Transcription
بسم الله الرحمن الرحيم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فإن من من الله به تبارك وتعالى على هذه الأمة ما ذكره سبحانه في شأن ليلة القدر، وما أودع فيها لعباده من الخير، من أجور عظيمة وأحكام حكيمة. ولذلك أفرض الله جل وعلا ذلك في سورة تتلى على مسامع الناس منذ نزلت وإلى أن يأتي الله بأمره.
وذكر أيضاً جملة من حكمها وحكمة الله تعالى فيها في صدر سورة الدخان: "حم. والكتاب المبين. إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين. فيها يفرق كل أمر حكيم. أمراً من عندنا إنا كنا مرسلين. رحمة من ربنا إنه هو السميع العليم".
ففي هذا تنويه بشأن ليلة القدر وعظيم نعم الله سبحانه وتعالى على عباده في الخلق والرزق والأمر والوعد. وفي ضمن هذا أن يعنوا بتلك الليلة ويطلبوا خير الله جل وعلا فيها بما شرع سبحانه وتعالى وما سن نبيه صلى الله عليه وسلم.
فقوله سبحانه: "إنا أنزلناه في ليلة القدر" يخبر سبحانه وتعالى عنه منه على العباد بإنزال القرآن، وأن ذلك كان في ليلة القدر. فإنزال القرآن رحمة من الله تعالى لعباده بما ذكر الله جل وعلا فيه من شأنه، وأنه تبيان لكل شيء وهدى، وهي أقوى هدى للمؤمنين، وأنه موعظة للقلوب مما يذكر سبحانه وتعالى من القصص من نبا المرسلين السابقين، وهو مهم من المؤمنين والكافرين، فإن ذلك مما يحرك القلوب ويحملها على التماس طاعة الله وتحرّي مرضاته جل وعلا والخوف من وعيده وأنواع عقوباته.
ولذلك قال عنه: "تبصرة وذكرى"، تبصر العباد وأبصرهم. والقرآن نور البصائر كما أن الشمس والقمر نور الأبصار. ولهذا سمى الله تعالى وحيه نوراً بما يحصل به من الهدى للمصالح الكاملة الراجحة في الدنيا والآخرة، وما ينهى عنه من الشرور والفتن والمفاسد الكاملة الراجحة في العاجلة والآجلة.
"إنا أنزلناه" يخبر تعالى عن نفسه أنه أنزل القرآن في ليلة القدر. والإنزال هذا إما ابتداء نزول القرآن أن جبريل عليه السلام جاء به النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان وفي العشر الأواخر وفي ليلة القدر، أول ما جاء في الوحي، فيكون الإخبار عن ابتداء نزول القرآن، ثم تتابع نزوله مفرقاً حسب الحوادث والمناسبات.
ومن ذلك الإجابة عن الأسئلة التي ترد من الأمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين..."، "يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه كبير..."، "يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج..."، "يسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير..."، "يسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن...". وهكذا تجد إرادة السؤال وبيان الجواب عليه، وهذا من البيان والتبيان لكل شيء والهدى للتي هي أقوى.
ومن ذلك وأعظم ذلك هو الإخبار عن شأنه سبحانه وتعالى وعز سلطانه، وأنه هو الخالق وحده، وهو مالك الملك وحده، وهو مدبر الملك والمالكين وحده، وهو الذي أمر العباد ونهاهم، أمرهم بتوحيده وطاعته، ونهاهم عن الشرك به والكفر وعن معصيته، وشرع لهم من شرائع دينه ما يتوسلون به إلى رضاه ويؤهلون به لمجاورته سبحانه وتعالى في جنته في رفيع المقامات وعلي المنازل وأنواع الكرامة في الدنيا والآخرة. كل هذا مما اجتمع عليه القرآن العظيم.
ويراد أيضاً بنزول القرآن أن الله تعالى أنزله من عنده من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا إلى بيت العزة في السماء الدنيا جملة واحدة، ثم نزل مفرقاً حسب الحاجة والمناسبات. فإنزال القرآن بنوعيه كان في ليلة القدر.
ولذا أشار سبحانه إلى نساء هذه الليلة تفخيماً وتعظيماً فقال: "وما أدراك ما ليلة القدر". والمعنى أنها ليلة شريفة، ليلة كريمة، ليلة عظيمة الشأن، مناسبة من مناسبات العباد يجتهدون فيها في تحري مراد الله جل وعلا والتوبة إليه مما يسخطه من معصيته، فيرفع الله منزلتهم إلى أعلى عليين. والذين يجحدون هذا ويكفرون بالله ويشركون به، يجعلهم أسفل سافلين.
ولذا قال: "كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين". يعني منزل عال جداً، ويؤدي بهم إذا عملوا به إلى منزلة عالية. "إن المتقين في جنات ونهر. في مقعد صدق عند مليك مقتدر". ولما خلق الله تعالى جنة عدن بيده قال لها: تكلمي. قالت: "قد أفلح المؤمنون". تنبيه على أوصاف المؤمنين في سورة المؤمنين وغيرها.
فقال: وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل. وأبخل البخل البخل بالتوحيد واختيار الشرك والكفر. وأبخل البخل الاستكبار عن طاعة الله جل وعلا، وأن الإنسان يختار الخيلاء والبخل والغرور والإعجاب بنفسه، بغمض غيره وجحود آيات الله تعالى وبيّناته وهداه. وأبخل البخل ترك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند ذكره، فإن هذا بخل عظيم.
ومن ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم فأبعده الله. قال الله تعالى: "يجب قل آمين". أو كان جبريل أمين، فقال: آمين. من ذكرت عنده فلم يصلِّ عليك فأبعده الله. وهكذا من أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة ببره لهما فأبعده الله. وهكذا من أدرك رمضان وما فيه من خصال الإيمان، وما فيه من عطايا الرحمن، وهي من ليلة القدر، فلم يغفر له، فبعده الله. بخيل بخيل على نفسه.
عظم سبحانه وتعالى شأن ليلة القدر تعظيماً من وجوه. قال: "وما أدراك ما ليلة القدر". لأن ذاته شرف، ليلة عظيمة، ذاته شرف، وذاته نور، وذاته خير وهدى، فيها جوائز من الرحمن وعطايا من الكريم المنان. إذا سمع المؤمنون هذا اغتبطوا واجتهدوا وجاهدوا أنفسهم وسعوا في تحصيل هذه الخيرات الوثيرة والأجور الكثيرة والكبيرة.
"ما أدراك". ولهذا كان سبحانه: "إنا أنزلناه في ليلة مباركة". والبركة كثرة الخير. ليلة كثيرة الخير من الله تعالى لعباده. "ليلة مباركة إنا كنا منذرين". ويكفي نزول القرآن فيها، فإن القرآن اشتمل على البشارة لعهد التقوى، أو التوحيد والطاعة والإيمان، وعلى الإنذار لأهل الفسق والكفر والعصيان. يكفي أنها أنزل فيها: "إنا كنا منذرين".
"فيها يفرق كل أمر حكيم". كل أمر محكم من الله جل وعلا، وفيه هدى لعباده، دلالة على الحكمة. فيفصل هذا من اللوح المحفوظ، كتاب الذكر عند الله جل وعلا، فإن الله تعالى كتب في الذكر كل شيء، ومن ذلك ما سيكون في هذه الدنيا من الأمور العظيمة والمحكمة، والنعم العظيمة، والأقوال الكريمة، والتدبيرات الحكيمة، والمواعظ المؤثرة، والوعود الكريمة من الله جل وعلا، والوعود التي فيها التهديد لمن عصى الله تعالى واستنكف عن عبادته واستكبر عن توحيده. يفرق هذا في تلك الليلة عن تلك السنة من اللوح المحفوظ، ولكل شخص عن اللوح المحفوظ إلى صحف الملائكة عليهم السلام الكتبه الكرام، فيكون هذا نوعاً من القدر، نوعاً يخص المكلفين، ويخص العام، العام الذي جرى في ليلة القدر تكرر فيه، لأنه كل سنة في كل سنة ليلة قدر يفرق فيها ويفصل من اللوح المحفوظ كل أمر حكيم محكم إلى صحف الملائكة.
ومن ذلك ما سيكون في حق الأشخاص المكلفين من الجن والإنس عموماً، الجن والإنس في تلك السنة، وسيجرى عليهم من العلوم ومن الأعمال ومن الأرزاق ومن الآجال. كل هذا يفصل، فيكون عند الملك المكلف الملائكة المكلفين بالعباد يعرفون ماذا سيجرى عليهم في هذه السنة. "يفرق كل أمر حكيم. أمراً من عندنا". من عند الله جل وعلا، ولحكمة ومحكم. "إنا كنا مرسلين. رحمة من ربنا". كل هذا من الرحمة ومن الحكمة في تدبير الملك والخلق.
فإن الأقدار متنوعة. نوع يعتبر قدر للملك والخلق، تدبير الملك والخلق، كيف الله عز وجل سيدبره، ويأتي هذا تباعاً. يأمر الله تعالى الملائكة عليهم السلام كل فيما كلف به من شأن الملك والخلق. هذا قدر عام. ومن ذلك القدر يخص المكلفين عموماً، عموماً المكلفين الجن والإنس، أنهم هم الذين خلقوا للتكذيب بطاعة الله تعالى واجتناب معصيته، وبما يصلح حالهم ومستقبلهم في الدنيا والآخرة. هذا نوع من القدر.
ومن ذلك ما يكون من القدر الحولي الذي يخصهم من ليلة القدر إلى مثلها من عام قابل. ومن ذلك التقدير اليومي، حال فلان من الناس سيبعث من نومه ولا لا، وما سيعمل في يومه، وهل أجله في يوم ذا أو في ليلته. فالله يتوفى الأنفس حين موتها، ويتوفى التي لم تمت توفياً مؤقتاً في منامها، فيمسك التي قضى عليها الموت، وأرسل أخرى إلى أجل مسمى. فهذا قدر يومي.
فليلة القدر اشتملت على هذه الأمور جملة وتفصيلاً. ولهذا قال سبحانه: "إنا أنزلناه في ليلة مباركة"، وقال: "إنا أنزلناه في ليلة القدر"، وقال: "وما أدراك ما ليلة القدر". ثم ذكر ما يغري العقلاء وأولي الألباب بالهمة العلية وطلب الدرجة الرفيعة، مقام عند الله جل وعلا والقرب منها سبحانه وتعالى في التماس طاعته والعمل بشريعته والإحسان إلى خلقه وغير ذلك.
"فيها يفرق كل أمر حكيم. إنا أنزلناه في القدر. وما أدراك ما ليلة القدر. ليلة القدر خير من ألف شهر". وألف شهر تقدر بعمر طويل للمكلفين، يجاوز ثلاثة وثمانين سنة. وهذا جواب على تساؤل من الصحابة رضي الله عنهم لما ذكروا الأعمال والطاعات وغيرها، وذكروا العمال وكيف يتنافس العاملون وبما يتنافسون، والمقصود من طاعة الله جل وعلا والتكهرب إليه بما شرع ما يحب، والسلامة من أسباب سخطه وموجبات عقابه.
قارن بين أعمارهم التي هي في الغالب ما بين الستين إلى السبعين، وأقل من يجوز ذلك. وقد أعذر الله من امرئ بلغه ستين سنة لم يترك له عذراً يعتذر. ولذا قالت: "هذا أول بنعمركم ما يتذكر فيمن تذكر وجاءكم النذير". القرآن نذير، ومحمد صلى الله عليه وسلم مفلحون. المؤمنون يغتبطون، والكافرون يقال لهم: "ذوقوا العذاب". "فما للظالمين من نصير".
فأخبر الله تعالى هذه الأمة أن الله عوضها عن كسر أعمارها وقلة الزمن يتعبدون فيه مقارنة بالأمم الماضية، ليعمرون بالمئات وبالآلاف. فنبينا نوح عليه السلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم. هذه مدة الدعوة، لكن قبله كم الله أعلم. وذكر في الآثار عن نبي من أنبياء الله تعالى أنه عاش قبل البلوغ مئتين وخمسين سنة، وبعد البلوغ مئتين وخمسين سنة، أو حتى تزوج مئتين وخمسين سنة، حتى ولد مئتين وخمسين سنة، ومات بعد هذا العمر أكثر من ألف سنة.
فعوض الله هذه الأمة بليلة واحدة فقط في السنة خير من ثلاثين سنة. فمن يعمر ستين سنة، اضربها في هذا في ثلاثة وثمانين سنة، عمراً مباركاً جداً، وعمل صالح كثير يوجب نفعه الدرجات وحط الخطيئات ومضاعفة الحسنات، ويوصل إلى علي المقامات. وهذه من من الله ونعمته على المؤمنين الشاكرين. جعل الله واياكم منهم من هذه الأمة.
فكيف إذا عمر أكثر من هذا إلى مئة وثلاثين سنة، مئة وخمسين سنة؟ قد يجاوز هذا فيه أناس. حسان بن ثابت رضي الله عنه عمر أبوه مئة وعشرون سنة، وعمر هو مئة وعشرون سنة، وعمر ولده عبد الرحمن مئة وعشرون سنة. هذا بيت واحد، أهل بيت واحد، من عمل الطاعة عملوا في طاعة الله ثلاثمئة وستين سنة. وذكر لي أن أحد عمر في آخر هذا الزمن أكثر من مئة وخمسين سنة، ما مات الله يمكن قبل 15 أو 20 سنة، 165 سنة.
وأما الذين عمروا مئة وعشرين سنة ومئة سنة وأكثر من هذا وأكل، فكثير، لكنهم في نسبة الأمة قليل. جملة الأمة أعمار ما بين الستين إلى السبعين. فما بين الستين والسبعين أسأل الله حسن الخاتمة، هو معترك المنايا لأكثر الأمة، وأقل لهم من يجوز ذلك.
"فيها يفرق كل أمر حكيم. أمراً من عندنا. إنا كنا مرسلين. رحمة من ربنا. إنه هو العليم". هنا قال: "ليلة القدر في سورة خير من ألف شهر". هذه خصيصة فيها: الأولى أنها ذات قدر وشرف. والثانية أنها أنزل فيها القرآن، وهذا خاص بهذه الأمة. والثالثة أنه يفرق فيها كل أمر حكيم محكم، يفصل من اللوح المحفوظ إلى صحف الملائكة الكرام الكاتبين.
وكذلك الذين هم يحرسون الناس، فإن كل إنسان مكلف فيه أربعة ملائكة، كلهم حفظة، يسمون. فملائكة الأعمال، الكتابة، كتابة الحسنات والسيئات، اثنان، واحد عن يمينه وواحد عن شماله. والذي عن اليمين هو الأمير على الذي عن الشمال. الذي عند اليمين يكتب الحسنات، ويكتبها أول ما يهم بها الإنسان أجر الهم، فكر النية والعزم، ثم إذا عمل يضاف أجر العمل. والحسنات مضاعفة، إذا عشر حسنات، إذا سبعين إلى سبعمئة إلى أكثر من ذلك. وبعض الأعمال ما يدرون عنها. يقول الله: اكتبوا إنه عمل هذا، واترك الجزع عليه. تقدير الجزع.
الحسنات عليه من ذلك جزاء الصيام ما يعلم جزاءه إلا الله جل وعلا. ومن ذلك جزاء الصبر: "يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب". يفاجئون به يوم القيامة. ومن ذلك فيما قال المحققون أنه أجر الصيام وأجر الصبر ما ينقص من السيئات ما تنقصه السيئات، ولا يؤخذ منه للمظالم. يفاجئ الله عز وجل به عبده يوم القيامة بأنواع المن والكرامة. ومع ذلك يقال لملك السيئات، وهذا ينتبه له: اكتب كل ما ترك ملك أو ملك الحسنات الذي ما سجله، يرحمكم الله، في صحيفة الحسنات يسجله، ليكتب السيئات في صحيفة السيئة، هل يجزى به العبد أو يغفر الله لها ويعفو عنها؟ وهذا أمره إلى الله. وهذا خطير جداً.
ولذلك بعض السلف قال لامرأته: ناوليني السفرة، سفرة الطعام، وعليها أنا الطعام نعبث به، يعني مزحة كذا. فتذكر واستغفر زمن طويلاً واستغفاراً كثيراً عن هذه الكلمة، يخشى أن تكتب أو كتبت في سجل السيئات. وإذا عمل العبد السيئة يقال لملكه السيئات: لا تعجل، اصبر، لعله يتوب. فيمهله ثلاث ساعات أو وقت، لعله أن ينصرف عن السيئة ما يعملها أصلاً، أو أنه يتوب بعد ما عملها. هذا من أسرار الله في خلقه، من أسرار القدر وأعماله.
ومنها الرجل الذي دخل في الصلاة: "اللهم ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه من السماوات ومن الأرض ومن ما شئت من شيء بعد". وكذا حار الملائكة الملك حار كم أجره؟ فقال الله تعالى: اكتبوها كما قالوا. علي جزاهم جزاء عظيم وكثير.
"ليلة القدر خير من ألف شهر". هذا من خصائص هذه الليلة. تنزل الملائكة، ملائكة من ملائكة الله العظيم الذين لا يعصون الله ما أمر ويفعلون ما يؤمرون، والذين يتنزلون بالخيرات والرحمات، خصوص من الملائكة والبركات، يتنزلون إلى الأرض لتلك الليلة من غروب الشمس إلى طلوع الفجر بالخير واليمن والبركة. وعددهم في الأرض أكثر من عدد الحصى. ولذلك تكون هذه الليلة رخية، هادئة، مسفرة، ميسرة، فيها الأعمال الصالحة، وجدت العصمة أو الموانع من الأعمال السيئة، أو الألباب والعمال الصالحين في خصوصية. فلذلك يكثر فيها الخير، يكثر فيها العمل، ويكثر فيها كرم الله عز وجل على عباده، ويكثر فيها العتق من النار، ويكثر فيها ويكثر فيها ويكثر فيها أمور كثيرة خاصة بها. ولذلك قال تعالى: "سلام هي حتى مطلع الفجر". فهذا شأن من شؤون هذه الليلة.
يعني كم فيها من شأن فيما يتعلق بالملك، ملك الله جل وعلا، الملكوت فيما يتعلق بالمملوكين في العالم العلوي والسفلي، فيما يتعلق بالمكلفين بالشريعة، شريعة محمد صلى الله عليه وسلم وسنته، فيما يتعلق بالحوادث ما يجريه الله على الصنفين. ولهذا من لزم طاعة الله جل وعلا، ومن ذلك الأذكار والأوراد الشرعية عند مناسباتها، سواء ورد الصباح والمساء، أو ورد النوم واليقظة، أو ورد المناسبات والحوادث، إذا حاجة الريح، إذا زمجر الرعد، إذا كان إذا كذا، إذا رأى المبتلى، رأيت المبتلى المعاق المريض مرضاً شديداً لكذا، هذه كذا المصاب بجائحة، فسألت الله له العافية، وحمدت الله عنك على العافية، شكرت الله على ما من به عليك من هذا، لا تبتلى بهذا البلاء، وتكون أحسنت إلى أخيك، واعتبرت بتدبير الله عز وجل قدره قبل أن يصيبه، وحتى يصرف عنك أمور كثيرة جداً.
فالعمل بالشرع أمنة من شر ما تجري به المقادير، ووسيلة لتحصيل خير ما تجري به المقادير. ومن ذلك الطاعات وترك المعاصي والتوبات من السيئات. ومن ذلك الأذكار والدعوات. الدعاء والبلاء يعترجان بين السماء والأرض يتصارعان، فيغلب الدعاء البلاء، يصرف عن الداعي. وهكذا أمور كثيرة. وهذا من شؤون ليلة القدر، وهذا من نعم الله ورحمته بعباده.
ولهذا نوه الله بشان هذه الليلة في سورة القدر وفي صدر سورة الدخان، حتى أنه ينتبه الناس، يتذكر الغافل، ويتعلم الجاهل، وينشط المتكاسل، ويسابق المسابق العامل في طاعة الله جل وعلا، ويتوب الذي فرط في ماضي عمره له قبل هذا بلحظة، يتوب توبة نصوحاً إلى الله عز وجل، ويتوب الله عليه، فإن الله وعد بالتوبة على التائبين، وغفران ذنوب المذنبين، ولو عظمت، ولو كانت عدد الرمل، ولو كانت بين الأرض والسحاب، ولو كانت كذا، ولو كانت كذا. من تاب إلى الله تعالى ودعاه ورجاه غفر له سبحانه ذنوبه، ولا يبالي، ولا يتعاظم ذنب أن يغفره، ولا خير أن يعطي جل وعلا. فلذلك هذا من فقه هذه السورة وهذه الآيات بشأن ليلة القدر، حتى يكون العبد على بصيرة وعلى جليّة من أمره، وينتفع ما أمكنه الانتفاع، ويتقي ما أمكنه التوقي، ويدعو الله عز وجل لأجل أن يسددها جل وعلا، ويسد خلل عمله، ويغفر ذنبه، ويقبل قليل عمله ويبارك فيه ويضاعفه، ويضاعف الثواب والأجر إلى غير ذلك.
والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.