Transcription
[موسيقى] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين. فيها قواعد التعامل مع النص القرآني، وتحديداً قاعدة توقيفية: الرسم القرآني ذو المنطوق الواحد والدلالات المتوقفة عليها. في الحلقة السابقة، تحدثنا وقمنا بشرح كلمة "شيء" عندما اختلف الرسم، واتحدثنا عن كلمة "الآن" عندما اختلف رسمها من سياق إلى سياق. وقلنا إن الأمثلة كثيرة لا يمكن أن تُحصَر ولا تُعَد، بل قد تنتهي من عمر الإنسان وهو يبحث في هذا الجانب من الكنوز والمعاني والدلالات المترتبة على الرسم القرآني.
فمثلاً، كلمة "الميعاد" في القرآن الكريم جاءت في أربعة مواضع. في موضع واحد حُذفت الألف، كلمة "الميعاد" لا تجد الألف، وفي ثلاثة مواضع أخرى نجد أن الألف مثبتة. عندما يُثبت الألف في كلمة "الميعاد"، إشارة على أن الميعاد الموصوف هنا ميعاد بعيد لم يتحقق إلى الآن، بل هو بعيد. عندما يتحدث الله سبحانه وتعالى عن ميعاد الآخر واليوم الآخر: "إن الله لا يخلف الميعاد"، تجد الألف. الألف هي الإشارة إلى أن هذا الميعاد لم يأتِ زمانه بعد، إشارة للبعيد. "ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد"، ستجد الألف أيضاً. قوله تعالى: "ربنا آتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إن الله لا يخلف الميعاد". ولكن في موضع واحد في القرآن الكريم جاءت كلمة "الميعاد"، مع أن النطق أو اللفظ واحد، ولكنها جاءت محذوفة الألف مكتوبة "الميعد".
انظروا إلى فرق الدلالة والمعنى، وهو الميعاد الذي وقع بين جيش النبي عليه الصلاة والسلام وجيش المشركين في ميعاد غزوة بدر. ونحن نعلم أن غزوة بدر قد انتهت. قوله تعالى: "إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم في الميعاد". نحن ننطقها "الميعاد"، ولكنه محذوفة الألف. إذا رجعت إلى القرآن الكريم ستجد أنها "الميعد". والألف، والألف الخليل، وليس ألف مدّ مثلث، ليس هذا فرق واضح في الدلالة.
الآن يأتي السؤال المحوري: ماذا نستفيد من الرسم القرآني؟ ما هي الحكمة المترتبة على الرسم القرآني؟ طوال هذه الحلقات ونحن نشرح عن هذه القاعدة، ماذا يستفيد المشاهد؟ ماذا ينتظر المشاهد أن يستفيد، أو الحكمة، أو الغاية، أو الهدف؟ لابد أن الحكمة من القرآن الكريم تقودنا إلى أن الذي خطّ القرآن الكريم هو النبي عليه الصلاة والسلام بيده وبيمينه الشريفة، وأن الرسم القرآني رسم وخط توقيفي ينتهي إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وكلمة "توقيفي" بمعنى أنه وقف إلى النبي عليه الصلاة والسلام. كما نفهم نحن الآن، وزارة الأوقاف، أو هذا المنشأ، أو هذا مثلاً أي مشروع يُقال له "وقف لله تعالى"، لا يجوز بيعه. ماذا تعني كلمة "وقف"؟ إنه ينتهي التصرف فيه إلى من أوقفه، يعني ما في أحد يقدر يتصرف فيه. عندما نقول الرسم القرآني التوقيفي، ما في أحد يقدر يغيره، يعني لا يحق لك ولا يحق لي ولا لغيرنا أن يحوّل الرسم القرآني إلى الإملاء العادي، وإلا وقع العبث في 8,884 حرف في القرآن الكريم تحمل أوزاناً من المعنى. إذا هو وقف. هذه قضية خطّه النبي عليه الصلاة والسلام.
الحكمة الرابعة، وهي الأهم: الآلية الحسية الوحيدة الدالة على حفظ القرآن الكريم. ذكر قوله تعالى: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون". ليس هذا دعاء، إنما بيان بالعمل، مشاهد. ولو أي شخص حاول أن يعَبث في منظومة الرسم، لغير فيه، وبالتالي لا أحد يستطيع أن يستظهر القرآن من حفظه ويتقيّد بالرسم الموجود في المصحف. هذه آلية الحفظ. وننتبه على أن الله سبحانه وتعالى لم يقل: "إنا نحن نزلنا القرآن وإنا له لحافظون". لو أن الآية قالت "القرآن"، لم يستطع أحد أن يؤوّل فيه أو يُفسر فيه. إنما تتحدث عن "الذكر"، والذكر هو وصف من أوصاف القرآن. ويعني الفيديو، الصورة، والصوت، لا تستطيع أن تدخل آية واحدة في منظومة النص إلا أن تكون عالماً ما هي مدلولات الرسم فيه. هذه من الحكم العظيمة من الرسم القرآني.
وبالجمله، كل هذه الحلقات التي تحدثت فيها معكم عن الرسم القرآني، أريد أن أدخل منها إلى القاعدة الأم التي بُني عليها كل هذا البرنامج، وهي مكان اتفاق بين المفكرين المعاصرين، ولم يُفيد عنها أحد، وهي: نفي التعارض، تطابق المعاني. طيب، علاقة الرسم ببني التطابق، شنو هي؟ ضرورة عقلية منطقية للتفكير الثانية، وهي: إذا كان اختلاف رسم الكلمة ذات المنطوق الواحد أدى إلى اختلاف في المعنى، كلمة واحدة اختلف رسمها من هنا إلى هنا، بناءً على هذا الرسم اختلف المعنى، يصبح كضرورة منطقية لابد منها، ومن المستحيل عقلاً أن تختلف كلمة عن الأخرى في الرسم والنطق والأحرف، ومن ثم تتمثل في المعنى. إذا كانت كلمة "القواعد"، والقواعد من النساء اللاتي لا يريدون نكاحاً، يتحدث عن قاعدة الأسرة، الجدة الحبوبة التي تفرعت منها الذرية، وصفها الله بأنها قاعدة، ويتحدث عن قواعد خرسانية من الطوب والإسمنت، "ويرفع إبراهيم القواعد من البيت"، اختلف الرسم من هنا إلى هنا، لا يمكن أن أقبل منك واحداً. لا يمكن أن أقبل منك مفهوم "الذين كفروا" و"الكافرون" و"الكفار" و"الكافرات"، معناها واحد. لا يمكن أن أقبل منك "الوفاة" و"الموت"، معناها واحدة. لا يمكن أن أقبل منك "الذين آمنوا" و"المؤمنون"، معناها واحد. لا يمكن أن أقبل منك "الذين هادوا" و"اليهود"، معناها واحد. لا يمكن أن أقبل منك "الذين أوتوا الكتاب"، الذين أوتوا الكتاب، الذين قالوا إنا نصارى، والنصارى، معناها واحد. لا أقبل منكم، ولا أقبل منك، ولا أقبل منك في القرآن الكريم، فشرت في منظومة التفاسير على أنها متطابقة وتحمل معنى الواحد. إذا هذه القاعدة سترتب عليها عشرات القضايا الفقهية والأحكام التشريعية التي نهدف منها إلى تغيير الواقع المريح، وهذا ما سنستفيد في الشرح فيه في الحلقات القادمة، وربما في الحلقات الحوارية من هذا البرنامج. إلى أن ألتقي بكم، أترككم في حفظ الله ورعايته. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. [موسيقى]