📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

الجزائر: ما حقيقة دعوات إضراب الخميس؟ بيان رسمي يكشف ما يجري خلف الشاشات

صوت الجزائر8:09

Transcription

في مشهد تداخلت فيه خيوط العالم الافتراضي بالواقع الاقتصادي، تعيش الجزائر ساعات من الترقب والحذر، تزامناً مع دعوات انتشرت كالنار في الهشيم عبر منصات التواصل الاجتماعي، تحث التجار وأصحاب المحلات على الدخول في إضراب شامل يوم الخميس الثامن من يناير لعام 2026. وهي الدعوات التي سارعت السلطات الجزائرية الرسمية والهيئات النقابية إلى وصفها بالمخطط التخريبي الذي يُدار من وراء البحار لضرب استقرار البلاد.

البداية كانت برصد لحركة غير اعتيادية على الشبكة العنكبوتية، حيث كشفت الهيئة الوطنية للوقاية من الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال ومكافحتها، في بيان رسمي وشديد اللهجة صدر يوم الأربعاء، عن خبايا هذه الدعوات، مؤكدة للرأي العام أن ما يتم تداوله ليس نابعاً من معاناة مهنية حقيقية أو مطالبة نقابية مشروعة في الداخل، بل هو نتاج حملة رقمية منظمة تقف خلفها جهات خارجية. فبعد سلسلة من التحريات التقنية المعمقة التي أنجزتها المصالح المختصة، تبين بالدليل الرقمي أن هذه المنشورات ذات الطابع التخريبي تصدر عن صفحات وحسابات وهمية تابعة لأشخاص يتواجدون خارج الحدود الجزائرية، وتحديداً من دول ذكرها البيان بالاسم وهي المغرب، فرنسا، بريطانيا، وكندا، مشيرة إلى أن هؤلاء الأشخاص معروفون بعدائهم الصريح والمستمر تجاه الجزائر ومؤسساتها السيادية، ويهدفون من خلال تحديد تاريخ الثامن من يناير موعداً للإضراب إلى خلق حالة من الشلل العام والمساس المباشر باستقرار الجبهة الداخلية.

وفي مواجهة هذه الحرب الاستخباراتية التي تستهدف عصب الاقتصاد اليومي للمواطن، خرج الاتحاد العام للتجار والحرفيين الجزائريين عن صمته ليضع حداً للتكهنات، نافياً بشكل قاطع وجود أي نية للإضراب لدى التجار الحقيقيين، حيث وصف الاتحاد تلك الدعوات بأنها مجرد شائعات مغرضة لا أساس لها من الصحة، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن موقف التجار أو الهيئة الممثلة لهم. واعتبر البيان الصادر عن الاتحاد أن هذه الحملات المضللة تهدف بوضوح إلى زرع الفوضى وزعزعة استقرار السوق الوطنية، ومحاولة التشويش على العلاقة بين التاجر والمواطن، خاصة في هذا التوقيت الحساس الذي يسبق اقتراب شهر رمضان المبارك، وهو موسم يتطلب تكاتفاً وتوفيراً للسلع لا إغلاقاً للمحلات.

وشدد الاتحاد في خطابه المطمئن للمواطنين على أن التجار والمتعاملين الاقتصاديين يمتلكون من الوعي والحس الوطني ما يجعلهم محصنين ضد هذه الدعوات المشبوهة، مؤكداً أنهم سيواصلون فتح محلاتهم وممارسة نشاطهم التجاري بانتظام يوم الخميس، معتبرين ذلك واجباً وطنياً ووفاءً لرسالة الشهداء وتضحياتهم العظيمة، وتجسيداً فعلياً لتلاحم المجتمع وتماسك الجبهة الداخلية. واصفاً استمرار العمل بأنه سيكون بمثابة صفعة قوية لكل من يحاول المساس بأمن الجزائر واستقرار شعبها. كما وجه الاتحاد نداءً خاصاً للناقلين وسائقي سيارات الأجرة للعودة إلى النشاط، داعياً جميع الحرفيين والمتعاملين الاقتصاديين للتجند وفتح أبواب رزقهم لتكون الرسالة واضحة وجلية لأعداء الجزائر بأن التجار لن يكونوا أدوات في أيدي الخارج.

ورغم لغة التحدي للجهات الخارجية، لم يغفل الاتحاد العام للتجار والحرفيين الواقع الصعب الذي يعيشه المهنيون، حيث أكد في الوقت ذاته أنه يأخذ كل الصعوبات والمشاكل التي يواجهها التجار على محمل الجد، مشيراً إلى أنه يعمل ضمن مقاربة تشاركية وحوار مفتوح مع الحكومة ووزارة التجارة الداخلية لضبط السوق الوطنية، ومع السلطات المحلية لفتح قنوات التشاور وإيجاد حلول عملية وباقية لمعالجة التحديات التي تواجه القطاع التجاري، بما يحفظ مصالح التجار ويحمي القدرة الشرائية للمواطن ويعزز استقرار الاقتصاد الوطني.

ويندرج هذا الاستنفار الأمني والنقابي في سياق زمني مشحون، حيث شهدت عدة ولايات جزائرية مع مطلع شهر يناير الجاري حالة من الشلل النسبي في حركة النقل عقب دخول شاحنات النقل والحافلات في إضراب مفتوح، وهو ما خلق أرضية خصبة لانتشار الشائعات. فقد جاء إضراب الناقلين احتجاجاً وتزامناً مع الزيادات الجديدة في أسعار الوقود، بالإضافة إلى حالة التأهب لتطبيق قانون المرور الجديد، وهي عوامل أثرت بشكل مباشر وملموس على تنقل المواطنين وسير النشاطات اليومية المعتادة، مما دفع ناشطين لوصف القرارات المتخذة بأنها لا تعكس واقع الطبقة الكادحة، مطالبين بتدخل عاجل من وزير النقل لفتح قنوات الحوار ووقف الإضراب الذي زاد من معاناة المواطنين اليومية.

وفي خضم هذا الجدل الاقتصادي حول الأسعار، أوضحت وزارة المحروقات والمناجم الجزائرية موقفها الرسمي، مؤكدة أن ما تم تسميته بتحيين أسعار الوقود، والذي دخل حيز التنفيذ ابتداءً من الأول من يناير، هو مجرد زيادة طفيفة تندرج في إطار استراتيجية الدولة لضمان التموين المستمر للسوق الوطنية وتغطية تكاليف الإنتاج المتزايدة. وشددت الوزارة في بيانها التوضيحي على أن الدولة الجزائرية لا تزال تتحمل الفارق الكبير بين التكلفة الحقيقية للوقود وسعر البيع المدعوم عند المحطات، في إشارة إلى أن الدعم الحكومي لم يُرفع، بل تم تعديله لضمان الاستدامة المالية.

وبالعودة إلى معركة الخميس، فقد وضعت البيانات الرسمية حداً فاصلاً بين الحقيقة والافتراض. فعشية الموعد المعلن عنه في الفضاء الأزرق، بدأت تتضح معالم المؤامرة الرقمية، حيث تتحدث السلطات بثقة عن حملة موجهة ومدبرة بدقة تهدف لركوب موجة الغضب الجزئي الموجود في قطاع النقل لتعميمه على قطاع التجارة. ففي يوم الأربعاء، وبكشف الهيئة الوطنية للوقاية من جرائم تكنولوجيا المعلومات عن المصدر الجغرافي للدعوات، سقط القناع عن الحسابات التي تدعي تمثيل التاجر الجزائري، وهي تُدار من عواصم ومدن بعيدة كل البعد عن الواقع.

في سياق يتسم بالانتشار السريع للمعلومات المغلوطة، حيث يهدف هذا التوضيح الأمني المكثف إلى تبديد أي لبس حول حركة تجارية تؤكد السلطات أنها تفتقد لأي سند داخلي موثوق. إن التقاطع اللافت بين النفي المؤسسي الحكومي والنفي المهني النقابي يعزز فكرة أن التعبئة للإضراب هي تعبئة مصطنعة يتم نفخها وتضخيمها عبر القنوات الرقمية الخارجية. فبينما يعترف الجميع بوجود صعوبات اقتصادية وتحديات تواجه السوق، إلا أن الإجماع الداخلي يبدو منعقداً على رفض استغلال هذه الظروف من قبل أطراف خارجية لتمرير أجندات سياسية تحت غطاء مطالب اجتماعية.

ويبقى هذا اليوم الخميس الثامن من يناير هو الاختبار الميداني الحقيقي الذي كشف بوضوح مدى وعي الشارع الجزائري وقدرته على الفرز بين المطالب الحقيقية والشائعات الإلكترونية، في وقت يتحقق فيه رهان الدولة والنقابات على فتح المحلات كرسالة صمود واستقرار في وجه ما وصفوه بالحرب التخريبية الناعمة. وفي الأيام القادمة، ستكشف التجربة إن كانت هذه اليقظة كافية، أم أن الفضاء الرقمي يحتاج قواعد أشد؟ المهم أن يبقى القرار في الداخل لا في خوادم الخارج، ومصلحة الناس هي الأهم.