تتحكم بنا، وخضعنا بذاكرتنا الجماعية، ستصبح مقدرتنا نحن أيضاً محدودة. وقد نشأ التصور الذهني الحتمي من دراسة الحيوانات: الفئران، الحمير، الحمام، الكلاب، والأشخاص المصابين بالعصاب والذهان. وبالرغم من أن مثل هذا التصور قد يتناسب مع معايير بعينها لدى بعض الباحثين، لأنه يبدو قابلاً للقياس والتوقع، إلا أن تاريخ البشر وإدراكنا الذاتي يخبراننا أن هذه الخريطة لا تصف الأرض على الإطلاق. إنما وهبنا البشرية المتفردة تسمو بنا فوق عالم الحيوان. والقدر الذي نسقله ونطور به هذه المواهب يعزز من قوتنا كي نستغل إمكانياتنا الفريدة. فبين المحفز والاستجابة تكمن أعظم قوة نملكها: حرية الاختيار.

تعريف المبادرة. في أثناء اكتشافه للمبدأ الأساسي لطبيعة الإنسان، وصف فرانكل خريطة ذاتية دقيقة، بدأ من منطلقها يطور العادة الأولى والأكثر أهمية للشخص للفعالية العالية في أي بيئة: عادة المبادرة. في حين أن كلمة "مبادرة" معروفة الآن في مجال الإدارة، إلا أنها كلمة لن تجدها في معظم القواميس. فهي تعني أكثر من مجرد أخذ خطوة للأمام. إنها تعني أننا كبشر مسؤولون عن حياتنا. تعني أن سلوكنا هو نتاج قراراتنا، وليس ظروفنا. فنحن نستطيع أن نضع المشاعر في مرتبة أدنى من القيم. إننا نمتلك حس المبادرة والمسؤولية التي تمكننا من تحقيق ما نريد.

وإذا نظرنا بدقة إلى كلمة "مسؤولية"، سنجد أنها تحمل في طياتها معنى قدرتك على اختيار نوعية الاستجابة الصادرة عنك. والناس الذين يتمتعون بالمبادرة السريعة يدركون تماماً معنى تحمل المسؤولية، ولا يعلقون سلوكياتهم على الظروف أو الأحوال، لأنهم يعلمون تماماً أن سلوكياتهم هي نتاج لاختيارهم الواعي المبني على أساس من القيم، وليست وليدة الظروف التي يمرون بها والمبنية على المشاعر. ولأن المبادرة هي طبيعة إنسانية، فإن كانت حياتنا نتاج الظروف والمؤثرات الخارجية، فإن ذلك لأننا اخترنا عن قصد، أو اضطررنا لزيادة قوة هذه الأشياء التي تتحكم فينا. وهذا الاختيار يحولنا إلى أشخاص انفعاليين. وهذا النوع من الناس يتأثرون بالبيئة المادية المحيطة بهم، فعندما يكون الجو صحواً، يكون مزاجهم معتدلاً، وعندما يكون الجو ملبداً بالغيوم، فانه يؤثر على سلوكياتهم.

أما الأشخاص المبادرون فيخلقون الطقس الملائم لهم. فليعنيهم طول المطر أو إشراق الشمس، طالما أن ما يحكمهم هو القيم التي تحث على العمل المثمر، والتي بدورها لا تتأثر بحالة الطقس. والأشخاص الانفعاليون يتأثرون أيضاً بالبيئة الاجتماعية المحيطة أو الجو الاجتماعي، أي أنهم يكونون سعداء إذا أحسنت معاملتهم، أما إذا أسئت معاملتهم، فإنهم يلجأون فوراً إلى الدفاع أو الاحتماء. ويبني الأشخاص الانفعاليون حياتهم العاطفية حول سلوكيات الآخرين، مما يعزز من نقاط ضعف الآخرين من السيطرة عليهم. هذا وتعد المقدرة على وضع المشاعر في مرتبة أدنى من القيم هي جوهر الأشخاص الانفعاليين، فيتركون المشاعر والظروف والمؤثرات الخارجية تتحكم بهم. ولكن ما يتحكم بالاشخاص المبادرين والقيم؟ قيم هادفة وليدة عميق واختيار دقيق. ومع ذلك، يتاثر الاشخاص المبادرون بالمثيرات الخارجية، سواء المادية أو الاجتماعية أو النفسية، غير استجاباتهم لتلك المثيرات، سواء الواعية أو اللاواعية، اختيار أو استجابة أساسها القيم.

وطبقاً لملاحظة، لا يمكن لشخص أن يجرحك إلا بموافقتك. وكما قال غاندي: "لا يمكنه أن يأخذوا من احترامنا لأنفسنا ما لم نعطه نحن لهم." إنما يجرحنا ليس الحدث في حد ذاته، بل موافقتنا وتصريحنا بحدوثه في المقام الأول. واعترف بأنه من الصعب تقبل هذا الأمر من الناحية العاطفية، خاصة إذا أمضينا أعواماً وأعواماً في الاعتقاد أن التعاسة التي نعاني منها عائدة للظروف أو سلوكيات الآخرين. وإلى أن يتمكن الشخص من الاعتراف بأنه "ما أنا عليه اليوم ونتاج لخيارات الأمس"، فانه لن يتمكن من قوله: "لقد اتخذت خيارات مختلفة".

ذات مرة، بينما كنت في ساكرامنتو أتحدث في موضوع المبادرة، وقفت سيدة من الحاضرين في منتصف محاضرتي، وأخذت تتحدث بحماس. فالتفت إليها عدد من جمهور الحاضرين الكبير. وفجأة، أدركت السيدة ما تفعل، وذابت خجلاً، وسارعت بالجلوس. ولكن يبدو أنها اكتشفت صعوبة التحكم في نفسها، لذا عاودت التحدث إلى الناس المحيطين بها مرة أخرى، وبدت سعيدة للغاية. وكنت متلهفاً لفترة الاستراحة حتى أتبين ما حدث. وبمجرد أن أعلن عنها، حتى انطلقت إلى السيدة واستأذنتها في مشاركتها التجربة.

فصاحت بسعادة: "لا يمكنك تخيل ما حدث لي! إنني أعمل ممرضة لرجل لا يمكنك تخيل مدى عاسته وجحوده. لم يعبر لي ولو مرة واحدة عن تقديره. إنه حتى لا يلحظني من الأساس، ودائماً ما يصيح في وجهي ويتصيد للأخطاء. ولقد هذا الرجل حياتي إلى جحيم مطبق. وغالباً ما أصب جمع غضبي من تصرفاته على أفراد أسرتك. ولا يختلف شعور الممرضات الأخريات عن شعور هذا. وكلنا نأمل موته."

وبينما أنت واقف هناك، موضحاً أنني لن أتعرض للجرح، وأن ما من شيء ليجرحني دون موافقة، وأنني من اخترت تعاسة عنواناً لحياته العاطفية، كنت غير مقتنعة بكلامك هذا. فإذا إنني ظللت أفكر فيه، ولقد تغلغل داخل أعماقي، وبدأت أتساءل: "هل امتلك القوة لاختيار استجاباتى؟" وعندما أدركت أخيراً أن قوة الخيار بيده، وعندما ابتلعت مشاعر المرارة، أدركت أنني اخترت تعاسة بيدي، وأدركت أنه كان بإمكاني اختيار ألا أكون تعيسة. وعند هذه اللحظة، نهضت وشعرت بأنني بدأت أطلق الغضب الموجود بداخلي، ووجدت أن أصرخ في العالم بأسره: "أنا حرة! لقد تحررت من سجني، ولن أترك معاملة أي شخص تتحكم بي بعد الآن!"

إذاً، ليس ما يحدث لنا وما يجرحنا، بل الاستجابة له هي ما تفعل ذلك. وبالطبع، يمكن أن نصادف أموراً تتسبب لنا في أذى بدني أو مادي، وقد تتسبب لنا في حزن، ولكن لا ينبغي أن تتعرض شخصياتنا وهويتنا الأساسية لأي جرح. وفي الواقع، إن أصعب التجارب التي نمر بها هي البوتقة التي تشكل شخصياتنا وتنمي قوانا الداخلية. وهي تعني الحرية في التعامل مع أصعب الظروف في المستقبل، وإلهام الآخرين كي يقوموا بالمثل أيضاً. وقد كان فرانكل أحد هؤلاء الذين تمكنوا من تطوير الحرية الشخصية في أحلك الظروف لإلهام الآخرين ومساعدتهم على الارتقاء.

وتقدم لنا السير الذاتية لسجناء حرب فيتنام شهادة أخرى مقنعة حول قوات الحرية الشخصية وتأثير الاستخدام المسؤول لها في إطار ثقافة السجن وعلى المساجين الآخرين، في حينها الآن. وكلنا يعرف أشخاصاً يمرون بظروف عصيبة، مثل مرض لا أمل في شفائه، أو إعاقة بدنية، غير أنهم حافظوا على قوتهم العاطفية العظيمة. ولكن إلى أي مدى تمكنا من الاستفادة من قوتهم؟ فلا شيء أعظم وأعمق أثراً من إدراك الإنسان أن شخصاً آخر استطاع تحدي المعاناة والظروف، وأنه يجسد ويعبر عن قيمة تلهم حياة الآخرين وترتقي بها.

واحدة من أعظم اللحظات الملهمة التي تعرضنا لها أنا وساندرا منذ أكثر من أربع سنوات مضت، كانت مع صديقتنا العزيزة كارول، والتي توفيت إثر إصابتها بمرض السرطان. وكانت كارول إحدى أشبيينات ساندرا، وقد دامت صداقتهما الحميمة خمسة وعشرين عاماً. وعندما وصلت كارول إلى مراحل المرض الأخيرة، كانت ساندرا تمضي معظم الوقت معها في محاولة لمساعدتها على كتابة قصة حياتها. وكانت تعود من تلك الجلسات الصعبة والدهشة والإعجاب يملآنها من شجاعة صديقتها ورغبتها في تدوين رسائل خاصة لتقدمها لأطفالها خلال مراحل أعمارهم المختلفة. وكانت كارول تأخذ أقل قدر ممكن من العقاقير المسكنة كي تتمكن من التحكم الكامل في قواها العقلية والعاطفية. وكانت تتحدث همساً إلى جهاز التسجيل أو إلى ساندرا لتدون بدورها ما تقول. لقد كانت كارول مبادرة وشجاعة ومهتمة للغاية بالآخرين، حتى أنها كانت مصدر إلهام للعديد من الناس حولها.

ولن أنسى أبداً تجربة النظر بعمق في عيني كارول في اليوم السابق لوفاتها، والشعور بذلك الألم الأجوف، شعور بكل تلك الخصال الرائعة التي تمتلكها. فكنت أرى في عينيها حياة ثرية، وإسهامات وخدمات، وحبها واهتمامها وتقديرها. وعلى مر السنين، سألت مجموعات من الناس: "كم واحد منهم مر بتجربة معايشة لحظة احتضار شخص كان يتمتع بتوجه رائع، ويحاول التواصل بحب ومتعاطف، وظل يقدم خدمات لا تضاهى حتى حانت لحظة رحيله؟" وغالباً ما يرد ربع الحاضرين بالإيجاب. وعود سؤالهم مرة أخرى: "كم منهم لن ينسى هؤلاء الأشخاص؟ وكم منهم غيرته تلك الشجاعة الملهمة، ولو لفترة مؤقتة، وتركت أثراً عميقاً به، وحفزته لبذل المزيد من الجهد في الأعمال النبيلة وتقديم الخدمات والتعاطف مع الآخرين؟" وبلا تردد، جاء رد نفس الأشخاص بالإيجاب.

ويقترح فيكتور فرانكل أن الحياة بها ثلاث قيم أساسية: التجربة (أو الأشياء التي تحدث لنا)، والإبداع (أو الأشياء التي نصنعها)، والتوجه (أو طبيعة استجابتنا في ظل الظروف الصعبة مثل المرض المميت). وتثبت تجربة مع الناس وجهة نظر فرانكل بأن أسمى وأهم القيم الثلاث هي قيمة التوجه، والتي تعني التصور الذهني أو إعادة التشكيل. وبعبارة أخرى، ما يهم هو استجاباتنا لتجارب الحياة التي تمر بنا. وغالباً ما يتمخض عن الظروف الصعبة تغير في التصورات الذهنية، إذ تتشكل أطر مرجعية جديدة يرى الناس من خلالها العالم وأنفسهم والآخرين، وكذلك أمور الحياة الضرورية الأخرى. ويعكس منظورهم الأكثر شمولية قيم التوجه التي ترتقي بهم وتلهمهم الأخذ بزمام المبادرة.

الأصل في طبيعة البشر هو الفعل لا رد الفعل، والذي من شأنه مساعدتنا على اختيار استجابة محددة تتوافق مع ظروف معينة نمر بها. الأمر الذي يمكننا من خلق الظروف والأخذ بزمام المبادرة. لا يعني أن تكون لحوحاً أو وقحاً أو عدوانياً، بل أن تدرك المسؤولية الملقاة على عاتقك لتصل إلى هدفك.

وعلى مر سنوات، كنت أقدم استشارات للأشخاص الذين يرغبون في الالتحاق بوظائف أفضل، وأنصحهم دوماً بإظهار المزيد من المبادرة، وأن يكونوا مهتمين بأداء اختبار القدرات والمهارات، ودراسة كل ما يتعلق بالصناعة، وكذلك أدق المشاكل التي يمرون بها، ثم وضع عرض تقديمي فعال يوضحون من خلاله كيف يمكن أن تؤهلهم قدراتهم للمساعدة في حل المشكلات التي تواجهها المؤسسة. وهذا هو ما يطلق عليه "بيع الحلول"، وهو تصور ذهني أساسي من أجل تحقيق النجاح العملي. وفي الغالب، تكون الاستجابة المتوقعة هي الحصول على الوظيفة. ويمكن لمعظم الناس اختبار مدى التأثير القوي لهذا الأسلوب عند إجراء مقابلات للحصول على وظيفة أو ترقية. إلا أن الكثير من الناس يخفقون في اتخاذ الخطوات الضرورية، أي المبادرة، من أجل تحقيق ما يصبون إليه. "لا أعلم إلى أين أذهب لأداء اختبار المهارات والقدرات. كيف يمكنني دراسة المشاكل المتعلقة بالصناعة أو المشاكل المؤسسية؟ لا أحد يرغب في مساعدتي. ليس لدي أدنى فكرة حول كيفية تقديم عرض مؤثر." وهنا ينتظر الكثير من الناس حتى يقع أمر ما، أو أن يمد إليهم أحدهم يد المساعدة. ولكن الناس الذين ينتهي بهم الحال بالحصول على وظائف جيدة هم أولئك الذين يتمتعون بحس المبادرة، والذين يملكون حلولاً للمشاكل، ولا يمثلون هم المشاكل، والذين يملكون زمام المبادرة للقيام بكل ما هو ضروري في إطار مبادئ صحيحة لتنفيذ المهمة الموكلة إليهم.

وعندما لا يتحمل أحد أفراد العائلة، حتى لو كان أصغر الأبناء، المسؤولية، منتظراً قيام شخص آخر بالعمل نيابة عنه أو تقديم الحلول، فإننا نقول له: "استخدم مواردك والمبادرة." وفي الحقيقة، في أغلب الأحيان، قبل أن نتفوه بكلمة واحدة، فانه يصح قائلاً: "أعلم، استخدم مواردك والمبادرة." إن حمل الناس على تحمل المسؤولية لا يقلل من شأنهم، بل إنه مجرد تشجيع وحث لهم. فالمبادرة طبيعة بشرية، وعلى الرغم من أن عضلات المبادرة قد تكون خاملة في الوقت الحالي، إلا أنها موجودة. وإذا احترمنا طبيعة المبادرة لدى الآخرين، فإننا نعكس لهم من خلال مرآة المجتمع صورة واضحة وغير مشوهة. وبالطبع، لا بد من الأخذ في الاعتبار مستوى نضج الشخص الذي نتعامل معه. فنحن لا يمكننا توقع درجات عالية من درجات التعاون من أولئك الغارقين في بحر التواكل العاطفي، ولكن يمكننا على الأقل تعزيز طبيعتهم الأساسية وتوفير الجو المناسب الذي يمكنهم من خلاله اغتنام الفرصة وحل المشاكل بأسلوب يغلب عليه الاعتماد على الذات.

كن مبادراً أو انتظر رأي الآخرين. إن الفرق بين الناس الذين يأخذون بزمام المبادرة وأولئك الذين لا يحركون ساكناً يشبه الفرق بين الليل والنهار. وفي هذا الصدد، لا أتحدث عن اختلاف في الفعالية تتراوح نسبته ما بين 25% إلى 50%، بل أتحدث عن نسبة الاختلاف التي تفوق 5000%، خاصة إذا كانوا يتحلون بالذكاء والوعي والإحساس بالآخرين. وتحقيق الفعالية في حياتك باستخدام توازن عالٍ يتطلب منك الأخذ بزمام المبادرة، وتنمية العادة السابعة يتطلب منك الأخذ بالمبادرة أيضاً. وبينما تطالع العادات الست الأخرى، سترى أن كل واحدة منها تعتمد على قوة المبادرة، وكل واحدة منها تضع أمامك المسؤولية كي تتحرك وتأخذ الخطوة الأولى. ولكن إذا وقفت ساكناً في انتظار رأي الآخرين، فهذا ما ستناله، ولن تحظى بنتائج النمو والفرص المتاحة.

ذات مرة، عملت مع مجموعة من الناس في مجال ترميم المنازل، وكانوا ممثلي عشرين مؤسسة مختلفة، والذين كانوا يلتقون في اجتماعات ربع سنوية تعقد من أجل مناقشة الأرقام المحققة ومناقشة المشاكل. وكانت المناقشات مفتوحة بلا أية محاذير. وجاءت هذه الاجتماعات في خضم فترة ركود شديدة كانت قد أثرت بالسلب على هذه الصناعة بالتحديد أكثر مما أثرت على الاقتصاد بوجه عام. وكان هؤلاء الأشخاص مصابين بإحباط شديد عند بدءنا هذه الاجتماعات. وفي أول أيام هذا الاجتماع، كان السؤال المطروح هو: "ما الذي يحدث لنا؟ ما هي أسبابه؟" وكان ذلك الوقت مشحوناً بالأحداث، وكانت الضغوط البيئية المحيطة قوية، وكانت البطالة منتشرة، ونزع العديد من الناس إلى إيقاف أصدقائهم عن العمل لفترة مؤقتة من أجل الإبقاء على أعمالهم. وبنهاية اليوم، كان الجميع أكثر إحباطاً.

وفي اليوم الثاني، انتقلنا إلى سؤال آخر: "ما الذي يخبئه لنا المستقبل؟" وشرعنا في دراسة التوجهات البيئية مع افتراض أن هذه التوجهات هي التي ستصنع مستقبلهم. وبنهاية اليوم الثاني، كان إحباطنا يزداد، وكانت الأوضاع تزداد سوءاً. وبالطبع، كان الجميع يعلم هذا. لذا، في اليوم الثالث، قررنا التركيز على السؤال المبادر: "ما هي استجابتنا؟ ماذا سنفعل؟ كيف نأخذ بزمام المبادرة في ظل هذا الموقف؟" تحدثنا في الصباح عن الإدارة وطرق تقليل التكاليف، وعند الظهيرة ناقشنا زيادة حصة السوق، وقمنا بطرح الأفكار في إطار هاتين النقطتين، ثم ركزنا على الأشياء العملية والقابلة للتنفيذ. وهنا ظهرت روح جديدة يملاها الحماس والأمل. واختتمت هذه الجلسات بإدراك ماهية المبادرة. وفي نهاية اليوم الثالث، قمنا بتلخيص النتائج التي تمخضت عن المؤتمر في إجابة مكونة من ثلاثة أجزاء عن السؤال: "كيف يسير العمل؟"

الجزء الأول: "إن ما يحدث لنا ليس بالأمر الجيد، وتشير التوجهات إلى أن الأوضاع لن تتحسن، بل ستزداد سوءاً."

الجزء الثاني: "ولكن ما نقوم به أمر جيد بالفعل، لأننا نحسن عملية الإدارة ونقلل ونرفع حصة السوق."

الجزء الثالث: "لذا، فإن العمل سيشهد تحسناً عن ذي قبل."

والآن، ما هي إجابة العقل الانفعالي؟ "يا إلهي، دعك من هذا. لنواجه الحقيقة. إن بإمكانك فقط تطبيق منهج التفكير الإيجابي هذا وتلك الطرق النفسية الذاتية هنا. ولكن إن آجلاً أم عاجلاً، سيكون عليك مواجهة الواقع."

ولكن هنا يكمل الفرق بين التفكير الإيجابي والمبادرة. لقد واجهنا الواقع بالفعل، وواجهنا واقع الظروف الحالية والتوقعات المستقبلية، ولكننا واجهنا أيضاً واقع أننا نملك قوة اختيار الاستجابة الإيجابية الملائمة لتلك الظروف والتوقعات. وعدم مواجهة الواقع تعني تقبل فكرة أن ما يحدث في البيئة المحيطة بنا يجب أن يتحكم فينا بالضرورة. ويمكن للشركات والجماعات والمؤسسات وحتى الأسر التحلي بالمبادرة، ويمكنهما مزج الإبداع ومصادر المبادرة لدى الأشخاص لخلق ثقافة المبادرة داخل المؤسسة. ولا ينبغي على المؤسسة أن تقع تحت رحمة البيئة، بل يمكنها الأخذ بصمام المبادرة لتحقيق القيم والأهداف المشتركة للعاملين.

الاستماع إلى لغتنا لأنها توجهاتنا وسلوكياتنا تنبع من تصوراتنا الذهنية. فإذا استخدمنا وعينا الذاتي لدراستها، سنتمكن من رؤية طبيعة الخرائط المهمة من خلالها. وعلى سبيل المثال، اللغة التي نستخدمها هي مؤشر حقيقي يحدد لأي مدى نرى في أنفسنا أشخاصاً مبادرين.

لغة الأشخاص الانفعاليين: "من المسؤول؟ هكذا أنا، وهذه هي طبيعتي. أنا أتحلى بالعظم، ولكن يمكنني فعل شيء حيال هذا. إنه يدفعني للجنون. إنني لست مسؤولاً عن هذا. هناك شيء ما يتحكم في حياتي العاطفية. لا حيلة لي فيه. لا يمكنني القيام بهذا الأمر. ليس لدي متسع من الوقت. شيء ما خارج عن إرادتي يحكمني. الوقت المحدود. لو أن زوجتي تتحلى بشيء من الصبر. إن سلوك شخص آخر يحد من فعاليتي. لابد من القيام بهذا. إن الظروف أو الآخرين يدفعونني للقيام بما أفعل. ولا أملك حرية اختيار أفعالي."

لغة المبادرة: "لندرس البدائل المتاحة لنا."

لغة الانفعال: "هكذا أنا."

لغة المبادرة: "بإمكاني أن أختار طريقة مختلفة."

لغة الانفعال: "إنه يدفعني للجنون."

لغة المبادرة: "يمكنني التحكم في مشاعري."

لغة الانفعال: "إنهم لن يسمحوا لي بهذا."

لغة المبادرة: "يمكنني تقديم عرض مؤثر."

لغة الانفعال: "يتعين علي القيام بهذا."

لغة المبادرة: "لابد أن أختار الاستجابة الملائمة."

لغة الانفعال: "ليس باستطاعتي."

لغة المبادرة: "أنا من يقوم بالاختيار."

لغة الانفعال: "لابد."

لغة المبادرة: "أفضل."

لغة الانفعال: "لو أن..."

لغة المبادرة: "سأفعل."

وتنشأ هذه اللغة من التصور الذهني الأساسي للتصميم، والروح الأساسية المسيطرة عليها هي روح التملص من المسؤولية. "لست مسؤولاً عن هذا." ولا يمكن الاختيار الاستجابة.

سألني أحد طلاب ذات مرة: "هل تسمح لي بعدم حضور الصف؟ لدي جولة للعب التنس." فسألته: "هل يتعين عليك الذهاب أم أنك اخترت الذهاب؟" فأجابني: "يتعين علي الذهاب بالفعل." "ما الذي سيحدث إن لم تذهب؟" "ساُطرد من الفريق." "هل ترضى عن هذه العواقب؟" "كلا." بعبارة أخرى، "إنك تختار الذهاب لأنك تريد البقاء في الفريق." "ولكن ما الذي سيحدث إذا فاتك صفي؟" "لا أعلم." "فكر جيداً في اعتقادك. ما هي النتيجة الطبيعية لعدم حضور الصف؟" "لن تطردني، أليس كذلك؟" "ستكون هذه عاقبة اجتماعية." "سيكون ذلك متكلفاً." "إن لم تشارك مع فريق التنس، فإنك لن تلعب." "هذا طبيعي." "ولكن إذا فاتك صفي، ما هي العاقبة الطبيعية؟" "أعتقد أنني سأفوت الدرس." "هذا صحيح. إذاً، يتعين عليك أن تزن عاقبة هذا مقابل عاقبته عدم الذهاب مع فريق التنس، ومن ثم يمكنك الاختيار." "أعلم أنني لو كنت مكانك لاخترت الذهاب مع فريق التنس." "ولكنني لا أفرض عليك القيام بأي شيء." فأجاب بهدوء: "إذاً، أختار الذهاب مع فريق التنس." فأجبته: "وأنا أصطنع عدم التصديق. وتفوت صفي."

إن المشكلة الخطيرة التي تصاحب لغة الانفعال هي أنها أصبحت نبوءة التحقيق الذاتي، إذ يصبح الناس خاضعين للتصور الذهني الذي يصممون عليه، ويتصنعون الأدلة الداعمة لمعتقدهم، ويتعاظم شعورهم بأنهم ضحية، وأن الأمور خارجة عن سيطرتهم، وأنه لا حيلة لهم اختيار حياتهم، أو أنه أمر مقدر. ودائماً يلومون قوة خارجية على الظروف التي يمرون بها، أو أشخاصاً آخرين، أو الظروف، أو حتى النجوم.

أثناء إحدى الندوات التي كنت أتحدث فيها عن مفهوم المبادرة، نهض رجل وقال: "يعجبني ما تقول، ولكن كل موقف يختلف عن الآخر. خذ زواجاً مثلاً. إنني قلق بشأنه لأنني وزوجتي لم نعد نكن لبعضنا البعض المشاعر ذاتها كسابق عهدنا، وأعتقد أنني لم أعد أحبها، كما أنها لم تعد تحبني أيضاً. ما الذي يسعني القيام به؟" فسألته: "ألم تعد بينكما أي مشاعر؟" فأجاب مؤكداً: "هذا صحيح. لدينا ثلاثة أطفال ونحن قلقون بشأنهم." "ما الذي تقترحه؟" فأجبته: "أحبها." "لقد أخبرتك، لم تعد بيننا أي مشاعر." "أحبها." "ألا تفهم؟ لقد انتهت مشاعر بيننا." "إذاً، أحبها. واخدمها، وضحي من أجلها، واستمع إليها، وقدرها. فأنت قادر على هذا."

وتؤكد الكتابات العظيمة التي تشكل فكر المجتمعات التقدمية أن الحب فعل. ولكن الناس الانفعاليين يحولونه إلى مشاعر، وبعد ذلك تقودهم تلك المشاعر. ويميل كتاب السيناريو في هوليود إلى دفعنا إلى تصديق أننا لسنا مسؤولين، وأننا نتاج لمشاعرنا، ولكن لا تصف الواقع. فلو حكمت مشاعرنا تصرفاتنا، فهذا نتيجة لتخلينا عن مسؤوليتنا وزيادة قوة مشاعرنا لتدفعنا إلى هذا. أما الناس المبادرون فيجعلون الحب فعلاً. والحب هو شيء تقوم به، وتضحيات تبذلها، والتخلي عن الأنانية، كما تفعل الأم التي تلد طفلاً إلى العالم. وإذا أردت دراسة الحب، لابد أن تقرأ عن هؤلاء الذين بذلوا تضحيات من أجل الآخرين، حتى من أجل أولئك الذين هاجموهم أو لا يحبونهم. وإذا كنت والداً، انظر إلى الحب الذي تكنه لأبنائك، والتضحيات التي تبذلها من أجلهم. والحب هو قيمة تتحول إلى واقع من خلال الأفعال التي تدل على الحب. والناس المبادرون يضعون المشاعر في مرتبة أدنى من القيم، ومن ثم يتسنى لهم استعادة الحب والمشاعر.

عدم المعاناة من الهموم: دائرة الهموم ودائرة التأثير. وهناك طريقة أخرى ممتازة تساعدنا على تنمية إدراكنا لذاتنا، تعتمد على قدر تمتعنا بالمبادرة، وهي البحث عن الشيء الذي يجدر بنا تركيز وقتنا وطاقتنا عليه. ولكل واحد منا مدى متسع من الهموم ومصادر القلق: صحتنا، أطفالنا، مشاكل العمل، الديون القومية، الحرب النووية. واستخدام دائرة الهموم يساعدنا على فصل تلك الهموم عن الأمور التي لا تمثل أهمية عقلية أو عاطفية لنا. وبينما ننظر إلى تلك الأشياء داخل دائرة القلق الخاصة بكل واحد منا، يتبين لنا أن هناك بعض الأشياء تخرج عن سيطرتنا، وبعضها يمكننا أن نعالجها إلى حد ما. ونستطيع التعرف على هذه الهموم الخاصة بالمجموعة الأخيرة ومصادر القلق عن طريق وضعها في إطار مجموعة أخرى هي دائرة التأثير. وما إن نحدد أي واحدة من هاتين الدائرتين هي محور وقتنا وطاقتنا، ويغدو من السهل علينا تحديد إلى أي مدى نتمتع بشخصية مبادرة.

تركيز الأشخاص المبادرين: الطاقة الإيجابية تزيد من حجم دائرة التأثير. والأشخاص المبادرون هم من يركزون جهدهم وطاقتهم على دائرة التأثير. فهم يركزون على الأشياء التي يستطيعون فعل شيء بشانها. وتتميز طبيعة طاقتهم بالايجابية والامتداد والتعاظم، مما يزيد من اتساع دائرة تأثيرهم. ومن ناحية أخرى، تجد الأشخاص الانفعاليين يركزون جهودهم على دائرة الهموم. إنهم يركزون على اقتناص نقاط ضعف الآخرين والمشاكل الموجودة في البيئة والظروف الخارجة عن سيطرتهم. ويتمخض عن هذا النوع من التركيز إلقاء اللوم واتهام التوجهات واستخدام لغة انفعالية وتعاظم الشعور بأنهم ضحايا. والطاقة التي تتولد عن هذا النوع من أنواع التركيز تتحد مع إهمال النواحي التي يمكن التعامل معها، وتتسبب في تقلص دائرة التأثير. وهنا أيضاً شكل يبين تركيز الأشخاص الانفعاليين: الطاقة السلبية تقلص دائرة التأثير.

ومداومة التركيز على دائرة الهموم يؤدي إلى تعزيز الأمور التي تحتويها، جاعلاً إياها تسيطر علينا. فنحن لا نأخذ بزمام المبادرة التي هي ضرورية لإحداث تأثير إيجابي. وفي جزء سابق من هذا الكتاب، رويت لكم قصة ابني الذي كان يعاني من مشاكل خطيرة في المدرسة والقلق الذي انتابنا أنا وساندرا بشأن نقاط ضعف ابننا الواضحة والطريقة التي يعامله بها الناس. ولكن تلك الأشياء كانت داخل دائرة همومنا. فكلما كنا نركز جهودنا عليها، نجد أن الإنجاز الوحيد الذي حققناه هو زيادة شعورنا باليأس وانعدام الحيلة، واعتماد ولدنا علينا. ولكن ما إن شرعنا في العمل على دائرة التأثير، حتى وجدنا أنفسنا نركز على تصورنا الذهني، وبالتالي بدأت الطاقة الإيجابية تتدفق منا، مما غير فينا الكثير وأثر في ولدنا. وعندما ركزنا على أنفسنا بدلاً من التركيز على القلق بشأن الظروف، نجحنا في التأثير على تلك الظروف.

ولأسباب خاصة بالوضع أو الثروة أو الدور الذي يلعبه المرء أو العلاقات، توجد بعض الظروف التي تجعل دائرة التأثير الخاصة بالشخص أكبر من دائرة قلقه ومخاوفه، كما هو موضح في هذا الشكل. ويعكس هذا الموقف التفكير في المعاناة الشخصية العاطفية الحالية، وهو نمط من أنماط الحياة الأنانية، لأنه يركز على دائرة الهموم. وعلى الرغم من أن الناس المبادرين يمنحون الأولوية لاستخدام تأثيرهم، إلا أن لديهم أيضاً دائرة هموم تتساوى على الأقل في الحجم مع دائرة التأثير، وذلك بتقبلهم تحمل مسؤولية استخدام التأثير بفعالية.

مشكلة مباشرة أو غير مباشرة أو خارجة عن السيطرة. إن المشاكل التي نواجهها تنقسم إلى ثلاثة أنواع: مشاكل مباشرة (المشاكل التي تتعلق بسلوكياتنا)، ومشاكل غير مباشرة (وهي المشاكل المتعلقة بسلوكيات الآخرين)، ومشاكل خارجة عن السيطرة (المشاكل التي لا حيلة لنا فيها، مثل الماضي أو الوقائع الموقفية). والفكر المبادر هو الذي يحدد الخطوة الأولى على طريق حل تلك الأنواع الثلاثة للمشاكل في إطار دائرة تأثيرنا الحالية. وبالنسبة للمشاكل المباشرة، فيمكن حلها عن طريق التركيز على عاداتنا، فهي تقع في إطار دائرة تأثيرنا. وهذه هي الانتصارات الشخصية: العادات الأولى والثانية والثالثة. أما المشاكل غير المباشرة، فتحل بتغيير أساليب التأثير: الانتصارات العامة: العادات الرابعة والخامسة والسادسة.

وأنا عن نفسي، تمكنت من تحديد أكثر من 30 طريقة منفصلة للتأثير الإنساني، منفصلة كفصل التقمص العاطفي عن المواجهة، ومنفصلة كانفصال المثل عن الإقناع. ولا يعرف أغلب الناس أكثر من ثلاثة أو أربعة أساليب من إجمالية تلك الأساليب، والتي تبدأ غالباً بالمنطق. وإذا فشل، يتحولون إلى الهرب أو الشجر. ولكن إلى أي مدى تتمتع بالفكر المتفتح الذي يسمح لك بتقبل فكرة أن بإمكانك تعلم أساليب جديدة للتأثير الإنساني بدلاً من بدل محاولات مستمرة في اتباع الأساليب القديمة غير الفعالة لإعادة تشكيل شخص آخر.

وعند مواجهة المشاكل الخارجة عن نطاق السيطرة، فإنك تتحمل مسؤولية تغيير وجهك العابس إلى وجه بشوش، وتقبل المشاكل برضا وسلام نفسي، والتعلم حتى لو لم تكن تحبها. وبهذه الطريقة، لا نسمح لتلك المشاكل بالسيطرة علينا. ونحن نتضامن مع جمعية علاج المدمنين في الدعاء الذي يتلونه: "يا إلهي، امنحني الشجاعة لتغيير الأشياء التي باستطاعتي بل يتعين علي تغييرها، والسكينة التي تساعدني على تقبل الأشياء التي لا يسعني تغييرها، والحكمة في إدراك الفرق."

وسواء كانت المشكلة مباشرة أو غير مباشرة أو خارجة عن السيطرة، فإننا نملك بين أيدينا الخطوة الأولى التي تساعدنا على وضع الحل. فتغيير عاداتنا، وتغيير أساليب التأثير التي نتبعها، وتغيير نظراتنا للمشاكل الخارجة عن سيطرتنا، كلها أمور تقع داخل دائرة تأثيرنا.

توسيع دائرة التأثير. من الملهم أن ندرك أن الاستجابة التي نختارها عند التعامل مع ظرف معين تحدث تأثيراً قوياً في هذا الظرف. فإذا قمنا بتغيير جزء من الوصفة الكيميائية، فإننا نغير طبيعة النتيجة بالتبعية.

منذ عدة سنوات مضت، عملت مع إحدى المؤسسات التي يراسها شخص يتمتع بدرجة عالية من الحيوية، كما أنه قادر على إدراك المؤشرات، وكان بحق مبدعاً وموهوباً ويتمتع بقدرات كبيرة وذكاء حاد. وقد عرف الجميع عنه كل هذه الصفات، ولكنه كان ديكتاتورياً في إدارته، وكان يتعامل مع الجميع وكانهم مجرد رسل عليهم توصيل الرسالة فقط دون أن يعوا ما تحمله. وكان يستخدم لغة الأمر مع العاملين معه بالمؤسسة: "اذهب لفعل هذا أو ذاك، والآن افعل هذا أو ذاك. أنا من يتخذ القرار هنا." والتاثير الطبيعي لاسلوب التعامل هذا هو انه قد بنى علاقات غير ودودة مع فريق العمل التنفيذي، وتحولت ردود أفعال المؤسسة إلى ساحات للشكوى من أسلوبه. وكانت المناقشات الدائرة بينهم معقدة ومتباينة، وكانوا يحاولون حل المشكلة، وفي النهاية لم يستطيعوا إيجاد الحل، بل أعفوا أنفسهم من تحمل مسؤولية ما يجري باسم أن المدير لديه نقاط ضعف.

فعلق أحدهم: "لا يسعني تحمل ما حدث هذه المرة. لقد دلف إلى القسم في اليوم التالي ووجد كل شيء معدلاً، ولكنه أعطى تعليمات مخالفة تماماً، وذهب العمل الذي انكببت عليه طيلة عدة أشهر أدرج الرياح. لا أدري كيف أواصل العمل معه. ألن يتقاعد؟" فأجابه أحدهم: "إنه فقط في التاسعة والخمسين. هل تعتقد أنه سيستمر في العمل لمدة ست سنوات أخرى؟ لا أدري. إنه من النوع الذي لا يتقاعد."

ولكن بين هؤلاء العاملين، كان هناك شخص مبادر تحركه القيم للمشاعر. لذا فقد أخذ بصمام المبادرة وفكر فيما يشعر به المدير، وتمكن من قراءة الموقف. وهو لم يغفل نقاط ضعف المدير، ولكنه لم يتوقف عندها لينتقده، بل حاول تعويضها. فقد كانت مشكلة المدير تكمن في ضعف أسلوبه، وكان بدوره يحاول إخفاء هذا الضعف عن العاملين معه. وكان يتعامل فقط مع مواطن قوة المدير وهي البصيرة والموهبة والإبداع. لذا ركز هذا الرجل على دائرة تأثيره. وكان المدير يستخدمه كرسول أيضاً، ولكنه كان يقدم أكثر مما هو متوقع منه. فكان يتوقع احتياجات المدير ويمعن في قراءة همومه الأساسية. لذا فحينما كان يقدم المعلومات له، كان يقدم معها تحليلاً وتوصيات.

وذات يوم، عندما التقيت المدير أثناء جلسات استشارية، قال لي صيفاً: "لا يسعني تصديق ما فعله هذا الرجل. فهو لم يقدم للمعلومات التي أحتاج إليها فحسب، بل قدم معلومات إضافية هي بالضبط ما أحتاج إليه. ولم يكتف بهذا، بل عرض علي تحليلاً لهذه المعلومات وفق الاهتمامات الأساسية، وأرفق معها قائمة بتوصياته. وجاءت تلك التوصية متوافقة تماماً مع التحليل، وجاء التحليل متوافقاً تماماً مع البيانات. إنه إنسان متميز. كما أشعر بالراحة لأنني ما عدت أقلق بشأن هذا الجزء من العمل."

وكانت الجملة المحورية في الاجتماع التالي هي: "افعل هذا وافعل ذاك." حيث كان المدير يوجهها لجميع التنفيذيين فيما عدا شخص واحد. فعندما كان يوجه المدير الحديث لهذا الشخص، كان يقول له: "ما رأيك؟" والسبب: زيادة حجم دائرة تأثيره. وقد تسبب هذا الأمر في إثارته بلبلة داخل المؤسسة. فنزعت العقول الانفعالية إلى الوقوف في الردهات وإطلاق سهام ورصاصات الاتهامات الجائرة ضد الرجل المبادر. فطبيعة الناس الانفعاليين هي التنصل من مسؤولياتهم. فمن الأسلم بالنسبة لهم أن يقولوا: "إنها ليست مسؤوليتي." لأنني لو قلت: "إنني مسؤول عن هذا"، فربما أقول: "أنا غير جدير بتحمل المسؤولية." وسيضحي.

"من الصعب أن أقول إنني امتلك قوة اختيار استجابتي." وقد عنت تلك الاستجابة انخراطاً في بيئة سلبية تتسم بانعدام الأمانة، خاصة إذا تنصلت من مسؤولياتي لسنوات عديدة باسم نقاط ضعف شخص ما. ومن ثم ركز هؤلاء العاملون على إيجاد المزيد من المعلومات والمزيد من الذخيرة والأدلة التي تساعدهم على تبرير تنصلهم من مسؤولياتهم. ولكن هذا الرجل كان مبادراً معهم أيضاً، ونمت دائرة تأثيره عليهم تدريجياً، وواصلت اتساعها إلى الحد الذي يجعل أياً منهم يستطيع اتخاذه خطوة واحدة دون الرجوع إليه، بما في ذلك مدير المؤسسة نفسه. ومع ذلك، لم يشعر المدير بأن هذا الرجل مصدر تهديد. والسبب أن قوة هذا الرجل أكملت قوته وعوضت نقاط ضعفه. لذا فهو يتمتع بقوة رجلين: قوة الفريق المساعد. ولم يكن نجاح هذا الرجل معتمداً على الظروف، فالكثير من العاملين كانوا يخضعون لنفس الظروف، لكن استجابته لتلك الظروف وتركيزه على دائرة تأثيره، وماء الركيزة الأساسية التي أحدثت فرقاً.

ويوجد الكثير من الناس الذين يعمدون إلى تفسير معنى "مبادِر" بأنه شخص لحوح وعدواني وعدم الإحساس. ولكن هذا التفسير بعيد كل البعد عن المعنى الحقيقي. فالشخص المبادر ليس لحوحاً، بل هو شخص ذكي تقوده القيم، ولديه القدرة على قراءة الأحداث، ويعلم ما يتعين.

عليه القيام به. ولناخذ غاندي مثالاً هنا. ففي الوقت الذي كان ينتقده فيه مهاجموه في المجالس التشريعية لأنه لم يشاركهم دائرة قلقهم التي انصبت على الاهتمام بالخطب التي تدين الإمبراطورية البريطانية لقمعها الشعب الهندي، انتقل غاندي إلى حقول الأرز موسعاً دائرة تأثيره بهدوء وبطء وبطريقة غير مباشرة. وكانت هذه هي القاعدة العريضة للتأييد والثقة التي تبعته في جميع أنحاء الريف. وعلى الرغم من أن غاندي لم يتقلد أي منصب رسمي أو سياسي، إلا أنه من خلال فهمه لمشاعر الناس وشجاعته وصومه والإقناع الأخلاقي، تمكن من إخضاع إنجلترا لرغباته وكسر الهيمنة السياسية التي كانت تقيد حرية ثلاثمائة مليون شخص، وذلك من خلال القوة العظيمة لدائرة تأثيره الموسعة.

المتطلبات والصفات. واحدة من الطرق التي يمكن استخدامها لتحديد الدائرة التي يقع بداخلها قلقنا هي التمييز بين المتطلبات وصفات. فدائرتنا همومنا مليئة بالمتطلبات: "سأكون سعيداً لو تمكنت من دفع أقساط المنزل"، "لقيت رئيسي لم يكن دكتاتورياً"، "ليت زوجي كان صبوراً"، "ليت أطفالي كانوا مطيعين"، "لو حصلت على شهادة"، "ليتني أحظى ببعض الوقت لنفسي".

أما دائرة التأثير فهي مليئة بالصفات: "أستطيع التحلي بالمزيد من الصبر والحكمة"، "وأكون محباً"، أي أن يكون على الشخصية. ففي أي وقت نفكر فيه قائلين: "ها هي المشكلة"، يكون التفكير هو عين المشكلة. فنحن نعزز قوة تلك المشكلة التي نشير إليها ونسمح لها بالسيطرة علينا. وهنا يأتي تغير التصور الذهني من الخارج إلى الداخل. فما يوجد بالخارج ينبغي أن يتغير أولاً حتى نتغير نحن. أما التناول المبادر فهو يتعلق بالتغيير من الداخل إلى الخارج. أن تكون مختلفاً، وعندما تصبح مختلفاً، تتمكن من إحداث تغيير إيجابي في الخارج. "باستطاعتي أن أكون واسع الحيلة بشكل أكبر والعمل بجد أكثر". كما أنه باستطاعتي أن أكون خلاقاً وأكثر تعاوناً.

واحدة من أفضل القصص التي أحب الاستشهاد بها هي قصة سيدنا يوسف عليه السلام، الذي بيع كعبد في مصر عندما كان في السابعة عشرة من عمره. وبالطبع كان من السهل عليه الوقوع في جب الشفقة على النفس بعد أن أصبح عبداً للعزيز، والتركيز على نقاط ضعف أشقائه الذين تسببوا له في هذه المهنة، وعلى نقاط ضعف سيده وكل شيء آخر لم يمتلك. ولكن سيدنا يوسف كان مبادراً وركز على صفاته. وخلال فترة زمنية قصيرة، كان يدير منزل العزيز، بل أضحى مسؤولاً عن جميع ممتلكاته لأن ثقة سيده بيوسف كانت عالية.

ثم تعرض سيدنا يوسف لمحنة شديدة شهيرة ورفض المساومة على مبادئه. ونتيجة لموقفه هذا، ألقي في غياهب السجن ظلماً لمدة 13 عاماً. ولكنه كان مبادراً رغم المحنة وركز على دائرته الداخلية أي صفاته وليس متطلباته. وسرعان ما أصبح هو من يدير السجن، ثم لاحقاً مصر بأسرها، وأصبح الرجل الثاني بعد الفرعون.

وأنا على علم بأن هذه الفكرة تعد تغيراً درامياً في التصور الذهني للكثيرين. فمن الأسهل في هذه المواقف إلقاء اللوم على الآخرين وعلى المؤثرات الخارجية وعلى الظروف السيئة التي نمر بها، بدلاً من أننا مسؤولون عن السيطرة على حياتنا والتأثير بقوة في ظروفنا من خلال التركيز على الصفات وعلى كينونتنا.

إذا كان زواجي يعاني من مشاكل، فما هو المكسب الحقيقي الذي أجنيه من وراء التركيز دوماً على عيوب زوجتي؟ فعندما أقول إنني لست مسؤولاً، فإنني أجعل من نفسي ضحية لا حول لها وأضع نفسي في موقف سلبي. كما أنني أقلل من تأثيري على زوجتي. فقيامي بالتذمر وتوجيه الاتهامات والانتقاد الدائم يجعل زوجتي تشعر بأنها ليست بإمكانها فعل شيء إزاء نقاط ضعفها، كما يعد انتقاد لها أسوأ من السلوك الذي أود تقويمه. ونتيجة لهذا، تذبل وتذوي قدرتي على التأثير الإيجابي في الموقف.

فإذا أردت بالفعل تحسين الوضع، لابد أن أعمل على شيء واحد من التي تقع في نطاق سيطرتي أنا. فيمكنني التوقف عن محاولة إعادة تشكيل زوجتي وتركيز على نقاط ضعفي. كما يمكنني التركيز على الاعتقاد بأنني الشريك الأقوى في هذا الزواج، وأنني مصدر للحب والدعم غير المشروطين. ونتيجة لكل هذا، ستشعر زوجتي بقوة المثال المبادر، وستكون استجابتها من نفس النوع. ولكن سواء فعلت أم لم تفعل، فإن انشغالي بالتفكير فيمن أكون وصفاتي هو أكثر الأساليب فعالية لأتمكن من التأثير في الموقف الذي أمر به.

وبالطبع توجد العديد من الأساليب التي يمكن استخدامها للعمل على دائرة التأثير. أن تكون مستمعاً أفضل، أن تكون شريكاً محباً في زواجك، وأن تكون طالباً أفضل، وأن تكون موظفاً أكثر تعاوناً وأكثر ثقة. وفي بعض الأحيان يكون أكثر الأمور التي نستطيع القيام بها مبادرة هي أن نكون سعداء وأن نبتسم بسعادة.

وتوجد العديد من الأشياء تستبعد تماماً من دائرة تأثيرنا، مثل الطقس مثلاً. ولكن بوصفنا أشخاصاً مبادرين، فباستطاعتنا أن نحمل معنا طقسنا المادي أو الاجتماعي. وباستطاعتنا أن نكون سعداء ونتقبل تلك الأشياء التي لا نستطيع السيطرة عليها في الوقت الحالي، بينما نحن نركز جهودنا على الأشياء التي يمكننا القيام بها. الطرف الآخر للعصا قبل أن نحول تركيز حياتنا على دائرة التأثير.