📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

أركان | كن عن همومك معرضا ..

Edraak Media5:48

Transcription

لما كنا أولاد صغار، كنا نتقمص شخصيات أهالينا. فكنا نشاهدهم كيف يأتون إلى البيت ببدلات رسمية، فنقلدهم ونلبس هذه البدلات، عسى أن نكبر بسرعة ونتحمل هذه المسؤوليات.

لما كنا نشاهد إخواننا الكبار قاعدين على الكمبيوتر القديم، وعم يكبسوا على الكيبورد، كنا نحاول نتعلم كيف يكبسوا بسرعة، وكيف يكتبوا بسرعة. ولما كانوا يشاهدوننا عم نلحقهم ونقلدهم بأفعالهم، كانوا يضحكون ويقولون: "عم تستعجلون، بكرة الزمن بعلمكم".

ومضت الأيام، وبالفعل بدأ تفكيرنا، ونحن أولاد، يكبر معنا على أنه لازم أوصل لمكانة محددة. عندها فقط أكون سعيدًا. ما رح أكون سعيدًا إلا إذا أخذت الشهادة وحصلت على العلامة. ما عشت حياة سعيدة إلا إذا صار اسمي الدكتور أو المهندس، أو وصلت لمكانة معينة. ما صرت سعيدًا إلا إذا تزوجت فلانة التي أحبها. ما أكون سعيدًا إلا إذا جاءني أطفال. ما أكون سعيدًا إلا إذا حصلت على راتب معين. دائمًا عايش حياة اسمها فجوة الحاضر، والقلق من المستقبل، وبالتالي بدك تندم على الماضي.

صرنا نقول: "الله يرحم أيام الماضي". لما كنت طفلًا صغيرًا، كان همي أرجع من مدرستي، أحل الواجب، آكل وجبة الإندومي، أتفرج على...، أحفظ الآية القرآنية، أتحمم بماء ساخن، وأنام على الساعة التاسعة مساءً. الله يرحم أيام لما كنت أقعد مع أهلي. هذا الماضي الذي عم تتحسر عليه، بلحظة الماضي كنت عم تفكر فيه بالمستقبل. كنت بس بدك أهلك يتركوك تعمل أي شيء على راحتك، كنت بس بدك تعيش مستقلًا. ولما صرت بالمستقبل، صرت تقول: "يا الله يا رب يرجع فينا الزمن! أو يا ريت يرجع فينا الزمن لحتى أقعد مع أهلي".

حل هذا الأمر أولًا: أن لا تؤجل. ثانيًا: أن لا تستعجل. ثالثًا: أن لا تعيش حياة الخلاص. لا تؤجل فرحتك لتصل لمكانة معينة. أنا ما بكون فرحان إلا إذا كنت هنا. أنا ما بعيش حياة سعيدة إلا إذا كنت مع هذا الإنسان، إلا إذا سافرت، إلا إذا اشتغلت مع هذه الشركة، إلا إذا وصلت لراتب معين. دائمًا في حياة سعيدة مؤجلة وخيالية. كمن يمشي في الصحراء تمامًا، ويرى من بعيد بركة ماء وهو عطش جدًا. فإذا اقترب إلى بركة الماء، لم يجدها، لأنها بالأصل خيال رسمه بعقله. عرض عليه عقله سبب عطشه، وعطشك للمكانة بخليك تتخيل أشياء وردية ليس لها وجود بالواقع، وبخليك ما تعيش الواقع بسعادته. الواقع الذي ما رح يتكرر بالأيام، الواقع الذي قلما يتكرر بالأيام، لذلك متحسر عليه.

رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول للسيدة عائشة: "يا عائشة، أحسني جوار نعم الله، فإنه قلما خرجت نعمة من بيت قوم فعادت إليهم". أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. والواقع أو الحاضر قلما يتكرر، فعيشوا بكل تفاصيله. اللي رزقك الأسنان رح يرزقك الأكل اللي تأكله على هالأسنان. واللي أعطاك قوة وصحة وعافية، رح يرزقك الأشياء التي تسعى إليها. وأنت عم تفكر بالسعادة الوهمية فيها، خليك مبسوط مع أهلك، مع أصدقائك، مع أحبابك. بس تسافر، رح تقضي أيام عم تبكي وأنت مشتاق لتقعد معهم لحظة. ولما تسافر، عيش الغربة بما هي عليه. خلص، بدك تعيش حياة، بدك تدفع ضريبتها. ما في سعادة إلا وفيها نقصان، لأن الكمال لله. فإذا بدك تعيش مع أهلك وأحبابك بلحظة من اللحظات، ممكن تعيش حياة كئيبة، ولكن رب العالمين يضمن لك رزقك، ويفتح عليك فيما بعد. وإذا اخترت الغربة، فلا تتندم وتقول: "بس بدي أرجع على البلد". خلص، عيش الحاضر بما فيه. لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. الله تعالى يقول: "خلق الإنسان من عجل". دائمًا بس بده يوصل، بس بده يخلص، بس بدي أخلص اللي بين إيدي. الاستعجال والخلاص خطآن متلازمان. دائمًا بس بدي أخلص، وأنا بس أوصل لهون بكون مرتاح. ما بتلاقي حالك مرتاح، وبتلاقي حالك بسبب هالعجلة هي ما وعيت على الحاضر، ما وعيت على أيامك.

فاهدأ وروء، بإذن الله رب العالمين رح يفتح عليك بالوقت والمكان والظروف المناسبين. وحتى ما تستعجل، لا تقارن حياتك بغيرك. رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تحاسدوا ولا تبغضوا، وكونوا عباد الله إخوانًا". رزق رب العالمين ليس بالتساوي. ما معناتها إذا شخص عم يقبض 100,000 دولار، معناتها أنت بيوم من الأيام لازم تقبض 100,000 دولار؟ أبدًا! ولكن بالبركة واليسر والفتح، ورب العالمين بيفتح عليك بالظروف المناسبة لك. فتذكر أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. لذلك كان في أبيات شعر رائعة تقول: "صغير يشتهي الكبر، وشيخ يود لو صغر. وخال يشتهي عملاً، وذو عمل به ضجر. ورب المال في تعب، وفي تعب من افتقر. فهل حاروا مع الأقدار، أم هم حيروا القدر؟"