Transcription
يقول ابن خلدون: المغلوب مولع بتقليد الغالب. وأزيد: بل يقلد المغلوب خيال الغالب عنه، فكأن الغالب ينحت المغلوب بخياله نحتاً. يغزو أوروبي بلداً أفريقياً ويسمي أهله سوداً قياساً إلى نفسه، وكأن الأصل في البشرية البياض، فيسمي أهل البلد المغزو أنفسهم سوداً اتباعاً له وانصياعاً لتصوره عنهم. ويستتبع هذا اعترافاً ضمنياً منهم أن الأبيض هو الأصل الذي يقاس عليه، ويسعى له، ويتعلم منه. فيتبنى المهزوم هزيمته، ويغلب نفسه بنفسه.
وإنك تجد هذا في كل مناحي العلاقة بين الغالب والمغلوب، في السياسة، وفي الفنون والآداب، والعلاقات الاجتماعية، من قبول المغلوب بأن يسمي البلد الذي يرسم الغالب حدوده وطناً، إلى تقليده الغالب في طرز الملابس والأزياء، إلى أشكال العلاقة بين الرجال والنساء.
ولقد تخيل كثير من المستشرقين الغربيين في القرن التاسع عشر النساء في بلادنا على نمطين: فهن إما أشباح مغطاة من الرأس إلى أخمص القدم بثياب سوداء، أو راقصات نصف عاريات في حريم الولاة والسلاطين. نحن نعرف ذلك من لوحات الرسامين الفرنسيين إبان الحملة الفرنسية على مصر وبعدها، رسموا الحرائر في أجنحة الحريم، ثم الراقصات والغوازي في الشوارع. على أن أكثر هؤلاء الفنانين لم يغادروا مراسمهم في باريس قط، ولم يزوروا بلادنا، ولم يروا امرأة عربية أو عثمانية في شارع ولا دار. فكان ما رسموه خيال رجال غالبين عن نساء الأمم المغلوبة، تخيل الغانم للمغانم كما يشتهيها، ما كان منها محتجباً ممنوعاً يحارَب مانعوه حتى يتاح، وما كان منها متاحاً يُشتهى ويُتمنى.
وهي رؤية يمكنك تلخيصها في تخيل كثير من صناع أفلام السينما الغربية في أوائل القرن العشرين لزي الراقصة الشرقية، فيكون عندهم مزجاً غريباً بين لباس البحر الغربي ذي القطعتين والبرقع، يرونه بعين الرغبة وعين الفضول، فيه الاستباحة والامتناع والكشف والاحتجاب معاً. وغني عن القول أن ذلك الزي لم يكن يمت للواقع بصلة، حتى أعدنا نحن في المشرق اقتباسه منهم متبنين خيالهم عنا.
ومن ذلك ما كتبه جوزيف ماري مواريه، وهو ضابط قاتل مع نابليون في حملته على مصر والشام في مذكراته. فهو يقول إن النساء في بلادنا عامة لسن من النوع الذي يجذب انتباه الضابط الفرنسي لأنهن يتجولن في خُمُرهن فلا يرى منهن ما يعجبه. إلا أنه يخصص بضع صفحات من مذكراته لسرد قصة جارية من القوقاز زعم أنها مملوكة لتاجر تركي مصري. لا تجذب الجارية انتباه الفرنسي فحسب، بل تصبح هاجسه وهوسه، يرى حسنها الحسن كله، وأنها هي المرأة كما يجب أن تكون. ثم يروي الضابط طبعاً أن الجارية تقع في غرامه وتطلب منه أن يأخذها معه إلى فرنسا حين يعود، فيرفض متألماً ويعود كسير القلب ليشفق عليه قراؤه.
والقصة كلها خيال أضافها مواريه لمذكراته لكي يكثر قراؤها. فقد زعم الضابط أنه كان يلتقي الجارية الجميلة كل يوم لأن سيدها رجاه أن يعلمها الفرنسية. وغير خافٍ على من يعرف أقل القليل عن بلادنا وعاداتها في أواخر القرن الثامن عشر أن الرجال الأغراب ما كانوا ليدخلوا على الحرم، اللهم إلا إن كانوا أطفالاً لم يبلغوا، أو خدماً من غير ذوي الأرب، أو زَمْنى. وإن دخل إليهن معلم سليم الجوارح فإنه لا يخلو بهن، فكيف بجندي يغزو البلد يرجوه صاحب البيت أن يدخل على حريمه؟
بل نعرف من وثائق الفرنسيين والعثمانيين ومن عبد الرحمن الجبرتي مؤرخ ذلك الزمن والشاهد عليه أن النساء اللواتي كن يتعاملن مع جنود الحملة، ويسميهن الجبرتي مشاهير النساء تمييزاً لهن عن مساتيرهن، كن يتلقين عقاباً شديداً يصل إلى القتل في ثورتي القاهرة الأولى والثانية ضد الغزو على تبسطهن ذاك. لقد اخترع مواريه تلك الجارية اختراعاً وجعلها امرأة شهية محبوسة تحتاجه ليحررها، مازجاً بين خيالين: خيال القومية الفرنسية الثورية الرومانسية التي ترى نفسها قوة تحرر العالم، والخيال الأقدم للفرسان الصليبيين في الملاحم الإفرنجية منذ العصور الوسطى ينقذون الأميرة المحبوسة في البرج.
أقول اخترع مواريه الجارية تماماً كما اخترع نابليون مفهوم أمة مصرية لا هي من العرب ولا هي من المسلمين، بل هي فرعونية، وإن كان تسعة أعشار أفرادها يتكلمون العربية ويدينون بالإسلام. وقد اخترعها نابليون في منشوره الأول الذي وزع في الإسكندرية عشية إنزاله جنوده فيها ليغزوها، زاعماً أن المماليك والعثمانيين أجانب يحتلون البلاد احتلالاً وأنه جاء لتحريرها منهم. وكانت هذه من أوائل المرات التي استخدم فيها تعبير الأمة المصرية كمفهوم سياسي في العصر الحديث. وكانت الأمة المتخيلة تلك ذاتها أداة من أدوات احتلال البلد، تماماً كما اخترع مواريه تلك الصبية التي زعم أنها وقعت في غرامه فتحول بقدرة قادر من غازٍ إلى محرر.
لذلك فإن استقلال البلاد يبدأ باستقلال الخيال.