Transcription
الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى.
أهلاً وسهلاً بكم في قناتكم "كتب مختارة"، القناة التي نقرأ فيها بعض الكتب المفيدة أو مقتطفات من كتب مفيدة. سنبدأ اليوم في كتاب "الرحيق المختوم" بحث في السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، تأليف فضيلة الشيخ صفي الرحماني المبارك فوري. ولكن قبل أن نبدأ، أود تذكيركم بالاشتراك في القناة وتفعيل زر الجرس ليصلكم كل جديد، ولا تنسوا الإعجاب بالفيديو، فذلك تحفيز لنا للاستمرار. بسم الله نبدأ.
موقع العرب وأقوامها. إن السيرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام عبارة في الحقيقة عن الرسالة التي حملها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المجتمع البشري، وأخرج بها الناس من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. فلا يمكن إحضار صورتها الرائعة بتمامها إلا بعد المقارنة بين خلفيات هذه الرسالة وآثارها. ونظراً إلى ذلك، نقدم فصلاً عن أقوام العرب وتطوراتها قبل الإسلام، وعن الظروف التي بعث فيها محمد عليه الصلاة والسلام.
موقع العرب. العرب لغة الصحراء والقفار والأرض المجدبة التي لا ماء فيها ولا نبات. وقد أطلق هذا اللفظ منذ أقدم العصور على جزيرة العرب، كما أطلق على قوم قطنوا تلك الأرض واتخذوها موطناً لهم. وجزيرة العرب يحدها غرباً البحر الأحمر وشبه جزيرة سيناء، وشرقاً الخليج العربي وجزء كبير من بلاد العراق الجنوبية، وجنوباً بحر العرب الذي هو امتداد لبحر الهند، وشمالاً بلاد الشام وجزء من بلاد العراق، على اختلاف في بعض هذه الحدود. وتقدر مساحتها ما بين مليون ميل مربع إلى مليون و300 ألف ميل مربع.
والجزيرة لها أهمية بالغة من حيث موقعها الطبيعي والجغرافي. فأما باعتبار وضعها الداخلي، فهي محاطة بالصحارى والرمال من كل جانب، ومن أجل هذا الوضع صارت الجزيرة حصناً منيعاً لا يسمح للأجانب أن يحتلوها ويبسطوا عليها سيطرتهم ونفوذهم. ولذلك نرى سكان الجزيرة أحراراً في جميع الشؤون منذ أقدم العصور، مع أنهم كانوا مجاورين لإمبراطوريتين عظيمتين لم يكونوا يستطيعون دفع هجماتهما لولا هذا السد المنيع.
وأما بالنسبة إلى الخارج، فإنها تقع بين القارات المعروفة في العالم القديم، وتلتقي بها براً وبحراً. فإن ناحيتها الشمالية الغربية باب للدخول في قارة أفريقيا، وناحيتها الشمالية الشرقية مفتاح لقارة أوروبا. والناحية الشرقية تفتح أبواب العجم والشرق الأوسط والأدنى، وتفضي إلى الهند والصين. وكذلك تلتقي كل قارة بالجزيرة بحراً وترسي سفنها وبواخرها على ميناء الجزيرة رأساً. ولاجل هذا الوضع الجغرافي كان شمال الجزيرة وجنوبها مهبطاً للأمم ومركزاً لتبادل التجارة والثقافة والديانة والفنون.
أقوام العرب. وأما أقوام العرب فقد قسمها المؤرخون إلى ثلاثة أقسام بحسب السلالات التي ينحدرون منها:
القسم الأول: العرب البائدة، وهم العرب القدامى الذين لم يمكن الحصول على تفاصيل كافية عن تاريخهم، مثل عاد وثمود وطسم وجديس وعملاق وسواها.
القسم الثاني: العرب العاربة، وهم العرب المنحدرة من صلب يعرب بن يشجب بن قحطان، وتسمى بالعرب القحطانية.
القسم الثالث: العرب المستعربة، وهي العرب المنحدرة من صلب إسماعيل، وتسمى بالعرب العدنانية.
أما العرب العاربة، وهي شعب قحطان، فمهدها بلاد اليمن. وقد تشعبت قبائلها وبطونها، فاشتهرت منها قبلتان: حمير وكهلان. حمير وأشهر بطونها: زيد الجمهور، وقضاع، وسكاسك. كهلان وأشهر بطونها: همدان، وأنمار، وطيء، ومذحج، وكندة، ولخم وجذام، والأزد، والأوس والخزرج، وأولاد جفنه ملوك الشام.
وهاجرت بطون كهلان عن اليمن وانتشرت في أنحاء الجزيرة. وكانت هجرة معظمهم قبيل سيل العرم حين فشلت تجارتهم لضغط الرومان وسيطرتهم على طريق التجارة البحرية وإفسادهم طريق البر بعد احتلالهم بلاد مصر والشام. ولا غرور، فقد كانت منافسة بين بطون كهلان وبطون حمير أدت إلى جلائهم، ويشير إلى ذلك بقاء حمير مع جلاء كهلان.
يمكن تقسيم المهاجرين من بطون كهلان إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: الأزد، وكانت هجرتهم على سيدهم وكبيرهم عمران بن عمرو مزيقياء، فصاروا ينتقلون في بلاد اليمن ويرسلون الرواد، ثم ساروا بعد ذلك إلى الشمال. وهكذا تفصيل الأماكن التي سكنوا فيها بعد الرحلة نهائياً. عطف ثعلب بن عمرو من الأزد نحو الحجاز، فأقام بين الثعلبية وذي قار. ولما كبر ولده وقوي ركنه سار نحو المدينة فأقام بها واستوطنها. ومن أبناء ثعلبة هذا: الأوس والخزرج، ابنا حارثة بن ثعلبة. وانتقل منهم حارثة بن عمرو وهو خزاعة، وبنوه في ربوع الحجاز حتى نزلوا بمر الظهران، ثم افتتحوا الحرم، فقطنوا مكة وأجلوا سكانها الجراهمة. ونزل عمران بن عمرو في عمان واستوطنها هو وبنوه، وهم أسد عمان. وأقامت قبائل النصر بن الأسد بتهامة، وهم أسد شنوءة. وصار جفنة بن عمرو إلى الشام فأقام بها هو وبنوه، وهو أبو الملوك الغساسنة، نسبة إلى ماء في الحجاز يعرف بغسان كانوا قد نزلوا بها أولاً قبل تنقلهم إلى الشام.
القسم الثاني: لخم وجذام. وكان في اللخميين نصر بن ربيعة أبو الملوك المناذرة بالحيرة.
القسم الثالث: بنو طيء. صاروا بعد مسير الأزد نحو الشمال حتى نزلوا بالجبلين أجا وسلمى، وأقاموا هناك حتى عرف الجبلان بجبلي طيء.
القسم الرابع: كندة. نزلوا بالبحرين، ثم اضطروا إلى مغادرتها، فنزلوا بحضرموت، ولقوا هناك ما لاقوا بالبحرين، ثم نزلوا نجد وكونوا هناك حكومة كبيرة الشأن، ولكنها سرعان ما ثنت وذهبت آثارها. وهناك قبيلة من حمير مع اختلاف في نسبتها إليه وهي قضاعة، هاجرت إلى اليمن واستوطنت بادية السماوة من مشارف العراق.
وأما العرب المستعربة، فأصل جدهم الأعلى هو سيدنا إبراهيم عليه السلام من بلاد العراق، ومن بلدة يقال لها أور على الشاطئ الغربي من نهر الفرات بالقرب من الكوفة. وقد جاءت الحفريات والتنقيبات بتفاصيل واسعة عن هذه البلدة وعن أسرة إبراهيم عليه السلام وعن الأحوال الدينية والاجتماعية في تلك البلاد. ومعلوم أن إبراهيم عليه السلام هاجر منها إلى حاران أو حران، ومنها إلى فلسطين، فاتخذها قاعدة لدعوته. وكانت له جولات في أرجاء هذه البلاد وغيرها، وقدم مرة إلى مصر. وقد حاول فرعون مصر كيداً وسوءاً بزوجته سارة، ولكن الله رد كيده في نحره. وعرف فرعون ما لسارة من الصلة القوية بالله حتى أخدمها ابنته هاجر اعترافاً بفضلها، وزوجها سارة إبراهيم.
رجع إبراهيم إلى فلسطين، ورزقه الله من هاجر إسماعيل، وغارت سارة حتى ألجأت إبراهيم إلى نفيها هي وولدها الصغير إسماعيل، فقدم بهما إلى الحجاز وأسكنهما بواد غير ذي زرع عند بيت الله المحرم، الذي لم يكن ذاك إلا مرتفعاً من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله، فوضعهما عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء، فوضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاء فيهما، ورجع إلى فلسطين. ولم تمض أيام حتى نفذ الزاد والماء، وهناك تفجرت بئر زمزم بفضل الله، فصارت قوتًا لهما وبلاغاً إلى حين، والقصة معروفة بطولها.
وجاءت قبيلة يمانية وهي جرهم الثانية، فنزلت مكة بإذن من أم إسماعيل. يقال إنهم كانوا قبل ذلك في الأودية التي بأطراف مكة. وقد صرحت رواية البخاري أنهم نزلوا مكة بعد إسماعيل وقبل أن يشب، وأنهم كانوا يمرون بهذا الوادي قبل ذلك. وقد كان إبراهيم يرحل إلى مكة بين أونه وأخرى ليطالع تركته، ولا يعلم كم كانت هذه الرحلات إلا أن المصادر التاريخية الموثوقة حفظت أربعة منها. فقد ذكر الله في القرآن أنه أرى إبراهيم في المنام أنه يذبح إسماعيل، فقام بامتثال هذا الأمر. وقد ذكر في سفر التكوين أن إسماعيل كان أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة، وسياق القصة يدل على أنها وقعت قبل ميلاد إسحاق لأن البشارة بإسحاق ذكرت القصة بتمامها. وهذه القصة تتضمن رحلة واحدة على الأقل قبل أن يشب إسماعيل.
أما الرحلات الثلاث الأخرى فقد رواها البخاري بطولها عن ابن عباس مرفوعاً، وملخصها أن إسماعيل لما شب وتعلم العربية من جرهم وأنفسهم، وأعجبهم زوجوه امرأة منهم، وماتت أمه، وبدا لإبراهيم أن يطالع تركته، فجاء بعد هذا التزوج فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه وعن أحوالهما فشكت إليه ضيق العيش، فأوصاها أن تقول لإسماعيل أن يغير عتبة بابه. وفهم إسماعيل ما أراد أبوه، فطلق امرأته تلك وتزوج امرأة أخرى وهي ابنة مضاض بن عمرو. وجاء إبراهيم مرة أخرى بعد هذا التزوج الثاني فلم يجد إسماعيل، فرجع إلى فلسطين، فسأل زوجته عنه وعن أحوالهما، فأثنت على الله، فأوصى إلى إسماعيل أن يثبت عتبة بابه. وجاء مرة ثالثة فلقي إسماعيل وهو يبري نبلاً تحت دوحة قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنع كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، وكان لقاؤهما بعد فترة طويلة من الزمن قلما يصبر فيها الأب الكبير الأواه العطوف عن ولده والولد البار الصالح الرشيد عن أبيه. وفي هذه المرة بنيا الكعبة ورفع قواعدها، وأذن إبراهيم في الناس بالحج كما أمره الله.
وقد رزق الله إسماعيل من ابنة مضاض اثني عشر ولداً ذكراً وهم: نابت أو نبايوط، قيدار، وأدبائيل، ومبشام، ومشماع، ودومًا، وميشا، وحدد، ويتمه، ويطور، ونفيس، وقيدمان. وتشعبت من هؤلاء الاثنا عشر قبائل سكنت كلها في مكة مدة، وكانت جل معيشتهم التجارة من بلاد اليمن إلى بلاد الشام ومصر، ثم انتشرت هذه القبائل في أرجاء الجزيرة بل وإلى خارجها. ثم أدرجت أحوالهم في غياهب الزمان إلى أولادنا بت وقيدار.
وقد ازدهرت حضارة الأنباط أبناء نابت في شمال الحجاز، وكونوا حكومة قوية دان لها من بأطرافها، واتخذوا البتراء عاصمة لهم، ولم يكن يستطيع أحد مناواتهم حتى جاء الرومان فقهروا عليهم. وقد رجح السيد سليمان الندوي بعد البحث الأنيق والتحقيق الدقيق أن ملوك الغساسنة وكذا الأنصار من الأوس والخزرج لم يكونوا من قحطان، وإنما كانوا من آل نابت بن إسماعيل وبقاياهم في تلك الديار.
وأما قدار بن إسماعيل، فلم يزل أبناؤه بمكة يتناسلون هناك حتى كان منه عدنان وولده معد، ومنه حفظت العرب العدنانية أنسابها. وعدنان هو الجد الحادي والعشرون في سلسلة النسب النبوي. وقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا انتسب فبلغ عدنان أمسك ويقول: "كذب النسابون" فلا يتجاوزه. وذهب جمع من العلماء إلى جواز رفع النسب فوق عدنان مضاعفين للحديث المشار إليه، وقالوا إن بين عدنان وبين إبراهيم عليه السلام أربعين أباً بالتحقيق الدقيق.
وقد تفرقت بطون معد من ولده نزار، قيل لم يكن لمعد ولد غيره، فكان لنزار أربعة أولاد تشعبت منهم أربع قبائل عظيمة: إياد، وأنمار، وربيعة، ومضر. وهذان الأخيران هما اللذان كثرت بطونهما واتسعت أفخاذهما. فمن ربيعة: أسد بن ربيعة، وعنزة، وعبد القيس، وابنا وائل: بكر وتغلب، وحنيفة وغيرها. وتشعبت قبائل مضر إلى شعبتين عظيمتين: قيس عيلان بن مضر، وبطون إلياس بن مضر. فمن قيس عيلان بنو سليم، وبنو هوازن، وبنو غطفان. ومن غطفان: عبس وذبيان وأشجع وغني بن الأعصر.
قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم". عليه أفضل الصلاة والسلام.
وعن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق الخلق فجعلني من خير فرقهم وخير الفريقين، ثم تخير القبائل فجعلني من خير قبيلة، ثم تخير البيوت فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفساً وخيرهم بيتاً".
ولما تكاثر أولاد عدنان تفرقوا في أنحاء شتى من بلاد العرب، متتبعين مواقع القطر ومنابت العشب. فهاجرت عبد القيس وبطون من بكر بن وائل وبطون من تميم إلى البحرين فأقاموا بها. وخرجت بنو حنيفة بن صعب بن علي بن بكر إلى اليمامة، فنزلوا بحجر قصبتها. وأقامت سائر بكر بن وائل في طول الأرض من اليمامة إلى البحرين إلى سيف كاظمة إلى البحر وأطراف سواد العراق فالأبلة فأهيت. وأقامت تغلب بالجزيرة الفراتية، ومنها بطون كانت تساكن بكراً. وسكنت بنو تميم ببادية البصرة. وأقامت بنو سليم بالقرب من المدينة من وادي القرى إلى خيبر إلى شرق المدينة إلى حد الجبلين إلى ما ينتهي إلى الحرّة. وسكنت ثقيف بالطائف، وهوازن في شرق مكة بنواحي أوطاس وهي على الجادة بين مكة والبصرة. وسكنت بنو أسد شرقي تيماء وغربي الكوفة، بينهم وبين تيماء ديار بحتر من طيء، وبينهم وبين الكوفة خمس ليال. وسكنت ذبيان من تيماء إلى حوران. وبقي بتهامة بطون كنانة، وأقام بمكة وضواحيها بطون قريش، وكانوا متفرقين لا تجمعهم جامعة حتى نبغ فيهم قصي بن كلاب، فجمعهم وكون لهم وحدة شرفتهم ورفعت من أقدارهم.
نكتفي بهذا القدر هذا اليوم، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم ما كان صواباً فمنك وحدك، وما كان خطأ فمن نفسي والشيطان. لا تنسونا من صالح دعائكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.