📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

عقدة النقص : دراسة نفسية عميقة لنفسية الإنسان المهزوم

Mohamed Khaled TV9:30

Transcription

وجه تملاه البثور والتشوهات، جسم انهكته الدهون والترهلات. لماذا لا أشبه صديقي صاحب الابتسامة المشرقة والنبرة الواثقة والنجاحات الساحقة؟ لو أنني أملك فقط نصف ما يملك لصرت أسعد إنسان في هذا العالم.

إذا كنت قد خاطبت نفسك بهذا الكلام من قبل وأحسست بالنقص والدونية كلما قارنت نفسك بالآخرين، فأنت في هذه الحالة تعاني مما يسميه علماء النفس "الشعور بالنقص". يعتبر الطبيب وعالم النفس الشهير الفريد أدلر أول من استخدم عبارة "الشعور بالنقص" بهذا المعنى، وترجمتها الحرفية من اللغة الألمانية تعني "الشعور بامتلاك قيمة أقل". أي أن أدلر يربط بين الشعور بالنقص وحكم القيمة الذي يصدره المرء على ذاته. لذلك، يعتبر مؤلف كتاب "شجاعة أن تكون غير محبوب" أن مشاعر النقص التي يعاني منها الإنسان ليست سوى تأويلات ذاتية وليست حقائق موضوعية. فما تشعر به ليس نقصاً موضوعياً، وإنما هو شعور ذاتي بالنقص. وما يقصده الكاتبان بهذا هو أن نظرتنا إلى الأشياء هي ما تحدد قيمتها. فما قد تراه الآن عيباً قد يكون ميزة إذا نظرت إليه من زاوية أخرى.

ويوضح هذا بمثال واقعي عاشه أحدهم في بداية حياته، حيث كان يعاني من الشعور بالنقص بسبب طوله الذي لا يتعدى متراً ونصف. يقول إنه كان مهموماً بقامته ودائماً يرى نفسه أكثر سعادة وثقة لو أنه فقط ربح 10 سنتيمترات إضافية. ولكنه تخلص من هذا الشعور إلى الأبد عندما نظر لطوله من زاوية أخرى. القصر منحه ميزة في معاملة الناس، حيث يسترخون في اطمئنان عند حديثهم إليه، فالجسم الضخم غالباً ما يشعر الآخرين بالخوف والارتباك. أي أن المشكل لم يكن قصر القامة، بل في الدلالة أو القيمة التي منحها لها. لذلك، يعتبر الفريد أدلر أن مشاعر النقص ليست شيئاً سلبياً إذا عرفنا كيف نوجهها بشكل صحيح بحيث تتحول إلى دافع للتطور والتحسن.

ويشرح ذلك كما يلي: يولد الناس في هذا العالم ككائنات بلا حماية، ولكنهم مزودون برغبة فطرية للتخلص من هذه الحالة. هذا ما يطلق عليه أدلر عبارة "السعي إلى التفوق"، وهي إرادة داخلية لدى جميع البشر من أجل التحسن والسعي للوصول إلى وضع مثالي، ابتداءً من أول خطوة تخطوها وأنت طفل صغير وصولاً إلى كل إنجازاتك العلمية والمهنية في المستقبل. وإذا أخفق في تحقيق تلك الطموحات، نميل حينها إلى الإحساس بالدونية، ما يجعل الشعور بالنقص إنذاراً نفسياً داخلياً إلى أننا لا نسير في الطريق الصحيح، ومحفزاً فعالاً يدفعنا إلى الأمام. إذاً، الشعور بالنقص هو الوجه الخلفي للسعي إلى التفوق. لذلك يقول أدلر: "ملاحقة التفوق ومشاعر النقص ليسا مرضين، ولكنهما محفزان لمواصلة إرادة النمو والتحسن بطريقة سليمة".

إن الشعور بالنقص، لو استعمل بكيفية صحيحة، يمكنه أيضاً أن يساعد في النمو والتحسن. فمثلاً، أن تقول: "علاماتي كانت سيئة في هذا الامتحان، علي أن أجتهد أكثر وأتفوق في المرة القادمة". هذا شعور بالنقص تحول إلى دافع لكي تتقدم وتتحسن. ولكن المشكل، كما يبين الفريد أدلر، يكمن حينما نستسلم لمشاعر النقص ونفتقد الجرأة على التقدم إلى الأمام. مثلاً، أن تقول: "علاماتي كانت سيئة في هذا الامتحان، مهما حاولت أن أجتهد يستحيل أن أنجح لأنني غبي وفاشل". في هذه الحالة، تحولت مشاعر النقص إلى شيء آخر خطير يسميه أدلر "عقدة النقص". "لم أتابع دراستي إذاً لن أنجح في حياتي"، "أنا لست جميلاً إذاً لن أتزوج"، "والداي يتطلقان وأنا في سن صغير، لا شك أن الزواج سيكون فاشلاً". كل هذه أمثلة تحول شعورنا بالنقص إلى عقدة نقص.

يقول الكاتبان: "عندما يفكر الشخص على الدوام في حياته اليومية وفق المنطق القائل: الوضع هو 'أ' إذا لا يمكن تحقيق الوضع 'ب'، فإن ذلك لا يرتبط بالشعور بالنقص، بل هو عقدة النقص". فالشعور بالنقص، كما رأينا، يضع الإنسان في وضع غير مريح، فيكون ذلك دافعاً له للنمو والتحسن، أن يتدرب أكثر، أن يجتهد في الدراسة، أن يتقن عمله. ولكنه إذا افتقد إلى الشجاعة الكافية لتغيير الوضع الحالي واستسلم لنقصه، بل وتكيف معه، حينها يتحول شعوره بالنقص إلى عقدة نقص.

والأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فعقدة النقص تتحول إلى حالة عقلية أخرى يشرحها الكاتبان كما يلي: الشخص الذي يعاني من عقدة النقص لا يستطيع أن يحتمل فكرة عجزه، ولكنه في نفس الوقت يريد أن يتغير. لذلك يحاول أن يعوض نقصه بطريقة أخرى سهلة لا تتطلب منه أن يغير حياته الغير مرضية، ولكن المريحة في نفس الوقت. الحل هو أن يتصرف وكأنه متفوق حقيقة، ويصطنع شعوراً وهمياً بالتفوق. وهذا ما يسميه الفريد أدلر "عقدة التفوق". ومن الأمثلة أن يحاول بناء علاقة وثيقة مع أشخاص ناجحين، كان يتقرب من زميله المتفوق في الدراسة، أو قد يلجأ إلى اهتمام المفرط بمظهره باقتناء علامات ملابس مشهورة وغالية، كما يحب أن يتباهى بإنجازاته الماضية وإعادة ذكريات الفترة التي كان فيها متفوقاً. كل هذه علامات تبين أن هذا الشخص مصاب بعقدة نقص يحاول أن يتخلص منها عبر شعور مصطنع بالتفوق.

لذلك، فإن من أكبر علامات الشخص المصاب بعقدة النقص هو أن يتباهى بإنجازاته. يقول الكاتبان: "إن الذين يصلون إلى حد التباهي في العلن لا يملكون في الحقيقة أي ثقة في أنفسهم". مثل ما يقول أدلر: "الذي يتباهى لا يفعل ذلك إلا لأنه يعاني من شعور بالنقص. إذا كان المرء واثقاً حقاً في نفسه، فإنه لا يشعر بالحاجة إلى التباهي". يتباهى من يملك شعوراً قوياً بالنقص ويحس بحاجة ملحة إلى عرض تفوقه. لذلك يرى الفريد أدلر أن عقدتي النقص والتفوق لا تتعارضان، بل بالعكس، إنهما تترابطان بشكل جلي. وينبه أيضاً إلى أن الشخص المصاب بعقدة النقص لا يتباهى دائماً بإنجازاته، فهناك وجه آخر لهذا التباهي وهو أن يتباهى بمحنته أو سوء حظه. فقد يستخدم محنته أو مرضه أو تعاسته ويتخذ من ذلك سلماً للتعالي على الآخرين. "أنتم لا تعرفون ما مررت به في طفولتي، لو أنكم أصبتم بمرضي لفهمتم ما أشعر به". هكذا يحاولون أن يبدوا متميزين بواسطة تجاربهم مع التعاسة، ويستخدمون شعور النقص لصالحهم، ويحاولون أن يتحكموا في الآخرين بهذه الوسيلة. لذلك يقول أدلر: "يمكن للضعف أيضاً أن يكون في ثقافتنا قوياً وذا سلطة".

وأخيراً، يوجهنا الكاتبان إلى الطريقة التي يكون فيها شعورنا بالنقص شيئاً إيجابياً، وكيف يمكن أن نوجهه بحيث يساعدنا على التقدم والتحسن، وذلك عبر التخلي عن عقلية المنافسة مع الآخرين. فلا نقارن أنفسنا مع الغير، وإنما نعتمد على المقارنة الذاتية. يقول الكاتبان: "الشعور بالنقص السليم ليس أمراً ينتج عن مقارنة الذات مع الآخرين، ولكن عن مقارنة الذات بالمثال الذي نتصوره عن ذاتنا". أي لا تحاول التقدم لتسبق الآخرين، فالمقارنة الخارجية هي ما تعزز فيك مشاعر النقص السلبية. ولكن عوض ذلك، حاول أن تتقدم بالنسبة إلى ما أنت عليه الآن. قارن نفسك اليوم بما كنت عليه البارحة، واعمل على أن تكون غداً إنساناً أفضل. التخلي عن أسلوب المقارنة والحسد سيمنحك السلام الداخلي ويخلصك من عقدة النقص التي تؤرق حياتك.

فالمنافسة، وبالنصر والهزيمة، لا يوجد مفر من أن تبرز مشاعر النقص، ذلك لأننا نقضي وقتنا نقارن أنفسنا بالآخرين. إن عقدتي النقص والتفوق هما امتداد لهذا الأمر. وعوض ذلك، يجب أن ننظر إلى الآخرين كأقران أو أصدقاء. هذا سيحررك من نموذج المنافسة، فتختفي حاجتك إلى التفوق على الآخرين، وتكتفي بالتفوق على نفسك وتطوير ذاتك بمعزل عن المقارنة والحسد. حينها، لن ترى العالم باعتباره مكاناً خطيراً، بل سيبدو لك مكاناً بهيجاً وآمناً تفرح فيه بإنجازات الآخرين كفرحك بنفسك.

صلى الله عليه وسلم حين قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".