Transcription
بسم الله الرحمن الرحيم.
الدكتور المختار عطار، من مواليد مدينة آسفي، أستاذ تعليم عالٍ، أستاذ القانون المدني والقانون البحري بكلية الحقوق التابعة لجامعة القاضي عياض بمراكش.
الموضوع الذي سيتناوله يتعلق بأهم مصدر من مصادر الالتزامات وهو العقد، الذي يعتبر بمثابة نظرية القيمة في العلوم الاقتصادية. والنظرية العامة للالتزامات التي تتناول هذا المصدر أساسها فكرة إنسانية، والإنسانية لغة عالمية. ولذلك فإن النظرية العامة للالتزامات عرفت بدرجات متفاوتة في جميع المجتمعات والتشريعات. ونعتقد أن النظرية العامة للالتزامات هي أساس القانون، وهي الينبوع الذي يستقي منه القانون ضوابطه. ولذلك فإن النظرية العامة للالتزامات عاصرت النظرية الاقتصادية الليبرالية، وتعايشت مع النظرية الاشتراكية، وأخيراً مع ظاهرة العولمة. الأمر الذي حدا بالمشرع إلى إصدار القانون 05/53 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية.
وسنتناول أهم مصدر من مصادر الالتزام وهو العقد. سنتولى تعريف العقد والمقارنة بينه وبين الاتفاق، ونشأة مبدأ سلطان الإرادة الذي تعتبر ركيزة أساسية في نظرية العقد، ثم دور مبدأ سلطان الإرادة في تكوين العقد وتطوره وتقسيمات العقود، وذلك على النحو التالي.
الواقع أننا إذا تأملنا العقد نجد أنه يعيش مع الإنسان داخل المجتمع ويتطور مع تطور حياته. لذا ينشد الشاعر: "تموت مع المرء حاجاته، وحاجات من عاش لا تنقضي".
ولم يعرف قانون التزامات العقود المغربي العقد على عكس القانون المدني الفرنسي في مدونة نابليون التي عرفت العقد في المادة 1101 بقولها: "العقد اتفاق يلتزم بمقتضاه شخص أو عدة أشخاص نحو شخص أو عدة أشخاص آخرين بإعطاء شيء أو بالقيام بعمل أو بالامتناع عن القيام بعمل".
ولذلك استناداً إلى هذا التعريف نجد أن العقد ينشئ الالتزام، والاتفاق ينشئ الالتزام. ولذلك فإن العقد بناءً على هذا النظر هو نوع، والاتفاق جنس منه. ولذلك فإن التعريف الذي أوردته المادة 111 من القانون المدني الفرنسي تجمع بين تعريف العقد وتعريف الالتزامات. وإن كان بعض الفقه يفرق بين الاتفاق والعقد ويعتبر أن الاتفاق هو توافق إرادتين أو أكثر على إنشاء التزام أو نقله أو تعديله أو إنهائه. ولذلك إذا كان عقد الكراء على سبيل المثال يرتب التزامات في جانب كل من المكري والمكتري، وعقد الحوالة ينقل الحق أو الدين من مدين لمدين آخر أو من دائن لدائن ثانٍ، فإن الاتفاق على تعليق الالتزام بأجل أو إدخال شرط عليه هو اتفاق على تعديله. ولذلك فإن العقد بناءً على هذا النظر أخص من الاتفاق، فهو توافق إرادتين على إنشاء التزام أو نقله. وعليه فإن كل عقد يشكل اتفاقاً، أما الاتفاق فلا يكون عقداً إلا إذا أنشأ الالتزام أو نقله، أما إذا عدله أو أنهه فهو ليس بعقد.
وعملياً لا أهمية للتمييز بين العقد والاتفاق في قانون التزامات العقود المغربي. كما أن بعض التشريعات كالقانون الموجبات والعقود اللبناني لم يفرق بين العقد والاتفاق. ولذلك فإن المشرع المغربي أخذ بوحدة الرأي المؤيد لوحدة المدلول والمعنى بين العقد والاتفاق.
ولذلك السؤال الذي يطرح: هل كل اتفاق أو عقد يحدث الآثار القانوني المقرر؟ الجواب هو أن الاتفاق يتعين أن يأتي في نطاق القانون الخاص وفي دائرة المعاملات المالية. ولذلك فإن المعاهدة اتفاق بين دولة ودولة، وتولي الوظيفة العمومية اتفاق بين الموظف والحكومة. ولكن مثل هذا الاتفاق الأخير ليس عقداً، إذ هو يقع في دائرة القانون العام والعلاقة التي تنتج عنه علاقة نظامية. ولذلك فإن الشخص عندما يتزوج لا تعني هذه الرابطة أن ما أقدم عليه اتفاق يرتب الآثار التي سنبحثها. لماذا؟ لأن العقد الذي نتحدث عنه هو ذلك العقد الذي يقع في حقل القانون الخاص بطبيعة الحال. أما عقد الزواج فهو عقد، ولكنه ينظم قواعد قانونية من نوع خاص تهم العلاقة بين الرجل والمرأة.
ولذلك إذا كان العقد يرتب آثاراً قانونية، فإن هذه الآثار تنبع من مبدأ سلطان الإرادة الذي يلعب دوراً في حقل العقود. ولذلك يعتبر مبدأ سلطان الإرادة أن الإرادة لها الآثار الفاعل في تكوين العقد وترتيب آثاره، بل في جميع الاتفاقات حتى ولو لم تأتِ وفق أوضاع تعاقدية. ولذلك هذا المبدأ مكرس في جميع التشريعات التي تعتني بالعقد كمصدر من مصادر الالتزام.
والواقع أنه إذا كان لمبدأ سلطان الإرادة هذا الدور الفاعل في نشأة الالتزام وترتيب آثاره، فإنه لم يعرف هذه الوضعية إلا بعد أن تطور تطوراً طويلاً في التاريخ. وعلى سبيل المثال لم تكن الشريعة الرومانية تعترف بمبدأ سلطان الإرادة على إطلاقه، لماذا؟ لأن الدولة الرومانية كانت تعتبر بأن شكلية العقود هي التي تنشئ العقد وترتب الآثار. لكن مبدأ سلطان الإرادة أو مبدأ الرضائية لم يصل في هذه الشريعة إلى المستوى الذي يسود في التشريعات الوضعية الحديثة التي تعتبر بأن مبدأ سلطان الإرادة أساسي في قيام العقد وفي ترتيب آثاره. ولذلك يلاحظ في الشريعة الرومانية على سبيل المثال أن الأمر لم يكن مقتصراً على غياب مبدأ سلطان الإرادة، بل إن المدينة في الدولة الرومانية كان يلتزم بمجرد احترام الشكلية المرسومة للالتزام، ولا ينظر بعد ذلك أن يكون التزامه صحيحاً أم لا. بل إنه يلتزم حتى لو كان سبب الالتزام غير مشروع أو مخالف للنظام العام أو الآداب العامة، لأن الالتزام في هذه الدولة يستمد صحته من شكله لا من موضوعه.
ومع ظهور المدنية وتعقد الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وتقدم الفكر القانوني، بدأ البحث عن أعمال مبدأ سلطان الإرادة في حقل العقود. ولذلك لم يتقرر هذا المبدأ في الشريعة الرومانية بكيفية مطلقة، بل بقيت الشكلية هي السائدة في هذه الشريعة إلى أواخر العصر الروماني. وسنرى أنه خلال القرون الوسطى وتحت تأثير نفوذ الكنيسة التي نادت بالوفاء بالعقود، برز مبدأ سلطان الإرادة. وفي مرحلة لاحقة ساعد على انتشار مبدأ سلطان الإرادة عدة عوامل اقتصادية وسياسية وضعف أطر الدين في العلاقات القانونية. وساهم هذا المبدأ في ظهور المذهب الفردي الذي نادى بأن الحرية هي الهدف، وأن الفرد قمة المجتمع، وأن هدف الجماعة هو حماية الفرد. وانتشرت هذه النظرية أولاً في بريطانيا حيث دافع عنها الفيلسوف جون لوك عندما شرح نظريته في العقد الاجتماعي. ثم انتقلت هذه النظرية إلى فرنسا فبرزت عند الفيلسوف مونتسكيو وجان جاك روسو. كما أطرت هذه النزعة الوثائق الدستورية التي صدرت في أمريكا الشمالية.
وبظهور الأفكار الاشتراكية سنجد أن دائرة القانون ستتسع وتعتبر أن حرية المتعاقدين ومبدأ سلطان الإرادة ليسا كفيلين بتحقيق العدالة بين الناس. ونادت الفكرة الاشتراكية بتدخل الدولة لحماية الطرف الضعيف في العقد.
وبالتتبع لمبدأ سلطان الإرادة في قانون التزامات العقود المغربي، نجد أن المشرع نظراً للانتقادات التي وجهت لمبدأ سلطان الإرادة تفادى عيوب هذا المبدأ وأعاد الأمور إلى نصابها في مجالات عدة، فأقام نظرية الغبن وحد من مبدأ "العقد شريعة المتعاقدين". كما نجد أن المشرع في أحدث تشريع وهو القانون المنظم للعلاقات التعاقدية بين المكري والمكتري للأماكن المعدة للسكن أو الاستعمال المهني، حد من تعسف المالك ومنح المحكمة سلطة تقديرية في هذا المجال هدفه تحقيق العدالة الاجتماعية. بل إننا نلاحظ أنه أتى بنصوص قانونية آمرة تسري فوراً أثناء تنفيذ العقد.
والعقود عملياً ليست على نمط واحد. هناك عقود تناولتها النظرية العامة، ولكن هناك عقود عرفت بظهور ظاهرة العولمة. وظهرت هذه العقود في الدول الغربية وعرفت طريقها إلى بعض الدول التي عرفت طفرة بترولية. ولذلك تنقسم العقود إلى عدة أقسام. كما أن التشريعات تتفق على تقسيم العقود إلى عدة أقسام وذلك حسب تكوينها أو موضوعها أو آثارها أو طبيعتها.
فمن حيث التكوين العقد إما أن يكون عقداً رضائياً أو شكلياً أو عينياً. ومن حيث الموضوع العقد إما أن يكون عقداً مسمى أو عقداً غير مسمى أو عقداً بسيطاً أو عقداً مختلطاً. ومن حيث الإطار العقد إما أن يكون عقداً ملزماً للجانبين واما أن يكون عقداً ملزماً لجانب واحد، واما أن يكون عقد معاوضة واما أن يكون عقد تبرع. ومن حيث الطبيعة العقود تكون إما عقوداً محددة أو عقوداً احتمالية أو عقوداً فورية أو عقوداً زمنية.
ويلاحظ أن تقسيمات العقود ليس تقسيماً نظرياً، بل له نتائج عملية هامة من حيث اختلاف القواعد القانونية التي تطبق على بعضها دون البعض الآخر.
وبالنسبة إلى تقسيم العقود إلى عقود رضائية وعقود شكلية وعقود عينية، يلاحظ أن العقود الرضائية هي التي تنعقد بمجرد تبادل الإيجاب والقبول وتطابقهما. ومعظم التشريعات الحديثة تعترف بالعقود الرضائية، بل تعتبر بأن الرضائية هو عماد العقد في المجتمعات الحديثة. ولذلك يلاحظ أن مبدأ الرضائية في العقود يكاد يسود جميع التشريعات. كما أن جميع العقود التي نحتاجها في حياتنا العملية تعتبر عقوداً رضائية. وقد يعترض البعض على مبدأ الرضائية ويثير انعدامه عندما نجد القانون يشترط في إثبات العقد بعض الضوابط، كأن يفرض المشرع تحرير بعض العقود وأن يكون هذا الشكل موثقاً. والواقع أن اشتراط بعض الضوابط في بعض العقود لا تنفي عنها كونها رضائية، ذلك أن العقد يظل رضائياً حتى ولو اشترط المشرع شكلاً لإثباته كالكتابة. وهنا يتعين التمييز بين قيام العقد وإثباته. ولذلك إذا اشترطت الكتابة في بعض العقود وكانت الكتابة لازمة للإثبات، فإن العقد غير المكتوب يمكن أن ينتج آثاره باعتماد الإقرار أو اليمين أو شهادة الشهود. أما إذا كانت الكتابة ركناً شكلياً لقيام العقد، فإن العقد غير المكتوب يعتبر غير موجود مع الإقرار واليمين وشهادة الشهود.
ويوجد إلى جانب العقود الرضائية العقود الشكلية الذي يستلزم المشرع أن تأتي في شكل خاص. ومن ثم فإن هذا النوع من العقود لا يكفي لتبادل إيجاب وقبول وتطابقهما، بل لابد من اتباع الرسمة القانونية. ويلاحظ عملياً أن شكلية العقود ليست مفروضة بطريقة تحكمية، بل إنه عند الإمعان فيها نجد أنها تحقق خيراً عميماً للمتعاقدين، سيما أن المشرع عندما يشترطها فإن الحكمة الكامنة من ورائها هي تنبيه المتعاقدين إلى خطورة العمل أو العقد الذي سيقدمان عليه. ولذلك يلاحظ أن الشكلية المفروضة في العقود في الأنظمة الحديثة ومنها القانون المغربي تختلف عن تلك التي كانت سائدة قديماً، لأن الشكلية الحديثة إذا كانت لازمة فهي ليست كافية، بل يتعين أن يوافق عليها طرف العلاقة القانونية. أما الأسلوب القديم للشكل فكانت وحدها كافية لقيام العقد، وذلك لفصل العقد عن الإرادة. وعليه فإن العقد الشكلي هو الذي يشترط لانعقاده بالإضافة إلى التراضي أساليب شكلية. وعليه انطلاقاً من أحدث قانون نظم العلاقة التعاقدية بين المكري والمكتري للأماكن المعدة للسكن أو الاستعمال المهني والذي دخل حيز التنفيذ في 4 مارس من الشهر الماضي، يلاحظ أن عقد الكراء رغم أن المشرع اشترط فيه الشكلية الكتابة، فإنه لابد أن يكون رضائياً، ولكن قد يتحول من عقد رضائي إلى عقد شكلي، وعندئذ يتوقف انعقاده على المحرر الرسمي الذي تظاهر متعاقداً. وعليه فإن الشكل إما أن تكون بنص القانون أو بمقتضى إرادة المتعاقدين، وفي كلتا الحالتين يتعين مراعاتها.
أما بالنسبة للعقود العينية فهي تلك العقود التي لا تحتاج في ترتيب آثارها إلى مبدأ الرضائية وحده، بل إن عنصر القبض أو التخلية في هذا النوع من العقود ضروري. ولذلك فإن العقد العيني هو العقد الذي يشترط بالإضافة إلى تراضي طرفيه أن يتم تسليم الشيء المعقود عليه بحيث لا يتم العقد إلا إذا تمت عملية التسليم. ومن هذه العقود الهبة، والإعارة، والإيداع، والقرض، والرهن.
ويوجد إلى جانب هذا النوع من العقود ما يسمى بالعقود المسماة والعقود غير المسماة. ذلك أن الحكمة من تنظيم نوع خاص من العقود إما أن تقتضيها أهمية وطبيعة العقد وتتطلب الحاجة في التعامل بخصوص هذا العقد، أو أن تكون من باب سد الخلاف وتسهيل طرق التعامل بين أطراف العلاقة القانونية. ولذلك فإن العقد المسمى هو العقد الذي خصصه المشرع بنص خاص وتولى تنظيمه وذلك لكثرة تداوله بين الأفراد في المعاملات. ولذلك يوجد إلى جانب العقود المسماة العقود غير المسماة وهي تلك التي لم يتناولها المشرع بتنظيم خاص وترك أمر تنظيمها لأطراف العلاقة القانونية. وهته العقود تستحدث حاجة الناس وضرورياتها وهي كثيرة سندها تطور المجتمعات وتعدد الحاجيات وتداخل المصالح. ويرى بعض الفقه أنه لكي يوصف عقد بأنه غير مسمى لا ينبغي أن يؤخذ بما يسميه الأفراد عقودهم، بل يتعين البحث عن حقيقة العقد في الواقع. كما يمكن اعتبار الحالة التي ترتبط فيها عدة عقود أن الأمر يتعلق بعقد غير مسمى ما دام بالإمكان قيام كل عقد من هذه العقود بالاستقلال عن الآخر. وأمثلة هذا النوع من العقود كثيرة ومتعددة.
ويوجد إلى جانب هذا التقسيم ما يسمى بالعقود البسيطة والعقود المختلطة. والمقصود بالعقد البسيط العقد الذي يتناول مسألة محددة كعقد البحث مثلاً عن وارث. ولذلك فإن العقد البسيط إذا كان غير مسمى طبقت عليه أحكام العقود المسماة التي ترتبط به من حيث موضوعها وذلك في الحدود القانونية المقبولة. أما العقد المختلط فهو العقد التي تتداخل فيه عدة عوامل وتشكل عقداً واحداً كالعقد الذي يربط بين مالك الفندق والزبون، بحيث أننا إذا تأملنا هذا النوع من العقود وجدناه يتشكل من عدة عناصر: فهو عقد إيجار بالنسبة إلى، وبيع بالنسبة للأكل والشرب، وعمل بالنسبة للخدمة، ووديعة بالنسبة للأمتعة التي يحضرها النزيل.
كذلك تقسم العقود إلى عقود ملزمة للجانبين وعقود ملزمة لجانب واحد. والعقود الملزمة للجانبين أو العقود التبادلية هي تلك العقود التي تنشئ التزامات متقابلة في ذمة كل من المتعاقدين، بحيث يصير كل طرف دائناً في جانب ومديناً في جانب في الجانب الآخر. أما العقود الملزمة لجانب واحد فهو العقد الذي لا ينشئ التزامات إلا في جانب أحد المتعاقدين دون الآخر، بحيث يكون هذا المتعاقد مديناً غير دائن، يكون المتعاقد الثاني دائناً غير مدين. ويلاحظ أن العقد الملزم لجانبه يعتبر بمثابة العقد بالنسبة لطرفيه. ولذلك على سبيل المثال العقد الملزم لجانب واحد يبقى كذلك حتى ولو حصل أن ظروفاً طارئة تدخلت وجعلت الطرف الدائن يتحمل بالتزامات تجاه الطرف المدين.
ويوجد إلى جانب العقد الملزم للجانبين والعقد الملزم لجانب واحد العقد الملزم للجانبين غير التام، وهو عقد وسط بين العقد الملزم للجانبين والعقد الملزم لجانب واحد. وهو في حقيقته وكنهه عقد ملزم لجانب واحد، ولكن الطرف الآخر يلتزم بعد نشوء العقد بسبب لا يعود للعقد، وذلك كالوديعة على الشيء المدعى من الهلاك.
ويترتب على تقسيم العقود إلى عقود ملزمة لجانب واحد وعقود ملزمة لجانبين عدة فروق تتجلى فيما يلي: أولاً، العقد الملزم للجانبين ينشئ التزامات متقابلة في ذمة طرفيه، ويحق لأي منهما أن يدفع بعدم تنفيذ التزامه إلى أن ينفذ خصمه التزامه، اللهم إلا إذا كان تنفيذ التزامه واجباً لصالح واجباً مفروضاً عليه بمقتضى القانون. أما العقد الملزم لجانب واحد فلا محل لتصور ما يسمى بالدفع بعدم التنفيذ، بحيث يكون الطرف الدائن يكون للطرف الدائن أن يطلب من الطرف المدين تنفيذ التزامه الثابت في ذمته دون أن يلتزم بشيء. ومن الفروق التي تميز بين الالتزامين أنه في العقد الملزم للجانبين إذا لم يقم أحد المتعاقدين بتنفيذ ما بذمته من التزام، حق للطرف المتعاقد الثاني أن يطلب فسخ العقد، وهذا ما يسمى بالشرط الفاسخ الضمني الذي يحلل الملتزم من التزامه. أما في العقد الملزم لجانب واحد فلا محل للفسخ، ولا يبقى أمام من له مصلحة إلا طلب تنفيذ الالتزام الثابت في ذمة الملتزم.
كذلك يلاحظ أنه في العقود الملزمة للجانبين يطبق المبدأ المعروف بأن تحمل التبع يكون على المتعاقد الذي استحال عليه تنفيذ التزامه. ويتلخص هذا المبدأ في أنه إذا استحال على أحد المتعاقدين تنفيذ التزامه لسبب خارج عن إرادته، فإن الالتزام ينقضي بسبب استحالة التن وينقضي معه الالتزام المقابل، وعندئذ يفسخ العقد.
كذلك من أنواع العقود عقود المعاوضة وعقود التبرع. والعقد المعاوضة هو العقد الذي يأخذ فيه كل متعاقد مقابل ما يعطي كعقد البيع مثلاً. أما عقد التبرع فهو العقد الذي لا يأخذ فيه متعاقد مقابل ما يعطيه ولا يعطي المتعاقد الآخر مقابل ما يأخذه. ومن أمثلته عقد الهبة بدون عوض. وقد تكون العقود الملزمة للجانبين بعضها معاوضة كالكراء، وبعضها تبرع كالعارية. وكذلك قد يكون العقد الملزم لجانب واحد بعضه تبرع كالكفالة في العقود التجارية.
كذلك تقسم العقود إلى عقود محددة وعقود احتمالية. والعقد المحدد هو العقد الذي يعرف فيه كل متعاقد عند إبرام العقد مقدر ما يأخذ ومقدر ما يعطي حتى ولو كان الالتزام غير متعادلين. أما العقد الاحتمالي فهو العقد الذي يكون ليس بمقدور المتعاقد أن يحدد مسبقاً قدر ما يأخذ وما يلتزم بتقديمه، وإنما يتحدد ذلك مستقبلاً تبعاً لقيام أمر غير محقق كعقد التأمين أو عقد اليانصيب. والأمثلة كثيرة في هذا النوع من العقود التي يتجلى فيها أن الكسب أو الخسارة عنصر أساسي لقيامها، بحيث إذا تخلف كان العقد باطلاً.
كما تقسم العقود إلى عقود فورية وعقود زمنية. والمقصود بالعقود الفورية العقود التي يكون فيها عنصر الزمن معدوداً ويكون تنفيذها فورياً ولو ارتبط بأجل. ولذلك فإن عقد البيع على سبيل المثال هو من العقود الفورية التي تنفذ فور التعاقد، ويتعين على البائع أن يسلم المبيع وعلى المشتري أن يقدم المقابل. ولكن إذا تراخى أحد الطرفين عن تنفيذ التزامه، فإن هذا الطرف لا يؤثر على نوعية العقد. وقد يكون البيع بثمن مقسط ومع ذلك يبقى العقد فورياً. أما العقد الزمني فهو العقد الذي يحتل فيه الزمن عنصراً ملحوظاً، بحيث يكون هو المقياس الذي يقدر الأداء، لأن هناك أشياء يتحتم فيها الزمن ولا يتصور العقد بدونها. فعلى سبيل المثال عقد الكراء هو عقد زمني لأنه ينصب على المنفعة. عقد العمل أو عقد الشغل هو من العقود الزمنية لأن ما يقدمه العامل من خدمات يقدر بعنصر الزمن وما يتلقاه من أجر ضابطه الزمن.
وأخيراً هناك ما يسمى بشبه العقد وشبه الجريمة. والمقصود بشبه العقد أنه إذا كان العقد عبارة عن توافق إرادتين على إنشاء التزام وكان أثر العقد هو إنشاء الالتزام وعطر الالتزام هو وجوب تنفيذه، فإن شبه العقد قد ينشأ عنه الالتزام كما في الفضالة، إذ يلتزم الفضولي بالاستمرار في العمل الذي بدأه. ومصدر هذا الالتزام العمل الاختياري المشروع الذي أقدم عليه والذي يعود للغير وهو ليس مأموراً به ولا منهياً عن القيام به. ولذلك ينشأ عن هذا النوع من التعامل ما يسمى بعقد الفضالة أو شبه العقد.
يوجد إلى جانب شبه العقد ما يسمى بشبه الجريمة. وعليه إذا كان شبه العقد عملاً اختيارياً والجريمة فعلاً يلحق الضرر بالمتضرر والمجتمع بناءً على قصد الفاعل، فإن شبه الجريمة ينتفي فيه عنصر نية الإضرار بالغير ويلحق الضرر بالغير نتيجة الإهمال وعدم تبصر، فيلتزم عندئذ مرتكب الخطأ بتعويض من أصابه الضرر إذا قامت العلاقة السببية بين الخطأ والضرر.
والواقع أنه لقيام عقد من العقود يستلزم عدة أركان، وهذه الأركان هي الأهلية، والرضا، والمحل، والسبب، والشكلية في العقود الشكلية، والتسليم في العقود العينية. وأهم ركن من أركان العقد هو مبدأ الرضائية. والأصل في الفقه الإسلامي وفي القوانين الوضعية إطلاق الحرية للإرادة للتعبير عن مكنوناتها. ولذلك فإن الفقه الإسلامي والتشريعات الوضعية لا تحدد أسلوباً معيناً للتراضي. ولذلك عندما نتأمل أحكام الفقه الإسلامي نجد أن الرضا والاختيار بين المتعاقدين أساس أي التزام. والتراضي عند الفقه الإسلامي هو جوهر العقد وقوامه. والمقصود به تطابق إرادة المتعاقدين واتجاهها لإنشاء الالتزام. ويكون هذا بصدور إيجاب من أحد المتعاقدين وقبول متطابق للإيجاب من الطرف الثاني. فعندما يقترن الإيجاب والقبول ويتطابق، يقوم العقد لإنتاج آثاره.
ولذلك فإن ركن الرضا يتطلب منا أن نبحث في أهم مسألة وهي إشكالية التعبير عن الإرادة. لماذا؟ لأن المقصود بالإرادة التي تصدر عن المتعاقدين أن يكون القصد منها إحداث الأثر القانوني. ولذلك التعبير عن الإرادة كأساس من أسس العقد إما أن يكون صريحاً واما أن يكون ضمنياً. ولذلك فإن التعبير الصريح عن الإرادة يتخذ عدة أشكال، فهو إما أن يكون باللفظ أو الكتابة أو الإشارة المتداولة عرفاً، على أن لا يكون لهذا التعبير ظروف تحول دون تبيان حقيقته. ولذلك فإن التعبير الصريح المقصود هو ذلك الذي يبين عن الإرادة بأي أسلوب يستنبط منه دلالة تعبير.
أما التعبير الضمني فهو التعبير الذي يدل على الإرادة ضمنياً، وذلك كما لو بقي المكتري بالعين المكراة بعد انتهاء مدة الكراء، لأن هذا يعتبر تعبيراً ضمنياً على أنه يقبل البقاء بالعين، وتعبير من مالك العين على موافقته على هذا البقاء. ولذلك يلاحظ أن التعبير الصريح والتعبير الضمني هو شكل من أشكال قبول التعاقد. ولكن في جميع الأحوال لا يتصور أن يأتي الإيجاب بتعبير ضمني.
والسؤال الذي يطرح: هل يعتبر السكوت شكلاً من أشكال التعبير عن الإرادة؟ قانون التزامات العقود المغربي لم يشر صراحة إلى طرق التعبير الصريح والضمني عن الإرادة. وإذا كان التعبير الضمني عن الإرادة هو الذي يتم عن فكر ينم عن فكرة التعبير بأي أسلوب لا يدع مجالاً للشك في أن صاحبه يكشف عن إرادته في التعاقد، وإن كان عملياً يصعب إثبات نية المتعاقد، لأنه بهذا الأسلوب يمكن أن نتساءل: هل يعتبر السكوت طريقاً للتعبير عن الإرادة؟ الواقع أنه في هذا الباب نميز بين مسألتين: لا يتصور أبداً في نظرية العقد في أي تشريع من التشريعات أن يأتي الإيجاب ضمنياً، لكن قد يكون القبول ضمنياً، ولكن كمبدأ عام. ولكن كتطبيق من التطبيقات الخاصة كما فعل المشرع في الفصل 25 من قانون الالتزامات والعقود. ولذلك إذا كان التعبير الضمني عن الإرادة لا يمكن تصوره في إطار الإيجاب، فيمكن أن يكون السكوت استثناء من القاعدة تعبيراً عن الإرادة. والسكوت ليس كل سكوت يمكن أن يكون تعبيراً عن الإرادة، لأن الفقه يقسم السكوت إلى عدة أقسام، سأوجز منها ثلاثة أساسية: السكوت البسيط، والسكوت الموصوف، والسكوت الملابس. السكوت البسيط لا يحمل أية إشارة للتعبير عن الإرادة ولا يشكل ولو موقفاً سلبياً من عملية التعاقد. أما السكوت الموصوف فهو الذي تقترن به ظروف من شأنها أن تقوي وتدعم الدلالة عن الإرادة. أما السكوت الملابس فهو الذي يحمل في طياته رضاً بقبول الإيجاب ولا تدع ظروفاً إلى توضيحها حسب ظروف التعاقد وملابساته. لكن السؤال هو أنه إذا كان لا يتصور أن يأتي الإيجاب عن طريق التعبير الضمني ويمكن أن يكون التعبير ضمنياً عن إرادة القابل، فإنه لا يتصور أن يأتي السكوت تعبيراً عن الإرادة في الأحوال التي يشترط فيها المشرع أن يأتي التعبير عن الإرادة صراحة. ولذلك في العقود الشكلية والحلول الاتفاقي والحوالة والتجديد والتضامن، لا يتصور أن يأتي السكوت تعبيراً عن الإرادة، لأن المشرع يشترط في هذه الأحوال أن يكون التعبير عن الإرادة صراحة أو أن يأتي بكيفية صريحة.
مما له علاقة بالسكوت ما يسمى بالدعوة إلى التفاوض بهدف التعاقد. ذلك أن الدعوة إلى التفاوض بهدف التعاقد أصبحت تطرح في زمننا الحالي عدة مشاكل مستعصية، الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل عن الأثر القانوني للتفاوض الذي يرتبه القانون الذي يترك للإرادة الحرية المطلقة في التعبير عن كنهها. ولذلك إذا كانت الدعوة للتفاوض تتطلب لميلادها حتمية أن تحصل اتفاقات بين أطرافها، فإنها لا ترقى إلى درجة الالتزام والإلزام، لأن الغاية منها إقناع الطرف الآخر بمضمون العقد المستقبل.
ويقسم الفقه مرحلة الدعوة إلى التفاوض إلى عدة أقسام، اجتزأت منها البعض الذي يهمنا في حقل العقد، وهي المرحلة الإقناعية، ومرحلة صياغة عناصر التفاهم، ومرحلة التوافق الكامل على التعاقد. ولذلك السؤال الذي يطرح: إذا كانت مرحلة الإقناع ومرحلة صياغة عناصر التفاهم لا تطرح أي جزاء، فإن مرحلة التوافق الكامل على التعاقد تطرح جزاء الإخلال بها. ولذلك تتنازع الدعوة إلى التفاوض فكرتان أساسيتان: الأولى تقول إن مجرد القبول بفكرة التفاوض يدخل صاحبه إلى رحاب القانون، والثانية لا تصادر حرية المتفاوض. ولذلك يطرح التساؤل التالي: هل يمكن إذا عدل أحد المتعاقدين إلى قطع حبل المفاوضات أن تترتب مسؤوليته؟
الواقع قبل أن نقرر جزاء المسؤولية عن قطع المفاوضات تتطلب بداهة كمال أهلية طرفيها، وأن يكون موضوعها غير مخالف للنظام العام والآداب العامة، فضلاً عن أن المفاوض هو الخصم والحكم فيما يتعلق بعناصر التفاوض. ولذلك يتعين أن يتحلى بعنصر حسن النية الذي يجب أن يسود التعامل. ولا يجادل أحد في مسؤوليته المطلقة عما يحقق مصلحته الآنية والمستقبلية. وكل قيد على هذه الأطروحات من شأنه أن يقعد بالتصرف القانوني ويحول دون ازدهاره، مما ينعكس سلباً على نشوء المبادئ القانونية في ظل قانون الفضاء الإلكتروني الذي يطرح تساؤلات لم تعالجها التشريعات الخاصة والقوانين الوضعية.
ولذلك سؤال يظل مطروحاً هو: هل قطع المفاوضات بكيفية تعسفية تحكمه القواعد العامة للمسؤولية التقصيرية، أم أن مسؤولية المفاوض مبنية على فكرة الضمان القانوني، أم أنها تعتمد فكرة العدل؟ لا يغيب عن البال أن العقود تقوم على أساس مبدأ الرضائية، وأن المبدأ هو أن "العقد شريعة المتعاقدين"، وأن الرضا يجب أن يكون خالياً من العيوب، لأن الإرادة يفترض أن تكون فِطنة مبصرة لما تقدم عليه. ومن هنا يظل الجواب مطروحاً، ونرى أنه لا شك في اعتماد مبادئ المسؤولية التقصيرية كجزاء عن قطع المفاوضات التي تتطلب قيام الخطأ والضرر والعلاقة السببية مع ما يستلزمه في المسؤول من كمال الإدراك والتمييز. ونعتقد أن اعتماد مبدأ المسؤولية الموضوعية المبني على فكرة جبر الضرر هي فكرة قانونية عادلة، لكنها تصطدم مع القواعد العامة التي تبنى عليها المسؤولية التقليدية. لكن إذا اعتمدنا فكرة العدل لا شك في نجاعتها وتحقيقها لفكرة إزالة الضرر اللاحق بالمفاوض، لكن يصعب عملياً تطبيقها في الواقع لما تصطدم به من عقبات عملية.
أما الحل إذا اعتمد فكرة الضمان القانوني لتقرير المسؤولية لمن يقطع المفاوضات تعسفاً، لا شك أن هذه الفكرة نابعة من اتفاق المتفاوضين ضمنياً. ولذلك بمجرد قبولهما فكرة التفاوض واتفاقهما على قبول دعوة بعضهما، أساس المسؤولية، الشيء الذي يفرض على المفاوض السير بالتفاوض إلى نهايته دون تعسف، وإلا ترتبت مسؤوليته، لأن قبول التفاوض هو نوع من السلوك الإنساني الذي يتعين احترامه دون نص عليه. لذا فإن خرقه أو انتهاكه والقعود بالتفاوض عن بلوغ مراميه يرتب الجزاء الذي يكفله القانون. وإن كان يلاحظ عملياً أن الدعوة إلى التفاوض رغم عدم تنظيمها في التشريع المغربي تفترض في المتفاوضين عندما يبدآن تفاوضه ما أن يحتك إلى القاعدة القائلة بأن المفاوضات لم تبدأ إلا مع التحفظ. ولذلك فإن الإرادة والتعبير عنها يتعين أن تكون حرة عند الإقبال على الدعوة إلى التفاوض، والانسحاب منها ثابت دون قيد عن الإرادة بهذا الخصوص، اللهم إلا إذا قام الضرر.
ولا يمكن الحديث في هذا الباب عن نظرية التعسف في استعمال الحق في نظرنا، لأن الشريعة الإسلامية السمحة والغراء لا تعرف هذه النظرية، وإنما تعرف نظرية تجاوز استعمال الحق. لذا نرى أن المتفاوض لا يجوز له أن ينحرف في مفاوضاته عن سلوك الشخص العادي. فإذا خرج عن هذا النطاق عد مسؤولاً عن خطئه، ويستوي عندئذ أن يكون الخروج عن سلوك الشخص العادي منصوصاً عليه قانوناً أو أن يدخل في إطار المبادئ العامة التي تقتضي عدم الإضرار بالغير، كما هو في باب الدعوة إلى التفاوض.
موضوع التحليل وننوه هنا أنه في إطار الدعوة إلى التفاوض بشأن عقد من العقود، فإن الذي يسود في نظرنا هو السلوك، هو سلوك المتفاوضين، وهو عبارة عن برمجة فيه يتأثر المتفاوض ببيئته وحاجته والظروف المؤثرة فيه، والمولد والقناعة والآداب والأخلاق والجغرافيا والعلم والتنمية. وهذه كلها بدورها تسهم في تكوين السلوك وفي تحديده وتوضيحه. وإن كنا نرى أننا نعيش في نطاق السلوك في منطقة النقص لا في منطقة الكمال. وعليه فإن المتفاوض مسؤول عن فعله الإرادي وغير الإرادي ومسؤول عن أعماله. ونعتقد أن الإرادة المسؤولة أساسها العقل الذي يعتبر مفتاح المسؤولية، لأنه أداة التفكير واللغة وسيلته. ولذا نرى أن قطع المفاوضات يعتبر تجاوزاً لاستعمال الحق إذا لم يستند إلى حق ظاهر أو منطق بين، لأن المتفاوض حريص على مصلحته، ومن ثم يحق له رفض أي عرض من صاحبه إذا لم يوافق هواه ومبتغاه. وهته مسألة غاية في الدقة لا يمكن معها التسليم بنقد النظرية فيها إلى المحكمة، لأن اتفاق المتفاوضين تحكمه إرادته الحرة.
ويوجد في إطار التعاقد إلى جانب المفاوضات التمهيدية بغية إبرام عقد من العقود ما يسمى بالوعد بالتعاقد، الذي يعتبر في الواقع، سيما في الحياة المعيشية اليوم، كثير الوقوع. بل نرى أن التطور العمراني والاقتصادي أصبح يلح على تنظيمه بكيفية دقيقة. والمشرع المغربي لم يتعرض في النظرية العامة للالتزامات لتنظيم الوعد بالتعاقد، وإن كان المشرع قد استعمل لفظة "الوعد" في كثير من الفصول كالفصل 788 الخاص بعقد الوديعة والفصل 834 الخاص بإعارة الاستعمال.
السؤال الذي يطرح: ما علاقة الوعد بالتعاقد بمختلف أنواع العقود؟ الواقع أن الوعد بالتعاقد يمكن أن ينصب على مختلف أنواع العقود، وإن كان يلاحظ أنه لا قيمة له تذكر بصدد بعض أنواع العقود كالوكالة. ماذا عسى أن يكون للوعد بالتعاقد في الزواج من الآثار إذا كانت الخطبة وعداً بالزواج وليست بزواج؟ ولذلك فإن الوعد بالتعاقد يأخذ عدة صور: الصورة الأولى هي الإيجاب بالوعد، والصورة الثانية هي الوعد بالتعاقد لمصلحة الغير، والصورة الثالثة هي الوعد بالتعاقد هو عار عن وعدين متقابلين، والصورة الرابعة أن الوعد بالتعاقد قد يتمحض عن عقد التواعد.
لكن السؤال الذي يطرح: ما علاقة الوعد بالتعاقد بشرط المدة؟ نلاحظ عملياً أن الوعد بالتعاقد في حقيقته قيد على الإرادة، لذا يجب أن يكون مؤقتاً في الزمن، أي أن يتعين أن تحدد الفترة الزمنية للوعد وأن تكون معلومة من المتعاقدين. كما أن المستفيد من الوعد ينبغي أن يعلم متى يجني منفعته من المدة، وإلا اعتبر الوعد منقضياً. كذلك الوعد بالتعاقد يتطلب كمال الأهلية عند التعاقد، لأن أهلية الواعد هي نفسها أهلية العقد النهائي، بحيث يجب توافرها وقت الوعد. أما أهلية الموعود له للعقد النهائي فلا يلزم في نظرنا توفرها إلا عند إبداء رغبته في العقد النهائي.
ولذلك فإن كل تعاقد يبدأ بإيجاب صادر من يبغي التعاقد إلى من يريد التعاقد معه، وأن هذا الإيجاب يتعين أن يلقى قبولاً. فإذا تطابق الإيجاب والقبول انعقد العقد ليرتب الآثار. ولذلك إذا كان ركن العقد هو الإيجاب والقبول وكان جوهر العقد وقمامه هو الرضا، أدركنا أهمية الإيجاب في التعاقد. ولذلك يعرف الفقه الإيجاب بأنه تعبير عن الإرادة الباتة والمقترن بقصد الارتباط بالتعاقد الذي ينصب عليه إذا طابقه قبول خلال مدة معقولة، أما من شخص من الناس أو فرد من الجمهور. ولا يتصور أبداً أن يأتي الإيجاب ضمنياً في القوانين الوضعية.
لذلك يطرح التساؤل عن القوة الملزمة للعقد. الواقع أننا في حياتنا نحتاج إلى العقد لا يمكن أن نستغني عن العقد. ولذلك كثير من العقود تنعقد بكيفية فورية، يصدر إيجاب، يلقى قبولاً متطابقاً، ينعقد العقد ليرتب الآثار. لكن الحياة زاخرة بالمشاكل والحاجيات التي تتطلب الأمر فيها مفاوضات قد تستمر من الزمن. ولذلك السؤال الذي يطرح: هل عندما يصدر أحد المتعاقدين إيجابه إلى من يبغي التعاقد معه، هل هذا الإيجاب يكون ملزماً؟ القاعدة في القانون المغربي أن المشرع اعتبر الإيجاب ملزماً في حالتين اثنتين لا غير، وهي حالة الفصل 29 والفصل 30 من قانون الالتزامات والعقود. عدا هاتين الحالتين، الإيجاب بحد ذاته ليس ملزماً. ولذلك إذا وصل الإيجاب إلى علم القابل واتصل به، فإنه يسقط في الأحوال التالية: الحالة الأولى عندما يرفض من وجه إليه الإيجاب، الإيجاب هنا يسقط الإيجاب ويتحلل الموجب من إيجابه. كذلك يسقط الإيجاب عندما تنتهي المدة المحددة له، كما نص على ذلك المشرع في الفصل 29 من قانون الالتزامات والعقود. كذلك يسقط الإيجاب إذا مات الموجب أو فقد أهليته أو أصبح ناقصها، وخبر بذلك من وجه إليه الإيجاب قبل قبوله.
السؤال الذي يطرح: ما علاقة العربون بالتعاقد؟ إذا كان التعاقد يبدأ بالدعوة إلى التفاؤل التي يعقبها الإيجاب، ويقويها الوعد بالتعاقد، ويرتب آثارها القبول المتطابق للإيجاب، فالسؤال الذي يطرح: ما أهمية العربون في حقل التعاقد؟ عملياً إذا عدنا إلى التشريعات المقارنة نجد أن العربون له دلالة التاكيد ودلالة القبول، وتختلف القوانين بخصوص هاتين الدلالتين. ولذلك باستقراء النصوص نجد أن التشريعات تعطي للعربون إما دلالة البت واما دلالة العدول. ولذلك يلاحظ أن قانون التزامات العقود المغربي يمنح العقد أو يمنح العربون دلالة التأكيد في إبرام العقد ويعتبر بأن العربون جزء من قيمة محل العقد وقع أداؤها. فإذا حصل وفسخ العقد بالتراضي، تعين رد العربون وفق ما ينص عليه الفصل 289 من قانون التزامات العقود. لكن إذا حصل أن وقع تنفيذ العقد، خصم العربون مما هو مستحق لمن قدمه وفق ما ينص عليه الفصل 289 كذلك.
مما له وصل بالتعاقد ما يسمى بالعقد الابتدائي، الذي يعتبر الآن أكثر انتشاراً في حقل بيع العقارات وبصفة خاصة الشقق. ولذلك العقد الابتدائي هو عقد، لكنه ليس مجرد إيجاب، لكنه عقد تمهيدي وليس عقداً نهائياً. ولذلك يلجأ المتعاملون إلى هذا النوع من التعاقد في سبيل تدبير أمورهم. مالك العقار يحتاج إلى أن ينشئ الرسم العقاري وأن يؤطر عملية البناء، والمشتري يتدبر أمره مهلة من الزمن لكي يحصل على قيمة العقار لكي يؤديها لصاحبها. ولذلك يج الطرف الأول في التعاقد أو الناحية الجغرافية الأولى في التعاقد هي الإيجاب، والناحية الثانية هي القبول. ولذلك إذا كان الإيجاب هو العرض، العرض للتعاقد، والقبول هو تعبير عن إرادة من وجه إليه الإيجاب، فإنه عندما يلقى الإيجاب قبولاً لدى القابل ويتوافق القبول والإيجاب، ينعقد العقد ليرتب الآثار، لأن مجال العقد مجال محروس. وهذا تكريس لمبدأ سلطان الإرادة.
لكن ما هي شروط القبول؟ هذه الناحية الثانية في التعاقد لكي يكتمل العقد ويجد قوامه، رهن في القبول لينتج آثاره القانونية. والمقصود بالآثار القانونية انعقاد العقد ليرتب الآثار، لأن مجال العقد مجال محروس. والعقد عندما ينعقد ينعقد ليرتب الآثار. ولذلك يشترط في القبول لينتج آثاره القانونية أن ينعقد معه العقد، أن يصدر والإيجاب قائم، بحيث أنه إذا لم يصدر والإيجاب قائم، فإننا نعتد بهذا النوع من القبول أو التعبير عن إرادة القابل. الشرط الثاني هو أن يتطابق القبول والإيجاب. والمقصود أن يكون التطابق على العناصر الأساسية للعقد لا الأمور الثانوية، لأن الأمور الثانوية لا يشترط فيها التطابق، لأنها لا تقدح في العقد. فالعقد ينعقد بمجرد التوافق على أهم عناصره بطبيعة الحال. ولذلك فإن ضوابط تطابق الإيجاب والقبول، أي متى يعتبر الإيجاب والقبول قد تطابق؟ الواقع أنه لقيام التطابق بين الإيجاب والقبول يتطلب هذا التطابق الضوابط القانونية التالية: أولاً، يتعين أن ينصب هذا التطابق على اتفاق الطرفين على المسائل الأساسية في العقد. أما المسائل الثانوية فلا حديث عنها. كذلك هذا التطابق يتعين أن يشمل الأمور الجوهرية. أما أمور التفصيل، أما المسائل التفصيلية فلا تقدح في العقد. كذلك التعديلات التي يدخلها طرف العقد على اتفاقهما لا تعتبر عقداً جديداً، بل جزءاً من العقد الأول. كما أنه إذا حصل أن أطراف العلاقة القانونية تراضوا على بعض الشروط واحتفظوا بشروط أخرى لتكون محل اتفاق لاحق، فإن العقد لا ينعقد إلا إذا تم الاتفاق على هذه الأمور المستقبلية وفق ما يجري عليه سياق الفصل 20 من قانون الالتزامات والعقود.
فإذا كان أهم ركن من أركان العقد هو الرضائية أو مبدأ سلطان الإرادة، فإن الإرادة إما أن تكون إرادة ظاهرة واما أن تكون إرادة باطنة. ولذلك إذا كانت الألفاظ المقصودة في حقل التعاقد يجب ألا تصدر من غير قصد، لأن الحركات اللسانية لا ينشأ عنها عقد لا ينشأ عنها عقد، وإن تقصدت هذه الألفاظ إحداث الآثار القانوني، فإنه يلاحظ عملياً أن التعبير عن الإرادة هو ظاهرة اجتماعية نقلت إلى المتعاقد الثاني. والعقد ظاهرة اجتماعية، والمعيار لما توافق عليه الأطراف وفق ما يجري عليه التعاقد في مجتمع من المجتمعات. أما الإرادة الباطنة أو النفسية فإنها لا تقف عند حد التعبير عن الإرادة، ولكن لماذا؟ لأنها وليدة مبدأ سلطان الإرادة الذي يعبر عن مبدأ الحرية في التعاقد. ومبدأ سلطان الإرادة هذا هو في حقيقته تعبير عن مبدأ سام يسود التعاقد، وهو مبدأ قواعد العدل والإنصاف الذي تستمد منه القاعدة القانونية وجودها، وهو كذلك مصدرها غير المباشر. وبالمثل فإن الإرادة الباطنة تستدعي في حقلها هذا المبدأ الذي يغزو حنايا القاعدة القانونية والتصرف القانوني.
والإرادة الباطنة هي نظرية لاتينية تستند إلى مبدأ سلطان الإرادة. وأهم النتائج التي تترتب عنها أنه ما دامت العبرة بالإرادة الباطنة، فإن انعدام إرادة أحد المتعاقدين بعد صدور تعبيره وقبل انعقاد العقد يحول دون انعقاد العقد، كما في حالة وفاة الموجب أو فقد أهليته بعد صدور تعبيره وقبل قبوله من الطرف الآخر. كما أن الباعث عن الالتزام يكون ذا تأثير في انعقاد العقد وصحته، لأنه يتصل بإرادة المتعاقد الباطنية.
ويوجد إلى جانب هذه النظرية، نظرية نظرية الإرادة الباطنة، نظرية الإرادة الظاهرة التي تعتبر أن التعبير المادي هو ما يفهم في الواقع العملي عند تأويل العقد ضماناً لاستقرار المعاملات. وحسب نظرية الإرادة الظاهرة، وهي نظرية.
المانيه. فان العبرة في التعاقد بما توافقت عليه الإرادتان في التعبير، لأن الإرادة الباطنة لا يمكن التعرف عنها بدقة، ومن ثم لا مناص من الوقوف عند حد التعبير. ولذا يذهب أنصار هذه النظرية بأن نظرية الإرادة المعلنة أو الظاهرة هي التي تتفق مع ضرورة حماية الائتمان واستقرار العلاقات التعاقدية.
وبالنسبة للمشرع المغربي، يظهر لنا أنه يميل للأخذ بالنظرية الألمانية وفق ما جاء في نص الفصل 461 من قانون الالتزامات والعقود. وعليه، إذا اتضحت العبارة، فالعبرة للإرادة الظاهرة التي يفترض أنها مطابقة للإرادة الحقيقية، ولا يجوز للمحكمة الخروج عن هذه الإرادة الظاهرة وتأويل عبارة العقد خلاف لمعناها الظاهر بحجة تأويلها.
والعقد إما أن ينعقد بين متعاقدين حاضرين أو ما يسمى في لغة الفقه الإسلامي بمجلس التعاقد، وإما أن ينعقد بين غائبين. ولذلك فإن المقصود بمجلس العقد المجلس الذي يجتمع أو يجمع المتعاقدان بالبدان حالة التعاقد، على حد تعبير فقهاء شريعة الإسلامية. ولذا فإن هذا المعنى يمنحنا ما يلي: أن المجلس يظل منعقداً ما بقي القابل مهتمين بالتعاقد. فإذا شغلهما عن عملية التعاقد شاغل، بأن انصرف أحدهما إلى الحديث عن مسألة لا تتعلق بموضوع العقد، فإن المجلس ينفض حتى ولو اجتمع بالبدان.
لكن يوجد إلى جانب هذا النوع من التعاقد الذي يجتمع فيه المتعاقدان بالبدان، بالتعاقد بين غائبين بالمراسلة. ولذلك السؤال: إذا كان التعاقد بين غائبين هو الذي يتم بين متعاقدين لا يجمعهما مجلس واحد، فإن الذي يميز هذا النوع من التعاقد هو مضي مدة أو فترة زمنية بين صدور القبول من القابل وعلم موجب بهذا القبول. وهذه الإشكالية وشك التعاقد بين غائبين عن طريق المراسلة تطرح مشاكل كثيرة، كما أنها في التعاقد الذي يتم عن طريق الإنترنت، الإنترنت يطرح مشاكل كثيرة قد تناولتها في كتابي الذي صدر في أبريل سنة 2010 بعنوان "العقد الإلكتروني"، وهو يطرح مشاكل دسمة.
وسأقتصر هنا على الإجابة على السؤال في إطار قانون الالتزامات والعقود. ولذلك يسود مبدأ التعاقد بين غائبين عن طريق المراسلة نظريتان: النظرية الأولى تعتمد تصدير القبول، والنظرية الثانية تعتمد وصول القبول.
ففيما يتعلق بنظرية تصدير القبول، تنقسم إلى مذهبين: المذهب الأول مذهب الإعلان، والمذهب الثاني مذهب التصدير. والعبرة في مذهب الإعلان بصدور القبول، ويعتبر العقد مبرماً وقت تحرير قابل للرسالة بموافقته وتوقيعها. أما مذهب تصدير، فإن العقد ينعقد فور تخلي القابل عن رسالة رضائه بشكل نهائي بأي شكل من الأشكال.
لذلك السؤال يطرح: هل المشرع المغربي يأخذ بنظرية الإعلان أم بنظرية وصول القبول؟ كنت منذ مدة طويلة أختلف مع الدكتور مامو الكزبري رحمه الله فيما يتعلق بموقف المشرع المغربي، وكان يصر على أن المبدأ المعتمد في القانون المغربي في التعاقد بين غائبين عن طريق المراسلة هو مذهب الإعلان. لكن عندما بحثت وجدت أن الفقه الإسلامي يأخذ من مذهب إعلان القبول، فتراجعت عن وجهة نظري واعتنقت نظرية الفقه الإسلامي، لأن الفقه الإسلامي من النظام العام في الصميم في القانون المغربي. ولذلك المذهب الذي انتصرت إليه، سواء في العقد الإلكتروني أو في العقد التقليدي، هو مذهب إعلان القبول.
يوجد إلى جانب هذين المذهبين ما يسمى بمذهب التسلم ومذهب العلم. ومذهب التسلم يرد نشوء العقد إلى لحظة وصول خطاب بالقبول إلى مقر الموجب. ومقتضى هذه النظرية أن العقد ينعقد بوصول الرد بالقبول إلى الموجب ولو لم يطلع عليه. وهذا يطرح مشاكل كثيرة. أما مذهب العلم، فيرد انعقاد العقد إلى حين علم الموجب بالرضا الذي تضمنته رسالة القابل. وهنا يشترط لانعقاد العقد أن يقرأ الموجب الرسالة حتى يعلم بالقبول، وبعلمه هذا يتحدد وقت انعقاد العقد ومكانه.
والواقع أن التعاقد بين غائبين عن طريق المراسلة يطرح مشاكل كثيرة، ليس هذا مجالها، لأن مجالها قد تناولته في كتبي. ولذلك فإن التعاقد إما أن يكون بين غائبين عن طريق بالمراسلة، أو بين حاضرين، أو عن طريق الوسيط، أو بواسطة الهاتف، أو بواسطة الإنترنت. ولذلك يتم التعاقد بين حاضرين كلما اجتمع طرفاه عند إبرامه بالبدان، بحيث إذا بعدت بينهم الشقة فتبادل التعبير عن إرادته عن طريق الشخص الثالث تمت رابطته بين غائبي بواسطة هذا الشخص الثالث.
ولذلك التعاقد بين غائبين بوسيط يشبه التعاقد بين غائبين بالمراسلة، ففي هذا يوجه الموجب رسالة تحمل إجابة، وفي ذاك يكلف وسيطاً ينقل إجابة. ولذلك بالاستناد إلى الفصل 24 من قانون الالتزامات والعقود المغربي نقرر ما يلي: أن المشرع يسوي بين التعاقد بين غائبين بالمراسلة والتعاقد بين غائبين بالوسيط.
كذلك يمكن للتعاقد أن يتم عن طريق الهاتف. ولذلك يعتبر التعاقد بالهاتف كالتعاون من حيث زمن الانعقاد وفق ما ينص عليه الفصل 23 من قانون الالتزامات والعقود. وإن كان يلاحظ أن المشرع المغربي، إذا كان قد أوضح زمان الانعقاد في التعاقد بالهاتف، فإن عدم جمع المتعاقدين في مجلس واحد لا يجرد العقد من كل أثر. وعندئذ يعتبر العقد منعقداً بمقر القابل وفقاً لمذهب التصدير، وينعقد بمحل الموجب في نطاق مذهبي الوصول. لماذا؟ لأن التعاقد بالهاتف يعتبر تعاقداً بين غائبين فيما يتعلق بالمكان. ولذلك يعتبر العقد منعقداً في مكان وجود القابل، وهذا ما نصت عليه المادة 88 من التقنين المدني العراقي.
ولذلك لما كان المشرع أقر مذهب انعقاد العقد بين غائبين بمجرد صدور القبول، فإنه في نظرنا يتعين القول بأن العقد بالهاتف يعتبر منعقداً فوق رد القابل بقبوله المطابق للإيجاب.
ونحن نتناول الرضا كأهم ركن من أركان العقد، سنتعرض لعيوب الإرادة، والتي إذا ما قامت وتحققت شروطها جعلت العقد قابل للإبطال. وبذلك يصح من له مصلحة أن يراجع المحكمة للمطالبة بإبطال العقد بناء على توفر عيب من عيوب الإرادة.
وعيوب الإرادة تقليدياً هي الغلط، والإكراه، والغبن، والغبن الاستغلالي، والتدليس، وحالات المرض، والحالات الأخرى المشابهة. والغلط إما أن يكون غلطاً مانعاً، وإما أن يكون غلطاً معيباً للإرادة. فإذا كان الغلط مانعاً، كان العقد باطلاً. وإذا كان الغلط معيباً للإرادة، فإن العقد يكون قابلاً للإبطال.
وعليه، فإن الغلط الذي يؤدي إلى القابلية للابطال إما أن يكون غلطاً في القانون، أو أن يكون غلطاً في مادة شيء أو نوعه أو صفة فيه، أو أن يكون غلطاً في شخصية المتعاقد، أو أن يكون غلطاً في القيمة أو غلطاً مادياً.
والغلط في القانون، عندما تتحقق شروطه، يكون سبباً من أسباب القابلية للابطال. لذلك يقضي الفصل 40 من قانون الالتزامات والعقود على أن الغلط في القانون يخول الابطال إذا كان هو السبب الوحيد أو الأساسي، وإذا أمكن العذر عنه. وعليه، إذا لم تتوفر هذه الشروط، فإن العقد يقوم صحيحاً لينتج آثاره القانونية.
لكن ما هي شروط الابطال للغلط في القانون؟ المشرع اشترط في الغلط كسبب من أسباب القابلية للابطال أن يكون الغلط هو السبب الدافع إلى التعاقد، بحيث إذا كان شيئاً آخر ولم يكن دافعاً على التعاقد، فإنه لا يكون سبباً من أسباب القابلية للابطال. والشرط الثاني أن يكون الغلط مما يعذر عنه، ذلك أن القاعدة هو أن كل شخص مفروض فيه العلم بالقانون، ولا يقبل الاعتذار أو الجهل بالقانون. ولذلك عندما لا تتوفر الشروط التي اقتضتها المادة 40 من قانون الالتزامات والعقود، فإن العقد يقوم صحيحاً.
والشرط الثالث هو عدم وجود قانوني يمنع من التمسك بالبطلان، ذلك أنه أحياناً قد يقوم الغلط في القانون، ومع ذلك ينص المشرع على أن العقد صحيح، كما فعل في الفصل 73 والفصل 1112 من قانون الالتزامات والعقود.
ويأتي إلى جانب الغلط في القانون، الغلط في مادة شيء أو نوعه أو صفة فيه. وهذا النوع من الغلط بطبيعة الحال إذا وقع، قام العقد قابلاً للابطال. كما أن الغلط في شخصية المتعاقد أو في صفته قد يكون سبباً من أسباب القابلية للابطال. ولذلك يجري سياق الفصل 42 من قانون الالتزامات والعقود على أن الغلط الواقع على شخص أحد المتعاقدين أو على صفته لا يخول الفسخ إلا إذا كان هذا الشخص أو هذه الصفة أحد الأسباب الدافعة إلى صدور الرضا من المتعاقد الآخر. وعليه، ما لم تتوفر شروط التي اقتضتها المادة 42 التزامات وعقود، فإن العقد يقوم صحيحاً منتجاً لكافة آثاره القانونية.
ويوجد إلى جانب الغلط في القانون والغلط في الشخص، الغلط في الحساب. والغلط في الحساب هو نوع من الغلط المادي لا يؤثر في العقد لأنه لا يعيب الإرادة، ولذلك يصار إلى تصحيحه.
ويأتي أخيراً الغلط الواقع من الوسيط، كما لو وسط متعاقد متعاقد آخر شخصاً آخر في إبرام عقد مع المتعاقد الثاني. هذا الأسلوب بطبيعة الحال إذا وقع، قام التعاقد صحيحاً. ولذلك إذا وقع غلط من الوسيط الذي استخدمه أحد المتعاقدين، كان لهذا المتعاقد أن يطلب الفسخ الالتزام في الأحوال المنصوص عليها فصلين 41 و 42 من قانون الالتزامات والعقود، دون الإخلال بالقواعد العامة المتعلقة بالخطأ، ولا بحكم الفصل 430 من قانون الالتزامات والعقود.
وهناك شرط يجري الفقه على تداوله، وهو هل يشترط أن يكون الغلط مشتركاً بين المتعاقدين إذا كان الغلط سبب من أسباب القابلية للابطال؟ فهل يشترط للمطالبة بإبطال العقد أن يكون مشتركاً بين المتعاقدين؟ نرى أنه لا يشترط، لأن العبرة هو قيام الإرادة صحيحة. فإذا عيبت الإرادة بسبب من الأسباب التي استوجب المشرع، قام العقد قابل للابطال، وحق عندئذ لمن عيبت إرادته أن يراجع المحكمة للمطالبة بالقابل للابطال.
ويوجد إلى جانب الغلط كعيب من عيوب الإرادة، التدليس. ذلك أن الغلط إذا كان وهماً تلقائياً، فإن التدليس عبارة عن وسائل احتيالية يرتكبها أحد المتعاقدين عن بينة واختيار، ويدفع بواسطتها المتعاقد الثاني الضحية للتعاقد نتيجتها. ولذلك اشترط المشرع في التدليس كعيب عيب من عيوب الإرادة، لكي يقوم العقد قابل للابطال ويجرد من جميع آثاره، عدة شروط نجملها في ثلاثة أساسية: الشرط الأول أن يستعمل المدلس وسائل احتيالية لتضليل المدلس عليه. والشرط الثاني أن تكون الوسائل الاحتيالية التي استعملها المدلس هي التي دفعت المدلس عليه إلى التعاقد. والشرط الثالث أن يتصل التدليس بالمتعاقدين.
قد يختلط الغلط بالتدليس أحياناً، لأنه إذا كان الغلط وهماً تلقائياً، فإن التدليس بطبيعة الحال هو عبارة عن استعمال وسائل احتيالية. ولذلك يطرح التساؤل: هل يمكن للبعض أن يتصور أن الغلط هو أساس التدليس، سواء كان غلطاً تلقائياً أو غلطاً كان سببه وسائل احتيالية؟ نرى أن الغلط وهم تلقائي، والتدليس عبارة عن وسائل احتيالية. ولذلك فإنه كلما كان الغلط لوحده وتوفرت شروطه، كان سبباً من الأسباب القابلة للابطال. وإذا قامت شروط التدليس، كان سبباً من أسباب القابلية للابطال.
ومن عيوب الإرادة كذلك، الإكراه. والإكراه في الاصطلاح إجبار شخص على إتيان شخص لا يلزمه به القانون. ولذلك الإكراه إما أن يكون إكراهاً شديداً، وإما أن يكون إكراهاً يسيراً. ولذلك يعرف المشرع فصل 46 الإكراه بأنه "إجبار يباشر من غير أن يسمح به القانون يحمل بواسطته شخص شخصاً آخر على أن يعمل عملاً بدون رضاه". ولذلك إذا وقعت الإرادة تحت الإكراه، كان الرضا معيباً، وحق لمن وقع عليه عيب الإكراه أن يطالب بإبطال الغلط لعيب الإكراه بشرط توفر شروط التي نص عليها المشرع فصل 47، وهي كما يلي: إذا كان السبب الدافع، إذا كانه إكراه هو السبب الدافع إلى التعاقد. والشرط الثاني استعمال وسائل لتهديد المكره. والشرط الثالث اعتماد وسيلة تبعث الرهبة في النفس، أي نفس المتعاقد المكره، وتكون دافعة إلى التعاقد.
أخيراً، يتعين لقبول دعوى المطالبة بإبطال العقد لعيب في الإكراه، أن يكون الإكراه يرمي تحقيق غرض غير مشروع.
كذلك نجد من عيوب الإرادة الغبن والغبن الاستغلالي. وإن كان المشرع لم ينظم الغبن الاستغلالي، ولكن يمكن انطلاقاً من دراسة النصوص القانونية أن نتوصل إلى أنه لا يوجد ما يمنع من الأخذ بالغبن الاستغلالي إذا قامت شروطه، ويكون بالتالي سبباً من أسباب القابلية للابطال. ولذلك يعتبر الغبن عبارة عن خسارة تلحق بالمتعاقد من جراء العقد، وهو عبارة عن عدم التعادل بين ما يأخذه المتعاقد وما يعطيه.
لكن إذا قارنا الغبن بالاستغلال، نجد أن الاستغلال عبارة عن استغلال نفسي، فهو عيب ذاتي شخصي يستند إلى عنصر النفسي في ذات المتعاقد. ولذلك القاعدة في القانون المغربي أن الغبن المجرد لا يخول طلب الابطال، لأن المشرع ينص في الفصل 55 على أن "الغبن لا يخول الابطال إلا إذا نتج عن تدليس الطرف الآخر أو نائبه أو الشخص الذي تعامل من أجله، وذلك فيما عدا الاستثناء الوارد بعداه". ولذلك فإن هناك نوع من الغبن يكون سبباً من أسباب القابلية للابطال، وهو ذاك الغبن المقرون بالتدليس، على ما أنص عليه المشرع في الفصل 55 بقوله: "الغبن لا يخول الابطال إلا إذا نتج عن تدليس الطرف الآخر أو نائبه أو الشخص الذي تعامل من أجله". وعليه، فإن التدليس هنا ليس هو التدليس الذي يعيب الإرادة لذاته، وإنما التدليس الذي يقترن بالغبن هو التدليس الدافع إلى التعاقد، أي التدليس العارض، لا التدليس الذي يؤثر في الإرادة.
كذلك الغبن المجرد قد يقوم لذاته سبباً من أسباب قابلية إبطال العقد، وذلك إذا كان الطرف المغبون قاصراً أو ناقص الأهلية، ولو تعاقد بمعونة وصيه أو مساعده القضائي وفقاً للأوضاع التي يحددها القانون، ولو لم يكن هناك تدليس من الطرف الغبن الطرف الآخر. ويعتبر غبناً كل فرق يزيد على الثلث بين الثمن المذكور في العقد والقيمة الحقيقية للشيء.
ويطرح رح التساؤل التالي: هل الاستغلال يعتبر سبباً من أسباب القابلية للابطال؟ وهل الفصل 54 المتعلق بحالة المرض والحالات الأخرى المشابهة لها قد يكون سبباً من أسباب القابلية للابطال؟ نرى بأن الغبن الاستغلالي هو عبارة عن استغلال عنصر النفسي في الشخص يدفعه إلى التعاقد، كالهوى الجامح، أو الشهوة الجامحة، والمودة، والعطف، والرغبة في حصول على شيء معين، رغم أن هذا الأمر يبدو بسيطاً، لكنه قد يؤثر في نفسية المتعاقد ويكون سبباً من أسباب القابلية للابطال. كما أن حالة المرض والحالات الأخرى المشابهة لحالة المرض قد تكون سبباً من أسباب القابلية للابطال.
وسوء الاستغلال وحالات المرض والحالات الأخرى المشابهة لها عملياً هي متروكة للسلطة التقديرية للمحكمة، لأن المحكمة هي التي تستطيع أن تقرر في هذا النطاق الذي تعتبر فيه المحكمة بمثابة المشرع، أن تقرر ما إذا كان الاستغلال قد قام فعلاً بشروطه، وما إذا كانت حالة المرض والحالات الأخرى المشابهة لها قد تحققت، مما يكون معه عند تحققها العقد قابل للابطال.
والركن الثاني من أركان من أركان العقد هي الأهلية. والأهلية عملياً إما أهلية وجوب، وإما أهلية أداء. وفي حقل العقود، نحن نركز على أهلية الأداء، لأن أهلية الأداء هي التي تؤثر في التصرف القانوني. لماذا؟ لأن أهلية الأداء تدور مع حياة الشخص. ولذلك الأدوار التي يمر أو تمر من حياة شخص تنقسم إلى ثلاثة مراحل: المرحلة الأولى هي مرحلة الصغير، الصغير الذي لم يبلغ سن الرشد (المادة 200 مدونة الأسرة). والمرحلة الثانية الصغير المميز. والمرحلة الثالثة قاصر وسن السادس عشر. والمرحلة الرابعة البالغ الرشيد.
ولذلك فإن الصغير الذي لم يبلغ سن التمييز تعتبر أهليته منعدمة، ويكون العقد الذي يبرمه باطلاً بطلاناً مطلقاً. لكن الصغير المميز الذي أتم 12 سنة شمسية كاملة، قد تتوفر له بعض أسباب التمييز، وإن لم يكتمل تمييزه. ولذلك يعتبر ناقص الأهلية، أي أنه يستطيع القيام ببعض الأعمال القانونية وتقع صحيحة، ولا يستطيع بالقيام بأعمال أخرى. وعليه، يتعين أن نميز بالنسبة لأهلية الأداء في هذه المرحلة من حياة الإنسان بين التصرفات النافعة نفعاً محدداً، والتصرفات الضارة ضرراً محضاً، والتصرفات الدائرة بين النفع والضرر.
فبالنسبة للتصرفات النافعة نفعاً محضاً، تقوم صحيحة متى كانت نافعة، وفق ما ينص عليه الفصل 5 من قانون الالتزامات والعقود. أما التصرفات الضارة ضرراً محضاً، فإنها التصرفات بطبيعة الحال تكون مضرة، وبالتالي تكون جميع ما يترتب عليها معرضون للزوال بطبيعة الحال. وعليه، ليس لناقص الأهلية أن يقوم بالتصرفات الضارة ضرراً محضاً، كان يهب ماله أو يبرئ مدينه من الدين.
ولذلك المشرع ينص في الفصل 12 على أن "التصرفات التي يجريها في مصلحة القاصر أو المحجور عليه أو الشخص المعنوي أو من ينوب عنهم، وفي الشكل المقرر في القانون، تكون لها نفس قيمة التصرفات التي يجريها الراشدون المتمتعون بأهل مباشرة حقوقهم". بعد أن نص على هذه المقتضيات، أتى في مجال التبرعات المحضة ينص على ما يلي: "ولا تسري هذه القاعدة على التبرعات المحضة، حيث لا يكون لها أدنى أثر ولو أجريت مع الإذن الذي يتطلبه القانون، ولا على قرار إقرار لدى المحكمة يتعلق بأمور لم تصدر عن النيابة العامة".
وعليه، فإنه يقوم إلى جانب هذا الحكم من للتصرفات التي يقوم بها الشخص في هذه المرحلة العمرية، حكم التصرفات الدائرة بين النفع والضرر. ولذلك حكم التصرفات التي يجريها القاصر وناقص الأهلية يلاحظ أنه إذا أجر القاصر وناقص الأهلية تصرفاً دون حصوله على إذن من نائبه الشرعي، كان تصرفه غير ملزم له، ويقع قابل للإبطال وفق ما ينص عليه الفصل 4 من قانون الالتزامات والعقود.
كذلك يلاحظ أنه يجوز تصحيح الالتزامات إذا وافق عليها الأب أو الوصي أو المقدم، لكن يجب أن تصدر هذه الموافقة على الشكل الذي يقتضيه القانون. ولكن لا يجوز للغير الذي تعاقد مع القاصر وناقص الأهلية أن يحتج بنقص أهلية القاصر أو ناقص الأهلية للمطالبة بإبطال العقد، وفق ما يجري عليه سياق الفصل 10 من قانون الالتزامات والعقود.
والسؤال المطروح هو أنه إذا كان الصغير مميزاً، فهل يستطيع إدارة جزء من ماله؟ برجوعنا إلى مدونة الأسرة وإلى قانون الالتزامات والعقود، نجده يقرر بأنه يحق للولي تلقائياً أن يأذن للصغير المميز في تسلم قدر من ماله لإدارته بقصد الاختبار. كما أن للقاضي المكلف بشؤون القاصرين أن يمنح الإذن للصغير المميز إذا رأى في ذلك نفعاً، وذلك بناء على طلب من الوصي أو المقدم أو الصغير المعني بالأمر بطبيعة الحال.
والسؤال المطروح هو أنه إذا وصل الإنسان أو القاصر إلى سن السادسة عشر، ما هو حكم التصرفات التي يأتيها؟ وعلى إذا كان الحجر عن القاصر ينتهي ببلوغه سن الرشد القانوني وهو 18 سنة شمسية كاملة، إلا إذا وقع الحجر عليه بطبيعة الحال ممن له مصلحة لداع من دواعي الحجر، فإن السؤال الذي يطرح هو هل يستطيع هذا الصغير في هذا السن بطبيعة الحال هل يحق له إذا بلغ سن 16 أن يطلب من المحكمة ترشيده؟ وهل يحق للنائب الشرعي أن يثبت له نفس الحق إذا اتسم من القاصر رشده؟ لا يوجد ما يمنع في القانون. ولذلك إذا تم ترشيد القاصر، فإنه يتسلم أمواله وتكون له الأهلية الكاملة لإدارتها والتصرف فيها، وتبقى ممارسة الحقوق غير المالية خاضعة للمقتضيات القانونية المنظمة لها.
والترشيد في جميع الأحوال لا يثبت للقاصر إلا إذا ثبت للمحكمة رشده بعد اتخاذ الإجراءات الشرعية الواجبة في هذا الباب وفق وسائل الإثبات الشرعية حسب ما يقضيه أو ما تقتضيه المادة 212-218 عفواً من مدونة الأسرة.
ولذلك عندما يصل الشخص سن الرشد القانوني، فإنه يحق له أن يجري سائر التصرفات، سواء كانت ضارة ضرراً محضاً، أو نافعة نفعاً محضاً، أو دائرة بين النفع والضرر، اللهم إلا إذا تعرض لعارض كالجنون وفقدان العقل والإفلاس والمرض والسفه والغفلة والعته. ولذلك عندما تقوم إحدى الأسباب التي تؤثر في الشخص، فإنه بطبيعة الحال لا يمكن له أن يأتي التصرفات إلا وفق ما يقتضيه القانون. لماذا؟ لأن الأهلية لها علاقة بالنظام العام والآداب العامة.
ويعتبر من النظام العام في المغرب ما نصت عليه الشريعة في شتى المجالات، وكذلك الأنظمة بتعدد أنواعها، سواء كانت مدنية أو تجارية أو إدارية أو اقتصادية أو اجتماعية. وإن كان يلاحظ أن النظام العام تتعلق به المصالح العامة في الدولة أو المجتمع، وأن النظام العام بهذا المفهوم قد يضيق ويتسع حسب الوقت والظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية السائدة في المجتمع. وتعتبر المحكمة في حقل النظام العام مشرعاً، لأن الأمر يتعلق بكيان المجتمع والتصرفات والحفاظ على الحقوق والأموال.
ولذلك يوجد إلى جانب النظام العام هذا المفهوم السحري، ما يسمى بالآداب العامة، التي هي عبارة عن مجموعة قواعد وجد أفراد المجتمع أنفسهم مؤطرين بها اعتباراً للناموس الأدبي السائد في الدولة، ولقواعد الدين والعادات والأعراف والتقاليد. لذلك فإن فكرة النظام الآداب العامة كفكرة النظام العام، فكرة غامضة غموض النظام العام. ولذلك تعتبر الصفة الأخلاقية ملازمة للآداب العامة والنظام العام.
والركن الثالث من أركان العقد هو المحل. والمشرع يشترط في محل الالتزام ثلاثة شروط أساسية: أن يكون المحل معيناً أو قابلاً على الأقل تعييناً، وأن يكون ممكناً، وأن يكون موجوداً، وأخيراً أن يكون مشروعاً. ولقد تولت المادة 58 من قانون الالتزامات والعقود في تحديد مفهوم تعيين المحل أو القابلية للتعيين.
كذلك يشترط في المحل حسب ما يجري على سياق الفصل 59 قال الالتزامات والعقود أن يكون المحل ممكناً وموجوداً. حيلاً استحالة مطلقة، فإن هذا النوع من الاستحالة تجعل الالتزام مستحيلاً، ومن ثم لا يقوم بالنسبة لمن التزم به. ولذلك الاستحالة إما أن تكون استحالة مادية، وإما أن تكون استحالة قانونية. الاستحالة المادية أو الطبيعية هي الاستحالة التي تعود إلى طبيعة المحل، كما في التزام شخص مثلاً بأن يقطع الأبيض المتوسط سباحة. أما الاستحالة القانونية التي تقدح في الالتزام، فهي التي تعود إلى حكم القانون.
كما أنه يشترط في المحل أن يكون موجوداً وقت نشوء الالتزام، أو أن يكون موجوداً بحيث إذا كان غير موجود، فإن الالتزام لا يقوم. أما إذا كان الشيء محل التزام غير موجود وقت التعاقد، لكنه موجود في المستقبل، فإن الالتزام يكون صحيحاً. وهذا فيه تيسير للمعاملات والعقود.
كما أنه يشترط في المحل أن يكون مشروعاً، لأن الأشياء والأفعال والحقوق المعنوية الداخلة في دائرة التعامل تصلح وحدها لأن تكون محل التزام. ويدخل في دائرة التعامل جميع الأشياء التي لا يحرم القانون صراحة التعامل فيها. وعليه، فإن الأشياء التي تخرج عن التعامل لا تصلح أن تكون محلاً للالتزام. والأشياء التي تخرج عن التعامل ولا تصلح لأن تكون محل التزام، تكون كذلك إما بحكم طبيعتها، وإما بحكم القانون.
والركن الرابع من أركان العقد هو السبب. وفكرة السبب أو السبب كركن من أركان الالتزام أو أركان العقد هو عبارة عن فكرة قانونية معقدة تضاربت بشأنها آراء الفقهاء واجتهاد المحاكم. ولذلك يميز فقه القانون المدني بين سبب الالتزام وسبب العقد. والمقصود بسبب الالتزام الفكرة المجردة الموضوعية، وهو المعتبر عند الكشف عن وجود الالتزام. أما سبب العقد، فهو الذي يسعف في البحث عن مشروعيته، وهو تعبير عن فكرة ذاتية. ونعتقد أن الفرق جلي بين سبب الالتزام وسبب العقد.
وتتنازع السبب كركن من أركان العقد نظريتان: نظرية تقليدية والنظرية الحديثة. ويقصد بالسبب في ظل النظرية التقليدية السبب القصدي، أي الغرض المباشر الذي يرمي الملتزم تحقيقه. ويكون السبب في فلسفة هذه النظرية، أي النظرية التقليدية، هو السبب الدافع، ويترجم بأول نتيجة يصل إليها من التزم.
السبب في النظرية الحديثة، فهو عبارة عن الباعث الدافع إلى التعاقد. ومن ثم فإن السبب إما أن يكون أن يتحدد وفقاً للنظرية التقليدية، وإما أن يتحدد وفقاً للنظرية الحديثة عن طريق البحث في السبب الدافع إلى التعاقد. ونعتقد بأن السبب الدافع إلى التعاقد عبارة عن معيار ذاتي يختلف من متعاقد إلى متعاقد إلى متعاقد آخر بطبيعة الحال. لكنه في كلا الحالتين، سواء أخذنا بمعنى السبب في المفهوم التقليدي أو المفهوم الحديث، فإن السبب يتعين أن يكون مشروعاً. والسبب المشروع هو الذي لا يحرمه القانون أو النظام العام أو الآداب العامة.
ولذلك يلاحظ أن بعض الفقه الذي تناول البحث في فكرة السبب يرى وجوب تفسير السبب في النظرية العامة للالتزامات في القانون المغربي على ضوء النظرية الحديثة للسبب، لتشمل نصوص قانون الالتزامات والعقود إلى جانب السبب في المفهوم الموضوعي، السبب في المفهوم الشخصي. وعليه، بناء على عض النظر، لكي يعتد بالالتزام، لا يكتفى فقط بالغرض المباشر الذي يرمي إليه الملتزم، بل يتعين الاعتداد بالسبب في مفهوم النظرية الحديثة الذي يعتمد الباعث الشخصي الذي حمل الملتزم على التعاقد. وهذا الباعث الشخصي يختلف من التزام إلى التزام من متعاقد إلى متعاقد.
وأخيراً، لكي يقوم العقد، يتعين أن يتوفر ركن الشكلية وركن التسليم أحياناً. الأصل في العقود أنها رضائية، ولكن المشرع قد يشترط شكلية، وعندئذ عندما يشترط المشرع شكلية معينة، فإنه يتعين احترام هذه الشكلية. فإذا لم يقع احترامها، فإن العقد لا يقوم ولا ينتج آثاره. وعلى سبيل المثال، يجري سياق الفصل 49-89 من قانون الالتزامات والعقود على أنه "إذا كان المبيع عقاراً أو حقوقاً عقارية أو أشياء أخرى يمكن رهنها رهناً رسمياً، وجب أن يجري البيع كتابة في محرر ثابت التاريخ، ولا يكون لهذا البيع أو التصرف القانوني أثر في مواجهة الغير إلا إذا سجل في الشكل المحدد بمقتضى القانون".
كما أن قانون الكراء الجديد، قانون 12-67، الذي دخل حيز التنفيذ في 4 مارس من الشهر الماضي، ينص على أن عقد الكراء يتعين أن يحرر كتابة. وعليه، فإن هذا النوع من العقود، بعد أن كان رضائياً، أصبح شكلياً بمقتضى المادة الأولى من القانون الذي ينظم العلاقات التعاقدية بين المكري والمكتري للأماكن المعدة للسكن أو للاستعمال المهني.
كذلك يلاحظ أنه المشرع قد يشترط عنصر التسليم، وما لم يقع التسليم، فإن العقد لا ينعقد. وهذا هو الذي يجري عليه الأمل في العقود العينية، في العقود العينية التي لا يمكن تصور انعقادها إلا إذا وقع التسليم. ولذلك ينص المشرع على سبيل المثال في الفصل 1188 من قانون الالتزامات والعقود على أن "الرهن الحيازي يتم بتراضي طرفيه على إنشاء الرهن هذا، مرد الرضائية، وزيادة على ذلك بتسليم الشيء المرهون فعلاً إلى الدائن أو إلى أحد من الغير يتفق عليه المتعاقدان".
فعندما ينعقد العقد، هذا العقد إما أن ينعقد صحيحاً منتجاً لكافة آثاره القانونية، لأن العقد يقوم على مبدأ سلطان الإرادة الكامل. أما ترتيب الآثار، فهو من وضع المشرع. ولذلك عندما يقوم العقد صحيحاً، يقوم لينتج آثاره، ولكنه قد لا يقوم صحيحاً، فيتعرض لعدة جزاءات. وأهم الجزاءات التي تطبق في حق العقود هي البطلان والابطال.
ولقد اعتنى المشرع ببحث هذين الجزاءين في عندما تعرض للبطلان على سبيل المثال في المواد من 306 إلى 310، حيث عرض لحالات البطلان وأوضح مظاهره وارتب آثاره. وبالرجوع إلى مقتضيات الفصول من 306 إلى 310، نجد أن المشرع ينص على حالات البطلان، أي الحالة التي يقوم فيها العقد باطلاً. والباطل باطل لا ينتج أي أثر إلا السور ما دفع بغير حق تنفيذاً له. ولذلك بمقتضى النصوص القانونية، فإن العقد يكون باطلاً لتخلف ركن من أركانه، من أركانه وهي الرضا، والأهلية، والمحل، والسبب، الشكلية في العقود الشكلية، والتسليم في العقود العينية. وأحياناً يعتبر المشرع بأن العقد باطل بنص القانون. ولذلك ينص مثلاً في الفصل 870 من قانون الالتزامات والعقود على أن "اشتراط الفائدة بين المسلمين باطل وموطن للعقد الذي يتضمنه، سواء جاء صريحاً أو اتخذ شكل هدية أو أي نفع آخر للمقرض أو لشخص غيره يتخذ وسيطاً له".
كما أن البطلان كجزاء من جزاءات العقود له عدة حالات أو مظاهر من مظاهر البطلان: أن بطلان الالتزام الأصلي يستتبع بطلان الالتزام التابع، لأن التابع تابع كما يرى الفقه ولا يفرض بالحكم. ومن مظاهر البطلان كذلك أن بطلان جزء من الالتزام يبطل الالتزام برمته، إلا إذا أمكن بقاء العقد. كذلك من مظاهر البطلان أن الالتزام الباطل لا تلحقه الإجازة ولا تصديق، لأن الباطل باطل ولا يمكن أن يصحح. كذلك من مظاهر البطلان أن البطلان لا يزال بالتقادم، والدفع بالبطلان لا يتقادم، لماذا؟ لأن الالتزام الباطل باطل ولا يصبح صحيحاً بمرور الزمن.
لكن السؤال الذي يطرح: فيما لو كان العقد باطلاً ووقع تنفيذ آثاره؟ هنا يتعين التفريق بين حالتين: حالة تنفيذ العقد الباطل، وحالة عدم تنفيذه. ففيما يتعلق بحالات عدم تنفيذ العقد الباطل، إذا لم ينفذ وطالب أحد أطراف العلاقة القانونية الطرف الثاني بتنفيذه بعد مضي المدة، كان لهذا الأخير أن يدفع ببطلان العقد، لما في الأمر من استقرار للمعاملات، تطبيقا للقاعدة القائلة: "الدفع بالبطلان لا يتقادم".
لكن إذا نفذ العقد الباطل، فإن المنطق يقتضي إعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانوا عليها قبل التعاقد، وكأن شيئاً لم يكن. وإن كان يلاحظ أن في تقرير البطلان بعد مضي الزمن وإعادة الأطراف إلى ما كانوا عليه قبل التعاقد، يسيء إلى استقرار المعاملات، لذا نجد بعض التشريعات ترجح استقرار المعاملات على تقرير البطلان.
أما في المغرب، فإذا كان العقد باطلاً، فهو باطل ولا ينتج أي أثر إلا استرداد ما دفع بغير حق تنفيذاً له. كذلك العقد من مظاهر العقد الباطل، عقد الباطل باطل، ولكل دين مصلحة يتمسك به، أي يتمسك بالبطلان. والمحكمة تقضي بالبطلان من تلقاء نفسها، الأمر يتعلق بالنظام العام. ولذلك عندما يكون العقد باطلاً، يحق كل من له مصلحة أن يراجع المحكمة للمطالبة بالابطال. وإذا عرض الأمر على المحكمة ولاحظت المحكمة أن هناك مقتضيات تقرر البطلان، فإن المحكمة تقضي بالبطلان من تلقاء نفسها، لأن الأمر بين، لأن الأمر له علاقة بالنظام العام.
لكن ما هي آثار البطلان الواقع النولي بحت؟ آثار البطلان يتعين أن نميز بين حالتين: آثار البطلان بين طرفي العقد. ولذلك فإن العقد الباطل لا ينتج أي آثار بين طرفيه. والبطلان يطبق بأثر رجعي، لأنه ما يترتب عليه هو زوال آثار العقد. أما بالنسبة للغير الذي اكتسب حقاً على حقاً معيناً بمقتضى عقد تقرر بطلانه، فما دام البطلان هو العدم، فإنه يسري منطقياً بأثر رجعي، وعندئذ تزول حقوق الغير إذا زالت حقوق من نقلها إليه بطبيعة الحال.
لكن هناك حالات استثنائية لا يشمل فيها البطلان إلا أجزاء من العقد لعدة اعتبارات، لأن الأصل في العقد الباطل أن يجرد من كل أثر. لكن قد يحصل أن يتقرر للعقد الباطل بعض الآثار، كما في حالة الزواج الباطل، لأنه من الصعوبة بمكان إعدام هذا النوع من العقود لما يتعلق به الأمر من مقتضيات تتعلق بالنظام العام، وباوع الأسرة، والنسب، وغير ذلك من الأمور التي تقد بها أحكام الفقه الإسلامي.
والحالة الثانية هي حالة تحول التصرف، حسب ما يجري عليه الفصل 39 من قانون الالتزامات والعقود، الذي يجري سياقه على ما يلي: "إذا بطل التزام باعتبار ذاته، وكان به من الشروط ما يصح به التزام آخر، فإن الالتزام إذا كان باطلاً في صورته معينة، فإنه يصلح عقداً صحيحاً في صورة أخرى".
والحالة الثالثة وهي حالة اكتساب الغير بحسن نية حقاً عينياً على المنقول أو العقار المحفظ الذي هو محل العقد الباطل، بحيث إذا كان الغير قد اكتسب حقاً بحسن نية على منقول أو عقار محفظ، وكان حسن النية، فإن حقوق هذا الطرف حسن النية تحفظ رغم العقد الباطل. لكن إذا كان سيء النية، فإنه يجري على ما يجري على المتعاقد التالي.
كما أن المشرع إذا كان قد نظم البطلان، فإنه نظم القابلية للابطال. ولذلك عرض المشرع لحالة القابلية للابطال، وهي ثلاث حالات أساسية: الحالة الأولى وهي حالة نقص نقصان أهلية أحد المتعاقدين. والحالة الثانية هي تعيب إرادة أحد المتعاقدين. والحالة الثالثة هي كل حالة يمنح فيها القانون حق طلب الابطال لأحد المتعاقدين أو الغير.
لكن إذا كانت هذه هي أحوال القابلية للابطال، فما هي مظاهره؟ الواقع أن هناك مظاهر ينفرد بها الابطال، وهذه المظاهر هي كالتالي: المظهر الأول: العقد القابل للابطال تلحقه الإجازة والإقرار، لأن العقد القابل للابطال هو عملياً عقد صحيح، كل ما في الأمر أنه يحق لمن تقرر القابلية للابطال لمصلحته أن يراجع المحكمة للمطالبة بال قابلية للابطال. والمظهر الثاني هو أن القابلية للابطال يصححها التقادم، فتسقط به دعوى الابطال، لماذا؟ لأن العقد القابل للابطال هو في أساسه عقد صحيح، كل ما في الأمر أن المشرع منح من تقررت القابلية للابطال لمصلحته أن يطالب بتقرير القابلية للابطال. ولذلك فإن العقد القابل للابطال يتوقف على حكم أو اتفاق بتقريره، لماذا؟ لأن العقد القابل للابطال يوجد قانوناً وينتج آثاره إلى أن يتقرر إبطاله من القاضي أو عن طريق الترات.
كما أن القابلية للابطال مقررة لمن شرعت له، فلا يمكن للمتعاقد الثاني أن يطالب بقابلية الابطال، لأن غريمه تقررت له القابلية للابطال، لأن المشرع نص على أن حق التمسك بابطال العقد يكون لمن شرع الابطال لمصلحته.
أما المظاهر التي يشترك فيها البطلان والابطال، فتتلخص في مظهرين أساسيين: المظهر الأول هو أن إبطال جزء من العقد يبطل العقد برمته، إلا إذا أمكن بقاء العقد دون الجزء الذي تقرر إبطاله. كذلك إبطال الالتزام التابع لا يبطل الالتزام الأصلي، وإبطال الالتزام الأصلي يستتبع إبطال الالتزام التابع.
لكن ما هي آثار الابطال؟ الواقع أن آثار الابطال، كآثار البطلان، تسري بأثر رجعي، وتنتهي الالتزامات الناشئة عن العقد الباطل. والنتيجة هو أنه يتعين إعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانوا عليها قبل التعاقد، وكأن شيئاً لم يكن. ففي عقد البيع على سبيل المثال، الذي يتقرر إبطاله، على البائع أن يرد الثمن الذي تسلمه، وعلى المشتري أن يرد العين التي تسلمها.
لكن إذا كانت هذه هي أهم جزاء العقد الباطل والابطال على النحو الذي فصلنا فيه، فما هي الحماية القانونية المقررة لحقوق الدائنين؟ قرر المشرع المغربي حماية خاصة للدائنين، وذلك عن طريق أعمال الصوريه وحق الحبس والدعوى المباشرة والدعوى البوليسية. ولذلك عرض المشرع في الفصل 22 من قانون الالتزامات والعقود للصورية ونص على أن "الاتفاقات السرية المعارضة أو غيرها من التصريحات المكتوبة لا يكون لها أثر إلا فيما بين المتعاقدين ومن يرثهم، فلا يحتج بها على الغير إذا لم يكن له علم بها، ويعتبر الخلف الخاص غيراً بالنسبة لأحكام هذا الفصل".
ولذلك فإن الصوريه إما أن تكون صوريه مطلقة، وإما أن تكون صوريه نسبية. لكن ما هي مظاهر الصوريه النسبية؟ الواقع أن مظاهر الصوريه النسبية كثيرة ومتعددة، ونحن سنجمعها في ثلاثة مظاهر أساسية أو أربعة، وهي التي تسود حقل التعاقد: المظهر الأول هو الصوريه بأسلوب التستر، أي عن طريق إخفاء حقيقة التصرف المعقود بين طرفيه، كهبة إذا اتخذت صورة عقد بيع ظاهر بقصد التهرب من أحكام الرسمية. والمظهر الثاني للصوريه النسبية هي الصوريه بالمضادة، التي لا تتناول وجود العقد ولا تكييفه، وإنما تتناول شرطاً من شروط العقد أو ركناً من أركانه، كان يذكر المتعاقد تاريخاً للعقد هو غير تاريخه الحقيقي، أو يذكر ثمناً أكثر من الثمن الحقيقي حتى يحال بين الشفيع والشفعة. وعندئذ يحتفظ المتعاقدان بالعقد المستتر، وهو ما يطلق عليه ورقة الضد. وورقة الضد هي عقد مستتر الهدف منه تعطيل العقد الظاهر أو تعديله كلياً أو جزئياً.
كذلك يوجد ما يسمى بالصوريه عن طريق التسخير، والمقصود بها إخفاء شخصية أحد المتعاقدين تحت اسم شخص آخر في العقد، وذلك بعلمه بطبيعة الحال. ومن أمثلة الصوريه بطريق التسخير ما جرى عليه الفصل 421 من قانون الالتزامات والعقود، ومن أمثلتها كذلك ما نصت عليها الفصل 481 من قانون الالتزامات والعقود. فعلى سبيل المثال، ينص الفصل 491 على أنه "لا يجوز لمن ينوب عن غيره بمقتضى اتفاق أو نص قانوني أو أمر من السلطة المختصة أن يشتري باسمه مباشرة أو باسم مستعار، ولو بطريق المزاد العلني، ما كلف ببيعه بموجب النيابة، كل ذلك ما لم تأذن به السلطة القضائية، مع مراعاة الأحكام الخاصة الواردة في نصوص خاصة".
وأخيراً، يوجد ما يسمى بالصوريه عن طريق الاستعارة، التي تجد مجالاً خصباً لتطبيقها في الحياة العملية، وهي التي تعتمد على إخفاء شخصية أحد المتعاقدين، ويظهر بدله شخص آخر في العقد، فيتم العقد بين المتعاقد الحقيقي وبين الغير الذي يظهر اسمه بدلاً عنه في العقد، ويكون ذلك دون علم المتعاقد الثاني. ويرى بعض الفقهاء أن الصوريه عن طريق الاستعارة هي صورة من صور الوكالة، لأن الوكيل فيها يعير اسمه إلى الموكل، فينعقد العقد بين الوكيل والطرف الثاني، لكن آثاره تنصرف إلى الموكل، لأن العقد الصوري هو من صنع صاحب الحق.
لكن ما هي شروط الصوريه؟ يشترط في الصوريه الشروط التالية: الشرط الأول أن يكون العاقدان في العقد الصوري هما ذاتهما في العقد المستتر. الشرط الثاني أن يكون محل العقد واحداً، أي يشترط لقيام الصوريه أن يتحد موضوع العقد. والشرط الثالث اتفاق أطراف العلاقة القانونية على إخفاء حقيقة الصوريه.
لكن إذا كانت هذه هي شروط الصوريه، فما هي آثار الصوريه؟ الواقع أن الصوريه تنتج آثاراً بين المتعاقدين، وتنتج آثاراً بالنسبة للغير. وبالنسبة للآثار التي ترتبها بالنسبة للغير، يتعين أن نميز بين آثار صوريه بالنسبة للغير حسن النية، وآثار صوريه بالنسبة للغير سيء النية. وعليه، فيما يتعلق بالعلاقة بين المتعاقدين، إذا لجأ المتعاقدان إلى ستر عقد حقيقي بعقد ظاهر، فالمعتبر هو العقد الحقيقي، وهو العقد المستتر، سواء بالنسبة للمتعاقدين أو بالنسبة للخلف العام، كما يجري عليه سياق الفصل 22 من قانون الالتزامات والعقود. لكنها بالنسبة للغير، نميز بين آثار صوريه.
بالنسبة للغير الحسن النية، وبالنسبة للغير سيء النية. وعليه، من حق الغير حسن النية، طبقاً للفصل 822 من قانون الالتزامات والعقود، الذي يجري سياقه على ما يلي: "الاتفاقات السرية، والمعارضة، وغيرها من التصريحات المكتوبة، لا يكون لها أثر إلا فيما بين المتعاقدين، ومن يرثهم، فلا يحتج بها على الغير، إذا لم يكن له علم بها. ويعتبر الخلف العام، والخلف الخاص، غيراً بالنسبة لأحكام هذا الفصل."
وهذا يعني أن الغير حسن النية يحق له التمسك بالعقد الحقيقي، ويطالب بما ينتج عنه من الحقوق، كما لو كان العقد الصوري غير موجود.
أما بالنسبة للصوريه، بالنسبة للغير سيء النية، فالقاعدة في قانون الالتزامات والعقود أن حسن النية يفترض دائماً، ما دام العكس لم يثبت. وعليه، فإن حسن النية يفترض، وأن الغير يجهل الصورية، ولا تسري في حقه تبعاً لذلك. وعلى من يدعي خلاف هذا، أن يثبت سوء النية، لمنعه من التمسك بالعقد الظاهر.
ونرى أن إثبات الصورية عبارة عن وقائع، ولذلك يمكن إثباتها بمختلف الوسائل، بطبيعة الحال. لماذا؟ لأن الشخص الذي تكون له مصلحة في إثبات الصورية، لا يستطيع الحصول على الدليل الكتابي. وعليه، ما دام التصرف الصوري مجرد واقعة مادية، فانه يجوز للغير أن يثبته بمختلف وسائل الإثبات.
ويوجد إلى جانب الصورية، ما يسمى بحق الحبس، الذي هو عبارة عن حق حيازة الشيء المملوك للمدين. هذا نوع من الحماية المقررة للدائنين، وعدم التخلي عنه، إلا بعد وفاء ما هو مستحق للدائن. ولا يمكن أن يباشر، إلا في الأحوال الخاصة التي يقررها القانون، لأن حق الحبس يعتبر بما مثابة عدالة خاصة. والقاعدة أن العدالة العامة، يمارسها المحكمة. لذلك، لقيام حق الحبس، يشترط أن يكون الشيء الذي يجوز حبسه، بحيازة الدائن، وأن يكون الدائن حائزاً حسن النية، وأن يكون الدين سببه مشروع.
والشرط الثاني، أن يحل أجل الدين. وإذا كان الدين غير محدد المقدار، تضرب المحكمة للدائن أجلاً، بغية العمل على تحديده.
والشرط الثالث، أن يكون الدين الذي يجيز استعمال حق الحبس، ناشئاً عن معاملات قائمة بين الطرفين، وأن يكون ناشئاً من ذات الشيء محل الحبس.
ولذلك، نجد أن المشرع أجاز للدائن ممارسة حق الحبس، على الأموال المملوكة للمدين، ولو بسبب الديون التي لم يحل أجلها، في حالتين:
الحالة الأولى: إذا توقف المدين عن أداء ديونه، أو كان قد أشهر عصره.
والحالة الثانية: إذا أجرى تنفيذاً، أو جرى تنفيذاً ضد المدين، وانتهى بعدم حصوله على حقه.
وعليه، فإن المشرع نص على أن وعاء الحبس، يشمل المصروفات الضرورية المنفقة على الشيء، وتلك التي أدت إلى تحسين الشيء. محل حق الحبس، في حدود الزيادة في القيمة التي لحقت. شرط أن تكون سابقة على دعوى الاستحقاق. أما بعد دعوى الاستحقاق، فلا تؤخذ بعين الاعتبار، إلا المصروفات الضرورية المحضة. ولا يتحمل المدين، في جميع الأحوال، المصروفات التي تعتبر من قبيل الطرف.
كذلك، من وسائل حماية الدائنين غير المباشرة، والمقصود بالدعوى بهذا النوع، أو أن هذه الدعوى بطبيعة الحال، لا تمنح لمن باشر حق امتياز خاص، عند استفاء دينه، بل إنه يتساوى مع غيره من دائن المدين. وهذه الدعوى لا تباشر، إلا بعد استفاء شروط معينة، وضعت التشريعات التي قررتها. والدائن لا يحق له مباشرة شرتها، إلا إذا حل به الخطر، وأعسر المدين.
ويلاحظ عملياً، قصور هذه الدعوى في الحفاظ على حقوق الدائنين، وذلك في الدول التي أجاز مشرعها للدائنين استعمالها، كما هو شأن في القانون المدني الفرنسي.
وأخيراً، توجد ما يسمى بالدعوى البوليسية، أو البولياني. وهذا النوع من الدعوى، الهدف منه هو رفع الحيف عن الدائن، الذي يتضرر من تصرفات مدينه. ولذلك، عندما يقدم المدين على تصرفاً ضاراً بمدينه، ضاراً بدائن، فانه يحق للدائن، بطبيعة الحال، أن يباشر ما يسمى بالدعوى البولياني، أو الدعوى، وهي دعوى عدم نفاذ تصرفات المدينين في حق دائنيه.
واعتقد أن المشرع المغربي لم يتعرض لهذا النوع من الدعاوى، ولذلك لا يوجد ما يمنع من أعمالها، حفاظاً على حقوق الدائنين، لأن مجال العقد مجال محروس، والعقد يتناول الأموال، ويتناول حقوق المتعاقدين، وهي أهم ما يحرص عليه الإنسان.
لكن، ما هي أطر العقد؟ عندما ينعقد العقد صحيحاً، يتعين أن ينتج أطره، لأن هذه هي القاعدة. العقد ينعقد لينتج آثاره. فما هي هذه الآثار؟ الواقع أن العقد ينتج آثاره أولاً، بين الدائنين، وبين بين أطراف العقد، وبين بطبيعة الحال، الدائنين، والخلف الخاص، والخلف العام.
ولذلك، القاعدة أن آثار العقد، أن العقد عندما ينعقد، ينعقد ليرتب آثاره بين المتعاقدين. وهذه القاعدة، لكي ينتج العقد آثاره بين المتعاقدين، فانه يتعين على كل من المتعاقدين، تنفيذ جميع مقتضيات العقد، لأن العقد عندما ينعقد، ينعقد ليرتب الآثار. والعطار من وضع المشرع، والعقد من وضع المتعاقدين، يعتمد مبدأ سلطان الإرادة، أو مكنة الإرادة. لكن ترتيب الآثار، هي من وضع المشرع.
والقاعدة في القانون المغربي، وفي جميع تشريعات الوضعية، أن العقد يتعين تنفيذه بحسن نية. كما أن العقد وملحقات العقد، كلاهما ملزم. لا يمكن للشخص أن يتمسك بتنفيذ مقتضيات العقد، ويمنع غريمه من ملحق من ملحقات العقد.
أما بالنسبة للغير، فإن العقد ينتج آثاره بالنسبة للخلف العام، والخلف الخاص، والدائنين. كما أن هناك ما يسمى بالالتزام عن الغير، شرط إقراره إياه. وأخيراً، الاشتراط لمصلحة الغير.
فما هي آثار العقد بالنسبة للخلف العام؟ الخلف العام، بطبيعة الحال، هو من يخلف سلفه في جميع ذمته المالية، أو في جزء منها. ولذلك، يجري سياق الفصل 229 من قانون الالتزامات والعقود، على أن الالتزامات تنتجها، ترثها، لا بين المتعاقدين فحسب، ولكن أيضاً بين ورثته، وخلفائه، ما لم يكن العكس مصرحاً به، أو نتيجة ناتجة عن طبيعة الالتزام، أو عن القانون. ومع ذلك، فالورثة لا يلتزمون، إلا في حدود أموال التركة، وبنسبة مناب كل واحد منهم.
وعليه، فإن أثر العقد ينصرف إلى الخلف العام. والحقوق التي ينشئها العقد، تنتقل إلى الورثة بعد موت مورثهم المتعاقد. أما الالتزامات، فهي تبقى منصبه على التركة، ولا شأن للخلف العام بها. ولذلك، العقد لا يسري في حق الخلف العام، إذا اتفق السلف والغير في العقد على هذا الشأن، أو كان طبيعة الالتزامات باهتة السريان، أو كان جرى سياق النص القانوني بهذا المنع.
بطبيعة الحال، لكن ما هي آثار العقد بالنسبة للخلف الخاص؟ الخلف الخاص، هو من يخلف سلفه في ملكية شيء معين بالذات، أو في حق معين محدد، كالمتيم البائع في الشيء المبيع. والمبدأ أن الخلف الخاص، كالخلف العام، لا يعتبر من الغير، وتنصرف إليه عقود سلفه، على التفصيل الذي يقتضي منا أن نبحث هذا، هذه الآثار، كما لو كنا نبحثها بالنسبة للخلف العام.
وإن كان يلاحظ، بطبيعة الحال، أن المشرع لم يحدد آثار العقد بالنسبة للخلف الخاص. ومع ذلك، نقرر بأنه إذا نشأت عن العقد التزامات أو حقوق تتصل بشيء انتقل فيما بعد إلى الخلف الخاص، فإن مثل هذه الالتزامات أو الحقوق تنتقل إلى الخلف الخاص، وقت انتقال الحق الشيء، بشروط:
الشرط الأول: أن يكون تاريخ عقد السلف سابقاً عن تاريخ كسب الخلف للمال، وأن يكون تاريخ العقد ثابتاً.
الشرط الثاني: أن تكون الالتزامات أو الحقوق الناشئة عن العقد، من مستلزمات هذا المال.
الشرط الثالث: يشترط أن يكون الخلف الخاص على علم بالحقوق والالتزامات الناشئة عن العقود التي أبرمها أبرمها سلفه. وإلا، من صرف آثار عقد السلف إلى الخلف الخاص.
لكن، ما هي آثار العقد بالنسبة للدائنين؟ القاعدة في الفصل 1240 من قانون الالتزامات والعقود، أن أموال المدين ضمان عام لدائنيه، ويوزع ثمنها عليهم بنسبة دين كل واحد منهم، ما لم توجد بينهم أسباب قانونية.
وعليه، فإن الدائن الشخصي، يشبه مركز الخلف العام، لأنه وإن لم يكن له حق، إلا حقاً على مال مخصوص، إلا أن حقه ينسحب على جميع أموال المدين. أي يثبت له في نظرنا، ما يسمى بحق الضمان العام. ومن هنا، فإن جميع العقود التي يبرمها المدين، فتكسب حقوقاً، تقوي الضمان العام. أما الالتزامات التي يتحمل بها، فإنها تضعفه.
ويوجد إلى جانب هذه الآثار مجتمعة، ما يسمى بالالتزام عن الغير، شرط إقراره إياه. والمقصود بالغير في هذا الباب، كل شخص أجنبي عن المتعاقدين، ولا يرتبط بهما بأية رابطة قانونية. وعليه، حتى نكون أمام التزام عن الغير، شرط إقراره إياه، يلاحظ أن صور هذا النوع من الالتزام، كثيرة ومتنوعة.
فقد يريد شركاء في مال مشترك، بيع الشيء المملوك لهم، ولكن يتعذر على أحد الشركاء منهم الحضور، ولا يرغبون في انتظاره، ويخشون أن تفوتهم الفرصة، فيعمدون إلى إبرام عقد البيع، بالأصالة عن أنفسهم، وباسم الشريك الغائب، شريطة أن يقر الشريك الغائب، البيع الذي جرى باسمه.
والقاعدة في هذا الباب، هو أن الالتزام عن الغير، شرط إقراره إياه، أن الغير بالخيار، هو حر بين أن يرفض الالتزام، أن يرفض الالتزام، وبين أن يقبله. فإذا رفض الالتزام الذي أبرم باسمه، فلا يتحمل أية مسؤولية. فإذا قبل الالتزام الذي مبرم باسمه، تعين عليه أن يعلن قبوله، خلال أجل معقول.
ولذلك، نص المشرع على أن يجوز الالتزام، أنه يجوز الالتزام عن الغير، شرط إقراره إياه. وفي هذه الحالة، يكون الطرف الآخر، أن يطلب قيام هذا الغير بالتصريح، بينما إذا كان ينوي إقرار الاتفاق. ولا يبقى هذا الطرف ملتزماً، إذا لم يصدر الإقرار، داخل أجل معقول، على أن لا يتجاوز 15 يوماً، بطبيعة الحال.
ويوجد إلى جانب الاشتراط لمصلحة، الالتزام عن الغير، شرط إقراره إياه، ما يسمى بمؤسسة الاشتراط لمصلحة الغير. يعرف الفصل 33 من قانون الالتزامات والعقود، اشتراط مصلحة الغير، ويقر بأن الاشتراط لمصلحة الغير، ينتج آثاره مباشرة لمصلحة الغير. ويكون لهذا الغير الحق في أن يطلب باسمه، من الواعد تنفيذه، وذلك لما لم يمنعه العقد من مباشرة هذه الدعوى، أو علقت مباشرتها على شروط معينة.
وعليه، فإن الاشتراط لمصلحة الغير، هو عقد يشترط أحد المتعاقدين باسمه، ويسمى المشترط، على المتعاقد الثاني، وهو المتعهد، أن يلتزم قبل شخص ثالث عن العقد، ليس طرفاً في العقد، يسمى المنتفع. وينشأ له، رغم أنه ليس طرفاً في العقد، حقوقاً نشأت عن عقد ربط بين المشترط والمتعهد. وهذا النوع من العقود، كثير ومتعدد، ويطبق في مجال التأمينات على الحياة، وفي غيرها من ضروب الحياة.
لكن، يشترط في الاشتراط لمصلحة الغير، أن ينتج آثاره القانونية:
أولاً: أن يكون المنتفع أجنبياً عن العقد، لأن العقد ينعقد بين المشترط، وبين المتعهد.
والشرط الثاني: أن تتجه إرادة المشترط والمتعهد، إلى إنشاء حق مباشر للمنتفع، قبل المتعاهد، رغم أنه لم يكن طرفاً فيه.
والشرط الثالث: أن تكون للمشترط مصلحة شخصية في تنفيذ الالتزامات.
فعندما يقوم العقد، يقوم لينتج آثاره. لكن أحياناً، قد يقوم العقد صحيحاً، ولا يتعرض للبطلان، ولا يتعرض للابطال. ورغم ما وضعه المشرع من ضمانات، تحفظ حقوق الدائنين، وتحفظ حقوق الغير بالمفهوم الضيق، وحقوق الغير بالمفهوم العام، نجد أنه قد تقوم حالات، تمنع من قيام، أو من تنفيذ الالتزام، وهي ما يطلق عليه بنظرية الظروف الطارئة، التي تطبق على العقود الفورية، والعقود متراخي التنفيذ، شريطة أن يفصل فاصل زمني، في العقد الفوري، بين تاريخ انعقاد العقد، وتاريخ تنفيذه، وأن لا يصدر إهمال، أي إهمال، عن المدين.
ولذلك، هذا النوع من القوة، التي تمنع من تنفيذ الالتزام، يشترط فيها عدة شروط، لأننا أمام حالة، لن ينتج العقد آثارها، عندما تقوم. ولذلك، حتى نبرر عدم تنفيذ العقد آثاره، يتعين أن تتوفر شروط عدة، فيما يسمى بالقوة القاهرة.
الشرط الأول: أن ينعقد العقد، وتظهر حوادث عامة، أو استثنائية، كحالة تسونامي في آسيا، الذي وقع قبل سنة، أو سنة ونصف، كذلك، أو وقعت في جنوب شرق آسيا، في 26 يونيو 2004. وهذا النوع من الحوادث، هي حوادث خاصة، هي تطبيقات النظرية العامة.
كذلك، السمة التي تميز نظرية الظروف الطارئة، عفوا، هي عدم التوقع، واستحالة الربط.
الشرط الثاني: أن تقوم بعد انعقاد العقد، حوادث عامة، غير منتظرة، وغير متوقعة. ولذلك، إذا قامت حوادث عامة ومتوقعة، فإنها لا تصلح حالة من حالات القوة القاهرة، كأمواج البحر، أو هياجان البحر، في شهر دجنبر، لأنه يعتبر من الحوادث المتوقعة. وعندئذ، الناقل البحري، لا يمكن أن يتمسك، لا بشروط القوة القاهرة، ولا بنظرية الظروف الطارئة.
الشرط الثالث: حتى نكون أمام قوة قاهرة، أن يغدو الالتزام، أن يصبح بنتيجة الظروف الطارئة، مرهقاً، وليس مستحيلاً. لماذا؟ لأنه إذا كانت القوة القاهرة، تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً، فإن نظرية الظروف الطارئة، يغدو معها الالتزام مرهقاً. ومن ثم، تختلف النظريتان.
والمقصود بقولنا، أن الالتزام يغدو مرهقاً، ليس معياراً ثابتاً، بل هو معيار مرن، يختلف باختلاف ظروف المدين، والحادث. ومعياره، أن يكون تنفيذ الالتزام، من شأنه أن يلحق بالمدين خسارة فادحة، كبيرة، لا يستطيع معها الاستمرار في تنفيذ الالتزام. وعليه، فإن الالتزام يصبح عند التنفيذ مرهقاً، لا مستحيلاً. لأن الاستحالة النسبية، لا تحول دون تنفيذ المدين لالتزامه.
وتقوم إلى جانب المسؤولية التقصيرية، ما يسمى بالمسؤولية العقدية. فإذا كانت المسؤولية التقصيرية، تتطلب لقيامها، خطأ، وضرر، وعلاقة سببية، فإن المسؤولية العقدية، هي جزاء العقد الصحيح، المستجمع أركانه. لأن العقد عندما ينعقد، ينعقد ليرتب آثاره. فإذا امتنع أحد المتعاقدين، عن تنفيذ التزامه، عد مسؤولاً. لكن ليس مسؤولية تقصيرية، وإنما مسؤولية عقدية، بطبيعة الحال.
وعندئذ، فإن هذا النوع من المسؤولية، يتحقق، إذا لم ينفذ المدين التزامه، وعينا، ولم يستطع أن يثبت، أن تنفيذه التزامه، أصبح مستحيلاً، عليه لسبب أجنبي، لا يدل فيه، كقوة، كحالة الظروف الطارئة.
وعليه، إذا كان المقصود من الالتزام، هو تحقيق غاية معينة، كنقل حق عيني، أو القيام بعمل، أو الامتناع عن عمل، فتنفيذه يكون بتحقيق الغاية المقصودة. فإذا لم تتحقق، بقي الالتزام دون تنفيذ، وقامت المسؤولية العقدية، بطبيعة الحال، التي تتجسد في عدم تنفيذ المدين لالتزامه، الناشئ عن العقد. ويكون الخطأ العقدي، في التزام ببذل العناية، هو عدم بذل هذه العناية. ويكون بالتالي، الخطأ العقدي، في الالتزام بتحقيق نتيجة، هو عدم تحقيق هذه النتيجة.
العقد عندما يقوم، يعتبر قانوناً بالنسبة لعاقديه. والمشرع اعتبر العقد قانوناً بالنسبة لعاقديه. لذلك، القاعدة أنه عندما يحال النزاع إلى المحكمة، فالمحكمة يحق لها أن تؤوّل، أو تفسر العقد، إلا في حدود ما يسمح به المشرع. ولذلك، ينص المشرع أنه، أن الفقهاء.
ولذلك، وضع المشرع، والباحثون، عدة شروط للتأويل:
الشرط الأول: أن لا يكون النص قاطعاً في الدلالة.
الشرط الثالث: الثاني، إذا كانت مواد العقد منافية للمقصود.
الشرط الثالث: إذا كان هناك تناقض بين أجزاء العقد.
ولذلك، المشرع المغربي، في الفصل 462، ينص على ما يلي: "يكون التأويل في الحالات التالية." وقد عددها المشرع، وهي ثلاثة. هذا يعني مبدئياً، أن المحكمة لا يحق لها التأويل. وعندما تضطر إلى التأويل، فيتعين أن تتقيد بمقتضيات الفصل 462 من قانون الالتزامات والعقود.
كذلك، يوجد إلى جانب التفسير، أو التأويل، ما يسمى بالتكييف، أي تكييف العقد. والتكييف، إما تكييف قضائي، وإما تكييف تشريعي. لماذا؟ لأن مسألة تكييف العقد، إشكالية فلسفية، تحكمها نظرة المشرع إلى النصوص القانونية. كما أن التكييف يعتبر مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالحق، فلا يتصور بمعزل عن الحق. ولو عرض عن القضاء، لأن التكييف يعد عملاً مستقلاً عن علم العقد، وهو العمود الفقري، الذي ينهض لتبرير حكم المحكمة.
ونرى أن التكييف يفرض نفسه اليوم، نظراً لأمواج العولمة الزاحفة، التي تفرض على القانون المغربي، أن يواءم من التشريعات المقارنة. وعليه، تظهر مدى نجاعة النصوص القانونية، في تحقيق فكرة العدالة، التي تم تحقيقها جميع التشريعات. وهذا ما عنى به المشرع في الفصل الثالث من قانون المسطرة المدنية، بقوله: "يتعين على القاضي أن يبت في حدود طلبات الأطراف، ولا يصوغ له أن يغير تلقائياً موضوع أو سبب هذه الطلبات، ويبت دائماً طبقاً للقوانين المطبقة على النازلة، ولو لم يطلب منه ذلك بصفة صريحة."
ويظهر لنا، أن المسألة لا تتطور، أي مسألة تكييف عملياً، إلا عند عرض النزاع على القضاء، بحيث لا تتحرك مسألة التكييف، إلا إذا تحركت الحقوق والنزاع بشأنها. والأصل، أن القاضي، وهو يبث في النازلة المعروضة عليه، أن يبحث في فلسفة العدل، في النص القانوني، الذي انتهى إلى تطبيقه على النازلة. وإن كان المشرع لم ينظم التكييف، كما تناول تأويل العقود.
ويوجد إلى جانب التكييف القضائي، ما يسمى بالتكييف التشريعي، وهو التكييف الذي يرسمه المشرع، بمناسبة ظهور غموض، بخصوص ما عناه من نص قانوني. وهو ليس التكييف التشريعي، ليست تطبيقاً للقانون، وإنما يأتي عبارة عن توجيه لإرادة المشرع، التي قصدها من النص الأصلي. وإن كان يلاحظ، أن التكييف التشريعي نادر، بالمقارنة مع التكييف القضائي.
ونرى أن التكييف القانوني للعقد، لا جدال حوله. والسؤال الذي يطرح، هل تخضع عناصر العقد للمسؤولية، أو عناصر هذا التكييف، أو ما ينتج عن هذا التكييف من إشكالات؟ هل تخضع لمراقبة المحكمة الأعلى، أم لا؟ الجواب يكمن في رأينا، أن التكييف يتطلب من المحكمة، أن تأخذ بعين الاعتبار ثلاثة أمور أساسية: الوقائع المعروضة عليها، والنصوص القانونية المطبقة، أخيراً، وسائل الإثبات.
ولذلك، فإن المحكمة، في خضوعها لمحكمة النقل، تراقب من زاوية الوسائل البوتية، التي وضعها، تراقب من زاوية الوسائل البوتية، التي وضعها المشرع لحكم النازلة. ويلاحظ عملياً، أنه إذا كانت عبارة العقد واضحة، فلا مجال لمحاولة، بطبيعة الحال، التكييف، أو البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين.
ويوجد إلى جانب التكييف، ما يسمى بتأويل العقد. وقد أشرنا إليه، وقلنا بأن الغاية المتوخاة، طبيعة المعاملة، وما ينبغي أن يتوفر من ثقة، بين المتعاقدين. ولذلك، نجد أن المشرع، في باب تأويل العقد، نحن توارثنا التقديس والاحترام لقضائنا، ولن نزداد إلا احتراماً وتقديساً لهم، مع الأيام. لكنهم فيما يتعلق بالعقد، العقد مشرع يعتبره قانوناً بالنسبة لعاقديه. ودور المحكمة، أن تطبق القانون. الفصل 2 من قانون الالتزامات والعقود، لا أن تؤوّل العقد.
ولذلك، إذا احتاجت إلى التأويل، يتعين عليها أن تتقيد بالمقتضيات القانونية الضابطة، التي رسمها المشرع، في الفصول من 463 إلى 473 من قانون الالتزامات والعقود.
ويطرح إشكال في هذا الباب، ونحن نبحث العقد كمصدر من مصادر الالتزام. الآن، العقد أصبح لا جنسية له. التوعية بالقانون، أصبحت مطلباً جماهيرياً. العولمة تزحف علينا. ظهرت عقود كثيرة، تنعقد بوسائل اتصال حديثة، كشراء المخطط، والشراء العفوي. هذه كلها أمور شرحناها بتفصيل في كتابي، صدر في أبريل سنة 2010، تحت عنوان "العقد الإلكتروني"، وتناولت فيه العقد الذي ينعقد بواسطة الإنترنت، والإشكالات التي يطرحها هذا النوع من العقود، بنتيجة العولمة الزاحفة علينا، التي يتعين علينا أن ندخل في هذه الغمار، شئنا أم أبينا. ومن لم يواكب العولمة، فكأني به ينتحر.
ولذلك، سأسوّق فكرة، حول ما يسمى بمفهوم السلطة التقديرية للمحكمة. نجد دائماً المشرع، في باب العقد، يتحدث عن السلطة التقديرية للمحكمة. لم يحدد المشرع معنى السلطة التقديرية، ولا تطبيقات السلطة التقديرية. حاولنا انطلاقاً من قانوننا المغربي، ونحن ندرس هذه المادة، لمدة فوق 30 سنة، أن أتحدث عن مفهوم السلطة التقديرية.
لأن القاعدة القانونية الناظمة لسلوك الفرد داخل الجماعة، هي قاعدة ذات ارتباط وثيق بالظروف الاجتماعية والاقتصادية، والبيئة، والدين، والتقاليد، ومفهوم النظام العام الغامض، والأخلاق والآداب العامة، وما تعارف عليه الناس من نمط الحياة. ويدخل في هذا، الأعراف والتقاليد. والقاعدة، أن النص القانوني، لا يستوفي السلامة، إلا إذا استجاب للواقع العملي.
وعندما نقول، بأن المحكمة لها سلطة تقديرية، فمعنى هذا، أن القاضي يتعين عليه، أن يبقى في الحدود المرسومة للسلطة القضائية، وهي تطبيق النصوص القانونية، ولا يلجأ إلى تأويلها، وأعمال سلطته، إلا إذا اقتضت الظروف النازلة الغامضة ذلك. كما أن سلطته تفرض عليه، أن لا يلجأ إلى تأويلها العقود، إلا بصدد النوازل، الذي تعرض عليه، لأن القضاء ليس مرجعاً للفتوى.
ولذلك، فإن السلطة التقديرية للمحكمة، يتعين أن تراعي المشروعية، وأن تحتاط من السعة والضيق، لأنها وسيلة لتحقيق الحكم، الذي قرره المشرع بنصوص قانونية. ويلاحظ عملياً، المتأمل، أن السلطة التقديرية للمحكمة، والحديث عنها، والبحث عن قواعد لضبطها، مجالها تطبيق النصوص القانونية. لذلك، يتعين على القاضي، في إطار أعماله لسلطته التقديرية، أن تكون غايته تمحيص النازلة المعروضة عليه، وإدراك الوقائع المكونة للنازلة، ومحاولة الملائمة بين الواقع والنص. والكل، مع التقيد بالاختصاص الضيق والدقيق للسلطة التقديرية للمحكمة.
وهذا يفرض على المحكمة، وعلى القاضي، تقييم واقعة معينة. وهذا التقييم، يخضع بالأساس، لسلطة القاضي. ثم البحث عن النص القانوني، الذي يحتضن هذه الواقعة، مع الأخذ بعين الاعتبار، ما يمكن أن ينتج عن هذا التأويل، تأويل انعكاسات على حقوق الأفراد. وهذا يفرض على القاضي، القيام بنوع من سلطة الملائمة، بين الواقع والنص القانوني، وانعكاس هذا المبدأ، على الوقائع التي تعرض عليه مستقبلاً. وستتجلى السلطة التقديرية، من خلال تقديمنا لبعض التطبيقات العملية، في حقل العقود.
ولذلك، إذا كان العقد يخضع لإرادة المتعاقدين، وهو قانونهما، كما قلنا، الذي يحكم علاقاتهما، والذي يمثل إرادتهم الحقيقية، فإن المشرع يضع من القواعد والضوابط، ما يجعل العقد محروساً، لإسعاد متعاقديه. ولذلك، يعود للمحكمة، وللقاضي، تقدير ما إذا كان العقد قد انعقد، أم لم ينعقد. تقدير رضاء المتعاقدين، على العناصر الأساسية. تقدير عنصر التراضي. تقدير العناصر الأساسية، الصالحة لتقييم العقد. يقدر هذه العناصر الأساسية، ومداها، في ترتيب آثار العقد.
لماذا؟ لأن هذه العناصر، ومداها، لا يعود تقديرها للطرفين، بل إن السلطة القضائية، هي التي تزينها، وتمنحها الحماية القانونية اللازمة، عن طريق أعمالها، أو استبعادها، من حقل التعاقد. وهذه الآثار تختلف، بما إذا كان المشرع يأخذ بنظرية الإرادة الظاهرة، أو الإرادة الباطنة، في التعبير عن الإرادة. ويختلف ترتيب آثار العقود، بحسب نوع الإرادة. كما أن الإدارة تعين في تأويل نية أطراف العقد.
وقبل هذا، يتعين على القاضي، أن يبحث عن الزمن، الذي نتجت فيه الإرادة، آثارها. فإذا كان تقديم إيجاب، يعتبر أول خطوة للتعاقد، يتعين على المحكمة، أن تبحث متى صدر الإيجاب بالمعنى القانوني. تحديد زمن الإيجاب. متى وصل الإيجاب إلى القابل. ما هو الرد المعتبر من القابل؟ قانون يقوم العقد. كل هذه الأمور، تخضع للسلطة التقديرية. لأن الأمر ليس أن ينعقد العقد، أو لا ينعقد، بل فيما يرتبه العقد من آثار، في هذا الباب.
ولذلك، نجد أن المشرع رسم للمحكمة، سلطة تقديرية، ولم يكتفِ، على سبيل المثال، بإيراد العيوب التقليدية، العيوب الإرادة التقليدية، بل منح المحكمة، سلطة تقديرية، لإبرام العقود، لابطال العقود، التي تبرم في حالة المرض، والحالات المشابهة إليها. وكما أن الاجتهاد القضائي، يسير في هذا الاتجاه، وهو ما طبقته المحكمة الابتدائية، ومحكمة الاستئناف، ومحكمة النقد، في حكم صدر في 12/5/1980، وهو حكم غير منشور. واقتنعت المحكمة، بأن تقريباً في هذا الحكم، تعمدت إرادة، أنه اجتمعت فيه كل عيوب الإرادة، وقررت المحكمة تجريد هذا العقد، من جميع الآثار.
ولذلك، يلاحظ أن السلطة التقديرية للقاضي، تطرح بدورها، رسم نطاقها وحدودها، وإلى أي مدى، يمكن أن تقف هذه السلطة. كما أنه في مجال تنفيذ العقود، يقوم ما يسمى بالقوة القاهرة، والحادث الفجائي، والظروف الطارئة، وما إلى ذلك، من الأمور، التي تمنع، أو تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً. كل هذا الأمر، يعود للسلطة التقديرية للمحكمة.
ويكفي هنا، أن أذكر، أنه بالرجوع إلى كتاب "الوسيط في التأمين البحري"، قد تعرضت للسلطة التقديرية للمحكمة، في حق عقد التأمين البحري، الذي يتناول أكثر من 98% من الأموال، التي تمر عبر البحر، بطبيعة الحال. وقد بسطت في هذا الكتاب، الإشكالات التي تطرحها السلطة التقديرية.
وأخيراً، سأتحدث عن فكرة أساسية، هو أن المشرع، إذا كان قد نص على أن مصادر الالتزام هي العقد، والإرادة المنفردة، والإثراء بلا سبب، والمسؤولية التقصيرية، فإن الإشكال الذي يطرح، هو أنه إذا كانت الإرادتان تنتجان العقد، فهل تستطيع إرادة واحدة، أن تنتج العقد؟ الجواب، أن الإرادة، أن الإرادة المنفردة، يمكن أن تنتج الالتزام، ولكنها لا تنتج العقد.
ولذلك، سنجد أن المشرع بحث باب الإرادة، واعتبرها مصدراً من مصادر إنشاء الالتزام. ويلاحظ أن المصدر العام لإنشاء الالتزامات، هو العقد، والإرادة المنفردة، مصدر استثنائي. ولذلك، برجوعنا إلى القانون المغربي، نجد أن المشرع أورد الإرادة المنفردة، كمصدر للالتزام، بعد العقد. أي أنه أبقى على العقد، كمصدر أساسي، واعتبر الإرادة المنفردة، مصدراً ثانوياً.
والواقع والعملي، أن الإرادة مصدر لإنشاء الالتزام. إرادة المدين، هي التي تنشئ الالتزام. ولذلك، سنجد أن الإيجاب الملزم، مثلاً، هو خطوة أولى للتعاقد. هذا النوع من الالتزام، ينشأ بإرادة موجب الفصل 29. قانون الالتزامات والعقود. الوصية، تنشأ بإرادة الوصي، وهي رف حاصل من شخص في ماله، يضاف إلى بعد موته، بحيث تنشأ بإرادة منفردة، الوصية. أي ينشأ التزام.
الحبس، ينشأ بإرادة منفردة. ولذلك، المشرع يعرف الحبس، بأنه أموال أوقفها المحبس المسلم، ويكون التمتع بها، لفائدة أنواع المستفيدين، الذين يعينهم المحبس. من أنشأ الحبس؟ المحبس. ولذلك، فإن الحبس يأخذ حكمه، بمجرد تعبير المحبس عن إرادته، والتزامه بوقف هذه الأموال، على جهات معينة، وعلى أشخاص معينين.
كذلك، السند لأمر، أو الحامل. فمن يوقع هذا السند لأمر، أو الحامل، ينشئ بإرادته المنفردة، تجاه شخص معين، أو سيعين مستقبلاً، وهو الشخص المظهر إليه، أو الحامل، ينشئ لفائدته هذا السند.
كذلك، الوعد بجائزة، الذي أنضمه المشرع بالفصول من 15 إلى 18، ينشئ هذا الالتزام بإرادة الواعد، لفائدة الموعود له.
كذلك، وثيقة الشحن البحري، تعتبر ورقة تجارية، تنشأ عنها التزام بإرادة الملتزم.
وفي الختام، بعد أن وقفنا عند الخطوط العريضة للعقد، كمصدر من مصادر الالتزام، نقول بأن العقد، يعتبر أداة تداول الثروة، داخل المجتمع. ولذلك، يشبه القيمة، عند الاقتصاديين. ولذلك، العقد وتنظيم العقد، واحترام إرادة المتعاقدين، يساعد على تقدم المجتمعات. لأن العقد، هو وسيلة لحفظ الأموال والحقوق. وحفظ الأموال والحقوق، يتطلب من يسهر على تطبيق هذا النوع من العقود، أن يدرك أهمية النصوص القانونية، وأهمية الحقوق، وأهم الأموال.
لا سيما، أننا نعيش في زمن، اكتسحت العولمة، وظهرت عقود جديدة، لم تكن معلومة. ويتعين علينا، أن نتعايش مع هذا المجتمع. لأن العقد، يعتبر علماً قائماً بذاته. والآن، العقد يعتبر لا جنسية له، في جميع التشريعات، بنتيجة العولمة. والسلام عليكم.