Transcription
[موسيقى] بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الإخوة الكرام، لكم التحايا. ماذا للحديث متواصل عن هذا الباب، السلطة التشريعية لروايات السنة؟ وخلصنا في الحلقة السابقة إلى إيضاح الفرق بين البعث وبين الإرسال، وأن الرسول هو مبعوث في أم القرى ومن حولها، وبالتالي هو مبعوث في الأميين وللأمّيين، بينما وظيفته للناس كافة وللعالمين، وللعصر ما بعد ختام الرسالات إلى أن تقوم الساعة. إنما هو الرسول فقط، وبالتالي ما عليه إلا البلاغ. ووصلنا إلى أن ما صدر عنه من أقوال وأفعال وتقريرات، نأخذ منها الحكمة والعبرة والعظة، ولكنها ليست وحيًا مستقلًا بالتشريع، وليست الدين، إنما هي تاريخ يخضع لسلطة وسلطة النص القرآني.
في هذه الجزئية أيها الإخوة الكرام، نقف عند الحكمة من نزول القرآن مفرقًا. وهذا موضع إجماع بين السابقين واللاحقين، لم يشذ منه أحد، أن القرآن لم يكن جملة واحدة. بل كان هذا من ادعاء الذين كفروا. وقرأنا: فرقناه لتقراه على الناس على مكث، ونزلناه تنزيلًا. وفي الآية الأخرى: وقال الذين كفروا: لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة؟ كذلك لنثبت به فؤادك، ورتلناه ترتيلًا. إذًا القرآن نزل مفرقًا على امتداد زمني 23 سنة، ولم يكن جملة واحدة. ما هي الحكمة؟ ما هي الحكمة؟ أولًا، الحكمة جاءت في الآية الأولى: كذلك لنثبت به فؤادك، ولم تقل: لنثبت به قلبك. فَقَلْبُ النبي لا يزيد. وذكرت لكم في حلقات سابقة أو في الحلقات اللاحقة أن مفهوم الفؤاد هو المسؤول عن المشاعر والعواطف والإحساس الغريزي. هذا هو الفؤاد، ويشترك فيه الإنسان والحيوان. فمشاعر الإنسان وعواطفه تنبع من الفؤاد، عملية الفت، وليست من القلب، عملية التقليب، التعقل والتفكر يأتي من القلب، لا يأتي من الفؤاد.
إذًا النبي عليه الصلاة والسلام، بمشاعره وبحسن ظنه وإرادة الخير للآخرين، تصدر منه قرارات غير صائبة، ولا يتعمد الخطأ، إنما وفقًا للمشاعر والعاطفة، يريد أن يدخل الناس في دين الله أفواجًا، وعن طريق هذا الإحساس والفؤاد تصدر منه قرارات مجانبة لمراد الله سبحانه وتعالى، فتنزل الآيات لتثبت فؤاده عن هذه القرارات. اذهبوا إلى سورة الإسراء، قوله تعالى: وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره، وإذا اتخذوك خليلًا، ولولا أن ثبتناك، انظروا إلى التثبيت: لنثبت به فؤادك، وهنا: ثبتناك، ولولا أن ثبتناك لقد كنت لتَرْكَن إليهم شيئًا قليلًا، فإذًا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات، ثم ثم لا تجد لك علينا نصيرًا، وإن كادوا ليفتنونك. إذًا الحكمة من نزول الآيات متفرقة هي لتثبيت فؤاد النبي عليه الصلاة والسلام. والنبي نزلت هذه الآية وهو على مكث. وما معنى الفرق بين المكث والانتظار؟ ومفهوم اللف؟ أم كثوا لابثين فيها أحقابًا، ماكثين فيه أبدًا؟ هنالك لا بد من مراعاة الفرق الدلالي بين المكث واللبث. الماكث هو الذي يقضي فترة زمنية وينتظر قدوم قادم، ولكنه يمارس حياته بطبيعته، بطبيعته. ده الإنسان الماكث يا جماعة. أما اللاّبث، هذا مقيم، اللاّبث ده مقيم، ما بينتظر قدوم أمر ما. الماكث ينتظر قدوم أمر عليه، ولكنه يقوم بكامل التصرفات في الحياة. لذلك قال: وقرأنا فرقناه لتقراه على الناس على. إذًا النبي عليه الصلاة والسلام كان ماكثًا، وينتظر قدوم تنزل الآيات، وهو يتصرف مع أفراد دينه، فيصدر لهم القرارات والأحكام التشريعية كقائد جيوش، وكقاضي، وكمدير تنفيذي، وكرئيس دولة، تصدر منه هذه القرارات وهو ماكث معهم، وينتظر تنزل الآيات على مكثه. أولًا لتثبت به فؤاده، ولتصوبه عن بعض القرارات التي لا يريدها الله سبحانه وتعالى.
وهنا مباشرة سندخل إلى قضية: هل تصرفات النبي عليه الصلاة والسلام هي قبلية لنزول الوحي أم بعدية؟ بمعنى آخر: هل النبي كان يقف صامتًا مكتوف الأيدي حتى تنزل الآية ويقوم بشرحها للصحابة؟ أم أنه كان يتصرف اجتهادًا من عنده، فإذا جاوز مراد الله سبحانه وتعالى تأتي الآيات للتصويب؟ وهذا هو الصواب، أن النبي ما كان صامتًا، كان يتصرف كقاضي. ومن هنا مباشرة تسقط مفهوم عصمة النبي، مفهوم عصمة النبي عن الخطأ مطلقًا يا جماعة، هذا إساءة للنبي، لأنك تحوّله لإله، قرارات بل إذا تطرقنا للوقائع التاريخية نفسها في الفقه الموروث أو ما تورثناه من هذه القضايا، نجد أن النبي لم يكن معصومًا، إنما ينشئ قرارات ذاتية من عنده، تصوب أحيانًا كثيرة بالوحي، تصوب أحيانًا كثيرة بالوحي. وفي الرواية أنه لا يأتي نِي الخصمان، عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: إنه ليأتيني الخصمان فيكون أحدهما أَحَنُّ بحجته من أخيه، فَمَنْ قضيتُ له إنما هي قطعة من النار فليأخذها أو يتركها. في مضمون الحديث يعني النبي بيقول شنو ببساطة كذا قال: بجنونيه اثنين، ويكون واحد حنكه سنين، محنك يعني حجته أحنّ في الحجة من أخيه، مع أنه على باطل، قال: فأقضي له. أنا أقول: أين من يدّعون أن السنة وحي آخر؟ النبي يقضي له وفق المعطيات والقرآن التي قدمها صاحب الباطل. فأقضي له، قلب نحو ما أسمعه، قال: فمنْ حكمتُ له، أو في معنى الحديث: قضيتُ إليه من حق أخيه، فَإنَّما هي قطعة من النار. أين مفهوم العصمة هذه في الروايات؟ أما إذا ذهبنا إلى القرآن الكريم: يا أيها النبي لما تحرم ما أحل الله لك؟ وكلمة: وكلمة لما لا تقال أصلاً إلا بعد وقوع الحدث. أنا أقول لك: لماذا ذهبت إلى الخرطوم؟ هذا يقتضي أنك ذهبت إلى الخرطوم فعلاً، وليست تحذيرًا، استماع باقي، كلمة لما لا تقال إلا بعد وقوع الحادثة. قال تعالى: عصى الله عنك مخاطبة النبي، عصى الله عنه: لما أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا، وتعرف الكاذبين. عندما أذن المنافقين في القعود في غزوة تبوك، أو كما جاء في الروايات، ما الله سبحانه وتعالى يقول له: ما كان لك أن تأذن لهم، عفا الله عنك لما أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعرف الكاذبين. والشواهد لا حصر لها على أن الآيات هي التي تتنزل لتقوم بتوجيه النبي فيما يريده الله سبحانه وتعالى. وبالتالي نصل إلى نتيجة مهمة جدًا وخطيرة، وهي أن تصرفات النبي تنسخ أو تلغى، لأن مفهوم النسخ عندي أمر آخر لا علاقة له بمفهوم الإلغاء. أن توجيهات النبي تلغى بنزول الآيات للعكس، كما توارثناه في التفاسير. إلى أن ألقاكم في الحلقة القادمة، أترككم في حفظ الله ورعايته، السلام عليكم ورحمة الله. [موسيقى]