Transcription
[موسيقى] بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين. الأخوة الكرام، طابت أوقاتكم بكل خير. في الحلقة السابقة، ونحن نتحدث عن الإرادة، أو مفهوم الإرادة عند العبد، ندخل مباشرةً لنتفحص ونرى كيف تعمل إرادة الله سبحانه وتعالى. لا شك أن لله إرادة، إرادة حرة، إرادة مطلقة. فإذا كانت إرادة الإنسان حرة، فلا شك أن إرادة الله سبحانه وتعالى هي المطلقة، لأنه في فرق ما بين الحرية، وفي فرق ما بين الإطلاق. أنت ممكن تكون حر، لكن ما مطلق، لأن الحرية في النهاية هي محكومة بإطار.
إذن، الإرادة التشريعية هي رغبة وتوجه البرنامج الإلهي، يعني القانون اللي إحنا عرفناه، القانون القائم على أنظمة السنن الكونية، له توجه واهتمام محدد. هذه هي الإرادة الشرعية، أو الإرادة التشريعية. يعني أنت انسجام أنظمة السنن الكونية، ماشي في اتجاه معين واحد. زي شنو؟ يعني في اليسر، كل ما أنت فعلته مجموعة من القوانين الضابطة لحركة الوجود، تفعيل صحيح، بتقودك للإيسر، بتقودك في النهاية النتيجة لليسر. عشان كده قال: "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر".
طيب، في سؤال: هل اليسر واقع الآن وفق هذه الإرادة الإلهية لكل الناس؟ الإجابة: لا. يعني ما في عشرة حاصل، في عسر حاصل. هل العسر الحاصل الآن غصبًا عن إرادة الله؟ لا طبعًا، لأن الإرادة شرعية من الأساس، وليست إرادة قدَرية تكوينية، هذه التي سنتحدث عليها إن شاء الله في الحلقة القادمة. نحن الآن في الإرادة التشريعية، قوانين أنظمة السنن الكونية، خلقها الله سبحانه وتعالى، والتوجه بتاع نحو اليسر، ونحو الرحمة، رحمته سبقت غضبي، ونحو العدل، ونفي الظلم. يعني الرغبة الواعية لقانون أنظمة السنن الكونية، موجهاته، إرادته، موجهاته نحو اليسر، ونحو الرحمة، ونحو العدل والقسط، ونفي الظلم. عشان كده بتقول: "وما الله يريد ظلمًا للعباد". كم من الظلم! بل هو واقع ليس من الإرادة التشريعية لله، لا من الإرادة التشريعية ولا الإرادة التكوينية، وإنما هو واقع من من الإنسان. فالإنسان هو العاكس رغبة أنظمة السنن الكونية، بتفعيل الظلم. نحن تفعيل الظلم من ضمن المشيئة، من ضمن قوانين الوجود. ربنا أودى عليك، وما الله يريد ظلمًا للعباد. "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض فنجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين". هل كل من استضعفوا تحققت لهم هذه الإرادة بأن يكونوا أئمة ويكونوا الوارثين؟
ولذلك تأتي في القرآن دائمًا، يا جماعة، بالفعل المضارع، أو ما نسميه نحن بالفعل المضارع - التسمية كمصطلح ما صحيحة، وليس هذا موضع التفصيل فيها - اللي هو لما تجي بالفعل المضارع، الإرادة منسوبة لله، بالفعل المضارع هذه ليست إرادة حتمية، لا، هي التوجه والرغبة التي ضبطت عليها أنظمة السنن الكونية. إرادته كانت كده في الاتجاه ده، لكن أنت ممكن تعاكسها، ترتكب الظلم، وما الله يريد ظلمًا للعباد. تفعل العسر، والله يريد اليسر. تفعل الغضب، والله يريد الرحمة. ولذلك القضية دي وقع فيها التباس عند إخواننا الشيعة، في آية التطهير: "إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا". ما قال: "إنما أراد الله". لو أن الآية جاءت بالفعل الماضي، كما سنبين في الحلقة القادمة، لن تأتي الأمر أصبح قدري حتمي واجب النفاذ شاء من شاء وعظم من أبى. لكن لا، جاءت بالإرادة، يعني إرادة التطهير لأهل البيت كانت إرادة تشريعية، رغبة واعية لأهل البيت أن يذهب الله عنهم الرجس ويطهرهم تطهيرًا. بس عشان هذه الإرادة التشريعية يتحقق التطهير واقعًا يستوجب عليهم أن يقوموا بأسبابه. يعني ما مجرد أن ربنا أداك إرادة شرعية معناها بتتحقق لك، إلا بتدفع فواتير. أنت عشان كده بيقول لك: "إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا". أهل البيت المخاطبين في هذه الآية، إن لم ينضبطوا ضمن رغبة أو ضمن آراء إرادة الإلهية التشريعية، لن يتحقق لهما التطهير، ولن يذهب عنهم الرجس. بس خصصت على أنه أنشأت لهم رغبة شنو؟ إلهية، ولكن تشريعية وليست حتمية. "إنما يريد الله"، لأن ما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم. وحتى كمان جاءت "إنما"، يعني لو جاءت "أن الله يريد"، تقول في توكيد، لا، "إنما" كافة ومكفوفة معروفة، وما لم تدخل على أن بطبطي العملة. "إنما الصدقات للفقراء والمساكين"، يعني يبقى الصدقات للفقراء والمساكين. "إنما النسيء زيادة في الكفر"، النسيء زيادة في الكفر. "إنما يريد الله ليذهب عنكم أهل البيت ويطهركم تطهيرًا". إذًا هذا هو مفهوم الإرادة التشريعية، أنه يا جماعة، قلنا الإرادة الشرعية عند الله سبحانه وتعالى ليست حتمية التحقق والوقوع، وإنما المناط به تفعيله لكي تتحقق هذه الرغبة الابتدائية في هذا الاتجاه تتوقف على تفعيل الإنسان. فالله لا يريد ظلمًا للعباد، فيجب على الإنسان أن يفعل قوانين العدل والقسط حتى ينتهي الظلم. يريد الله من اليسر، يجب نحن أن نفعل قوانين اليسر، ونبتعد عن قوانين التعسير، أو نبتعد عن التعسير عن الناس. فإن الرغبة والإرادة قد أنشئت ابتداءً لتحقيق هذه اليسر لا محالة.
أحبتي، في الحلقة القادمة بإذن الله نقف على آخر محور في مفهوم الإرادة، وهي الإرادة الحتمية التكوينية الإلهية، واجبة الحدوث والنفاذ، إلى أن ألقاكم. أترككم في حفظ الله ورعايته، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. [موسيقى]