Transcription
هناك مصطلح آخر أيضًا قريب من الاستشراف الاستراتيجي، وهو التخطيط الاستراتيجي. يتمثل التخطيط الاستراتيجي في تجنيد الموارد البشرية والمادية لأجل تجسيد السيناريو المقترح من قبل استشرافه. أي أن المستشرف يقوم بالبحث عن السيناريوهات المختلفة، لتنتهي مهمته عند الشروع في الخيارات الاستراتيجية. ويقوم الاستراتيجيون باختيار السيناريو الذي ينبغي صناعته، أو تحديد السيناريو الذي ينبغي تجنبه. ويتدخل التخطيط الاستراتيجي في هذا المستوى بالذات، أن يكون في مستوى لاحق للاستشراف. بمعنى أنه التخطيط الاستراتيجي يأتي بعد عملية الاستشراف. ولذلك، كثير من الباحثين يخطئون عندما يتكلمون عن التخطيط الاستراتيجي كبديل للاستشراف. لا يمكن ذلك، لأن الاستشراف هو عملية تفكير مبنية على قواعد وعلى تقنيات وأدوات لبناء السيناريوهات. عندما نبني مجموعة من السيناريوهات، يأتي فريق الخيارات الاستراتيجية، الذي أيضًا يعتمد مبدأً على أدوات وقواعد ومنهجية للقيام بالخيار الاستراتيجي، أو السيناريو الذي سيصنع أو سيُبنى أو سيتم تنفيذه. عندما يتم ذلك، عندما يتم ذلك الخيار، يأتي التخطيط الاستراتيجي لتجنيد الموارد لأجل تحقيق ذلك الخيار الاستراتيجي. هذا هو الفرق بين التخطيط الاستراتيجي والاستشراف.
هناك أيضًا مصطلح آخر، والعديد من المصطلحات، المرجع لونج لابري فيزيون الذي كلمتكم عنه قبل قليل، فيه كثير من المصطلحات القريبة من الاستشراف. فالإسقاط هو قريب من التنبؤ أكثر منه الاستشراف، لأنه هو أيضًا ينطلق من معطيات الماضي والحاضر، ولا ينطلق من المستقبل، ويسقط حالات معينة حدثت في الحاضر أو الماضي على حالات مستقبلية. وهناك نوع من الإسقاط يعتمد المتغير الواحد، البروكسي ايولي، أو المتغيرات. وهناك من يعتمد المتغيرات المتعددة. بمعنى، نأخذ متغيرًا واحدًا في قطع معين، ونقوم بـ"بروجيكشن" إسقاط لتطور ذلك المتغير، سواء في جانب، مثلًا، الإنفاق العسكري، أو الإنفاق على التربية، أو الإنفاق على الصحة. نأخذ مثلًا متغير عدد المجندين، أو عدد المرضى، أو عدد التلاميذ. إذا كان في زيادة في هذا العدد، فهو يحتاج إلى موارد، يحتاج إلى أموال، يحتاج إلى وسائل، سواء كانت مدنية أو عسكرية. ومن ثم، فنقوم بعملية الإسقاط في مدة زمنية معينة. وأكيد لاحظتم بأنه هذا يختلف كليًا عن الاستشراف. الاستشراف لا يعتمد على متغير واحد ليسقط مالته على المستقبل، إنما يأخذ مجموع المتغيرات في آن واحد، متداخلة في علاقة شبكية، في حركية، وفي ديناميكية، ليرى تطور النظام المُطَرَس، سواء كان مؤسسة أو قطاعًا أو مجموعة قطاعات داخل مؤسسة معينة.
عفوًا، هناك أيضًا مصطلح "المستقبلات العرضية"، وهذه ترجمة لي على كل حال، يمكن أن تكون هناك ترجمة أفضل، وهي مستقبلات تتشكل من مكونات تتحرك خارج نطاق إرادة الباحث، يلتقطها هو، يسعى لأخذ مستقبلات غير مؤكدة بالاعتبار. بمعنى، أثناء عملية التفكير في المستقبل، تبدو له بعض الصور أو المشاهد المستقبلية للباحث عرضًا، هكذا، دون أن يكون قد خطط لذلك، أو دون أن يمتلك عناصر لتصوير تلك المشاهد مسبقًا. فهذا يستدعي منه أخذ هذه المستقبلات العرضية بعين الاعتبار عندما يكون بصدد بناء افتراضات معينة لسيناريو معين. يمكنكم الاطلاع على بعض النصوص المتعلقة بهذا المصطلح لفهمه أكثر، وبخاصة فيما يتعلق بكتاب… في كثير من الأحيان نقول إنه لدينا صورة عن المستقبل، أو لدينا شاهد مستقبلية، أو لدينا سيناريوهات. والواقع أن الكثير من تلك التحليلات هي عبارة عن تخمين، وهو نشاط مرتبط بالمستقبلات الممكنة، نشاط ذهني، نشاط عقلي يسعى إلى التنبؤ، بمدخل في نطاق التحليل الخطي، ويحاول أن يقدم صورة وخطًا يعتقد أنهما سيناريو، فهو يخمن، فيقوم بتخمين حول إمكانية تطور حادث معين إلى ظاهرة أو إلى أشكال أخرى من التطورات.
في الأخير، نصل إلى تلخيص بعض الافتراضات المعرفية للاستشراف. بما أننا سنتكلم عن استشراف استراتيجي، فهناك بعض الافتراضات، من بينها: الأول، أننا لا يمكن معرفة المستقبل. بمعنى أن الدراسات المستقبلية، أو الاستشراف، أو الاستشراف الاستراتيجي ليس علمًا نستطيع من خلاله أن ندرك المستقبل، إنما يمكننا أن نعرف بعض المستقبلات البديلة، أي أن نبني بعض السيناريوهات عن المستقبل. هذا الأول. ثانيًا، يمكن تغيير احتمال تطور حدث معين من خلال تغيير السياسات، كما يمكن التنبؤ بنتائج سياسات معينة. بمعنى أنه عندما تكون سياسة معينة باتجاه معين، يمكن عن طريق التأثير في تلك السياسة أن نغير اتجاه الخط. كما يمكن التنبؤ، كما أسلفت، من خلال الداتا، من خلال المعطيات التي لدينا، بالنتائج التي تترتب أو ستترتب عن سياسات معينة. ويمكن هنا أن نستخدم الإسقاط لفهم النتائج التي ستترتب عن سياسات معينة، إذا لم تكن لدينا معطيات آنية عن الواقع الذي تسببت فيه تلك السياسات.
كذلك هناك افتراض معين ينطلق منه المختصون في الدراسات الاستشرافية، يقول: يمكن وضع إمكانيات تحقق الاحتمالات ضمن تدرج معين. بمعنى أننا عندما نصل إلى مرحلة، سواء ترتيب الاحتمالات أو ترتيب السيناريوهات، فذلك ممكن، بحيث أننا نفاضل بين هذا السيناريو وذاك، ونضعها ضمن ترتيب تدرجي معين، من أكثر احتمالًا إلى الأقل احتمالًا. والافتراض الرابع هو أننا لا يمكن الثقة في تقنية واحدة، بل التقاطع بين التقنيات هو الذي يطور الاستشراف. بمعنى أنك لا تستطيع أن تزعم أنك يمكن أن تقوم بدراسة استشراف انطلاقًا من اعتماد، أو انطلاقًا من الاعتماد على تقنية واحدة، أو على طريقة واحدة. طريقة واحدة تبقى قاصرة على إتمام القيام بدراسة مستقبلية. في الأخير، الافتراض الأخير الذي يستند إليه الباحث في مجال الاستشراف هو أن يقول: بإمكان البشر أن يكون لهم تأثير في المستقبل أكثر مما كان لهم في الماضي. بمعنى أننا، وهذه بديهية، لا يمكننا أن نؤثر في الماضي. يمكننا أن نؤثر تحت ضغوط معينة [موسيقى] تحت معطيات معينة في الحاضر، ولكننا أبدًا لا نستطيع أن نؤثر في الماضي. الماضي مضى، وليس هناك إمكانية للتأثير فيه.