Transcription
يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً.
أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أما بعد، رجلان من قريش يجلسان في جوف الليل تحت جدار الكعبة، وقد هدأت الجفون ونامت العيون، وأرخى الليل سدوله، واختلط ظلامه، وغارت نجومه، وشاع سكونه، قاما يتذاكران ويخططان ويدبران، وظنا أن الحي القيوم لا يعلم كثيراً مما يعملون، استخفوا من الناس ولم يستخفوا من الله الذي يعلم ما يبيتون. تذاكر مصابهم في بدر، فقال صفوان وهو أحدهم صفوان بن أمية: والله ما في العيش بعد قتلى بدر خير. فقال عمير وهو الثاني عمير بن وهب: والله صدقت، ولولا دين علي ليس له قضاء وعيال أخشى عليهم الضيعة لركبت إلى محمد حتى أقتله صلى الله وسلم على نبينا محمد.
فلما سمع ذلك صفوان اغتنم ذلك الانفعال من عمير واغتنم ذلك التأثر، فقال لعمير: علي دينك وعيالك عيالي، لا يسعني شيء ويعجز عنهم. فقال عمير: إذاً فاكتم شأني وشأنك ولا يعلم بذلك أحد. فقال صفوان: أفعل. فقام عمير وشحذ سيفه وسمه، ثم انطلق به إلى المدينة، ووصل إلى هناك ليقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب رضي الله عنه في نفر من المسلمين عند باب المسجد.
فأناخ عمير بعيره عند باب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم متوشحاً سيفه، فلما رآه عمر قال: المحدث الملهم، أي عدو الله، والله ما جاء إلا لشر. ثم دخل عمر على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بخبره، فقال عليه الصلاة والسلام: لأدْخِلنه علي. فأخذ عمر بحمائل سيف عمير وجعلها له كالقلادة، ثم دخل به على النبي صلى الله عليه وسلم. فلما رآه عليه الصلاة والسلام قال لعمر: أرسله يا عمر. ثم قال: ما جاء بك يا عمير؟ ما الذي جاء بك يا عمير؟ وكان لعمير ابن أسير عند رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه وهب، فقال عمير: جئت لهذا الأسير فـ أحسنوا به. فقال عليه الصلاة والسلام: فما بال سيفك؟ فما بال السيف في عنقك؟ فقال عمير: قبحها الله من سيوف، قبحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شيئاً؟
فقال عليه الصلاة والسلام وقد جاءه الوحي من السماء بما يضمره عمير: أصدقني يا عمير، أصدقني يا عمير، ما الذي جاء بك؟ فقال عمير: والله ما جئت إلا لذلك. فقال عليه الصلاة والسلام: بل قعدت مع صفوان في الحجر ليلة كذا، وقلت له كذا وكذا، وكذا، وقال لك كذا، وتعهد لك بدينك وعيالك، والله حائل بيني وبينك، والله حائل بيني وبينك.
فلما سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، والله هذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، والله إني لأعلم أنه ما آتاك به الآن إلا الله، الحمد لله الذي ساقني هذا المساق، والحمد لله الذي هداني للإسلام. "ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم".
جاء ليقتل الرحمة المهداة، جاء ليطفئ نور الدعوة، رجع ونور الإسلام في صدره اقتبسه من المصطفى صلى الله عليه وسلم.
عباد الله، سمعتم هذه المؤامرة تحاك تحت جدار الكعبة في ظلمة الليل، لا يعلم بها أحد، بل حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لا يعلم الغيب، حبكت المؤامرة سراً، من الذي أعلنها؟ حبكت المؤامرة سراً، من الذي أخبر عنها؟ حبكت المؤامرة سراً، من الذي سمعهما وهما ما يخططان ويدبران ويمكران عند باب الكعبة؟ إنه الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، إنه الذي يعلم السر وأخفى، إنه الذي يعلم ما في أنفسكم فاحذروه.
فاه أيها الأحباب، كم تآمر المتآمرون على الإسلام وأهله في ظلام الليالي، آه أيها الأحباب، كم عدو للإسلام جلس لضرب الإسلام وأهله، آه، ثم آه، كم قتلوا من نساء وأطفال، وكم عذبوا من شباب ورجال، وهم يظنون أنهم يتصرفون كما يشاؤون، متناسين أن الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء يسمع قولهم ويبصر فعلهم ويبطل كيدهم، فيصبح على ما أسروا في أنفسهم نادمين، ويمسوا على ما فعلوا محاسبين.
أما أنت أيها المسلم، أنت نعم يا مرتكب المعاصي سراً مختفياً عن أعين الناس، إني سائلك: أين الله؟ أين الله؟ أنسيت نظر الله إليك؟ أنسيت اطلاع الله عليك؟ والله ما أنت إلا أحد رجلين: إن كنت ظننت أن الله لا يراك فقد كفرت، وإن كنت تعلم أنه يراك فلم تجترئ عليه ولم تجعله أهون الناظرين إليك. "يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطاً".
يا منتهك حرمات الله في الظلمات، يا منتهك حرمات الله في الخلوات، يا منتهك حرمات الله في الفلوات، متخفياً عن أعين المخلوقات، أين الله؟ هل سألت نفسك هذا السؤال؟ أين الله؟ "وإذا خلوت بريبة في ظلمه والنفس داعية إلى الطغيان فاستحي من نظر الإله وقل لها وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني".
واسمعوا لهذا الكلام القيم لقائله ابن القيم قال رحمه الله تعالى: أجمع العارفون بالله أن ذنوب الخلوات هي أصل الانتكاسات. اسمع يا من تبحث عن السعادة ولم تجدها، اسمع يا من أخفقت في العمل والوظيفة والدراسة، اسمع ما هو السبب لهذا الإخفاق؟ إنها ذنوب الخلوات، إنها ذنوب الخلوات.
واسمعوا لهذا الأثر ولنتعلم من هذا الراعي. فعن زيد بن أسلم قال: مر ابن عمر رضي الله عنه براعي غنم فقال: يا راعي الغنم، هل من جزرة؟ أي هل من شاه تصلح للذبح؟ فقال الراعي: ليس ربها، أي ليس ههنا صاحبها. فقال ابن عمر: تقول أكلها الذئب؟ فلما سمع ذلك الراعي رفع رأسه إلى السماء ثم قال: فأين الله؟ فأين الله؟ فلما سمع منه ذلك ابن عمر بكى وقال: والله أنا أحق أن أقول: أين الله؟ ثم اشترى الغنم واشترى الراعي فـ أعتقه وأعطاه الغنم.
وفي الصحيح عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم واسمعوا لهذا الحديث بل واجعلوه نصب أعينكم، قال عليه الصلاة والسلام: "لأعلمن أقواماً من أمتي، لأعلمن أقواماً من أمتي يأتـون يوم القيامة بأعمال أمثال جبال تهامة بيضاء، فيجعلها الله هباءً منثوراً". فلما سمع ذلك ثوبان قال: يا رسول الله صفهم لنا، جلهم لنا، لا نكون منهم ونحن لا نعلم. فقال عليه الصلاة والسلام: "أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم هم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها". إذا خلوا بالمعاصي والذنوب بين الجدران والحيطان فعلوها وارتكبوها، لا يبالون بنظر الله إليهم، لا يبالون باطلاع الله عز وجل عليهم.
أيها الحبيب، إذا غابت عنك عين أبيك وغابت عنك عين أمك، إذا غابت عنك عين زوجتك وأختك وأخيك، فإياك إياك أن يغيب عنك نظر الله، إياك إياك أن تغيب عنك عين الله، إياك أن تنظر إلى الله عز وجل كما تنظر إلى غيره من البشر، إياك يا عبد الله، لا تقل إنه لا أحد يراني، لا تظن عند إغلاق الباب والاختفاء عن الناس بأنه لا أحد يراك، فإن الله عز وجل يراك، فإنه سبحانه وتعالى يرى ويسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، لأنه لا تخفى عليه خافية، لا تخفى عليه خافية لا في الأرض ولا في السماء، يعلم سرنا ونجوانا، يعلم مبتدانا ومنتهانا، يعلم ما قدمنا وما أخرنا، يعلم ما أسررنا وما أعلنا.
فاللهم ارزقنا خشيتك في الغيب والشهادة، اللهم ارزقنا خشيتك في الغيب والشهادة.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأعوانه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد، أيها الأحبة المسلمون، رجل اسمه نوح بن مريم، كان ذا نعمة ومال وثراء وجاه، وفوق ذلك صاحب دين وخلق، وكانت له ابنة غاية في الجمال، ذات مال وجمال، وفوق ذلك صاحبة دين وخلق، وكان لهذا الرجل عبد اسمه مبارك. مبارك هذا لا يملك من الدنيا قليلاً ولا كثيراً، ولكنه يملك الدين والخلق، ومن ملكهما فقد ملك كل شيء. أرسله سيده إلى بساتين له، فقال له: يا مبارك، اذهب إلى تلك البساتين فاحفظ ثمرها وكن على خدمتها إلى أن آتيك. فذهب ومضى مبارك، وبقي في تلك البساتين لمدة شهرين.
ثم جاءه سيده بعد شهرين، جاء ليستجم في بساتينه، جاء ليستريح في تلك البساتين، جاء وجلس تحت شجرة وقال له: يا مبارك، آتني بقطف من عنب. فجاءه بقطف فإذا هو حامض. ثم قال له: يا مبارك، آتني بقطف آخر، إن هذا حامض. فجاءه بآخر فإذا هو حامض. فقال له: يا مبارك، آتني بقطف ثالث، إن هذا حامض. فجاءه بثالث فإذا هو حامض. فغضب سيده وكاد أن يستولي عليه الغضب وقال: يا مبارك، أطلب منك أن تأتيني بقطف عنب قد نضج، وتأتيني بقطف لم ينضج، ألا تعرف حلوه من حامضه؟
فاسمعوا ماذا أجاب مبارك: فقال: والله، والله ما أرسلتني لأكله، وإنما أرسلتني لأحفظه وأقوم على خدمته، والذي لا إله إلا هو ما ذقت منه عنبة واحدة، والذي لا إله إلا هو ما راقبته ولا راقبت أحداً من الكائنات، ولكني راقبت الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. فليسمع، فليسمع أصحاب الأمانات، فليسمعوا يا أصحاب الأمانات، اسمعوا لأمانة هذا الرجل.
فلما سمع ذلك سيده أعجب به وأعجب من ورعه، فقال له: الآن أستشيرك، المؤمنون نصح، والمنافقون غش، والمستشار مؤتمن. وقد تقدم لابنتي فلان وفلان من أصحاب الثراء والمال والجاه، فمن ترى أن أزوج هذه البنت؟ فقال مبارك: لقد كان أهل الجاهلية يزوجون للأصل والحسب والنسب، واليهود يزوجون للمال، والنصارى يزوجون للجمال، وعلى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يزوجون للدين والخلق، وعلى عهدنا هذا يزوجون للمال والجاه، والمرء مع من أحب، والمرء مع من أحب. اسمعوا أيها الآباء، اسمعوا يا من تزوجون بناتكم، "والمرء مع من أحب"، ومن تشبه بقوم فهو منهم. أي مشورة ونصيحة من هذا العبد؟
فلما سمع سيده ذلك نظر وقدر وفكر، فما وجد خيراً من مبارك، فقال: أنت حر لوجه الله. أعتقه أولاً، ثم قال: لقد قلبت النظر فرأيت أنك خير من يتزوج بهذه البنت. فقال مبارك: اعرض عليها. فعرض عليها، وقال لابنته: لقد قلبت النظر وحصل كذا وكذا، ورأيت أن تتزوجي بمبارك، فماذا كان جواب البنت الصالحة؟ واسمعوا، كانت تقية، كانت تقية، وكانت صاحبة مال وجمال، تتزوج بعبد؟ فلما سمعت هذا من أبيها قالت: أترضاه لي؟ فقال قال الأب: نعم، أرضاه لك. فقالت: إني أرضاه مراقبة للذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
فكان الزواج المبارك من مبارك. أتدري أخوة الإيمان ماذا كانت الثمرة والنتيجة؟ حملت هذه المرأة وولدت طفلاً سمياه عبد الله، ولعل الكل يعرف هذا الرجل، إنه عبد الله بن المبارك، المحدث العابد الزاهد، الذي ما من إنسان مسلم قلب صفحة من كتب من كتب التاريخ إلا ووجده حياً، إلا ووجده حياً بسيرته وذكره الطيب، رحمه الله تعالى. إن ذلك أخوة الإيمان ثمرة مراقبة الله عز وجل في السر والعلن، فاتقوا الله وراقبوه في السر والعلن، ولا تجعلوه أهون الناظرين إليكم.
أيها الأحبة في الله، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق الله آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة، فإن صلاتكم معروضة علي". قالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟ أي بليت. فقال عليه الصلاة والسلام: "إن الله تبارك وتعالى حرم على الأرض أجساد الأنبياء".
فاللهم صل وسلم على عبدك ونبيك وحبيبك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وارفع راية الدين يا رب العالمين. اللهم ارزقنا خشيتك في الغيب والشهادة، اللهم ارزقنا خشيتك في الغيب والشهادة، اللهم ارزقنا خشيتك في الغيب والشهادة، فإن المحروم من جعل الله أهون الناظرين إليه. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وصلى اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه الأخيار، والحمد لله رب العالمين.
يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون.