Transcription
بسم الله الرحمن الرحيم
اعزائي الطلبه، السلام عليكم ورحمه الله وبركاته. ها نحن اليوم نلتقي كذلك في الفيديو البيداغوجي السادس، تكمله لمحاضرات سياسه الدفاع في الجزائر، في الجزئيه الخاصه بالعقيده الامنيه للجزائريه: المفاهيم والمرتكزات. سنتناول في هذا الفيديو البيداغوجي المختصر ما تعلق بالمركز والمحددات الجوهريه في العقيده الامنيه الجزائريه، حيث نتناولها من ثلاثه ابعاد اساسيه. اولا، ما تعلق بالعامل التاريخي وتاثيره في رسم العقيده الامنيه الجزائريه، فضلا عن العامل الجغرافي، اي طبيعه الجغرافيا وتاثيرها في ضبط مفاهيم العقيده الامنيه الجزائريه. ضف الى بعد اساسي وهو العامل الايديولوجي في تحديد المرتكزات العقيده الامنيه الجزائريه. ولهذا يمكن القول ان عوامل كل من التاريخ، يعني البعد التاريخي، والجغرافي، والايديولوجيات، واضح في رسم العقيده الامنيه الجزائريه منذ الايام الاولى لفجر الاستقلال الجزائري.
هنا فيما يخص اولا العامل التاريخي وتاثيره في رسم توجهات العقيده الامنيه الجزائريه، يمكن القول ان منذ الاستدمار الفرنسي، بتاريخ يعني 1830، عمل بكل ما اتح من قوه على طمس الهويه الجزائريه، فضلا عن محاولته لاستغلال خيرات وثروات الشعب. وكان هذا التوجه مرتبطا اساسا بمحاوله اخضاع الشعب الجزائري واخراجه من انتمائه الاسلامي، وصولا الى خضوعه الى الاستدمار الفرنسي. لكن هذه النزعه التسلطيه، ومحاوله طمس الهويه الجزائريه والشخصيه الجزائريه، لطالما قبلت بِمقاومات شعبيه مختلفه، انطلاقا من الانتفاضات وحركات المقاومه الشعبيه، وصولا الى ما يعرف بالعمل السياسي الداخلي والخارجي، وصولا الى تفجير ثوره التحرير المباركه منذ الاول نوفمبر 54، كمنطلق وبدايه العمل المسلح لاسترداد واسترجاع السياده الوطنيه. ولهذا يبقى العامل التاريخي والمنطلقات الفكريه لثوره التحرير المجيده، وما تضمنته من افكار مرتبطه بترسيخ الهويه الجزائريه في بعدها الاسلامي، تعتبر احد اهم الروافد التي ساهمت في رسم وترسيخ مفاهيم العقيده الامنيه الجزائريه منذ فتره المقاومه الى فتره الثوره المجيده، وصولا الى فتره الاستقلال الجزائري. حيث كذلك ساهمت هذه الثوره بشكل عام في رسم المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي ميز الجزائر عقب ارجاع السياده الوطنيه من قبل المستدمر الفرنسي، من خلال الملايين الشهداء. اذا، عمليه بناء الدوله منذ فجر الاستقلال وبناء عقيدتها الامنيه ورسم التزاماتها الداخليه والخارجيه، لطالما خضع كثيرا الى البعد التاريخي الذي يمثل عاملا جوهريا يعتز به الشعب الجزائري، كما تعتز به مؤسسات الدوله في مواصله مراحل بناء الجزائر. وعليه كذلك يمكن القول، رغم التحولات التي عرفتها الجزائر، خاصه بعد ظهور مفاهيم كذلك العولمه، الا ان العامل التاريخي لطالما يظل حاضرا ومحافظا على طبيعه العقيده الامنيه الجزائريه، مع الاصلاحات التي يمكن ان نتكلم عليها في البعد الايديولوجي والطبيعه الجغرافيا. اذ نجد ان مبادئ العقيده الامنيه الجزائريه كذلك ثابته في توجهات الجزائر، لا سيما اذا تكلمنا على الموقف الثابت للجزائر فيما يتعلق بالقضايا الجوهريه المقدسه، وفي راسها القضيه الفلسطينيه. فالجزائر ترفض رفضا مباشرا الاعتراف بالكيان الصهيوني، او حتى ما يعرف بمفاهيم التي ظهرت مؤخرا، وهي قضايا التطبيع مع اسرائيل. اذا، العامل التاريخي يمثل عاملا جوهريا واساس، كمنبه تستلهم منه سياسات الدفاع في الجزائر، رسم المنطلقات الفكريه للعقيده الامنيه الجزائريه.
اما فيما يخص البعد الثاني المرتبط بالعامل الجغرافي، من المتعارف عليه ان مستويات تاثير عامل الجغرافيا في رسم العقيده الامنيه للدول تؤخذ بعين الاعتبار. فمثلا، بالنسبه للجزائر، الى غايه نهايه الحرب البارده، يمكن القول ان قضايا دعم حركه التحرر في العالم والدفاع عن مكانه الجزائر كقوه اقليميه مثل احد اهم عناصر بناء العقيده الامنيه الجزائريه. اما بتوظيف ما يعرف بالبعد الجغرافي، بدوره عاملا محددا لهذا التوجه، يمكن القول ان موقع الجزائر، بصفتها نقطه تقاطع استراتيجيه، تتوسط اولا العديد من الدول المغاربيه، وكذلك بموقعها الجغرافي الذي يتوسّط كيانين ضخمين، الاول في الشمال والمتمثل في الضفه المتوسطيه ويمثل دول الاتحاد الاوروبي، اما الثاني، اذا حددناه، فيقع في الجنوب ويمكن تمثيله في ما يعرف بالعمق الافريقي او منطقه الساحل الافريقي، التي بدات منذ عقدين من الزمن تعرف عدم استقرار، وصولا الى ما يعرف ببؤر التوتر وانتشار حركات التسلح، وكذلك منظمات ارهابيه تهدد الامن والاستقرار لكامل دول الجوار المرتبطه بالجزائر. اذا، هذا الموقع الذي يمثل نقطه استراتيجيه امنيه، جعلت الجزائر، او الامن الجزائري، ينكشف على عده جهات. وعليه، فعمليه صياغه العقيده الامنيه للجزائر في هذه المرحله ظلت تاخذ في حسبانها هذه النقطه كراكيز اساسيه، لتغطيه هذا الانكشاف الامني وحفاظا على امن واستقرار الجزائر. كذلك يمكن القول ان في ظل التحولات التي عقبت نهايه الحرب البارده، وعلى راسها ظهور البؤر التوتر والصراع في هته المناطق التي تكلمنا عنها، فضلا عن ما يعرف بزياده عمليات الاعتماد المتبادل والترابط الاقتصادي والتشابك على العديد من الاصعده بين الدول، اتجهت كذلك العقيده الامنيه على التركيز على القضايا المتعلقه اولا بمحاربه الارهاب، فضلا عن الجريمه المنظمه، وفي راسها، وعلى راسها، التجاره المخدرات وانتشار ما يعرف بِمحاربه انتشار الاسلحه التي تهدد امن واستقرار الوطن. اي هنا تم الانتقال من البعد كذلك الخارجي كمحدد لبناء العقيده، والتركيز على البعد الداخلي الذي اثر بشكل واضح في صياغه مفاهيم العقيده الامنيه الجزائريه.
اما فيما يخص كذلك البعد الثالث المتمثل في العامل الايديولوجي وعلاقاته برسم مفاهيم العقيده الامنيه الجزائريه، يمكن القول ان ظل البعد الايديولوجي، بثقله، احد اهم مرتكزات بناء العقيده الامنيه للجزائر منذ الايام الاولى لفجر الاستقلال الوطني الجزائري. اذ هنا يمكن القول ان مثلت الاشتراكيه، او الايديولوجيا الاشتراكيه بمبادئها المناهضه للاستدمار والدول الغربيه ومفهوم الليبراليه، مصدرا ذا قيمه لبناء مفاهيم العقيده الامنيه الجزائريه لعده عقود. فكذلك تعتبر هذه الايديولوجيه، في هته المرحله، ركزت على مفاهيم الحزب الواحد ومفاهيم الاشتراكيه كوعاء لتحقيق الوحده الوطنيه التي عقبت حصول الجزائر على استقلالها، وهو ما اكدت عليه مواثيق الوطنيه لكل من سنوات 1964 و1976 و1986، وهي مراجع اساسيه للاحكام الدستوريه في الجزائر انذاك، على ان الاشتراكيه كنظام ايديولوجي هي المنهج الكفيل بمواصله تحقيق الاستقلال التام والقضاء على الاستغلال، ومناهضه مفاهيم الايديولوجيا الراسماليه. اذا، رسمت الايديولوجيا الاشتراكيه مبادئ واهداف العقيده الامنيه الجزائريه لفتره قاربت ثلاثه عقود منذ بدايه الاستقلال الوطني للجزائر. ولعل من ابرز ما ركزت عليه تلك الاهداف في تلك المرحله، حركات التحرر في العالم، ونصره كذلك القضيه الجوهريه، القضيه الفلسطينيه، والعمل على المحافظه على مكانه الجزائر كقوه اقليميه، فضلا عن الاستعانه بالمؤسسه العسكريه في مجهودات البناء الوطني او التنميه الوطنيه.
اذا، كذلك مواصله لما تم ذكره، يمكن القول هنا ان بالرجوع الى هذه المرحله التي تلت نهايه الحرب البارده وتفكك الاتحاد السوفياتي وسقوط الانظمه الشيوعيه والاشتراكيه، فاثرت هته التحولات العالميه على المشهد السياسي والاقتصادي على دول العالم، وكذلك حتى على الاوضاع الداخليه للجزائر، لا سيما مع نهايه الثمانينات. فهته التحولات اثرت بصفه مباشره على التوجهات الايديولوجيه في الجزائر التي ظلت مصدرا للعقيده الامنيه للجزائر لعده عقود. فا احداث 5 اكتوبر 88، والتي شهدتها الجزائر، وضعت الامن القومي الجزائري امام محك صعب، لا سيما ان البلد كان يمر بتحولات عميقه ضمن مستويات مختلفه، وعلى راسها، الهد السياسي والمشهد الاجتماعي، اي الظروف الاجتماعيه الصعبه، فضلا عن القطاع الاقتصادي. اذ يعتبر ان الاضطرابات والاحتجاجات والعنف والانفجار الداخلي الذي عرفته الجزائر في هته الفتره كان من اهم مؤشراته، دخول الجزائر في مرحله عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وبحكم ان تزامن هذا الانفجار كان مع التحولات التي مسّت المستوى الدولي، كما قلت اولا، انهيار تفكك المعسكر الشرقي وايديولوجياته وحل محله ما يعرف بالايديولوجيا الليبراليه، فهذا التوجه بصفه عامه انعكس بشكل واضح على طبيعه الايديولوجيه التي ظلت مصدر الهام للعقيده الامنيه للجزائر منذ فجر الاستقلال، الذي دفع في هذه المرحله الى تبني اصلاحات هيكليه عميقه على مستوى الحياه السياسيه، وكذلك على مستوى الحياه الاقتصاديه، والدفع نحو الانفتاح والتعدديه الحزبيه، وتطبيق مضامين اقتصاد السوق الحر. اذا، بعد نهايه الحرب البارده وتفكك الاتحاد السوفياتي ونهايه ايديولوجيته وانظمته على مستوى العالم، لم تكن الجزائر في منأى عن هذا التوجه العميق في على مستوى النظام الدولي. اذا، باشرت الجزائر مجموعه من الاصلاحات، سواء كانت اصلاحات سياسيه واقتصاديه، وكذلك على مستوى الاحتراف داخل المؤسسه العسكريه. حدث تحول هام في العقيده الامنيه الجزائريه لتتلائم وعمليه التحول المرن نحو تطبيق مفاهيم الديمقراطيه ومواكبه المتطلبات الجديده التي اخذت تفرضها التحولات العميقه التي يمر بها المشهد الدولي في العالم. فكذلك تزامنت عمليه اعاده صياغه بعض المبادئ التي تقوم عليها العقيده الامنيه للجزائر، بما يتناغم مع الترتيبات السياسيه الجديده على مستوى المشهد الدولي، لا سيما بعد ظهور مفاهيم النظام الدولي الجديد. كذلك اخذت الجزائر في حسبانها، في بناء العقيده الامنيه الجزائريه، بروز ما يعرف بظاهره العنف التي لم ترى الجزائر لها مثيل منذ فجر الاستقلال. فقد، اذ هنا يمكن القول ان الاضطراب الوضع الداخلي الذي انجر عنه عنف وعدم استقرار، تزامن مع الازمه السياسيه والاقتصاديه. هذا الوضع في مجمله شكل تهديد حقيقيا للامن القومي الجزائري، الامر الذي دفع نحو اعاده بلوره عقيده، مفاهيم عقيده، العقيده الامنيه الجزائريه بالاخذ في الحسبان الظواهر الجديده، كظاهره العنف، كذلك ظاهره الارهاب التي ادت الى عدم استقرار في الجزائر لمده عشريه سوداء. كذلك ارتباط هذه الظواهر بقضايا اخرى تمثلت في ظهور ما يعرف بالجريمه المنظمه، كذلك تجاره المخدرات. اذا، هذا الوضع العام، بهذا البؤر التي ادت الى عدم استقرار اوضاع، ساهمت كلها في اعاده تكييف وتشكيل مفاهيم العقيده الامنيه الجزائريه، ووفق ما يتناغم مع مدركات التهديد الجديده، وذلك بالتركيز والبحث في عن سبل صياغه ميكانيزمات للتعاون والتشاور بهدف محاصره وتطويق انتشار هذه الظواهر التي شكلت تهديدا مباشرا لامن واستقرار الجزائر.