Transcription
[موسيقى] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين. الأخوة الكرام، لكم التحايا العاطرات. ولا نزال في هذا التسلسل لبيان بعض المفاهيم في القرآن الكريم، لنقوم بمعاييرتها ما بين ما جاء في التفاسير، وما بين النتائج التي تحصلنا عليها عن طريق المنهجية التي نتبناها في التعامل مع النص القرآني. وفي هذه الحلقة، والحلقات التي تليها بإذن الله، سنقف على مفهوم المساجد في القرآن الكريم. وهذه الكلمة، أو هذا المصطلح، تكرر في القرآن الكريم مراراً وتكراراً. وفي العقل الجمعي الإسلامي، أن المسجد يعني الجامع، أو تلك الأماكن التي تقام فيها الصلوات، وتنتشر في الأحياء على أساس أنها هي المساجد. ولكن دعوني أقول أن هذا الوصف ليس دقيقاً، ولا يمكن أن يتطابق مع مفهوم القرآن الكريم عن هذه الكلمة، وحتى الإقاق اللفظي نفسه. فإذا قلنا: لعب، يلعب، ملعب، سجد، يسجد، المفترض تكون مسجد، لكن في القرآن نجدها مسجد. إذًا ليس هو نفس الاشتقاق. لو أنه يعني أماكن السجود بالمعنى الذي نعرفه، وهو أداء الصلاة، كان أن يكون مسجداً وليس مسجد. فما هو مفهوم المساجد في القرآن الكريم؟
وقبل أن نصل إلى النتيجة، نريد أن نقف موقفاً دقيقاً، ونرجع بالذاكرة إلى الوراء، إلى بداية العهد النبوي في المدينة المنورة. ما هو الدور الذي كان يؤديه المسجد النبوي؟ لماذا بنى النبي عليه الصلاة والسلام المسجد النبوي؟ هل لتقام فيه الصلوات حسب، كما هو الجوامع الآن في الأحياء، تقام فيها الصلوات وخطب الجمعة؟ زد على ذلك، قام المنافقون ببناء مسجد آخر موازٍ للمسجد النبوي. الله سبحانه وتعالى لم ينفِ عنه صفة مسجد، لم يقل أن هذا الذي أقامه المنافقون ليس مسجد، وإنما أعطاه صفة أخرى، وهي: المسجد الضرار. لكن هو مسجد. فالمسجد النبوي مسجد، ومسجد المنافقين هو مسجد ضرار. إذًا ما هو المعنى الأصلي والمفهوم الأصلي لكلمة مسجد؟ والآن لنقرأ الآيات التي تصف المسجد النبوي، وتصف مسجد الضرار الذي أقامه المنافقون في المدينة. قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَرَصْدًا لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}. لا تقم فيه أبداً. هنا الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام، أن هذا المسجد الذي اتخذه المنافقون لا تقم فيه أبداً. {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ}. {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ}. الشاهد في هذه الآيات، أن الله سبحانه وتعالى منع على النبي أن يقوم في مسجد المنافقين أبداً، ولم ينفِ عنه صفة مسجد، ووصف المسجد النبوي على أنه أسس على التقوى من أول يوم. فيه رجال يحبون أن يتطهروا. فما هو الدور الذي كان يؤديه المسجد النبوي؟ وما هو الدور الذي أراد المنافقون – أراد المنافقون أن يقومون به داخل المسجد الضرار؟
هنا يأتي المفهوم. المسجد النبوي في ذلك العهد كان يوازي لما نسميه اليوم بمفهوم البرلمان، أو المجلس التشريعي، أو المقر الحكومي لإدارة الدولة. فالنبي عليه الصلاة والسلام ما كان عنده مكان، ما كان عنده مجلس تشريعي، ما كان عنده القيادة العامة للقوات المدينة المنورة، ولا كان عنده… كان عنده مؤسسة واحدة فقط، هي التي تعقد منها ولية الجيوش، وهي التي يتم فيها التعليم والتعلم، وهي التي تقام فيها الصلاة، وهي التي تعقد فيها الاجتماعات الطارئة فيما يخص السلم والحرب. يعني كان المسجد النبوي يا جماعة بالضبط هو مقر الحكومة. حتى لو كان في أي أمر في تهديد أمني للمدينة، دارين يقرروا أمر، دارين يبنوا حاجة جديدة، كان بتعقد هذه الاجتماعات في المسجد النبوي. طيب المنافقون لما أسسوا المسجد الضرار، كانوا بيحبوا الصلاة، يعني دايرين يعملوا مسجد ثاني عشان يصلوا فيه، ويقيموا الصلوات الخمس، ويعملوا أذان، يعني مثلاً أبداً. كان هو برلمان لمحاربة الله ورسوله. يعني المنافقون لما بنوا المسجد الضرار، دايرين يادي نفس الدور بتاع المسجد النبوي، لكن بالعكس. إذًا اتخذوه مقار حزب وبرلمان موازٍ، يحيكون فيه الدسائس والكيد ضد الدولة الوليدة. كانوا يكيدون فيه للنبي وأصحابه. إذًا هو برلمان موازٍ، عشان كده الله سبحانه وتعالى منع النبي أن يقوم فيه مطلقاً. إذًا مفهوم المسجد اليوم، إذا أردت أن أقرأ مفهوم المسجد بعيون العصر، هي ما توازي المقرات والدواوين الحكومية التي يقام فيها تطبيق القانون. ده مفهوم المساجد باختصار. يعني الآن نحن، إذا سألك شخص ما هو مفهوم المسجد؟ هو دواوين الحكومة، أو المقرات التي يطبق فيها النظام القانوني للدولة. هذه هي المساجد. القيادة العامة للقوات المسلحة مسجد، المجلس التشريعي مسجد، وزارة التربية والتعليم مسجد، كل الوزارات هي تأخذ مفهوم المساجد الآن. طيب المبنى الصغير المنتشر في الحية اللي نحن بندي فيه الصلوات الخمس، أنا بقول لك ده ما مسجد. شوف له مصطلح توافيقي، شوف له حاجة اصطلاحية، خليه في تسمية الجامع دي، ما مشكلة، يجمع الناس عشان يصلوا فيه، لكن قطعاً ليس هو مسجد. فصفة مسجد الآن تؤخذ لدواوين الحكومة. طيب في الحلقة القادمة بإذن الله، سنتطرق إلى آيات تحسم هذا الموضوع حسمًا جذرياً، إذ أن الله سبحانه وتعالى خاطب جميع الناس باتخاذ الذين عند المسجد. ولو أن المساجد هي ما نفهمها نحن على أنها الجوامع، لكان الخطاب: يا أيها الذين آمنوا. في الحلقة القادمة سنتطرق إلى قوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} إلى أن نلتقيكم. أترككم في حفظ الله ورعايته. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. [موسيقى]