Transcription
تخيل معايا إن، بعيد الشر عنك، اتحكم عليك بحكم الإعدام بالشنق. خد هنا، ما تجريش، ما يبقاش قلبك خفيف، إحنا بنخيل بس. المهم يطلعوك على منصة الإعدام، يلفوا الحبل على رقبتك، وبعد كده يلبسوك الكيس القماش على وشك، ويجي منفذ الأحكام علشان يشد الدراع والباب يتفتح تحت رجلك. ولكن الباب ما بيتفتح! فينزلوا بك من على المنصة، يشد الدراع، الباب يتفتح عادي، والموضوع يتكرر ثلاث مرات وبرضه الباب ما بيتفتح. وده بالضبط اللي حصل مع بطل قضيتنا النهارده.
في البداية، وكالعادة، مش عاوزين ننسى دعواتنا لإخواتنا، لأهلنا في فلسطين، بالنصر والصبر. ونصلي بينا على الحبيب، وبسم الله ونبدأ.
بـ"كوهات" جديدة. قصر إنجليزي كبير اسمه "جلاين"، مكانه على الساحل، وكان فندق بيستقبل كبار الزوار، حتى إن ملك إنجلترا وقتها راح وأقام فيه لفترة. وبسبب ظروف مادية صعبة مرت على الفندق ده، اقتصر على إقامة ملكة القصر ومعاها عدد قليل من الناس اللي بيشتغلوا في القصر، يا دوبك يتعدوا على صوابع الإيد الواحدة. وكان من ضمن الناس دول هم جون لي، كبير الخدم، وأخته إليزابيث اللي بتشتغل طباخة، ومعاهم كمان اثنين مساعدات ولكنهم كانوا كبار في السن. يعني اللي نفهمه من الكلام ده إن قصر طويل عريض شغله متقسم على الأربعة دول وبس. والمهام طبعًا هتكون ثقيلة جدًا جسديًا على جون لوحده.
15 نوفمبر من سنة 1884. وآه، أنتوا قريتوا الرقم صح! القضية دي بقى لها أكتر من 138 سنة. في الوقت ده، وفي وقت متأخر من الليل، جون لي اللي عنده 20 سنة كان بيساعد أخته إليزابيث في تنظيف أوضة السفرة، وكانوا بيعملوا تحضيرات لحفلة القصر هيعملها، متجمع فيها كبار الزوار وكبار السياسيين اللي موجودين في البلد.
جون شايل كمية كبيرة من أطباق الصيني علشان يوديها لأوضة المطبخ، وبيروح لأخته إليزابيث وبيبدأ إن هو يفتح معاها شوية كلام، أو بمعنى أضيق، بيحاول يخليها تحس على دمها وتساعده في الصيني اللي عمال رايح جاي بيه ده. ولكن هي ولا هنا، ومتنحة وتايهة ولا كأنها في الدنيا من أساسه. لسه هيتخانق معاها ويزعق فيها، ففجأة بصت له وقالت له: "بص، أنا آسفة بس أنا فعلًا تعبانة جدًا ومرهقة ومش قادرة أعمل حاجة، فهأستأذنك إن أنا هأطلع أنام".
وبعد ما كان هيتخانق معاها، لقاها إن هي ماسكة بطنها، وفعلًا واضح عليها وعلى ملامحها إن هي تعبانة، فسكت ساعتها لأن هو كان عارف إن أخته إليزابيث دي تكون حامل. وخدوا لي بالكم من حاجة مهمة إن إليزابيث دي ما كانتش معرفة حد إنها حامل ولا حتى جون أخوها. وخدوا لي برضه بالكم من حاجة مهمة إن الوقت ده الدنيا ما كانتش مفتوحة فيه على البحري زي دلوقتي. الناس إلى حد ما كانت متدينة، وفكرة الحمل من غير جواز دي كانت كارثة كبيرة. ده غير كده كمان إن ملاك القصر اللي شغالين فيه لو عرفوا حاجة زي كده أكيد هيطردوهم من شغلهم.
ولكن طبعًا مع مرور الوقت، الستات اللي شغالين في القصر وكمان جون بدأوا يلاحظوا على إليزابيث أعراض الحمل، وحاولوا إن هم يقرروها كده ويعرفوا منها مين صاحب المصيبة دي، ولكنها التزمت الصمت وما قالتش أي معلومة عن أبو الولد ده. المهم إنهم بعد ما عرفوا، حاولوا إن هم يخبوا عن أصحاب القصر ويلموا الموضوع بينهم وبين بعضهم. وعلشان الكلام اللي عرفته لكم ده، جون قرر إن هو يسيب أخته تطلع تستريح ويكمل هو الشغل بتاع البيت.
الساعة بتقرب على 11 بالليل. جون بدأ يخلص الشغل اللي معاه في إيده وبدأ إن هو يروح علشان ينام. فتيجي واحدة من المساعدات وتقول له: "إيما هانم بتقول لك يلا استعد علشان الصلاة الليلية". طبعًا ساب اللي في إيده فورًا واتجه على أوضة السفرة، المكان اللي بيصلوا فيه.
إيما هانم، صاحبة القصر، كانت ست كبيرة في السن وعندها حوالي 68 سنة. ست متدينة جدًا وبتحب تأدي صلواتها مع الخدم بتوعها كنوع من أنواع التضامن، وكان الشيء ده بيساعدها جدًا. جون ما كانش متدين قوي يعني، ولكن كان بيحب إيما جدًا وطول الوقت حاسس بالامتنان ليها، لأن إيما دي ياما ساعدته ووقفت جنبه كتير.
وخلوني أديكم نبذة سريعة كده عن موقفين إيما ساعدت جون فيهم، وسبب مساعدتها ليه من الأساس إن هي كانت بتحبه جدًا وفي نفس الوقت في نقطة ضعف تجاهه. لما جون بدأ شغل في القصر كان لسه صغير وعنده حوالي 14 سنة، وحكى لها إن حلم حياته إنه يلف العالم في يوم من الأيام. فراحت إيما مساعداه وقدمت له في البحرية الملكية البريطانية. ولمدة سنتين جون بيخدم في الجيش بمنتهى السعادة والحب، وبالفعل بيلف العالم كله. ولكن الحلو ما بيكملش، لأن بيجي له إصابة بالالتهاب الرئوي الحاد، وللأسف يتسرح طبيًا من الجيش. بالتالي يرجع تاني على القصر وهو مش عارف أصلًا هيعمل إيه في دنيته.
وللمرة الثانية إيما ترجع تساعده، والمرة دي اتوسطت ليه عند حد من أصحابها الأغنياء علشان يشتغل عنده. وطبعًا صاحبتها بتوافق بناءً على توصيات إيما تجاه جون. ولكن للأسف جون ما يصونش النعمة ويعمل حركة غبية شبهه، لأنه بعد فترة من الشغل عند الست دي سرق لوحة من بيتها غالية جدًا. ودي طبعًا مش إيما، وما فيش أي نقط ضعف تجاهه، فبدل ما تهزقه وتدي له كلمتين في جنابه وتاخد منه اللوحة وتستر عليه، قررت إن هي تفضحه وتبلغ عنه الشرطة اللي قبضت عليه فورًا واتحبس لمدة ست شهور.
المرة دي بقى لما طلع من الحبس كان متأكد 100% إن هو مالوش أي مأوى، لأن مين طبعًا ممكن يرضى إن هو يشغل حرامي وسوابق زيه؟ ولكن للمرة الثالثة إيما تدخل وتاخده تحت جناحها وكمان تسامحه، لأن إيما كانت ست بسيطة وجميلة وكانت مؤمنة إن أي إنسان ليه الحق في فرصة تانية حتى لو غلط، وإن "أنا مين يعني علشان أكون قاضي وأحكم على الناس وأجلد فيهم بسبب أخطائهم؟". وقالت له: "ارجع القصر عندي وأنا هأخليك كبير الخدم". وطبعًا جون ما كانش مصدق إن ممكن حد يدي له فرصة تانية من أصله. وعلشان كده قال: "يا إيما، أنا هأرجع أشتغل واللي أنتِ تؤمري بيه أنا هأعمله لك". ولذلك كان بيعمل لها أي حاجة هي بتحبها، بما فيهم الصلاة الليلية.
ونرجع بقى ليوم 15. وقت الصلاة وهم قاعدين مع بعض على سفرة الأكل. جه جون قعد جنب إيما، وجت كمان أخته إليزابيث والاثنين مساعدات، ومسكوا إيد بعض وقرأوا الصلوات بتاعتهم زي ما بنشوف في الأفلام الأجنبية. وبعد ما خلصوا الصلوات وبعد ما خلصوا كمان الأكل، كل واحد فيهم اتجه على مكانه.
واحدة من المساعدات راحت على المطبخ علشان تعمل لإيما فنجان كاكاو اللي كانت متعودة كل يوم إنها تسهر لوحدها تشرب المشروب بتاعها وتقعد جنب الدفاية وتقرأ كتاب. أما بالنسبة لجون، اتجه على المطبخ علشان ينام، واللي بالمناسبة مكان النوم بتاعه كان في أوضة الخزين اللي موجودة في المطبخ. راح المطبخ، فرش سريره وراح في النوم.
ونطلع بالوقت للساعة 3:30 الفجر. جون يصحى من النوم مفزوع على صوت الصويت العالي جدًا. يطلع جري يفتح باب الأوضة يلاقي قدامه كمية دخان رهيبة ويشوف قدامه أخته وواحدة من المساعدات، ويكتشف إن هم اللي عمالين يصوتوا علشان يصحى من النوم وينقذهم. فيلاقي الدنيا كلها مليانة دخان، والواضح طبعًا إن في حريقة في المكان كله. فأول حاجة تيجي في دماغه إن هو يجري على أوضة إيما علشان ينقذها.
وهو طالع لأوضة إيما يلاقي المساعدة نازلة في وشه وبتقول له: "أوضة إيما كلها محروقة بما فيها السرير، وإنها مش متأكدة هل هي موجودة على سريرها ولا لأ". فيرجع جري على المطبخ هو والمساعدات وأخته إليزابيث علشان يجيبوا جردل المية يطفوا بيها الأوضة. ولكن للأسف كان الوقت اتأخر جدًا والنار عمالة تزيد أكتر وأكتر. وطبعًا كان صعب عليهم جدًا إن هم يسيبوا إيما في الوضع ده، ولكن لو ما عملوش كده حياتهم هتنتهي. فقرروا إن هم يطلعوا على بره جري علشان ينقذوا نفسهم.
ولما كانوا بيجروا اتجاه طريق الخروج، عدوا على أوضة السفرة. وهنا يلاقوا المفاجأة! لاقوا إيما مرمية على الأرض وميتة في نفس المكان اللي متعودة تسهر فيه. وكمان واضح جدًا إنها مش محروقة، لأ دي مقتولة وبطريقة بشعة جدًا. وده كان واضح من آثار الضرب اللي في راسها، وكان حد ضاربها في دماغها بفأس، وكمان راسها تكاد تكون مفصولة تمامًا عن رقبتها. وطبعًا الأربعة واقفين قدام الجثة ومذهولين لحد ما يفوقوا على صويت واحدة منهم ويطلعوا جري بره البيت. وفي النهاية بعض الجيران والصيادين وخفر السواحل قدروا إن هم يطفوا الحريق.
وهنا إحنا طبعًا عندنا جريمة قتل، والأكيد طبعًا إن الشرطة هتيجي. وخدوا لي بالكم من حاجة مهمة جدًا في التوقيت ده: ما كانش فيه بصمات وطب شرعي والتقدم اللي إحنا موجودين فيه دلوقتي. طيب، أمال هم كانوا بيعملوا إيه؟ لأ، هم كانوا ماشيينها بالبركة، يعني افتراضات على شوية تخمينات والدنيا بتمشي. وعلشان كده أول حد هيكون مشتبه فيه هيكون مين؟ بالظبط كده، هيكون صاحبنا جون، ما فيهاش كلام.
ما هو اللي هيعمل كل العمايل دي أكيد حد هيكون قوي جسديًا يعني، وما فيش حد في المكان ده راجل غيره هو. وكمان لما يطفوا الحريقة ويمشوا ورا آثار الدم يلاقوها رايحة لفين؟ رايحة لمكان المطبخ. وده يبقى مكان مين؟ زي ما أنتم عارفين يكون مكان النوم بتاع جون. وكمان يلاقوا جوه المطبخ فأس وسكينة متلطخين بالدم. وكمان يكتشفوا إن الحريقة دي كانت مفتعلة بسبب آثار الزيت سريع الاشتعال اللي لقوه فين؟ كمان لقوه برضه في المطبخ. فبناءً على إن الموضوع ماشي بالتخمينات، "مش ناقصين وجع دماغ، بنام من بعد المغرب يا باشا، لبسها لجون واخلص".
تاني يوم جون قاعد في الزنزانة بتاعته، يجي له واحد من الحرس ويقول له: "يلا يا جون علشان تقابل المحامي بتاعك". "يا عم أنا على باب الله، محامي إيه؟" "أرحمكم الله حضرتك!" "أرحمكم الله يا أختي!" المهم جون يخش على أوضة الزيارات يلاقي راجل قاعد مستنيه، مهندم وشيك وعلى سنجة عشرة. طبعًا في الأول استغرب، ولكن لما قرب منه عرفه كويس. ده المحامي ريجنالد تمبلر. وده مستحيل أصلًا يكون جاي يدافع عني، لأنه ببساطة شديدة كان من أصدقاء إيما المقربين جدًا، فمش ممكن أصلًا يكون جاي يدافع عني وأنا المتهم الرئيسي في قتلها.
المحامي شاور له وقال له: "تعالى اقعد". وأول حاجة قالها له: "يا جون يا حبيبي، أنا عارف إن أنت ما قتلتش إيما، وعلشان كده اطمن، أنا هنا وهأدافع عنك". وجون ساعتها أول حاجة جت في دماغه: "يعني إيما عايشة وميتة في الحالتين بتلحقني؟" ريجنالد تمبلر كان راجل تقيل في البلد وناجح جدًا. وأول ما جون سمع منه إن هو واثق في براءته ارتاح جدًا، وبدأ يحكي كل تفسيره فاكره من ليلة الحريقة، والمحامي شغال يكتب ويرسم في دماغه خطة الدفاع. وطبعًا جون يرجع زنزانته وهو في قمة التفاؤل.
اليوم الأول يدخل ريجنالد لقاعة المحكمة بطلعته الواثقة ولبسه المهندم، ويبدأ مرافعته ويضرب أساس الادعاءات كلها في مقتل، ويقول إن الشرطة ما كلفت نفسها مجهود بربع جنيه علشان توصل للحقيقة، وكل اللي هم عملوه إنهم دخلوا على الاستنتاج على طول ولبسوها واتهموا جون لمجرد إن هو بس الراجل الوحيد في المكان. وبص على ممثل الادعاء العام وقال له: "على فكرة ده مش شغل حبيبي، ده لعب عيال". وخلى ممثل الادعاء متوتر وعاوز الأرض تنشق وتبلعه. وطبعًا بالنسبة لجون فهو قاعد بسم الله ما شاء الله مش فاهم أي حاجة، ولكنه يبص ناحية القاضي ويحس إن ريجنالد فعلًا قادر يسيطر عليهم.
ولكن تفاؤل جون ده للأسف مش هيدوم كتير. لأن في المحاكمة الثانية ريجنالد ما جاش المحكمة ولا ظهر من الأساس. القاضي حاول إن هو يستنى شوية وقت لعل وعسى يكون اتأخر وهو جاي في الطريق مثلًا، ولكن "ليذا كفاية عشان ما أضربكش، كفاية يا رب نخلص ونبطل نونوه علشان أنا والله يعني المرارة حبيبة قلبي يا دوبك". ولكن للأسف لما الغيبة طولت، القاضي بص لجون وقال له: "يا ابني أنت مضطر للأسف تدافع عن نفسك لأن محاميك شكله مش هيجي". طبعًا بالنسبة لجون فهو في الكنافة مش فاهم أي حاجة، حتى في المحاكمة الأولى ما كانش فاهم أي حاجة من اللي بتتقال. ومعنى كده يا سيدي إن القضية لبسته وفي الغالب مش هيطلع منها.
وأما بالنسبة لريجنالد، استمر في الاختفاء بدون أي مبررات واضحة. ولكن الحمد لله بعد فترة يرجع يظهر من تاني، ولكن مش هو ريجنالد اللي إحنا عارفينه. حرفيًا أول ما تشوف شكله تحس إن هو اتجنن ومخه اتلحس. ده حتى لما وقف في قاعة المحكمة وبيسأل الشهود شوية أسئلة، كان بيسألهم عن حاجات غريبة جدًا، زي مثلًا إن هو يسأل الشاهد اللي قدامه قال له: "هو أنت فطرت إيه النهارده؟" "بقول لك أنت إيه اللون اللي أنت بتحبه؟" وبالتالي طبعًا استبعدوه تمامًا من الدفاع.
بعد فترة يظهر محامي تاني صعب عليه الحالة بتاعة جون وقرر إن هو يتطوع ويدافع عنه. ولكنه للأسف ما كانش محامي عقر طبعًا زي ريجنالد وما قدرش إن هو يعمل أي حاجة. وكان قرار هيئة المحلفين اللي ما خدوش ساعة واحدة تفكير إن جون مذنب وهو القاتل، واتحكم عليه بالإعدام.
جون قعد في السجن حوالي ثلاث شهور لحد ما يتحدد ميعاد الإعدام. وطول الثلاث شهور دول ما كانش على لسانه غير حاجة واحدة بس: إن هو بريء ومظلوم وما عملش أي حاجة، وإن ربنا هيحميه وهيطلعه من المحنة اللي هو فيها دي. وقد كان.
يوم 23 فبراير سنة 1885، جه اليوم المنتظر وهو يوم تنفيذ حكم الإعدام. جه السجان ياخد جون على منصة الإعدام. وهنا يحصل التدابير الإلهية. جون أول ما وقف على المنصة، لفوا الحبل على رقبته، لبسوا له كيس القماش في دماغه، يشد دراع الباب ولكن الباب ما بيتفتح! يبعدوه عنها، يجربوا تتفتح. يرجعوه مرة تانية برضه ما تتفتح! والكلام ده استمر يتكرر ثلاث مرات. ساعتها منفذ الأحكام وقف الحكم ورجع للقاضي علشان يستشيره، اللي قال إن إحنا مش هنجرب مرة رابعة كده، الموضوع هيبقى قاسي جدًا عليه، فإحنا نستبدل الحكم بدل الإعدام يتحبس 22 سنة.
ونيجي بقى للحدث الأهم. الزمن 1890، بعد ست سنين من وفاة إيما وكمان من سجن جون اللي الكل يعتبر نسيه. وتحديدًا في مقبرة مش بعيدة عن قصر جلين، مجموعة من كبارات البلد بيشيعوا جنازة واحد من أهم وأكبر المحاميين اللي موجودين في البلد. وأكيد طبعًا عرفتوه، هو بعينه ريجنالد تمبلر اللي اتجنن مرة واحدة.
وبعد ما خلص القسيس كلامه ودعاءه للميت، عندهم عادة كده إن هم بعد ما بيدفنوا الميت بيرموا على القبر بتاعه شوية تراب. وهم بيرموا التراب، واحد من اللي واقفين قال بصوت عالي جدًا: "النهارده إحنا بندفن قاتل". وما تستغربش قوي يا شريك العزيز، لأن ريجنالد هو اللي قتل إيما، وهو ده كمان كان سبب جنونه المفاجئ. وتعالوا أجاوبكم على سؤال بيدور في دماغكم: "ليه يا ريجنالد؟"
فاكرين إليزابيث أخت جون وحوار حملها والفضيحة اللي كانت هتحصل والكلام ده؟ ما هو الفضيحة مش هتكون لإليزابيث لوحدها، أكيد برضه اللي عمل فيها كده يتفضح هو كمان. "ثواني ثواني، هو أنت تقصد إن ريجنالد هو اللي ارتكب الفاحشة؟" "بالظبط عليك نور!" وطبعًا الفضيحة كانت هتطول له، ومش بس علشان الحمل اللي حصل من غير جواز، ده محامي كبير بقى وله ثقله في البلد، ودي بمنظوره الدنيء حتة خدامة يعني لا راحت ولا جت. ومع ذلك ما قدرش إن هو يمنع نفسه إنه يروح يطمن عليها من وقت للتاني. يا أخي تحس برضه إن هو فيه بذرة نظيفة، "لعن الله من سقاها".
طيب، حلو الكلام لحد هنا. إحنا كده عرفنا إن ريجنالد هو اللي مسؤول عن اللي حصل لإيما. إيه برضه اللي حصل في اليوم ده، يوم قتل إيما؟ ريجنالد راح يطمن على إليزابيث في الخفة كده، ولكن لسوء الحظ إن إيما شافته وهو بيتسحب ناحية أوضة إليزابيث وتقفشه. وزي ما قلت لكم في الأول، إيما ست متدينة وملتزمة ومالهاش في الحال المائل ده. ففضلت تزعق فيه وتعلي صوتها عليه ولطشته بالقلم وقالت له: "لو ما طلعتش بره بيتي حالًا هأفضحك وأقول لكل الناس عن القرف بتاعك".
طبعًا الغضب عمى ريجنالد وزعق هو كمان في الست إيما، وراح ساحب فأس من على الحيطة ونزل على دماغ الست إيما لحد ما وقعت على الأرض. فريجنالد ساعتها قال إن ممكن يكون مغمى عليها، وطبعًا لو فاقت هتفضحني وتجرني في كل مكان. فراح على المطبخ جاب سكينة وخلص عليها، ورجع سحبها مرة تانية على أوضة السفرة اللي كانت بتحب تقعد فيها، وملى البيت كله بالزيت القابل للاشتعال وولع فيه. وفي خلال الست سنين دول، فضل تأنيب الضمير بيحرقه كل يوم من قتل إيما بقى، وإنه كان هيكون السبب في موت إليزابيث والطفل اللي في بطنها، وكمان إنه ضيع مستقبل جون اللي مرمي في السجن دلوقتي بدون أي ذنب.
وفي سؤال لو القضية انتهت وما تجاوب عليه هتحسوا إن في حاجة ناقصة. وأنا هأريحكم وهأجاوب عليه دلوقتي. دلوقتي إيما ماتت مقتولة، والراجل اللي قتلها كمان هو كمان مات. "أنت عرفت التفاصيل دي كلها منين يا عم المخاوي؟" وكل الحكاية إن ريجنالد وهو على فراش الموت وبيخلص خلاص، كان طول الوقت بيهلوس بكل الأعمال اللي عملها وندم عليها. ومن ضمن الهلوسة دي إنه خلص على واحدة كبيرة في قصر على الساحل. والهلوسة دي حضرها مين بقى؟ حضرها الراجل اللي قال يوم الدفنة: "إحنا النهارده بندفن قاتل".
والحقيقة ما فيش أي معلومة مؤكدة هو ليه ريجنالد قرر إن هو يدافع عن جون. هل بدافع مثلًا إن هو عنده بقايا ضمير وإحساس بالذنب إن في واحد مظلوم هيتسجن بسببه؟ ولا كان غرضه مثلًا إن هو يبوظ القضية وجون يلبسها أكتر ويعيش هو في أمان؟ وفي الحالتين كده كده هو مخه اتلحس واتجنن خلاص.
والجزء المحزن هنا في القضية إن جون قضى مدة الحكم بتاعته كاملة وهي 22 سنة. ولكنه لما طلع من السجن كان ملقب بـ "الرجل الذي لا يمكن شنقه". والناس كانت مؤمنة إن سبب تعطل منصة الإعدام هو التدخل الإلهي لأنه كان بريء ومظلوم فعلًا. وبعد ما خلص مدته وطلع، اتجوز وسافر أمريكا وعاش حياة مستقرة ومات وهو عنده 81 سنة.
وبكده يا شريك الحبيب تبقى انتهت بيكو هتنا النهارده. كالعادة، دعوتي المستمرة لك وليه إن ربنا يحميك من شرور الأقدار وكمان من نفوس البشر. وإنك كمان تخلي بالك من نفسك لحد ما أشوفك إن شاء الله القضية الجاية على خير. سلام.