📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

لماذا انتشر الاستبداد في الأمة رغم رفض الإسلام له؟ | بسط بودكاست

بسط بودكاست1:34:48

Transcription

لماذا كلما ذكر الاستبداد وضع الإسلام في قفص الاتهام؟ هل نحن أمام دين ينتج الطغيان، أم أمام تاريخ طويل تواطأ فيه السيف مع الفتوى، وصُمِت فيه المجتمع، وتحول فيه الدين من خصم للظلم إلى أداة في يد الظالم؟ بين نص يدعو إلى العدل وواقع يخنق الحرية، وبين شورى أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم، وحكام يكرهون حتى الكلمة. نحاول في هذه الحلقة أن نفكك السؤال الأصعب: هل الاستبداد طارئ على أمتنا، أم صناعة شاركنا جميعًا في بنائها؟ ضيفنا في هذه الحلقة الأستاذ الدكتور عبد الحي يوسف، عضو الاتحاد العام لعلماء المسلمين. معكم أحمد السيد، وهذا بسط بودكاست.

حياكم الله دكتور عبد الحي، أهلًا وسهلًا بكم في بسط بودكاست. دكتور، دكتور يعني موضوع الاستبداد موضوع شغلكم منذ وقت طويل، حتى أنه كان موضوع أطروحتكم للدكتوراه قبل 8 أعوام. متى شعرتم أن هناك فجوة مؤلمة بين ما يقوله الإسلام عن العدل والحرية، وبين واقع المسلمين الذي يرزخ تحت الاستبداد؟

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وأصلي وأسلم على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. فلا شك أن الاستبداد داء قديم في هذه الأمة، لأن نبينا صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا أنه ستكون النبوة ما شاء الله أن تكون، ثم ترفع إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون خلافة راشدة ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم يكون ملكًا عاضًا ما شاء الله أن يكون، ثم يكون ملكًا جبريًا.

يعني بعد انتهاء الخلافة الراشدة بدأ الاستبداد في الدولة الإسلامية، وإن كان بدرجات متفاوتة. مثلًا، معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، وهو صحابي جليل، ما كان في عهده ذلك الاستبداد. بل المشهور عنه بأنه كان رجلًا حليمًا رفيقًا. ولما دخل عليه أبو مسلم الخولاني فقال: السلام عليك أيها الأجير. فقال الناس: قل: عليك أيها الأمير. قال: السلام عليك أيها الأجير. يعني كررها. فمعاوية رضي الله عنه من حلمه قال: دعوه، فهو أعلم بما يقول.

يعني هو يعلم بأن الحاكم مستأجر عند الرعية.

هذا هو العقد الاجتماعي. وسبحان الله حين نسمع هذا الكلام ندرك بأن المسلمين قد سبقوا غيرهم. فأنت تعرف بأن الحكم، بعض الناس يقول بالنظرية الإلهية بأن الإنسان ليس عاملًا أساسيًا، وإنما الله هو الذي اختار، فهذا اختيار إلهي، وهناك لا ينازع. وهناك نظرية القوة بأن السلطة حقيقتها تحكم الأقوياء في الضعفاء. وهناك النظرية الطبيعية التي تقول بأن الناس بطبيعتهم محتاجون إلى سلطة تقوم فيهم وتسوسهم.

لكن بالنسبة للمسلمين عندهم نظرية العقد الاجتماعي، بأن هناك تعاقدًا بين الرعية وبين الحاكم أن يسوسهم بالعدل، وأن يحكم بالقسط، وأن يكون الحكم قائمًا على أساس من الشورى. هذه هي النظرية السياسية الإسلامية. فأقول بأن الاستبداد داء قديم يعني في هذه الأمة، وقد عانت منه طويلًا. فكم أزهقت من أرواح طاهرة لعلماء وفقهاء جهروا بكلمة الحق، سواء كان في دولة بني أمية أو في دولة بني العباس أو من جاء بعدهم. وكم انتهكت من كرامات. فلذلك شغلني هذا الموضوع من قديم، خاصة حين أقرأ في سير هؤلاء العلماء وكيف عانوا مع هؤلاء المستبدين، وكيف ضحوا بأرواحهم وراحتهم من أجل أن يبينوا للأمة معالم الهدى في أن هذا الدين لا يعرف للحاكم قداسة، ولا يعرف للحاكم حصانة، وإنما هو شأنه شأن واحد من الرعية، غير أن الله عز وجل جعله قيّمًا عليهم، فمسؤوليته مضاعفة.

جميل. شيخ عبد الحي، أنتم يعني كان لكم تجربة دعوية وحركية في السودان، ويعني رافقتم يعني كنتم على معرفة بالرئيس السوداني السابق البشير، وربما يعني منذ بداية حكمه إلى نهايته. هل كانت علته الأساسية الاستبداد؟ وهذه التجربة ماذا أضافت لكم أو لفهمكم لظاهرة الاستبداد وآثارها؟

هو طبعًا التجربة ما زال العهد بها قريبًا، يعني هو لما زال حكم الإنقاذ كان ذلك قبل ست سنوات أو سبع سنوات تقريبًا. ثم إنني لم أكن لصيقًا يعني بدوائر الحكم بحيث أستطيع أن أسلط عينًا فاحصة ناقدة. لكن بالجملة أقول: الرئيس البشير في شخصه ما كان مستبدًا. يعني هو شخص متواضع، شخص مخالط للناس، ويسمع من الناس، ما كان يعيش في برج عاجي بعيد عن الناس. لكن في الوقت نفسه نقول بأننا لم نفلح في أن ننتج نظامًا يحصل فيه تداول للحكم بصورة سلمية.

نعم.

فالرئيس البشير حكم الناس 30 سنة، وكان العقلاء يعلمون بأن هذا خلل، لأنه دائمًا الفترات الزاهية في الحكم الإسلامي كانت مدتها قصيرة.

البدايات.

نعم. وبالمقابل كلما طالت المدة كلما يعني اتسع نطاق الفساد والفساد. وأنت تعلم بأن عمر رضي الله عنه قال: يوشك أن طالت بي حياة أن أُقرّ واليًا أكثر من أربع سنوات.

الله أكبر.

إن كان عدلًا، ملّ الناس، وإن كان جائرًا، فيكفيهم من جوره أربع سنين.

ما شاء الله. جميل.

يعني هو عمر رضي الله عنه سبق يعني هذه الأنظمة.

نعم.

فكرة الأربع سنوات هذه. ولذلك مثلًا تجد أن الصديق أبا بكر رضي الله عنه كانت خلافته سنتين وبضعة أشهر. عثمان رضي الله عنه طال عهده إلى 12 سنة، وقد حصل في آخر حكمه ما حصل بعد أن نيف على الثنتين.

رضي الله عنه.

وعلي رضي الله عنه مكث في الحكم أربع سنوات. جاء الحسن ستة أشهر، ثم بعد ذلك معاوية رضي الله عنه مكث في الحكم 20 سنة.

آه.

يعني من سنة 40 إلى سنة 60. فالمقصود بأن دولة الإنقاذ ما أفلحت في أن توجد هذا النظام السياسي الراشد الذي يقي الناس أسباب الفتن، ويحصل فيه يعني تداول على السلطة وفق معايير محددة.

لو لو عدنا دكتور إلى جذور المسألة، كيف تحول الدين من خصم للاستبداد كما ذكرت، إلى أداة بيد المستبدين في بعض الأسر؟

يعني ما في شك بأن عدة عوامل يعني قد تضافرت من أجل إنتاج هذه الحالة الشاذة. من هذه العوامل تدليس علماء السوء. فإن بعض من يؤتيه الله شيئًا من علم يسخر هذا العلم ليصرف به وجوه الناس إليه، أو من أجل أن يصيب من لعاعة الدنيا. وهذه أمثلة كثيرة. القرآن الكريم حكى لنا عن ذاك الذي آتاه الله الآيات فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين. ولو شئنا لرفعناه بها، ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه، فمثله كمثل الكلب، إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث. فعلماء السوء أحيا نًا زينوا للحاكم بأنه ليس محاسبًا.

ليس مسؤولًا.

حتى أن بعضهم لما قال بعض الخلفاء لما قال ذلك لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وهو إذ ذاك يعني والٍ من الولاة، ما كان خليفة.

نعم.

فعمر اشتد نكيره على هذا الخليفة، قال له: أيهما يعني خير؟ نبي الله أم الخليفة؟ قال: بل نبي الله. قال له: فإن الله تعالى قال لداود: يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله. إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب. فهنا القياس الأولي واضح في ذهن عمر رضي الله عنه بأن الخليفة محاسب، بل حسابه أكثر من غيره. ولذلك لما بكى يومًا من الأيام، فقالت له زوجته: ما يبكيك؟ قال: إني وليت أمر الناس، فتذكرت الفقير الجائع، والمريض الضائع، والأسير المقهور، وعلمت أن الله سائلني عن هؤلاء جميعًا، فرحمت نفسي فبكيت.

يا.

وعمر رضي الله عنه يقول: لو أن دابة عثرت بطف الفرات، لخشيت أن يسأل عنها عمر. فالتدليس علماء السوء هذا حاصل. أيضًا ضعف العقيدة عند الناس. فإن الناس إذا ساء بالله ظنهم، نسأل الله العافية، وظنوا بأن الحاكم هو الرزاق، وأن الحاكم هو الفتاح، وأن الحاكم هو المعطي وهو المانع، وهو الخافض وهو الرافع، فإنهم يلجؤون إلى التزلف إليه. ولذلك سمعنا من قال: الحاكم ما شئت لا ما شاءت الأقدار، فاحكم أنت الواحد القهار، ولكأنما أنت النبي محمد، ولكأنما أنصارك الأنصار. أسأل الله العافية. وسمعنا يعني في العصر القريب من قال للحاكم: بشرايا أن صلاح الدين قد عاد، وأصبحت هذه الأيام أعيادًا، لو كان يعبد من بين الأنام فتى، كنا لشخصك دون الناس عبادًا.

فهؤلاء بغير شك ما قدروا الله حق قدره، ما عرفوه. وال حاكم إذا استحكم فيه الهوى واستبد به الطيش والنزق، فإنه يصدق يعني مثل هذه الدعاوى الباطلة والأشعار الكاذبة، فيظن بنفسه الظنون.

جميل. دكتور، موضوع أيضًا يعني إلى أي مدى لعبت فكرة الجبرية السياسية دورًا في تثبيت أركان الاستبداد، بحكم أن هذا يعني هذا قدر، وبالتالي لا يمكن منازعته؟

نعم، جزاك الله خير. هذا موجود، حتى يعني الآن كثير من الناس ممن طالت يعني لحاهم، وربما يقول هذا الكلام. وهي النظرية الإلهية التي كان يعتقدها الجاهليون بأن هذا الحاكم قد أُقيم من الله عز وجل، وليس علينا إلا السمع والطاعة. وطبعًا دائمًا أهل الجبر في كلامهم حق وباطل.

يعني مثل ما قال المشركون الأولون: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء. وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: هذه الميتة من قتلها؟

أم.

فقال الله: قالوا: ما قتلته بيدك حلال، وما قتله الله حرام.

أم.

يعني [ضحك] استدلوا بهذا القياس الفاسد. فهؤلاء الناس يستدلون بالقدر. نقول: القدر أخفاه الله عنا.

نعم.

يعني كما قال جعفر الصادق: إن الله تعالى أراد منا، وأراد بنا، فأخفى عنا ما أراد بنا، وأظهر لنا ما أراد منا، فاشتغلنا بالذي أراد بنا عن الذي أراد منا. بمعنى أننا متعبدون بالشرع، ليس بالقدر.

نعم.

يعني كون الحاكم يكون صالحًا أو فاسدًا، عادلًا أو ظالمًا، هذا قدر.

نعم.

لكن ما المطلوب منا شرعًا أن نتعامل به مع يعني هذا الحاكم؟ لذلك تجد قول النبي صلى الله عليه وسلم: سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله. نجد قول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم: يا ظالم، فقد تودع منها. يعني النبي صلى الله عليه وسلم علم أن من قدر الله أنه سيكون حكام ظلمه.

نعم.

ولذلك ذلك يقول لكعب بن عجرة: يا كعب بن عجرة، إنه سيكون أمراء من بعد يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن غشي أبوابهم، وصدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس مني ولست منهم، ولن يرد علي الحوض يوم القيامة. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: سيكون يعني أخبر.

يخبر.

يخبر عن غيره بهذه الأنباء عليه الصلاة والسلام. هذا من الغيب الذي أطلعه الله عليه. لكنه يعلمنا عليه الصلاة والسلام كيف نتعامل مع هذا مع هذا القدر. ولذلك نقول: وجود يعني الحكام الظلمة قدر، ولكن مطلوب منا أن نتعامل مع هذا القدر بما أمر الله: أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، إعانة على الحق وزجرًا عن الباطل. هذا الذي كلفنا به.

جميل. دكتور، دكتور، لو أتينا إلى إلى القرآن الكريم يعني وطاهرة الاستبداد، كيف تناولها القرآن الكريم؟ يعني بداية، ما هو المرادف ربما الذي ذكره القرآن؟ الكلمة لا ترد كما هي. ما المرادف التي ذكره القرآن للاستبداد؟

يعني القرآن الكريم يكلمنا عن الطغيان.

دائمًا.

اذهب إلى فرعون إنه طغى.

نعم.

فرعون هذا كان يعني من أشهر المستبدين الذي كان يقول: ما أريكم إلا ما أرى. تعريف الاستبداد [ضحك]. الاستبداد.

ما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد. كانه يقول: أنا معصوم.

نعم.

لا أخطئ أبدًا. وكان يقول: ما علمت لكم من إله غيري. كان يقول: أنا ربكم الأعلى. ولذلك ربنا جل جلاله حين يرسل موسى وهارون يقول: اذهبا إلى فرعون إنه طغى. وال أحيا نًا الناس يعبرون عن الاستبداد بحكم الفرد، أو يعبرون عن الاستبداد بالحكم الجبري ونحو ذلك من الألفاظ. لكن المعنى ما هو؟ المعنى أن تكون هناك يعني سلطة مطلقة ليس عليها رقابة من وزارة مسؤولة أو هيئة نيابية، اعتماد منطق القوة والقهر: سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم، وإنا فوقهم قاهرون. عدم إتاحة فرصة لرأي آخر: ذروني أقتل موسى، وليدع ربه، إني أخاف أن يبدل دينكم، أو أن يظهر في الأرض الفساد.

نعم.

الدعاوى الكاذبة. ولذلك هنا سبحان الله فرعون يتهم موسى بالفساد.

بالفساد.

بل يتهم موسى بالكفر.

أم.

يقول له: وفعلت فعلتك التي فعلت، وأنت من الكافرين. يعني وسبحان الله هذا من العجب العاجب أن فرعون أكثر خلق الله يتهم نبي الله موسى عليه السلام بالكفر. ولذلك القرآن الكريم يبدأ ويعيد، يذكر فرعون 74 مرة.

يا الله.

يذكر موسى عليه السلام أكثر من 130 مرة.

مرة.

100 وبضع و3 مرة.

مرة.

من أجل أن ينبهنا ربنا جل جلاله أن الفرعنة ليست حقبة تاريخية قد انقضت، ولا شخصية مغرورة قد هلكت، وإنما هذه ظاهرة متجددة.

ظاهرة متجددة.

تتجدد يعني عبر الزمان. قد يكون الاستبداد من قبل من ينتسب إلى الدين، يعني كما حصل من آل الكنيسة.

نعم.

الكنيسة حين ظن الباباوات والكهنة ورجال الدين بأن لهم سلطة يمنحون بها صكوك غفران أو قرارات حرمان.

نعم.

يعني يغفرون الذنوب ويحرمون فلان من من الجنة. وقد يكون الاستبداد كذلك بسبب المال: كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى. القرآن الكريم يحدثنا عن النمرود بن كنعان الذي بلغ به السخف أن يقول: أنا أحيي وأميت.

ثم يأتي برجلين فيحكم عليهما بالقتل، فيقتل أحدهما ويعفو عن الآخر. وهذا شغب.

نعم.

يعني ليس.

نعم.

ليس دليلًا. ولكن قال: ولذلك إبراهيم عليه السلام ما أطال معه النقاش، وإنما أفحمه أن انتقل إلى نقطة أخرى: إن الله يأتي بالشمس من المشرق، فاتِ بها من المغرب. فبهت الذي كفر. نفس الشيء أهل مكة الذين عارضوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدوا عن سبيله، كانت قضية قضية استبداد بأننا أكثر أموالًا وأولادًا، ونحن السادة، وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا. كما قال قوم نوح لنوح: هؤلاء أيضًا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أهؤلاء من الله عليهم من بيننا؟ لو كان خيرًا ما سبقونا إليه. بلال وخباب وعمار وياسر، يعني هؤلاء المستضعفون. فالاستبداد أحيانًا يحصل بال بسبب الحكم، بسبب القوة، بسبب المال. ومن من أشنع أنواع الاستبداد في عالمنا المعاصر ما نراه من محاولة فرض البهيمية الغربية على المسلمين عنوة واقتدارًا فيما يسمى بالمنظمات الأممية والمعاهدات الدولية التي يريدون فيها إباحة المحرمات والإطلاق العنان للغرائز، ويحاسبون الدول على هذا الأساس.

معيار.

أصبحت يعني معيار. هذا هو يعني الاستبداد في أجلى صوره. بأن الديمقراطية هذه التي يتغنون بها أكذوبة.

نعم.

هي ديمقراطية الرجل الأبيض. ويصدق هذا أنه ما قامت تجربة حرة في بلد من بلاد المسلمين إلا صادروها.

نعم.

يعني بداية من الجزائر سنة 91، مرورًا بالذي كان في انتخابات فلسطين في 2006.

تمام.

ثم بعد ذلك ما حصل في مصر وتونس وليبيا وغيرها بعد تجربة الربيع العربي. فهذه التجارب كلها صودرت من أجل أن يستيقظ الناس بأن الديمقراطية إنما هي ديمقراطية الرجل الأبيض.

نعم.

أما غيرهم.

يريدون له الاست.

يريدون أن يبقى فيهم هؤلاء المستبدون الذين قد قطعوا علاقتهم بالشعوب، وظلوا مؤتمرين بأمر ذلك السيد الأبيض.

دكتور، إلى جانب قصة فرعون في القرآن الكريم، نجد أن القرآن مليء بقصص الأنبياء التي واجه فيها الأنبياء هؤلاء المستبدين. مثلًا، سيدنا شعيب قال الملا الذين استكبروا للذين استضعفوا: قوم لوط عندما قالوا: أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون. كيف نقرأ من هذا القصص القرآني مواجهة الأنبياء لهؤلاء المستبدين؟

يعني هناك سمات مشتركة. من هذه السمات يعني كما ذكرت قبل قليل: الدعاوى الكاذبة. يعني تجد المستبد دائمًا كذاب.

ولذلك تجد فرعون يدعي الألوهية، ثم بعد ذلك يقول لقومه: فماذا تأمرون؟

نعم.

يعني [ضحك] متى متى عهدنا إلهًا يطلب الأمر من المألوهين؟

نعم.

فأيضًا من من سمات المستبدين السمات المشتركة: التهديد.

أم.

استخدام لغة القوة. لئن اتخذت إلهًا غيري لأجعلنك من المسجونين. ولئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين. لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين. يا الله.

وقوم إبراهيم: لئن لم تنته لارجمنك.

حرقوه، وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين. قضية التهديد بالقوة، والإخافة بالبطش، هذه سمة مشتركة. من السمات المشتركة كذلك بأن الرعية سفلة أو غاد.

أم.

رعية هؤلاء المستبدين دائمًا تجدهم سفلة. ناس همهم شهواتهم.

همهم دنياهم التي يعيشونها. ما يريدون أن يضحوا بأي شيء. ولذلك يقول يعني بعض الفضلاء: لو أن صوت الظلم إذا أصاب ظهر امرئ واحد، تاوهت له الألوف، لتردد المستبد مرارًا قبل أن يهوي به عليه.

يا الله.

لكن الآن الذي نراه بأن السجون قد غصت بالشرفاء والفضلاء والعلماء والنبلاء، وبقية الناس صم بكم.

لا يعنيهم.

لا يعنيهم. بل بعضهم يقول: خليه الدولة تأدبه. لماذا فعل هذا؟ نعم. لماذا تصدى لأمر هو يعجز عنه؟ ونحو ذلك. فهؤلاء الرعية تجدهم دائمًا سفلة. من السمات المشتركة دائمًا حصول الشرك بالله عز وجل.

أم.

يعني السيد رشيد رضا رحمه الله عنده كلمة يقول: وكل من قرأ القرآن علم أن التوحيد والاستبداد دادا لا يجتمعان.

الله أكبر.

يعني سبحان الله. انظر للنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان حاكمًا يعني هو عليه الصلاة والسلام نبي يوحى إليه.

وفي الوقت نفسه هو إمام المسجد، وهو الحاكم الذي يسوس الناس، ويكاتب الملوك، ويستقبل الوفود، وهو القاضي، القاضي الذي يقضي في المنازعات. لكنه عليه الصلاة والسلام يصعد على المنبر، ويقبل أن يموت بليالي عليه الصلاة والسلام، يقول: أيها الناس، من كنت جلدت له ظهرًا، فهذا ظهري، فليستقد منه. من كنت أخذت له مالًا، فهذا مالي، فليأخذ من ماله. من كنت شتمت له عرضًا، فهذا عرضي، وإني لا أقولن أحد: إنما أخاف الشحناء من رسول الله، فما هي لي بخلق، وإني لآرجو أن ألقى الله وليس لأحد عندي مظلمة.

يا الله.

يعني سبحان الله. هو يقول هذا الكلام لرعية عرف أنه قد رباهم على التوحيد. ولذلك هؤلاء الرعية بعد ذلك لما أبو بكر رضي الله عنه فعل شيئًا، عمر قال له: أهو من مالك أم من مال أبيك؟

نعم.

عمر رضي الله عنه لما قال كلامًا، اعترضت عليه امرأة.

نعم.

أبو ذر رضي الله عنه اعترض على طول يعني ثوبه. أي نعم. آل عمر رضي الله عنه أيضًا في قسمة الأراضي المفتوحة، اعترض عليه بلال وفلان وفلان، حتى صار عمر يدعو: اللهم خذ عني بلالًا.

يا الله.

يعني ما ملك إلا الدعاء. ولذلك نقول: حصول الشرك بالله عز وجل.

من الصفات، من السمات المشتركة بين عهود هؤلاء المستبدين، سواء كان يعني شركًا بالمعنى الكامل، أو كان شركًا في بعض في بعض صوره. يعني الآن بعض، أنا رأيت في بعض البلاد.

بعض الناس إذا طعم يقول: اللهم طول عمر فلان.

أم.

فلان ده اللي هو الحاكم.

الحاكم.

له يا أخي النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله ليرضى من العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة ويحمده عليها. يقول لك: لا، نحن ما رأينا هذا إلا في عهد فلان. يعني هذا الطعام طيب، فلان أنتم تزرعونه؟ أم نحن الزارعون؟ يعني فلان هو جاء به من كده، أم من كد أبيه؟ أليس هو رزقًا ساقه الله عز وجل إليكم؟ فتجد هذا النوع من من الشرك الذي يكون جليًا أحيانًا، وخفيًا في أحيان أخرى، ينتشر بين هؤلاء الرعية. والمستبدون يؤكدون هذه المعاني ويرسخونها في الناس بواسطه أجهزتهم وأدواتهم.

جميل. إني دكتور، يعني القرآن وهو يذكر صفات المستبدين وقصص الأنبياء في مواجهة أقوامهم واستبداد هذه الأقوام، هل هناك توصيات يمكن أن نستخرجها من القرآن لمواجهة هذه الظاهرة؟

ما في شك بأن القرآن الكريم يعلمنا أولًا أن تكون عقيدتنا في الله عقيدة صحيحة. عقيدة صحيحة بأن الله هو الذي يعطي ويمنع، ويضر وينفع، ويخفض ويرفع، وأن الخلق كلهم لا يملكون لكم، لا يملكون لك شيئًا. يعني لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك. ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. فهذه العقيدة هي التي أثمرت أن بلالًا رضي الله عنه يعذب، وأمية بن خلف يتعب من تعذيبه، فيقول له: وبلال ما يزيد على قوله: أحد.

يا الله.

فيقول له أمية: ويلك! لقد مللت.

يعني أنا تعبت. فهو وهو رضي الله عنه في الرمضاء، وعلى صدره الصخرة، ويجلد بالسياط، يقول له: والله يا عدو الله، لو علمت كلمة أغظ لك منها لقلتها.

يا الله.

يعني انظر إلى هذا الاستعلاء: ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين. فقضية تربية الناس على العقيدة، هذه أول درجة في السلم القضاء على الاستبداد. ثم ثانيًا: أن نقص عليهم من قصص الغابرين وأخبار الأولين. عاد الذين قالوا: من أشد منا قوة؟

أم.

وهذه نتذكرها الآن بعد غزو فنزويلا، وقول المستبد الأكبر والطاغوت الأعظم في عالمنا يقول: ليس هناك قدرة تضاهي قدرتنا.

نعم.

ولا قوة تماثل قوتنا. سبحان الله! نفس ما قاله: من أشد منا قوة؟ أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة؟ فنقص على الناس أخبار المستبدين. فرعون بأن نهايته بعد الجيوش والأموال والأنهار وكذا، فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية. وتجده مطروحًا الآن في في المتاحف، والناس يمرون عليه ويعجبون من من حاله.

ذلك الذي ظن بنفسه الظنون. فقضية يعني أخبار الأولين. ثالثًا: نبين لهم بأن القرآن الكريم بين أن الظالم مقصوم، سيقصمه الله. كما قال جل من قائل: واستفتحوا، وخاب كل جبار عنيد. نعم.

وخاب. الله عز وجل يحكم عليهم بالخيبة، مهما يعني هملجت بهم البراذين، وتقطقت بهم البغال، ومهما تزينوا بالأزياء الفاخرة، وسار حولهم الحرس والأجناد، في نهاية الأمر الله جل جلاله سيكسرهم ويقصمهم. فتربية الناس على مثل هذه المعاني. أيضًا قضية الشعور بالعزة. بأنك مسلم. من كان يريد العزة فلله العزة جميعًا. أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعًا. من الطرائف النبي صلى الله عليه وسلم جاءه حكيم بن حزام.

كان ذهب إلى اليمن، فوجد حلة ذي يزن تباع، ما يسمى الآن بالمزاد أحيانًا يخرجون يقول: سيارة الملك فلان الذي كان في القرن الكذا.

ويشتريها الناس.

بالآلاف. أي نعم. فاشترى حلة ذي يزن، وجاء إلى المدينة، فأهداها للنبي صلى الله عليه وسلم. النبي صلى الله عليه وسلم لبسها مرة.

نعم.

ثم أهداها لأسامة.

أم.

أسامة بن زيد.

أسامة بن زيد.

آه. لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يعجبه من الدنيا إلا مؤمن تقي. يعني ما في شيء يملأ عينه من الدنيا.

سبحان الله.

أهداها لأسامة. أسامة كما ذكروا في صفته كان أدم شديد الأدمة، يعني أسمر.

أم.

أفطس الأنف، يعني أخذ صفات أمه.

نعم.

بركة الحبشية رضي الله عنها. فأسامة رضي الله عنه لبس هذه الحلة.

فراه حكيم.

أم.

قال: يا أسامة، تلبس حلة ذي يزن؟

أم.

فقال له أسامة: وما يمنعني؟ فإنا خير منه، وأبي خير من أبيه.

الله أكبر.

يعني سبحان الله. انظر إلى هذه العزة من أسامة رضي الله عنه. يعني ما نظر إلى يعني سمرة بشرته، ولا نظر إلى أنه ابن مولى، ولا نظر إلى أنه لا مال له، وإنما أن الله أعزه بهذا الدين.

نعم.

فتربية الناس على العزة هي التي تجعلهم يستعصون على المستبدين.

جميل. هذا يقودنا دكتور إلى أسباب الاستبداد، وأنت ذكرت قبل قليل موضوع العقيدة الصحيحة، ويعني توسعت بها في أطروحتك أيضًا. موضوع العقيدة وأن المؤمن أن الحكم لله لا يمكن أن يسمح للاستبداد أن يتفشى في المجتمع. يعني كيف تعزز العقيدة محاربة هذه الظاهرة أو ظاهرة الاستبداد؟

أي نعم. ما في شك العقيدة الصحيحة هي التي تجعل يعني الفرد الواحد ولو كان صبيًا صغيرًا يقف ما معت المستبدين. ولذلك القرآن الكريم يقول لنا: قتل أصحاب الأخدود، النار ذات الوقود، إذ هم عليها قعود. النبي صلى الله عليه وسلم يفسر هذه الآيات كما في صحيح مسلم. يذكر لنا قصة ذلك الساحر الذي كان عند الملك.

نعم.

ودائمًا المستبدين يستعينون بالسحرة والكهنة.

نعم.

هذا جوهم. فهذا الساحر الخبيث قال للملك: إنه قد كبر سني، فابعث إلي غلامًا لقنًا فطنا أعلمه السحر.

اه.

يعني يريد يورث الضلال من بعده. فجيء له بغلام، وكان الغلام في الطريق يمر على راهب.

يا الله.

وهذا الراهب يعلمه توحيد الله عز وجل وكذا، وكذا. وكان يتأخر، والساحر يضربه. فالراهب قال له: إن تأخرت على الساحر، فقل: حبسني أهلي. وإن تأخرت على أهلك، قل: حبسني الساحر. ففي يوم من الأيام هذا الغلام يمشي، وجد أسدًا سبعًا قد سد على الناس طريقهم. قال: اليوم أعلم أمر الراهب أحب إلى الله أم الساحر. فأخذ حجرًا ورمى، قال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك، فاقتل هذا السبع، وخذه عن طريق الناس.

وما عهدنا أن سبعًا يقتل.

بحجر.

بحجر. فرمى فقتل.

يا الله.

فلما جاء للراهب، قال له الراهب: أي بني، أنت اليوم خير مني، وإنك ستُبتلى.

طبعًا هذه السنة.

أي نعم. فلا تدل عليها. يعني ما. فسبحان الله. كان هناك جليس من جلساء الملك أصابه العمى. فقال لهذا الغلام: أي بني، قد بلغ من من بلغني أنه أنك تبرئ الأعمى وتشفي المريض. قال له: أنا لا أشفي أحدًا، وإنما الذي يشفي هو الله. فإن آمنت بالله، دعوته فشفاك. ف هذا الوزير أو هذا الجليس للملك شهد شهادة الحق: أنه لا إله إلا الله. فدعا الله فشفا.

لما جاء في المجلس، ربما مجلس الوزراء أو مجلس المستشارين أو مجلس. قال له الملك: من رد عليك بصرك؟ وكان يتوقع أن يقول له: أنت. قال: الله. قال: أول رب غيري؟ قال: نعم. طبعًا جاء بهذا الكذا. فقتله. ثم جاء بالكذا إلى أن وصل للغلام. في نهاية الأمر، والحديث طويل. الغلام قال له: أنت تريد قتلي؟ قال: نعم. قال: لن تستطيع حتى تفعل ما أمرك به. خذ اجمع الناس في صعيد واحد، ثم خذ سهمًا من كنانتي، وقل: بسم الله رب الغلام.

يا الله.

ثم ارمِ به. ف طبعًا المستبد أيضًا سبحان الله، دائمًا عقله.

ضيق.

ضيق. يعني ما يتجاوز نظره أنفه. أعلن عطله رسمية، وجمع الناس في الاستاد أو في في المكان الفسيح، ثم أوقف الغلام، وأخذ بالسهم، ووضعه: بسم الله رب الغلام، وأطلقه، فأصابه في صدغه. فقال الناس: عجبا! ما استطعت قتله إلا بعد أن ذكرت اسم الله رب الغلام. آمنا جميعًا بالله رب الغلام.

فقالوا له: قد وقع ما كنت تحذر. يعني هذا الغلام لعب بك. طبعًا هذا الغلام أخرج في زمان عمر بن الخطاب، ويده على صدغه.

رضي الله عنه.

كما روى الترمذي. فانظر يعني سبحان الله. هذا الذي ربي على التوحيد، كيف استطاع أن يقف يعني في وجه هذا الطاغية الظالم، ويبطل أمره على ملا من الناس، وخلد الله يعني ذكره ومن معه في قرآنه الكريم في سورة تتلى إلى يوم القيامة: النار ذات الوقود، إذ هم عليها قعود، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود. وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد، الذي له ملك السماوات والأرض، والله على كل شيء شهيد.

يعني دكتور، عندما ننظر هذه الصورة التي ذكرتها، وكيف أن العقيدة يعني أكسبت هذا الغلام هذه القوة، نجد صورة أخرى لبعض العلماء الذين يعني لا ترى لهم تركيز كما يدعون إلا في العقيدة، أو أحيانًا إشكاليات العقيدة والأسئلة الإشكالية وإثارة المشاكل، ثم هم أكثر الناس دفاعًا عن الظالم المستبد.

وتزلفًا إليه وسعيًا إلى بابه، ووقوفًا ورجاء لنواله، وخوفًا من عقابه. يا أخي الكريم، العقيدة المشكلة أنها صارت مباحث كلامية وردود يعني فلسفية. فإن قالوا قلنا، وإن قالوا قلنا. وكثير من الصالحين والمنصفين يعلمون بأنها لا تربي في القلب يقينًا، ولا تزيد العبد إيمانًا. ثم إنهم يحاربون فرقًا ومقالات صارت في ذمة التاريخ. وكما قيل: وإذا ما خلى الجبان بأرض طلب الطعن وحده والنزالة. يعني الآن إحنا عندنا مشاكل.

جديدة.

تكفي. أي نعم. قارن هذا يا أخي مثلًا بأهل غزة.

نعم.

يعني هؤلاء الذين يمكن أن نقول أغلبهم عوام، من لا درسوا عقيدة، ولا سمعوا بهذه الكتب، لكنهم وقفوا أمام هذه القوة العاتية التي تعاونت معها أمم الأرض. يعني ما كانوا يحاربون الصهاينة.

نعم.

وحدهم، بل كانوا يحاربون مع أمريكا وفرنسا وبريطانيا، ويحاربون المنافقين العرب الذين يعني شجعوا هذا العدوان وأعانوا عليه وحاصروا أهل غزة. وتجد جد أنهم تصب عليهم الحمم صبًا، ثم بعد ذلك الواحد منهم يحمد الله عز وجل، وينهى عن البكاء. سمعنا الرجل: ما تبكيش يا زلمة.

نعم.

هذا الذي واضح من حاله بأنه رجل يعني من من عامة الناس. والثاني والثالث من النماذج التي كانت سببًا في إسلام يعني كثير من الناس.

فأقول: إن هؤلاء العقيدة عندهم إنما هي يعني ألفاظ وكلمات وشقشقات وفلسفات وردود وما إلى ذلك. هذه ليست العقيدة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم.

الرسول عليه الصلاة والسلام رب الإيمان. وربنا جل جلاله لما ذكر المؤمنين، ذكرهم بصفاتهم: إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا، وعلى ربهم يتوكلون. الذين يقيمون الصلاة، ومما رزقناهم ينفقون. أولئك هم المؤمنون حقًا. لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم. هذا الفرق بين أن تدرس العقيدة، وأن تعيش.

وأن تعيش العقيدة وتطبق العقيدة وتعتقد يقينًا أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وأن الله جل جلاله فعال لما يريد، أن الله على كل شيء قدير، وأن الله بكل شيء عليم، وأن الله غني عن العالمين. الآن بعض الناس واقعه يدل على أنه يعتقد أن ترامب على كل شيء قدير.

أم.

وأن الحاكم بكل شيء عليم. ولذلك تجده يخشى أن يتكلم همسًا همسًا، ربما لو كان في بيته بين أهله وعياله.

الحيطان لها آذان.

يعني هذا يعتقد بأن الحاكم مطلع، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. ولذلك تجد يعني نسأل الله العافية، أشبه عقائد أهل الجاهلية.

الذين كان الواحد منهم يخاطب الملك يقول: أنت المملك فوقهم إلى القيامة، وهم العبيد إلى القيامة. ذلوا لصوتك كالأنثى ذي الخزام. يعني يقول لهذا الملك: أنت وأنت، لا أحد بعدك. نسأل الله العافية والسلام.

ذكرت أيضًا دكتور موضوع الجهل، الجهل كأساس لاستمرار الطغيان. ماذا تقصد؟ كيف يؤثر الجهل أيضًا في في استمرار؟

هو الجهل من من جنس ما ذكرنا. فالعلم الخشية.

نعم.

العلم الخشية. إنما يخشى الله من عباده العلماء. ليس العلم بكثرة يعني المعلومات. علم لم يثمر خشية هو وبال صاحبه. لن يزيده من الله إلا بعدًا. وعالم بعلمه لم يعملن، معذب من قبل عباد الوثن. فالجهل إذا فشا في الناس. ولذلك أ دكتور أحمد، تجد يعني هؤلاء المستبدين حريصين على أن يستحكم الجهل في الناس.

أم.

وأعني الجهل الديني.

نعم.

الجهل الديني. هو ما عنده مانع أن يتخرج أطباء وصيادلة وبياطرة وجيولوجيين وكذا وكذا، لكن يحرص على أن يقدم للناس دينًا مزورًا.

نعم.

دين يعني ليس فيه استعلاء بالله عز وجل، واستغناء به، وخضوع له، ورضا بحكمه القدري وحكمه الشرعي. دين لا يقدمون للناس دينًا مزورًا بواسطه.

أي نعم.

دين شعائر، والشعائر نفسها أماتوها.

فارغة من المضمون.

نعم. ولذلك الآن تجد صلاة الجمعة قد أغاروا عليها، فالزموهم بالخطب المكتوبة. وفي بعض البلاد هذه الخطب.

ثلثها دعاء للمستبد ولأبيه.

نعم. يعني مش للمستبد بس، لأبيه الذي مات قبل حين من الدهر. وتجد الخطب خالية من أي روح. يعني حتى هذه الحصة الثقافية الأسبوعية الإجبارية ليست اختيارية. إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله. حتى هذه خربوها.

وتعدوا عليها.

وتجد أيضًا يمنعون أن تكون المساجد محافل للتربية، للتعليم. بل في كثير من هذه البلاد ما يمكنك أن تلقي كلمة، ولا أن تدرس حرفًا، إلا إذا حصلت على ترخيص.

أم.

زي رخصة القيادة.

نعم.

وهذا الترخيص لن تحصل عليه إلا إذا قدمت فروض الولاء والطاعة.

فيصير الناس ما بين خيارين: إما أن يبيع دينه من أجل أن يدرس الناس، وإما أن يعتزل ويقول: يا رب، هذه طاقتي.

فلذلك هم حريصون جدًا على أن يستحكم الجهل في الناس. الجهل بالدين الحق. وال ولذلك تجد كثير من الناس الآن يردد مثلًا عبارات: الإسلام السياسي، الإسلام الجهادي، الإسلام الظلامي، الإسلام الرجعي، الإسلامي. وبالمقابل يقول: الإسلام المستنير، الإسلام الحداثي. هو يردد هذه الكلمات جهلًا بخطورتها.

يعني الإسلام دين واحد.

ما عندنا إسلام سياسي، فيه وجهات. أي نعم. أي نعم.

ف يردد هذه الكلمات جهلًا. هؤلاء المستبدون حرصوا على أن يرسخوا هذه المفاهيم في أذهان.

جانب واحد من الدين، جانب أمني و يعني مطيع، إن صح التعبير.

هذا ما يريدون.

المستانس.

نعم.

دكتور، هذا سيقودنا إلى ربما أحد أهم أسباب الاستبداد وهو العلماء، وعلماء السوء، وكل ما يعني يحاولون أن يكونوا أداة في يد الطغاة والمستبدين. أي بداية، قبل أن ندخل إلى إلى محور دور العلماء، دكتور عرفت أنك عينت في ديوان الزكاة عام 1993، وبراتب كبير كما يقال، لكن تركت خ بعد 16 يومًا، حتى أنك رفضت تعيينك برتبة ضابط. ما حقيقة هذا، ولماذا؟

هذا يرجع إلى يعني ناحية شخصية بأني ما خلقت لأكون موظفًا.

أم.

يعني منذ خلقني الله ما جلست يعني في في مكتب يعني بدوام من الساعة كذا للساعة يعني كذا. هذا يعني ما يوافق طبيعتي. ولذلك اعتذرت عن يعني ديوان الزكاة من أجل هذا السبب. وطبعًا قضية ضابط هذه أشد.

أشد أنك.

نعم. لأنك إذا صرت ضابطًا، فأنت مأمور ممن فوقك.

وليس عليك إلا السمع والطاعة بحسب أنظمة العسكرية وآدابها وقوانينها. ما ما عندك رأي ولا عندك كذا. فهذا أيضًا ما يوافق. فمن أجل يعني حبي للدعوة وحرصي عليها، حبي للتعليم، لتعليم الناس، أثرت أن أن أكون في الجامعة من أن أكون في واحدة من هذه من هذه الوظائف. فلكن لو رجعنا إلى قضية يعني علماء السوء أيضًا، الرسول صلى الله عليه وسلم حذر منها.

النبي عليه الصلاة والسلام قال: أخوف ما أخاف على أمتي منافق عليم اللسان، يجادل بالقرآن. يا الله.

يعني تجد بعض الناس نسأل الله العافية، أوتي فصاحة، فيستغل هذه الفصاحة فيلوي أعناق النصوص من أجل أن يلبس على الناس. فتجد مثلًا نصوصًا جاءت في الخوارج الذين يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان.

فينزلونها في العلماء الأمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.

لأنهم خرجوا عن الحاكم. في.

آه. هم ما خرجوا ولا حملوا سلاحًا، ولا ما عندهم إلا أنهم قالوا: ربنا الله. وقالوا: هذا حلال.

هذا حرام، هذا حق، وهذا باطل. باطل، بينما يريد المستبد أن يجعل الحق باطلاً والباطل حقاً. فيتصدى أهل السوء هؤلاء من أجل أن يقولوا: "هؤلاء خوارج، طوبى لمن قتلهم، فإن من قتلهم كان أولى بالله منهم". كلام قاله النبي صلى الله عليه وسلم، لكن قاله فيمن ما قاله في هؤلاء.

لكن تجد يلوون أعناق النصوص، يأتون بقول ربنا جل جلاله: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم". ما يتكلمون عن طاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، إنما يركزون على طاعة أولي الأمر منكم، مع أنهم لو رجعوا إلى التفاسير وكانوا منصفين لعلموا أن أولي الأمر هم العلماء والفقهاء، ليسوا هم يعني أن يأتي واحد جاهل ما يعرف شيء ويستبد بأمر الناس، وربما لو أعطي كتاب الله ما استطاع أن يقرأ من جزء عما نظراً، يعني مش ليس من حفظه نظراً ما يستطيع. فهؤلاء أصلاً يعني انعقاد الحكم لهم فيه مشكلة، لأنه من شروط الحاكم يعني كما ذكر علماؤنا أن يكون مسلماً، بالغاً، عاقلاً، حراً، ذكراً، عدلاً، يعني ليس فاسقاً، سليم الأعضاء، عالماً بأحكام الشريعة، خبيراً بحماية الثغور. كثير منهم ربما ما يحسن استعمال السكين، يعني دعك من أن يكون يعني حامياً للثغور، ولذلك تعويلهم دائماً على الأجنبي من أجل أن يأتوا فيحميهم، سواء كان من الغرب أو من الشرق.

فهذا هو علماء السوء، هؤلاء هم يعني من البلاء العظيم الذي ابتليت به هذه الأمة، ونسأل الله أن يقطع دابرهم.

دكتور، يعني إلى جانب علماء السوء الذين ذكرتهم، يعني من يلوون أعناق النصوص، أيضاً يعني نعرف علماء ربما لا تجد لهم انتفاع من الحاكم، لا تجد لهم مال، هم في حالة ربما فقر، لكن مع ذلك يدافعون بحجج أخرى أحياناً تكون سد باب الفتنة أو سد الذرائع أو درء الفتنة، يدافعون عن المستبد لا حباً ربما، لكن حرصاً على أن لا تذهب الأمور نحو الأسوأ. كيف نقرأ هذه المواقف؟

وطبعاً الفتنة نفسها، الناس ربما يظنون ما ليس بفتنة فتنة. ولذلك لما قال أحدهم: يا رسول الله، ائذن لي ولا تفتني. الله جل جلاله قال: "ألا في الفتنة سقطوا". فهؤلاء الذين يقولون بأنه ما نريد الفتنة، بعضهم محق، وبعضهم متجرد. يعني بعضهم ليس منتفعاً، ولا هو من أحلاس السلطة ولا من فقهاء الشرطة، لكنه يرى أن الناس ليس بهم قوة، وأن هذا المستبد ظلوم غشوم، لن يبالي بأن يفني العباد وأن يهدم البلاد على رؤوس أهلها، وقد رأينا ذلك في بلاد شتى. فهو يقول للناس: الناس ليس العاقل من يعرف الخير من الشر، ولكن العاقل هو من يعرف خير الشرين، وخير الشرين، يعني في هناك خير وهناك أخير، وهناك شر وهناك أشر، فالعاقل هو الذي يستطيع أن يميز شر الشرين وخير الخيرين. لكن بالمقابل كثير من هؤلاء إنما يريدون للناس الرضا بالواقع، لأن النفوس دنيئة والعياذ بالله. إذا ما علا المرء رام العلى، ويقنع بالدون من كان دونه. يعني هذا الذي اعتاد التزلف والمديح الكاذب يريد للناس جميعاً أن يكونوا مثله، ويأنف من أن يخرج من الناس من يقول: هذا حق وهذا باطل. فهذا الصنف موجود، وهذا الصنف موجود. الصنف الثاني هو يعني الأكثر، نسأل الله العافية.

يعني وهنا يسوق الصبر على أنه هذا نوع من أنواع الصبر ونوع من أنواع الرضا والتسليم، يعني يسوق عبارات دينية لكنها تساق في غير محلها. بل يسوغون الفقر. حتى الفقر للشعوب إذا كانت تعلم بأن ثرواتها منهوبة وأنها ذاهبة إلى هذا المستبد، والمستبد يعطيها لمن يحميه، ويأتي هؤلاء يقولون لهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن فقراء أمتي يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة سنة". وأن الأغنياء يشتد يعني حسابهم وكذا. خير لكم أن تخرجوا من الدنيا. هذا مخدر ومسكن. يعني هي كلمة حق قالها النبي صلى الله عليه وسلم، لكنهم روجوا بها لباطل.

دكتور، مرة أخرى، يعني كل هذا الاستبداد الذي ذكر، بالتاكيد له آثار شديدة وكبيرة على أمة الإسلام، وهذا ما رأيناه. وأنت افتتحت حوارنا اليوم بالحديث عن الخلافة ثم الملك العضوض ثم الملك الجبري، ورأينا كيف أنما كل ما ساء الملك والحكم ووصل إلى استبداد، كلما كان وضع الأمة أسوأ. ونحن الآن يعني في وضع يعلمه الجميع. كيف يؤثر الاستبداد في واقع الأمة؟ ما هي أبرز آثاره؟

نعم، بس أنا أريد أن أنبه إلى أن قضية سوء الزمان ليست مطلقة. يعني قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يأتي على الناس زمان إلا والذي بعده شر منه". هذا أغلبي وليس مطلقاً، لأنه علم من التاريخ أنه مرت بالناس أزمنة سوء، ثم جاءت بعدها أزمنة خير. يعني مثال ذلك الحجاج بن يوسف، جاء بعده عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه. كما قال أهل الحديث: لو قيل بأن الشر في عهده قد اضمحل لما كان بعيداً. يعني في عهد عمر كان العدل رضي الله عنه. وهو أيضاً ما دامت خلافته سوى سنتين وبضعة أشهر، ثم وضع له السم من مستبدي بني أمية الذين ضاقوا به ذرعاً حين نزع منهم يعني الميزات التي ما كان لهم فيها حق.

فالاستبداد يصبغ الحياة كلها بصبغته، سواء كان حياة ثقافية، حياة علمية، حياة سياسية، حياة اقتصادية. ولذلك يا أخي تجد في ظل الاستبداد ما تنهض الأمة. بالمناسبة يا دكتور، العلمانية في بلاد المسلمين ما تحكم إلا قرينة للاستبداد. يعني متى ما أعطيت الشعوب حق الاختيار، ما تختار إلا الإسلام. وهذا علم من تجارب كثيرة. لكن هؤلاء العلمانيون الذين يتشدقون بالحريات هم أبعد الناس عنها، وهم أكبر أنصار الاستبداد. فلذلك أقول: الاستبداد شؤمه يسري على الجميع، يسري الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وشيخنا الشيخ محمد الحسن دائماً يقول بأن الاستبداد يقوم على يعني خمسة أركان: الحاكم الظالم المتأله فرعون، ثم الوزير المنافق وهو هامان، ثم رجل الأعمال الفاسد الذي هو قارون، ثم رجل الدين الفاسد المتمثل في السحرة: "إن لنا لاجراً إن كنا نحن الغالبين". همهم كله في المال. بعزة فرعون: "إنا لنحن الغالبون". ثم أخيراً رجل الإعلام الفاسد الذي يظهر يعني وجهاً واحداً، ما يظهر الوجه الآخر. "فأرسل فرعون في المدائن حاشرين، إن هؤلاء لشرذمة قليلون، وإنهم لنا لغائظون، وإنا لجميع حاذرون". وقالوا: "أنتتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين". طيب إن كانوا هم المغلوبين؟ ما لا. لا هذا ما يتطرقون إليها. يظهرون وجهاً واحداً. فتجد هنا الاقتصاد تأثر، والإعلام تأثر، والدين تأثر، وكل شيء تأثر.

جميل، جميل. هذه أركان الطغيان الخمسة. دكتور، لو عدنا إلى الحالة السودانية وكيف تقرأها؟ أنا أسألك عنها لأنك كنت مطلعاً أكثر. كيف تقرأ أثر الاستبداد على المجتمع، على تدين الناس، على إيمان الناس؟ كيف تقرأ هذه الآثار؟

هو طبعاً الحالة السودانية حالة مخصوصة من وجوه اختصاصها بأنه ليس للدولة سلطان على رقعة واسعة من البلاد. يعني أنا أجزم الآن بأنه في السودان، في قراها وأطرافها الشاسعة المتناثرة، من لا يعرف اسم الحاكم. لهذا الحال، لأنه ما استفاد منه بشيء، ولا تضرر منه بشيء. يعني ليس هناك طريق قد عبد، وليس هناك مياه قد... ما زال في بعض الأماكن ناس ينزحون الماء من البئر مثل ما كان على زمن الرسول صلى الله عليه وسلم. فهذه من خصائص أيضاً السودان بأنه ما حصلت إغارة على الدين كما حصل في بلاد أخرى. يعني المساجد عامرة في كل العهود. الكلام في الدين ليس حكراً، وإنما يعني هو حق مشاع، بل حتى في الأسواق وفي الشوارع وكذا. يعني ما حصلت فترة يعني مظلمة يعني تم فيها الإغارة على الدين إلا فترة تحكم الشيوعيين، وما كانت إلا سنتين أو دونها، يعني من 69 إلى 71. أما في سائر العهود، يعني زمن النميري أو جاء بعده سوار الذهب رحمه الله عليهما، أو من كان قبلهما عبود رحمه الله عليه، كل هؤلاء ما تدخلوا في دين الناس. وأيضاً من الخصائص الموجودة في السودان بأنه قضية التدين قضية مجتمع، ليست قضية دولة. يعني المساجد يبنيها الناس، الإمام يأتي به الناس، راتبه من عند الناس. الدولة ما تملك أن تعطي الإمام أو تحرمه كما هو في بلاد أخرى. وهذا طبعاً له وجه مشرق بأنه الإمام يكون حراً من سيطرة الدولة، وله أيضاً وجه آخر بأن الدولة المفروض... أما يكون لهم أي نعم يكون كادر وظيفي شانه شأن سائر الناس.

بس دكتور، يعني كلامك أثار في نفسي سؤال. يعني لو فعلاً الحاكم المستبد ربما لم يتطرق بما يؤذي دين الناس، تركهم مثل ما تفضلت مثلاً في الحالة السودانية، لكن بالمقابل هو لا يتحمل مسؤولياته. هناك مشكلة في الأموال، هناك مشكلة في ثروات البلاد، هناك مشكلة ربما في... هل يكفي أن هو لا يقترب من دين الناس؟ أبداً، ما يكفي. أنا ما أقول هذا من أجل أن أبرئهم من التقصير، وإنما أقول بأن استبداداً خير من استبداد. يعني هو كما قلت قبل قليل: العاقل من يعرف خير الخيرين وشر الشرين. فالحالة السودانية هؤلاء، هو والمستبدون الآخرون أغاروا حتى على الدين. فلا يصعد على المنبر إلا من رضوا عنه ورضي عنهم، ولا يتكلم في المساجد ولا في أجهزة الإعلام إلا من رضي عنهم ورضوا عنه. فهذه مشكلة.

هل يؤثر لدكتور الاستبداد حتى على أخلاق الناس الشخصية؟ ما في شك. على انتمائهم الوطني؟ ما في شك. تكثر النفاق، ويشيع الكذب، ويكون التملق هو السلعة الرائجة. ويحاول كل إنسان أن يتزلف إلى من فوقه. وأيضاً تهرب الكفاءات. الكفاءات تهرب إلى بلاد تتنفس فيها حريتها وتشعر فيها بآدميتها، إلى غير ذلك. يعني هم يعني الاستبداد شؤمه على كل شيء.

جميل. من المشكلة إلى الحل. يعني الإسلام طرح مبدأ الشورى. الشورى، أي يعني وكثير ما تكلم عنها أو أثيرت. هل الشورى ملزمة أم هي فقط يطرحها الخليفة أو الحاكم ليستأنس بها ثم يفعل ما يريد؟

نعم، طبعاً الشورى مذكورة في كتاب الله أمراً في قول ربنا جل جلاله في الآية التاسعة بعد المائة من سورة آل عمران: "وشاورهم في الأمر، فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر". ومن العجيب أن هذه الآية نزلت بعد غزوة أحد، وغزوة أحد كانت نتيجة الشورى كارثية، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان رأيه البقاء، لكن الأغلبية قالوا: لا يرى أعداء الله أن قد جبنا عنهم، لنخرج إليهم، لنبرز إليهم. فقتل سبعون من الأخيار، والنبي صلى الله عليه وسلم شجت يعني جبهته، وكسرت رباعيته، ودخلت حلقتان في وجنتيه صلى الله عليه وسلم، وجحشت ركبتاه، ونزف منه دم غزير. ومع ذلك الله جل جلاله يقول له: "وشاورهم في الأمر". والله جل جلاله ذكر الشورى أيضاً في الحديث عن سمات المجتمع المسلم. وسبحان الله، الناس الذين يقولون بفصل الدين عن الدولة أو فصل الدين عن الحياة والدين يكون شأن شخصي، مفروض يقرأوا هذه الآيات. الله جل جلاله قال: "والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون". بين الصلاة والزكاة. أي نعم. "والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون". وجزاء سيئة سيئة مثلها. فتجد أن الله بدأ بالعقيدة: "والذين استجابوا لربهم"، ثم ذكر العبادة البدنية: "وأقاموا الصلاة"، ثم الشورى، ثم ذكر العبادة المالية: "ومما رزقناهم ينفقون"، ثم ذكر الأخلاق: "والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون".

فقضية الشورى عندنا مبدأ دا أساس في الحكم. سبحان الله، علماؤنا الأولون كان هذا الأمر واضحاً عندهم. تجد واحد من علماء المالكية وهو ابن خويز منداد رحمه الله يقول: "والشورى واجبة". "ومن لم يشاور الناس وجب عزله". الذي يستبد بالأمر. وجب عزله. سبحان الله. هذه الصورة الناصعة التي كانت عند هؤلاء المتقدمين لا تجدها عند كثير من المتأخرين. والقول الراجح بأن الشورى ملزمة. لماذا؟ لأنهم قالوا في قول ربنا: "وشاورهم في الأمر". إنما أمره ربنا بذلك تطيباً لقلوبهم. طيب إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن يطيب قلوب أصحابه، مع أنه لو أمرهم أن يخوضوا البحر لخاضوه. ما سألوه لما؟ أبداً. الحكم أحوج إذاً من باب أولى من لم يكن نبياً، من كان دونه. ثم التجربة العملية نجد بأن أبا بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم كانوا يستشيرون وجوه الناس، ويجمعون يعني من من اصطلح على تسميتهم بأهل الحل والعقد، من العلماء والنبلاء ورؤساء القبائل والعرفاء، فيستشيرونهم في الأمر. وتجد بأن عمر رضي الله عنه لما خرج يريد بلاد الشام، ثم جاءه الخبر بأن الطاعون قد وقع، فجمع المهاجرين فاستشارهم، فاختلفوا. قال: ارتفعوا عني. ثم دعا الأنصار. هذه ما تسمى الآن بالمجالس المتخصصة. دعا الأنصار فاختلفوا. فقال: ارتفعوا عني. ثم دعا مشيخة الفتح من القرشيين، يعني من أمثال صفوان بن أمية وأبي سفيان وسهيل بن عمرو، فلم يختلف عليه رجلان. كلهم قالوا: نرى ألا تقدم الناس على هذا الوباء. فعمر رضي الله عنه خلاص استقر على هذا الرأي، فأمر من يؤذن في الناس: "إني مصبح على ظهر". يعني أنا راجع. فجاءه أبو عبيد. قال: أفراراً من قدر الله أمير المؤمنين؟ أنت خائف من الطاعون؟ فقال: لو، لو غيرك قالها. وطبعاً جواب الشرط محذوف. بعضهم قال: لو غيرك قالها لأوجعته ضرباً. وبعضهم قال: لو غيرك قالها لما استغربت، لكن أنت رجل عالم. ثم قال له: نفر من قدر الله إلى قدر الله. فجاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها، وإذا وقع بأرض وأنتم خارجها فلا تدخلوها". فحمد عمر ربه. هنا تجد بأن عمر اجتهد اجتهاداً في قضية باستجلاء آراء الناس، ومن أجل أن يميز الصواب. فشورى ملزمة وليست معلمة. ما الفائدة إذا كان الحاكم هواه مال به إلى رأي، فاستشار الناس، ثم بعد ذلك ينفذ ما يهوى؟ لا فائدة.

وهذا ما يعني ربما نعاني منه اليوم، يعني إن وجدت فهي تكون فقط شكلية. يا دكتور، هل يكون وصفي دقيقاً إذا قلت أن النبي عليه الصلاة والسلام كان منفتحاً على النقد ومرحباً به؟

هو يمكن أن تقول هذا استدلالاً بعدة أحداث. يعني يوم بدر لما قال له الحباب: أهذا منزل أنزلك الله أم هي الرأي والخديعة؟ قال: بل الرأي. قال: ما هذا بالمنزل. الرسول صلى الله عليه وسلم ما أنكر عليه. لما فاوض الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن على أن يعطيهم ثلث ثمار المدينة من أجل أن يرجعوا، من أجل أن يفض التحالف. فلما استشار السعدين قالوا: يا رسول الله، هذا أمر من الله فلا نشاهد. أم أمر تحبه فنصنعه، أم شيء تصنعه من أجلنا؟ قال: من أجلكم، لأني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة. قالوا: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء أهل جاهلية ووثن، وما كانوا يطمعون أن يأكلوا تمرة إلا شرا أو قرا، يعني اشتروا أو نكرمهم. أفحين أعزنا الله بالإسلام وبك نعطيهم ثلث ثمار المدينة؟ والله لا نعطيهم إلا السيف. فتهلل وجهه صلى الله عليه وسلم. نفس الشيء يوم الحديبية، لما قال عمر: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ ألسنا رسول الله؟ ألسنا المؤمنين؟ وهم هم المشركين؟ فلم نعط الدنية في ديننا؟ الرسول صلى الله عليه وسلم أيضاً تحمل هذا من عمر. وهذا دائماً حال الإنسان. طبعاً مقام النبوة والرسالة هذا لا أعظم منه في البشر، لكن أقول: من كان واثقاً من نفسه، حريصاً على المصلحة، ساعياً في رضا ربه، فإنه لا يضيق صدره بالنقد، ولا يضيق صدره بالناقدين، بل يعني يكون صدره واسعاً يسع الناس جميعاً.

جميل. يعني دكتور، في قصة يعني صلح الحديبية عندما راجعه سيدنا عمر، يعني أيضاً قال له: إنه الم تعدنا يعني هذا أيضاً ملمح أنه يعني الحاكم إذا عندما يعد... (ضحك) الآن هذه الوعود الانتخابية، من حق الناس أن تراجعه وتسأله عن وعوده التي وعد بها.

طبعاً الرسول صلى الله عليه وسلم قال له: ولكن هل قلت لك في هذا العام؟ لكن بالنسبة لقضية الانتخابات، تقبل منه أنه يراجعه ويسأله.

الانتخابات يا أخي الآن أفسدوها بالمال. بالمال الحرام. فإنهم يعني يقدمون ريشاً. وسبحان الله، الرسول صلى الله عليه وسلم تكلم عن هذا من بدري من زمان. قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم". رجل كان عنده فضل ماء فمنعه ابن السبيل، يدخل فيه الآن من يحاصرون غزة. ورجل حلف على سلعة أنه اشتراها بكذا وهو كاذب. ورجل بايع إماماً لا يبايعه إلا لدنيا، إن أعطي منها رضي، وإن منع منها سخط. الآن هذا الذي يحصل في الانتخابات. كثير من الناس يصوتون لمن يدفع لهم أكثر. من يدفع أكثر. يعني الأصوات تشترى. وهذا يعني فيه نبوي. وخلاص بعد ذلك يدخل في البرلمان. بعضهم يمكث أربع سنين لا ينبس ببنت شفة، لأنه أصلاً مش فاهم الدا... يعني ما يناقشونه أو كذا. ويحصل مكاسب قصيرة. همه أن ينمي تجارته، أو أن يمد سلطانه إن كان يعني زعيم قبيلة أو كذا. لكنه لا ينفع بل يضر.

حر. يعني هذا ربما يقودنا إلى مفهوم الحرية. الحديث عن الحلول: الشورى، النقد، والحرية. هل الحرية قيمة أصيلة في الإسلام؟

أيه طبعاً. بعض الجهال قالوا ليست موجودة في القرآن لفظة الحرية هذه، مثل ما قال آخرون: ليس في القرآن كلمة العقل. معناه الإسلام ما ما يتم العقل. (ضحك) أيضاً ليس في القرآن كلمة العقيدة. ما في في القرآن. آه جميل. ليست موجودة أصلاً. القرآن دائماً يحدثنا عن الإيمان، عن اليقين. لكن بالنسبة للعقل، القرآن يحدثنا عن أولي الألباب. "فاتقوا الله يا أولي الألباب إن في ذلك لآيات لأولي النهى". والنهى جمع نهيه، وهي العقل. وهي العقل. كذلك قضية الحرية هذه، القرآن الكريم يحدث عن الكرامة الإنسانية: "ولقد كرمنا بني آدم". القرآن الكريم يحدثنا عن العزة، ومعلوم أننا لا عزة مع استعباد واستبداد. القرآن الكريم يحدثنا عن أن هذا المخلوق هو أفضل المخلوقات: "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم". فثم بعد ذلك الأمر لا يقتصر على القرآن الكريم. لما أبدى وأعاد في الحديث عن فرعون، أليس في هذا إعلاء لقيم الحرية وهدم لأركان الاستبداد؟ القرآن الكريم لما يحدثنا عن قارون وكيف خسف الله به وبداره الأرض، ويحدثنا عن هامان وجنودهما: "إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين". هذا كله إعلاء لقيمة الحرية. لما يحدثنا عن موسى عليه السلام وكيف دافع عن ذلك المظلوم، دافع بيده فوكزه موسى فقضى عليه. أليس هذا إعلاء لقيم الحرية؟ القرآن الكريم لما يحدثنا عن العقيدة: "لا إكراه في الدين". "فمن شاء فليؤمن". "قد تبين الرشد من الغي". وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. القرآن الكريم والسنة تحدثنا عن حرية التفكير. تفكير دائماً. القرآن يدعونا إلى التفكير، حتى من أنكروا نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم. "قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا". (ضحك) حركة الجماهير حركة غوغاء دائماً. لا مثنى وفرادى ثم تتفكروا. "ما بصاحبكم من جنة". عليه الصلاة والسلام. القرآن الكريم يدعونا إلى حرية التصرفات. حدثنا عن الزراعة، عن الصناعة، عن التجارة. الصناعة، عن الحدادة، عن البناء. في قصة ذي القرنين عليه السلام يحدثنا عن إنسان يريد يرعى الغنم، يريد يتجر، يريد يزرع، يريد يصنع، يريد يحترف، يمارس حرفة من الحرف، مثل ما كان نبي الله داود عليه السلام وسليمان من بعد يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات. ونصوص السنة أيضاً. بل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من أحيا أرضاً مواتاً فهي له". يعني ذهب إلى مكان خالي وأحياه، زرعه أو كذا، هذه الأرض تكون له. فحرية التنقل. حرية التنقل في أرض الله. ما في شيء اسمه ممنوع من السفر، أو فلان سحبنا يعني سحبنا جوازه وما إلى ذلك. هذا كله من أخلاق المستبدين. ما يكون هناك منع من السفر إلا لموجب شرعي. إنسان عليه قضية ينتظر يعني حكماً، مثل لكن هكذا لمجرد أنك خالفته يمنعك من السفر أو يحول بينك وبين الوثيقة التي تستطيع أن تتنقل بها في أرض الله. هذا كله مما يمنع أيضاً توفير الكرامة الإنسانية. الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا". (يا الله). ويحدثنا يقول: "صنفان من أهل النار من أمتي لم أرهما". قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها ظهور الناس. وهذا أيضاً يرجعنا إلى النقطة الأولى بأن دولة بني أمية ودولة بني عباس دائماً الناس يطعنون عليها وينعتونها بالـ... لكن كانوا معظمين لحدود الله. يصل الاستبداد. نعم. الاستبداد يتعلق بالكرسي. ما تزاحمني في الكرسي. أما بعد ذلك ما ضروا الناس في دينهم. يعني القضية الجهاد كانت رايته مرفوعة، وكان المسلم عزيزاً في أغلب فترات يعني الدولتين.

دكتور، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مليء في القرآن الكريم. هل يمكن اعتبار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شكلاً من أشكال معارضة الحكم أحياناً إذا كان موجهاً إلى الحاكم؟

نعم، ما في شك. لو أن هذا الحاكم أول ما هو أصلاً الحاكم ما ولد هكذا مستبداً، وإنما الاستبداد نزع إليه بنفسه، الإمارة بالسوء وبذنوبه، به السبعية كما يقال، أو الغضبية التي تشبه أخلاق السباع. وبعد ذلك لما سكت الناس عنه تمادى. تمادى. لكن لو من البداية وجد أمة من الناس يقفون بوجهه ويقولون له: اتق الله يا ظالم، كف عما تصنع، فلا شك أنه كان سيرعوي. ولذلك مثلاً تجد بأنه كلما قرب عهد الناس بالنبوه كان الاستبداد ممنوعاً. فلما بعد عهد الناس بالنبوه ونشأت أجيال ما تربت على هدي الوحي، بدأ الاستبداد يستشري في هذه الأمة.

دكتور، يعني عندما نطرح فكرة مقاومة الاستبداد، أول ما يخطر على البال موضوع ما يعني يساق وذكرنا قبل قليل، لكن لا نريد أن نفند هذا الموضوع، موضوع الصبر على الفتنة، أن مقاومة هذا الظلم قد تؤدي إلى الدماء، إلى سفك دماء، كما رأينا هنا. كيف يمكن التعامل وكيف نقرأ أو نضع هذه الحجج في سياقها الصحيح؟

هو طبعاً ها هنا قواعد لابد من الاهتمام بها. القاعدة الأولى: بأن الحاكم إذا كان كافراً لا تنعقد له ولاية أصلاً. وإذا ارتد فإن الولاية قد سقطت. يعني لو فرض بأن هناك مسلماً يحكم ثم بعد ذلك حصلت منه ردة، العياذ بالله، خلاص انفصم العقد الذي بينه وبين الناس. فهذه واحدة. ثانياً: بأن الحاكم إذا عظم فساده، فينبغي الخروج عليه. لكن هذا الخروج محكوم بأمرين: محكوم بالقدرة. وأنت تعرف الآن بأن فيما مضى من الزمان لما خرج سعيد بن جبير وابن الأشعث ومن كان معهم، وهي ثورة الفقهاء كما سميت، كان الذي يملكه الحاكم يملكه المحكوم، يعني سيف مع سيف، ونبل مع نبل، وخنجر مع خنجر، وكذا. لكن الآن لا. الآن هذا المستبد الظالم يملك ما لا نملك، وعنده جيش فيه كثير من الرعاع الذين ينفذون الأوامر دون انتباه إلى عظم ما يفسدون. ويوم القيامة لن ينفعهم أن يقولوا: "ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبرائنا فأضلونا السبيل". أو أن يقولوا: "ربنا هؤلاء أضلونا فاتهم عذاباً ضعفين من النار". يعني للأسف الآن شاع بين العسكر الذين يعذبون الناس يقول: أنا عبد المأمور. ما لي علاقة. أنا أنفذ الأوامر. نقول له: هذه الحجة لن تغني عنك شيئاً يوم القيامة. سيتبين الذين اتبعوا من الذين اتبعوا. فالأمر الأول: القدرة. لابد أن يكون هناك قدرة. ثم الأمر الثاني: أن يكون هناك ميزان للمصالح والمفاسد. يعني علماؤنا يقررون بأنه ليس في الدنيا مفسدة خالصة، وليس فيها مصلحة خالصة، وإنما كل مفسدة تشوبها مصلحة، وكل مصلحة مشوبة بمفسدة. ولذلك في القرآن: "ويسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع". يعني حتى الخمر والميسر فيها منافع، لكن الشريعة تعتبر هذه المنافع ملغاة إذا كانت المفاسد أكبر. فها هنا أيضاً قضية الخروج على الحاكم. ولذلك الآن مثلاً تجد إخواننا علماء اليمن يدور بينهم نقاش كبير حول جدوى ما كان في 2011. يعني هل هذا كان قراراً صائباً، مشاركتهم في الثورة في ذلك الوقت، أم أنهم قد تسببوا في ضياع كثير من المصالح وحل محلها كثير من المفاسد. فهذان الأمر لا بد منهما.

أنت ذكرت أنه دائماً كل مصلحة ممكن فيها مفسدة والموازنة. وهنا المشكلة تتداخل. العالم المخلص مع العالم الذي يريد أن يطوع النصوص لمصلحة المستبد. ألا يرسخ هذا لسلبية الأمة تجاه حكامها المستبدين؟ يعني دائماً تحت ذريعة درء المفاسد، ولا طاقة لنا بهم، والعين لا تقاوم المخرز، وغير ذلك. ما هل ستبقى الأمة سلبية، وسيبقى المستبد رغم معرفتنا بأنه مستبد في حكمه بمنأى عن أي مقاومة؟

نعم، لا نحن ما ندعو الأمة إلى الرضا بالدون. وفي الوقت نفسه ما ندعو الأمة إلى أن تلقي بنفسها في مهلكة لا قرار لها. وإنما ندعو الناس إلى الوسط: بأن هذا الوضع وضع شائن خاطئ، وأن هذا المستبد الظالم يجب الخروج عليه، لكن إذا تحققت الشروط وترجحت المصالح. قضية العلماء، الحمد لله، لا يخلو الزمان من قائمين لله بحجة. يعني للأسف الآن الناس ما يعرفون إلا من يتصدرون في الإعلام. لكن لا، الأمة والله فيها خير كثير. وأنا ما أقول الأمة العربية، والله في العجم، أو الدول التي ما ينطق أهلها بالعربية، والله فيها علماء فحول. فحول في الصومال، في إثيوبيا، في نيجيريا، في غيره من بلاد. ودعك من بلاد آسيا وغيرها. فلذلك هؤلاء العلماء ما المخلصون البعيدون عن الأضواء في أغلبهم، والحريصون على مصلحة الدين ومصلحة الأمة، هم أقدر في كل بلد على تقدير المصالح والمفاسد، وينبغي أن يكون الناس لهم تبعاً. وأنا أريد أقول لك كلمة سمعتها في أفغانستان بعد التحرير. قالوا بأن الذي عصم الأفغان في عامتهم من أن ينساقوا للاحتلال وأن يكونوا عملاء له هو أن الأفغاني تربى على أن يكون تبعاً للعالم. يعني هناك العلماء أو كما يسمونهم الطالبان، قرروا المواجهة، قرروا الجهاد، وقالوا بأن بوش وعدنا بالهزيمة، والله وعدنا بالنصر، ونحن لسنا مستعجلين. ولذلك مكثوا عشرين سنة. يعني لولا وجود الحاضنة الشعبية التي كانت تمول هؤلاء المجاهدين وتحوطهم، ثم المناطق التي حرروها، أفلحوا في أن يقيموا فيها المحاكم الشرعية والإدارة. ولذلك لما حصل سقوط كابل هم ما تعبوا كثيراً، لأنه أصلاً الدولة كانت قائمة شيئاً فشيئاً. أو مثل ما حصل الآن في سوريا، قضية إدلب. وبعد ذلك انسحبت على بقية المدن. فلذلك أقول يا أخي، من من ينبغي أن يربى الناس على أن العلماء ليسوا فقط هم هؤلاء الذين يتصدرون المشهد ويظهرون على الشاشات، وإنما هناك علماء ربانيون مخلصون في كل بلد، والحمد لله رب العالمين، وينبغي أن يصد صدر الناس عن رأيهم.

جميل. دكتور، ذكرت سوريا الآن، وفعلاً سوريا كانت تجربة دفع فيها أثماناً باهظة، لكن في النهاية نحن نتحدث عن اقتلاع للاستبداد. الثمن باهظ، لكن الآن عندما تحدث الناس يقولون: هذا أفضل من أن كان أن يستمر هذا الاستبداد وهذا الظلم لعقود إضافية. مرة أخرى، أحياناً يكون الطريق فيه دماء وفيه تضحيات. وأنت قلت قبل قليل: سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فقتله. هنا ضحى، وهنا قد يقول قائل من الجبناء: إنه هذا ألقى بنفسه إلى التهلكة. من قام إلى إمام جائر فنهاه. مرة أخرى، كيف يمكن...

"إذا غامرت في شرف مرومي فلا تقنع بما دون النجوم، فطعم الموت في أمر حقير كطعم الموت في أمر عظيم. يرى الجبناء أن العجز كيس، وتلك خديعة الطبع اللئيم". أي يا أخي، ما يعني نفس الشيء الآن يقال عن أهل غزة: إن هؤلاء جلبوا على أنفسهم الدمار، وأزهقت الأرواح، وأبيد الناس وما إلى ذلك. يا أخي، ما في حركة تحرر في الدنيا إلا صاحبها دماء وتضحيات. يعني هذا في التاريخ القديم والحديث. بل الدين نفسه ما وصل إلينا إلا بتضحيات. منذ مكة، منذ أن قال النبي صلى الله عليه وسلم: "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا". ولذلك أنا أعود فأقول بأن أهل البلد، علماء البلد، مثلاً كان الذي خارج سوريا يقول بأن سوريا كان فيها شيء من الرخاء المعيشي، الناس كانوا عايشين. لماذا جلم؟ لكن إخواننا في الداخل السوري كانوا يعلمون بأن هناك تجريفاً للعقائد، أن هناك تغييراً ديموغرافياً، يعني كان هناك إحلال وإبدال، وأنه حتى الدين عبثوا به إلى درجة أن يشكل مجلس إفتاء فيه خلطة من المسلمين والدروز والنصيرية وما إلى ذلك. فهم كانوا يعلمون بأنه كلما استمر هذا الوضع فإن الخرق سيتسع. وما أعتقد بأن شعباً قدم من التضحيات مثل ما قدم إخواننا السوريون، ولا أعتقد شعباً تعرض لألوان من الأذى والنكال مثل ما تعرض له هؤلاء. ولذلك أقول بأن علماء كل بلد هم أقدر على ترجيح المصالح والمفاسد.

جميل. أشكرك. يعني هذا أنا فقط ذكرت هذه النقطة حتى لا يقول البعض أنه دائماً إذا في تضحيات إذا يجب أن ندرأ المفاسد، ونريد أنه لا يمكن مواجهة المستبد بدون تضحيات على الإطلاق.

في الختام، دكتور، المستمعين الآن الشباب المسلم الذي يعيش في بلاد يعني في غالبيتها بلادنا يحكمها الاستبداد بشكل أو بآخر. ما هي النصيحة الشخصية على المستوى الشخصي؟ كيف ماذا أفعل أنا إذا كنت أعيش تحت ظلم استبدادي؟

نعم، أكرمك الله. أول شيء أقول لكل كل إنسان، وأخاطب نفسي أيضاً: اعرف دينك. يعني كثير من المزورين الكذابين الآن دائماً يحدثون الناس عن الدولة الدينية، بأن هؤلاء يريدون دولة دينية. ونحن في تاريخنا كله ما نعرف دولة اسمها الدولة الدينية، الدولة الثيوقراطية. هذه عرفتها أوروبا عن طريق رجال الدين والكهنة الذين كانوا يحكمون باسم الإله، وقراراتهم معصومة، والواحد منهم يبقى حاكماً مدى الحياة. فهذا ما عندنا. ما عندنا أبداً. لا كانت دولة أبي بكر دينية، ولا عمر. هؤلاء دين.

أريد أن أنضح هذا المصطلح، أنه فعلاً في بعض الناس تخاف، يكون هو متدين بالفطرة ربما، لكن يخاف من فكرة حكم الإسلاميين لأنه يخاف من هذا المصطلح "الدولة الدينية".

هو كما قلت لك، الدولة الثيوقراطية أصلاً، الثيوقراطية هذه كلمة يونانية مدمجة من كلمتين: ثيو بمعنى الدين، أقراط بمعنى الحكم. دولة، أي دولة؟ دولة الحكم الديني. بمعنى أن هناك مجموعة يعتقدون أنهم يحكمون باسم الإله. يعني هؤلاء كهنة ورجال دين كما يسمون، وقراراتهم معصومة، لا تناقش. ولذلك حصل من الفساد ما تعلم، من قتل علماء الطبيعة بتهمة الهرطقة، ومحاربة العلم، وما إلى ذلك. الإسلام ليس فيه هذه الدولة. الحاكم ليس شخصاً معصوماً. بل عندنا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم معظمون، لكننا نعتقد بأنهم يخطئون ويصيبون، وقد كانوا يرد بعضهم على بعض. والقصص مشهورة في ذلك. ثم ثانياً، ما عندنا أحد يملك أن يعطي الناس جنة أو ناراً. هذه أيضاً ليست لأحد من الناس. ثم ثالثاً، المرجعية عندنا لشرع الله عز وجل التي يقررها أهل العلم. ثم رابعاً، الحاكم عندنا ليس شرطاً أن يكون رجل دين كما يسمى، أو صاحب عمامة كهذه أو أكبر منها. لا. أبو بكر كان تاجراً، وعمر كان مزارعاً، عثمان رضي الله عنه تاجر، علي رضي الله عنه كان أيضاً. الحاكم يخرج من عامة الناس متى ما كان مؤهلاً لذلك. هذا ما. فلذلك عندنا دولة إسلامية، ما عندنا دولة دينية. دولة إسلامية معناها أن المرجعية العليا لها الإسلام. معناها أن الشورى مبدأ أساسي من مبادئ الحكم. دولة إسلامية معناها أنها دولة حريصة على قضايا المسلمين في المشارق بقدر اقترابها من الإسلام تأخذ هذه الصفة، وبقدر ابتعادها. لأنه الآن تعرف أن هناك دول كثيرة جمهورية إسلامية، مجرد شعار.

لكن هذا الأمر يحتاج ما لم والدعاوى إن لم تقيموا عليها بينات أبناؤها أدعياء. كنت ذكرت أول شيء للشباب: اعرف دينك. هناك نصائح إضافية؟ أنا لأنه ضاق الوقت.

أول شيء: اعرف دينك. ثانياً: لتكن العزة شعارك. تعتقد أنك عبد لله، لست عبداً لأحد سواه. ثم ثالثاً: لا تهب عقلك لأحد. يعني كون عقلك هذا تسلمه لواحد من الناس كائناً من كان. لا. الله جل جلاله أمرك بأن تفكر وأن تقدر. أمرك بأن تستخدمه. وإلا لو عطلت عقلك، هذه جريمة. أهل جهنم يعترفون يوم القيامة: "لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير". فلا تعطي عقلك لرئيس الجماعة، ولا لأمير الجماعة، ولا للشيخ الجماعة، ولا لك، وإنما أنت فكر من أجل أن تنجو.

جميل. أشكرك جداً دكتور عبد الحي على هذه الإضاءات وعلى تفكيك هذا الموضوع الشائك كما يقال. أشكرك جداً.

حياكم الله، وأشكر كل المتابعين الذين كانوا معنا في هذه الحلقة من بسط بودكاست.