📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

الصحابي الذي اهتزّ لموته عرش الرحمن | قصة تُبكي القلوب

الشيخ الدكتور وليد السمامعة11:49

Transcription

من اهتز لقدوم روحه عرش الرحمه، سعد بن معاذ. في العام الحادي والثلاثين من عمره، أسلم رضي الله عنه. وفي السبعين، مات شهيدًا. وبين يوم إسلامه ويوم وفاته، قضى سعد بن معاذ رضي الله عنه أيامه في خدمة دين الله، وفي خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هذا الرجل الوسيم، الجليل، الفارع الطول، المشرق الوجه، الجسيم، يقطع الأرض وثبًا وركضًا إلى دار أسعد بن زرارة. لماذا؟ حتى يرى هذا الرجل الوافد من مكة، وهو مصعب بن عمير، الذي بعثه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لينشر فيها التوحيد، ولينشر الإسلام.

لا يكاد سعد يقترب من مجلس مصعب في دار أسعد بن زرارة، حتى ينتعش فؤاده بنسمات حلوة هبت عليه هبوب العافية. ولا يكاد يبلغ الجالسين ويأخذ مكانه بينهم، ملقيًا سمعه لكلمات مصعب، حتى هداية الله قد أضاءت نفسه وروحه.

وفي إحدى المفاجآت الباهرة المذهلة، يبسط زعيم الأنصار يمينه مبايعًا مصعب بن عمير. وبإسلام سعد بن معاذ، تشرق في المدينة شمس جديدة، ستدور حولها قلوب كثيرة تسلم بحمد الله رب العالمين.

وقد جاء في قصة إسلامه أنه لما انتقل الأنصار إلى المدينة بعد البيعة، كتبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "ابعث إلينا من يعلمنا القرآن ويفقهنا في ديننا". فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إليهم مصعب بن عمير، ونزل على أسعد بن زرارة. فأسلم على يده أسيد بن حضير وسعد بن معاذ. وذلك أن ابن معاذ بلغه اجتماع مصعب مع رجال ممن أسلم ببستان، فبعث أسيد بن خضير ليزجرهم حياءً من خاله أسعد بن زرارة.

لما جاء أسيد بن حضير وأخذ في الكلام وهو يزجر مصعب، قال له سيدنا مصعب: "أو تجلس فتسمع؟ فإن رضيت أمرًا قبلته". فقال له: "أنصفت". ثم ركز حربته وجلس. فكلمه مصعب بن عمير بالإسلام وقرأ عليه القرآن. فقال: "ما أحسن هذا! كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الدين؟" فتشهد أسيد بن حضير، ثم اغتسل وتطهر وصلى. ثم قال: "أرى رجلاً إن أتبعكم لم يتخلف أحد، وسأرسله الآن، إنه سعد بن معاذ". ثم انصرف.

فلما رآه سعد مقبلاً، قال: "أحلف بالله لقد جاءكم بغير الوجه الذي ذهب به". فقال له سعد: "ما فعلت؟" فذكر القصة، فأسلم سعد بن معاذ رضي الله عنه. ثم عاد إلى قومه فقال: "يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟" قالوا: "سيدنا وأفضلنا". قال: "رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله". فما أمسى فيهم رجل ولا امرأة إلا مسلمًا أو مسلمة.

ويروى أنه سمعت قريش قائلاً يقول في الليل على جبل أبي قبيس بعد إسلامه وإسلام سعد بن عبادة: "فإن يسلم السعدان يصبح محمد بمكة لا يخشى خلاف المخالف". فلما أصبحوا، قال أبو سفيان: "من السعدان؟ أسعد بن بكر أم سعد بن هذيم؟". فلما كان في الليلة الثانية، سمعوه يقول: "ألا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرًا، ويا سعد سعد الخزرجي الغطارف أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا على الله في الفردوس منية عارفين، فإن ثواب الله للطالب الهدى جنان من الفردوس ذات رفارف". فلما أصبحوا، قال أبو سفيان: "هو والله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة".

وعندما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه إلى المدينة، كانت دور بني عبد الأشهل، قبيلة سعد بن معاذ، مفتحة الأبواب للمهاجرين. وكانت أموالهم كلها تحت تصرفهم من غير من ولا أذى ولا حساب.

وجاءت بعد ذلك يا أحبابي غزوة الخندق، لتتجلى رجولة سعد وبطولته تجليًا باهرًا ومجيدًا. وغزوة الخندق هذه علامة بينة على المكايد المريرة الغادرة التي كان المسلمون يطاردون بها في غير هوادة من خصوم لا يعرفون في خصومتهم عدلاً ولا ذمة. وبعد أيام، شهدت المدينة حصارًا رهيبًا. فخرج سعد بن معاذ حاملاً سيفه ورمحه، وهو ينشد ويقول: "لبث قليلاً يشهد الهيجاء الجمل، ما أجمل الموت إذا حان الأجل".

وفي إحدى الحملات، تلقت ذراع سعد رضي الله عنه سهمًا قذفه به أحد أعداء الدين، يتفجر الدم من وريده. فيسعف إسعافًا سريعًا مؤقتًا يرقأ به دمه. ويأمر نبينا صلى الله عليه وسلم أن يحمل سعد إلى المسجد، وأن تنصب له به خيمة حتى يكون على قرب منه دائمًا أثناء تمريضه. وحمل المسلمون فتاهم العظيم إلى مكانه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويرفع سعد بصره إلى السماء، قبلة الدعاء، قائلاً: "اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة". يقصد اليهود الذين نقضوا عهدهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم.

واستجاب رب العالمين دعاءه، ولم يمت سعد حتى شفي صدره من بني قريظة، بعد أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالسير إلى بني قريظة وحاصرهم 25 يومًا، فاستسلموا. وحكم فيهم سعد بن معاذ بإشارة من النبي صلى الله عليه وسلم. وكان سعد حليفهم في الجاهلية. فقال سعد: "إني أرى أن يقتل مقاتلوهم، وتسبى ذراريهم، وتقسم أموالهم". فقال الحبيب صلى الله عليه وسلم: "حكمت فيهم بحكم الله ورسوله". وهكذا لم يمت سعد حتى شفي صدره من بني قريظة.

وفي ذات يوم، يذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعيادته، فيجده يعيش في لحظات الوداع. فأخذ صلى الله عليه وسلم رأسه ووضعه في حجره، وابتهل إلى الله قائلاً: "اللهم إن سعدًا قد جاهد في سبيلك وصدق رسولك، فتقبل روحه بخير ما تقبلت به روحًا". انظروا إلى هذه الكلمات كيف هطلت على الروح المودعة، روح سعد رضي الله عنه وأرضاه، برداً وسلاماً. فحاول رضي الله عنه في جهد أن يفتح عينيه، راجيًا أن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر ما تبصرانه في الحياة. وقال: "السلام عليك يا رسول الله، أما إني لأشهد أنك رسول الله". وتملى وجه النبي وجه سعد. وقال: "هنيئًا لك يا أبا عمر".

وبعد دفنه، يقول صلى الله عليه وسلم: "اهتز عرش الرحمن له فرحًا بقدوم روح سعد بن معاذ، وشيع جنازته سبعون ألف ملك". حياته في الإسلام نحو من ست سنين. يهتز عرش الرحمن فرحًا بقدوم روحه. عجيب! ما الذي فعلته في هذه الست سنين يا أبا عمر؟ يا سعد! العرش فرحًا بقدوم روحك الطاهرة. ما هذه السريره والنية التي كانت عندك؟ ما هو السر الذي كان لك عند الله؟

وبعد هذا، يأتي البعض فيقول إن قبره ضم عليه. لا يليق هذا بمن كان هذا حاله. رحم الله سعدًا ورضي عنه، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرًا.