Transcription
السلام عليكم. لماذا لم تطرح ايران في المفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية القضية الفلسطينية على طاولة المباحثات؟ هذا سؤال يتكرر كثيراً، ويطرح من طرف البعض الذين كانوا يهاجمون ايران ولديهم مواقف مناوئة للنظام الإيراني. وعدد من الذين يطرحون هذا السؤال، في حقيقة الأمر، غرضهم ليس القضية الفلسطينية، وإنما غرضهم أن يشككوا في ايران، وأن يقولوا بأن هناك صفقة بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية، وأن هذه الصفقة تتضمن الملف الفلسطيني.
أنا في هذه الحلقة سوف أحاول أن أناقش هذه القضية بكل حياد وبكل موضوعية، وغرضي هو وضع الأمور في نصابها حتى نفهم بشكل جيد، يعني ماذا يجري وما هي خلفيات هذا السؤال. يعني سؤال: لماذا لم تطرح ايران موضوع فلسطين في المفاوضات مع واشنطن؟
أولاً، يجب أن نعلم بداية بأن القضية الفلسطينية هي بالنسبة للدول العربية ولجامعة الدول العربية هي قضية عربية وليست قضية إسلامية. ومن هنا لا حق لأي دولة أن تفاوض باسم الفلسطينيين. الطرف الوحيد، الوحيد الذي يفاوض باسم الشعب الفلسطيني بعد يعني حركات المقاومة والحركات الأخرى كمنظمة التحرير الفلسطينية سابقاً وحركة فتح، الطرف الوحيد هو الدول العربية. وهذا ليس جديداً، بل منذ القديم، بمعنى منذ بداية القرن العشرين، منذ أن انفصلت الدول العربية عن السلطنة العثمانية وتأسست الدول العربية القومية، يعني الدول الوطنية آنذاك، القضية الفلسطينية تم فصلها عن المسلمين، تم فصلها عن العالم الإسلامي، وأصبحت جزءاً من العالم العربي فقط. وتأسست جامعة الدول العربية سنة 1944 بإيعاز من بريطانيا آنذاك التي كانت قوة عظمى. وبين 44 و 47، ثلاث سنوات، تأسست يعني ما يسمى بإسرائيل، يعني الكيان المحتل الآن في فلسطين. فإذاً، القضية الفلسطينية هي قضية عربية.
هذه ناحية. الناحية الثانية هي أن ايران ليس من حقها، بالنسبة لا للدول العربية ولا للولايات المتحدة الأمريكية ولا للكيان، ليس من حقها أن تطرح قضية فلسطين على طاولة المباحثات مع الولايات المتحدة الأمريكية. لماذا؟ لأنها خارج الصف العربي. هي دولة إسلامية لكنها غير عربية. وبالتالي فإن الولايات المتحدة الأمريكية والكيان لا يمكن أن يعترف بهذا الحق بالنسبة لإيران.
هذه ثانية. المسألة الثالثة هي أن ايران لو أنها طرحت القضية الفلسطينية في مفاوضاتها، عززت الاتهامات التي وجهت إليها خلال مرحلة الطوفان. نحن نتذكر جميعاً أنه خلال مرحلة الطوفان في فلسطين، كانت ايران هي المتهمة الأولى والرئيسية بتحريك هذه العملية، وبأنها كانت وراء الفلسطينيين في تدبير هذه العملية وتسليحهم ودعمهم مالياً. ولذلك لو أنها طرحت قضية فلسطين، لقيل بأن ايران تريد أن تستخدم الفلسطينيين ذريعة في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية، وأن توظفها توظيفاً سياسياً من أجل أهدافها الخاصة. وبالتالي سوف تقوم عليها حملة شعواء بطبيعة الحال في العالم العربي، وهي لا تريد أن تدخل هذا الصراع. ونحن نرى لأن الحملة ضد ايران قائمة، يعني سواء بفلسطين أو بغير فلسطين. ولكن إذا أضافت إلى ذلك طرح قضية فلسطين في المفاوضات، هذا سوف يقوي وسوف يدعم جميع الاتهامات والمواقف العربية تجاه ايران.
قد يقول البعض: لماذا طرحت ايران قضية لبنان في المفاوضات وربطت قضية وقف إطلاق النار بوقف العدوان الكياني على لبنان؟ الجواب على هذا السؤال هو أن ايران تعترف رسمياً بأن حزب الله اللبناني تابع لها، وأنه أيضاً تنظيم شيعي موالي لطهران. فايران من هذه الناحية، يعني تبدو أمام الرأي العام الدولي وأمام يعني القوى الأخرى، تبدو منسجمة في طرحها. أن حزب الله تابع لها وبالتالي يجب أن تتبنى قضيته، وهي تتبنى علناً. لكن بخلاف القضية الفلسطينية. القضية الفلسطينية شأن خاص. هي قضية عربية أولاً. ثانياً، هي قضية تهم يعني أهل السنة من بين قوسين. وهذا سوف يظهر ايران وكأنها تحاول أن توظف أهل السنة أو الفلسطينيين من أجل مصالحها الخاصة. ولذلك هي فصلت بين البعدين الإيراني واللبناني من ناحية، والبعد الفلسطيني.
لكن أهم نقطة في هذه القضية تتألق بالموقف العربي والأمريكي والأوروبي والعالمي بشكل عام من حل القضية الفلسطينية. القضية الفلسطينية منذ سنة 1991، خلال مؤتمر مدريد الذي عقد في العاصمة الإسبانية وحضرته جميع الدول العربية، وحضره آنذاك ياسر عرفات كممثل لمنظمة التحرير الفلسطينية، بعد الغزو العراقي للكويت وإخراج العراق من الكويت وتدمير البنيات التحتية والترسانة العسكرية العراقية، بعد هذا المؤتمر دخلت قضية فلسطين طريقاً جديدة. هذا الطريق هو ما يسمى بمسلسل التسويه السياسية أو مسلسل السلام. يعني بمعنى أن الدول العربية أصبحت مجمعة على أن حل القضية الفلسطينية لن يكون بالمقاومة. ولذلك حضرت منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك وتخلت عن مشروع المقاومة، بعد أن كانت سنة 1988، يعني قبل ذلك بثلاث، قد عدلت ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية وألغت منه الجانب العسكري، يعني المقاومة العسكرية ضد الاحتلال، وتبنت خيار السلام. وبعد ذلك كان الاعتراف الرسمي من لدن المنظمة بالكيان وبحقه في الوجود في الأراضي التي يوجد فيها الآن، وهي التي تسمى أراضي 1948، يعني الأراضي التي احتلها اليهود عام 1948 وسموها إسرائيل.
فإذاً، المرجعية الأساسية والوحيدة التي تدور حولها القضية الفلسطينية ويتمحور حولها الحل هو ما يسمى بأراضي 1967، يعني الأراضي التي احتلتها إسرائيل سنة 1967 خلال حرب 67، وهي قطاع غزة والضفة الغربية. هذا هو المطلب الوحيد الآن لدى الدول العربية ولدى يعني حركة فتح والتنظيمات الكلاسيكية السابقة، يعني إخراج الكيان من أراضي 1967 وإعلان الدولة الفلسطينية المستقلة في هذه المناطق. أما أراضي 1948، هذه اليوم أصبحت هي دولة إسرائيل، ولا حق لأحد في أن يطالب بخروجها منها. لذلك فإن إدخال ايران للملف المفاوضات لا محل له من الإعراب. لأن ايران أولاً تؤمن بالتسوية السياسية أو مسلسل السلام، وهي لا تعترف بالكيان كما تعترف به جميع الدول العربية. وبالتالي فإن تصورها للحل تصور مطابق للحركات الجديدة، يعني حماس والجهاد الإسلامي، الحركات التي تقول بأن أرض فلسطين التاريخية كاملة، بما فيها أراضي 1948 وأراضي 1967، هي أرض عربية فلسطينية إسلامية، وأن الحل الوحيد هو أن يستعيد الفلسطينيون كامل أراضيهم.
لكن هذا التصور طبعاً هو تصور الآن غير مقبول لا عند العرب ولا عند الأمريكيين ولا عند الأمم المتحدة ولا في العالم أجمع. اليوم الكيان هو دولة مستقلة، بين قوسين، عضو في منظمة الأمم المتحدة، عضو معترف به في العالم أجمع، لها ارتباطات، لها علاقات دبلوماسية، لها تمثيليات دبلوماسية في العالم كله تقريباً. وبالتالي لا يمكن الوصول إلى هذا السقف من المطالب الفلسطينية.
فإذاً، هذا الطرح حول أن ايران كان عليها أن تطرح القضية الفلسطينية على طاولة مباحثات، هذا طرح مغلوط وغير سليم، وإنما هو طرح يحاول أن يشوه ايران. وأنا في هذا يعني لا أدافع عن ايران، لكن أنظر إلى الموضوع من الناحية الموضوعية، لأن هذا هو واقع الحال. أن العرب يتبنون خيار السلام. وأكثر من ذلك، يجب أن نعلم بأن ايران في المنطقة، ومشكلتها مع الدول العربية ومع الولايات المتحدة الأمريكية، هي أساساً القضية الفلسطينية. لماذا؟ لأن الدول العربية انخرطت في مسلسل السلام، ثم في عمليات التطبيع، والآن انخرطت في ما يسمى بالإبراهيمية، وهي ترى بأن ايران تفسد عليها سياستها، وبالتالي تمثل عرقله أمام التسوية. ولذلك يقال بأن ايران مشكلة أمام حل القضية الفلسطينية. وعندما يطرح هذا الأمر معناه أنها مشكلة في طريق حل القضية الفلسطينية وفق التصور الأمريكي، يعني خروج الكيان من أراضي 1967. ولذلك ايران الآن هي دولة مغضوب عليها، لا من الدول العربية ولا من الولايات المتحدة الأمريكية، وبطبيعة الحال من الكيان، لأنها ما زالت تدعم حركات المقاومة في فلسطين. ومعنى دعم حركة المقاومة معناه محاولة ضرب التسوية السياسية واستهداف المسلسل السياسي الذي انخرط فيه العرب والولايات المتحدة الأمريكية لحل قضية فلسطين. بمعنى آخر، أن كل النسيج الذي تغزله الدول العربية تفككه ايران بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية وللدول العربية.
وقد رأينا خلال مرحلة الطوفان الذي انطلق في السابع من أكتوبر 2023، والإبادة التي حصلت في القطاع، وهي إبادة وحشية صادمة استمرت نحو عامين، يومياً وكل ساعة وكل دقيقة، رأينا أن المواقف العربية والمواقف الأمريكية والكيانية كانت يعني متقاربة تقريباً. كانت متقاربة تقريباً في الموقف المعادي لحركات المقاومة. لذلك استمرت هذه الإبادة من دون تدخل عربي حاسم وحازم، رغم المدة الطويلة التي استغرقتها هذه الإبادة، لأن الهدف كان هو القضاء على هذه الحركات وترك الكيان والولايات المتحدة الأمريكية يقومان بهذه المهمة. كان هذا هو الطموح يعني المسكوت عنه بطبيعة الحال، ولكنه كان موجوداً. لماذا؟ لأن هذه الحركات بدخولها في هذه الحرب، حرب الطوفان، كانت بمثابة نسف لعملية السلام وإرجاع قضية فلسطين إلى نقطة الصفر، يعني إلى التشكيك في وجود الكيان من الأصل، وبالتالي إعادة خلط الأوراق في العالم العربي وفي المنطقة، منطقة الشرق الأوسط. وهذا يعني عبء وتكاليفه على الدول العربية هي لا تريد تحملها. لأن الدول العربية، كما قلت، حسمت أمرها منذ مؤتمر مدريد على أن الحل الوحيد هو السلام والتسوية السياسية. وبدأت حركات المقاومة في هذا الإطار بدأت وكأنها نشاز، وكأنها خصم عنيد يحاول أن يقضي على كل ما بناه العرب، أو على الأقل ما يتوهمون أنهم بنوه، وإعادة القضية الفلسطينية إلى المربع الأول، يعني ما قبل 1991. بمعنى أن احتمال نجاح هذه الحركات في مواجهة الكيان خلال حرب الطوفان كان ينظر إليه من طرف الدول العربية نظرة سلبية. لأن أي نجاح بالنسبة لهذه الجماعات كان سوف يحسب على النظام الإيراني حسب الاتهامات التي كانت موجهة إلى النظام الإيراني بأنه الداعم لهذه الحركات. وحسب يعني ما كان الجميع يفهم في العالم العربي، لا بالنسبة للأنظمة ولا بالنسبة للشعوب، أن ايران هي التي كانت وراء هذه الحركات. فكان نجاحها بالنسبة للدول العربية يشكل خطراً على أمنها واستقرارها، وبالتالي على مسلسل التسوية بنمته. وهنا بطبيعة الحال التقت بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، التقت المصالح العربية مع المصالح الأمريكية مع المصالح الكيانية في فلسطين. وهذا هو واقع الأمر يعني بتحليل مجرد وموضوعي.
ولذلك نحن نلاحظ بأن العلاقات بين النظام الإيراني وبين الدول العربية زادت أكثر فأكثر بعد عمليات التطبيع وبعد الإبراهيمية. يعني المعادلة هي التالي: كلما حصل تطبيع وتقارب بين الدول العربية وبين الكيان، حصل ابتعاد بين النظام الإيراني والدول العربية. لأن القضية الفلسطينية في هذه العلاقات قضية حاكمة. من يمكنه أن يقود العمل الفلسطيني؟ ومن الذي له الحق في الوصاية على الشعب الفلسطيني؟ ولهذا الدول العربية تدعم السلطة الوطنية الفلسطينية برئاسة محمود عباس أبو مازن، بينما حركات المقاومة لا تلقى أي دعم من الدول العربية، لأنها تشكل يعني خطراً على الأوضاع السياسية بداخلها، وليس فقط على مسلسل التسوية السياسية. هذا هو الإطار الحقيقي الذي يجب أن ننظر من خلاله إلى هذا السؤال: لماذا لم تطرح ايران القضية الفلسطينية على طاولة المباحثات؟
هناك قضية أخرى أيضاً وهي أن ايران لديها حرب مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية والكيان، ولديها مواجهات سياسية وعسكرية مع الجانبين منذ عقود، يعني منذ الثورة الإيرانية سنة 1979. واليوم هي لديها قضايا مهمة على الصعيد الوطني. أولاً، إنقاذ نفسها من الدمار. ثانياً، إنقاذ مشروعها النووي. ثالثاً، رفع الحصار والعقوبات المفروضة عليها منذ أربعة عقود على الأقل. وهي مطالب، أهداف تريد ايران أن تحققها من وراء هذه الحرب التي استمرت تقريباً 40 يوماً. لكن طرح الملف الفلسطيني على طاولة المباحثات يعني شيئاً أهم وأكبر بالنسبة للنظام الإيراني، وهو أنها سوف تحكم على نفسها بجرجرة المفاوضات لسنوات طويلة. والمفاوضات التي دخلتها ايران هي مفاوضات يعني مرحلية وضيقة في الزمن، تريد من خلالها تحقيق أهداف محددة. لكن لو طرحت القضية الفلسطينية في المباحثات، بطبيعة الحال هذا سوف يستغرق 10 سنوات، 20 سنة، 30 سنة، 40 سنة، وقد يصل الأمر إلى ما لا نهاية. لماذا؟ لأن التجربة العربية والتجربة الفلسطينية أثبتت اليوم بأن حل القضية الفلسطينية سياسياً لم يؤد إلى نتيجة، وأن مسلسل السلام لم يصل، لم يصل بعد إلى محطته الأخيرة، ولن يصل أبداً.
فالعرب منذ سنة 1991، 91 على الأقل، على الأقل منذ سنة 1991 إلى اليوم، وهم منخرطون في التسوية السياسية والمفاوضات، وقدموا تنازلات هائلة، التطبيع والمصالح التجارية والاقتصادية وفتح الأبواب أمام الإسرائيليين والانخراط في مشروع الإبراهيمية. كل هذا لم يؤد إلى أي تنازل ولو بسيط من الجانب الكياني. بل أكثر من ذلك، زاد الأمر سوءاً مع القتل، التدمير، وهذه الإبادة التي حصلت، مرحلة الطوفان. وايران بطبيعة الحال تعرف هذه التجربة وتشاهدها عن قرب، ولا يمكن أن تزج بنفسها في نفق دخله العرب ولم يخرجوا منه. إذاً، لا داعي بالنسبة للنظام الإيراني إلى أن يكرر التجربة التي أخفق فيها العرب. فهذا هو يعني وجهة النظر الموضوعية والبسيطة. لأن القضية الفلسطينية هذه قضية يعني لا تحل ولن تحل بالتسوية السياسية، وايران تعرف هذا، ولذلك لا تريد أن تحكم على نفسها بأن تظل قضاياها الداخلية معلقة بسبب القضية الفلسطينية. وإلى اللقاء.