Transcription
في يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول من عام الفيل، سنة 571 للميلاد، حدث في الأرض أمر عظيم، أمر جلل، رُجِمَت فيه الشياطين، وحُرِسَت فيه السماء. قيل إنه سقطت ره شرفة من إيوان كسرى، وانطفأت نار المجوس.
يقول حسان بن ثابت: كنت صبياً في المدينة، وتسمى قديماً يثرب. يقول: كنت ألعب مع الصبيان، لكنني أعقل. يقول: في هذا اليوم نادى يهودي على أطم من الأطام: يا معشر يهود، يا معشر يهود. يقول: فاجتمع اليهود حوله. قالوا: ما الخبر؟ قال: ظهر اليوم نجم أحمد، ظهر اليوم نجم أحمد. نعم، سيحصل الآن أمر غريب، أعظم ولادة في تاريخ البشرية. إنه ميلاد من؟ إنه يوم ميلاد محمد صلى الله عليه وآله وسلم. هنا أذن الله أن ترحم البشرية به، أعظم ميلاد ميلاده، وأسهل ولادة كانت ولادته.
لما ولد محمد في ذلك اليوم، تقول أمه آمنة: أضاء نور إلى السماء، رأيت في ذلك النور قصور الشام. كان دولته وأمته ستمتد إلى الشام، رآتها أمه في ذلك اليوم. أي لحظة تلك التي تمر فيها البشرية، أي سعادة أرسلها الله للكون بولادة أحمد عليه الصلاة والسلام. أي نور سطع في كون ذلك الزمان بولادة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. الله أكبر، يوم ولد محمد، ذلك اليوم هو اليوم السعيد.
سمع بالخبر بعد ولادته، وهو يولد برعاية الرب عز وجل، وبعناية الله جل وعلا، ويصنع الله على عينه. ولد محفوظاً، ولد معصوماً، ولد محمد صلى الله عليه وآله وسلم. سمع بالخبر جده عبد المطلب، فأسْرَع وهو يسمع صوت الطفل الذي ولد للتو، النور الذي خرج للبشرية. فإذا بالطفل يُعطى لجده عبد المطلب، الذي مات أبوه قبل أن يولد. فإذا بالطفل يُعطى لجده عبد المطلب، فيأخذ ويشمه شمة، ويقبله، ثم يسرع به إلى البيت، يطوف به. يطوف بمن؟ يطوف بالطاهر المطهر، يطوف المصطفى عليه صلوات الله وسلامه، الذي تصلي عليه الملائكة في السماء، الذي يصلي عليه الرب عز وجل. فإذا بعبد المطلب يحمل هذا الطفل، يطوف به حول البيت، ويدخله داخل البيت، فرحاً مسروراً سعيداً مستبشراً بهذا الطفل الذي ولد. ثم رجع به مرة أخرى ليدفعه إلى أمه آمنة. فرحت فرحاً عظيماً بميلاد ذلك الطفل الرضيع. إذا به يدفعها إلى أمه آمنة وهو يقول لها: سميته محمداً، سميته محمداً. فيا لسعادة البشرية في ذلك اليوم.
[موسيقى]
الأرض فاضت بالضياء لما أتى خبر السماء.
الأرض فاضت بالضياء لما أتى خبر السماء.
ولد الحبيب محمد، ولد النبي محمد.
فإذا الدنى صمراً أضاء في مولد الهادي البشير.
كم عم في الكون السرور في مولد الهادي البشير.
كم عم في الكون السرور.
قد أطفئت نار، قد أطفئت نار، وراح يشع في الآفاق نور.
والأرض فاضت بالضياء لما أتى خبر السماء.
الأرض فاضت بالضياء لما أتى خبر السماء.
ولد النبي محمد.
[تصفيق]
بدأ البحث عن من يرضع محمداً صلى الله عليه وآله وسلم. وكان في تلك الفترة نسوة من بني سعد بن بكر جئن إلى مكة يبحثن عمن يرضعن. وكان في الجمع امرأة اسمها حليمة السعدية. وكانت قد ركبت أتان لها، حمار. وكانت سنة سنة قحط وجدب، سنة لم تمر عليهم مثلها. حتى أن حليمة وزوجها الحارث ابن عبد العزى كان معها، ولهما طفل صغير للتو مولود. تقول حليمة: لم يكن في ثدي ما يُشبع طفلي. كيف تبحث عمن ترضعه؟ تقول: حتى أن طفلي كان يبكي الليلة كلها، فلم نكن ننام الليل من شدة بكائه من الجوع. هذا طفلها، فكيف تبحث عمن ترضعه؟ تقول: حتى وصلنا إلى مكة. تقول: فما منا من امرأة إلا وعُرِض عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ترضعه، فرفضنا جميعاً. لما؟ لما علمنا أنه يتيم، وماذا نصنع بطفل يتيم ليس له أب؟ وماذا يصنع جده؟ وماذا تنفع أمه؟ تقول: تركناه جميعاً وبحثنا عمن نرضع. فكل واحدة من صاحباتي وجدت من ترضعه وذهبت به، وبقيت أنا لم أجد أحداً. فقد كانت هزيلة ضعيفة. حليمة تقول: فقلت لزوجي: والله إنني أكره أن أرجع إلى صاحباتي بغير طفل أرضعه. والله، لَأرجعن إلى اليتيم. فأخذه. فقال زوجي الحارث: قال: افعلي، فلعل الله أن يجعل فيه بركة. تقول: فأخذت محمداً، وإني لكارهة، لكني لم أجد غيره. تقول: فأخذته صلى الله عليه وآله وسلم. تقول: فرجعت إلى رحلي، التحق بالقافلة بالصحبة لأرجع إلى بلدي. تقول: فما أن وضعته في حجري إلا وأقبل فدي، فشرب حتى روي. تقول: فقمت لأخي، الطفل الجائع. تقول: فشرب حتى روي أخوه. تقول: فنام، ولم يكن ابني قد نام منذ أيام. تقول: فلما أصبحنا، قال زوجي: إن النسمة التي أخذتيها فيها بركة. فقالت حليمة: إنني لَأرجو الله ذلك. تقول: حتى الشاة التي كانت معنا ليس فيها قطرة من لبن، قد امتلأ ضرعها، ضرع شاتها. تقول: حتى الأتان، الحمار الذي أركبه، تقول: أسرع، حتى قال النسوة لحليمة: اربعي علينا يا حليمة، أين الحمار الذي جئت به؟ وين الحمار الذي جئت به إلى مكة؟ قالت: إنه هو. فقال النسوة: والله إن لهذا الحمار شأناً. القضية ليست الحمار، ولا الشاة، ولا اللبن. إنه أفضل من خلق الله جل وعلا، إنه محمد صلى الله عليه وآله وسلم. ما حل مكاناً إلا وبورك فيه. تقول: فسِرنا أياماً حتى وصلنا إلى بلادنا، بلاد سعد بن بكر. تقول: فلما وصلنا بلادنا، وكانت سنة جدباء شهباء، قد القحط أكل الأخضر كله، ولم يبق لنا لبناً ولا ضرعاً ولا طعاماً. تقول: فما أن وصل محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى امتلأت شياهنا لبناً، فصارت شباعاً، وكنا نسرح بها كل يوم وترجع قد امتلأت، فنحلب ونشرب ونرضع أبنائي ولا ينقصون شيئاً. أما جيراني، تقول: جيراني فكانت شياه جياعاً، حتى إنهم ينظرون إلي، فيقول بعضهم لبعض: سرحوا غنمكم مع غنم بنت أبي ذؤيب، يقصدون حليمة. يقول: تقول حليمة: فإنهم ليسون الغنم مع غنم، فترجع غنمي شباعاً وأغنام جياعاً. هذا اللبن ليس لحليمة، هذا اللبن ليس لهذه الشياه، هذا اللبن ليس لهذا المكان، إنما هو ببركة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. تقول: مرت علينا سنتان من الخير والبركة لم نر مثلها. وبعد أن تم فصاله سنتان، تقول: اضطررت أن أرجعه إلى أمه، وإني لكارهة، ما تبي ترجعه لأمه. تقول: فلما أرجعته إلى أمه آمنة، وأوصلته إليها، قالت: قلت لأمه: أبقيه عندنا، فإني أخاف عليه مرض مكة وأمراض مكة. فلم ترض أمه، فالححت عليها حتى قبلت. تقول: فأرجع، أريد بركته وأحبته حليمة. تقول: فلما رجع عندنا، وكان يلعب مع أخيه، فجأة جاء رجلان يلبسان ثياباً بيضاء. فخاف أخو محمد في الرضاع، فأسْرَع إلى أمه حليمة يناديها. تقول: فرجعنا، فإذا بمحمد قد أمسكه رجلان يلبسان ثياباً بيضاء، ليسا برجلين، إنهما ملكان. تقول: فأمسكاه واضطجع على الأرض، وشق صدره، وأخرج قلبه، وغسلاه بماء في طست، ثم أعاداه مكانه، وإذا بصدره مرة أخرى يلتئم. تقول حليمة: فلما وصلنا إليه، نظرنا إليه، قد انقع لونه، تغير وجهه. تقول: فضممته، وأرجعته إلى الخباء، وإني عليه لخائنة.
[موسيقى]
لما رأت حليمة أم النبي بالرضاع ما حصل لهذا الغلام محمد صلى الله عليه وآله وسلم من شق صدره، خافت وخاف زوجها. فقال لها زوجها أبو النبي بالرضاع: قال: قد علمت ما أصابه، وربما يظهر عليه أمر يضره، فارجعي وألحقيه بأهله. فأسْرَعَت حليمة بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى أمه آمنة، فدخلت عليها. فقالت آمنة: ما الذي جاء بك؟ قالت: قد بلغ الله بابني، وأديت الذي علي، وخفت عليه الأحداث، فجئتك به كما تحبين. قالت أمه: قد كنت حريصة عليه يا حليمة. قالت: نعم. قالت: هناك أمر آخر، فأخبريني. فلم تزل بها حتى أخبرتها حليمة بحادثة شق الصدر. فقالت أم: ما خافت؟ قالت أم النبي لحليمة: خشيت عليه الشيطان. خفت عليه من الشيطان. قالت: نعم، والله خفت عليه. فقالت آمنة بكل ثقة: ما للشيطان عليه من سبيل، ما للشيطان عليه من سبيل. إنه سيكون لابني هذا شأن عظيم. ثم قالت لها: هل تريدين أن أخبرك بخبره؟ قالت: أخبريني. قالت: رأيت حين حملت به خرج نور أضاء لي قصور بصرى بالشام، ولم أر ولم أسمع بحمل أسهل من حملي به. سيكون لهذا الغلام شأن عظيم.
عاش نبينا في حضن أمه وكنف ورعايتها حتى بلغ ست سنين.
[موسيقى]
عاش النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كنف وحضن أمه آمنة، حتى إذا بلغ ست سنين، أرادت أمه أن تفرحه، فذهبت به إلى أخواله بني عدي بن نجار في المدينة. سافرت به من مكة إلى المدينة وعمره ست سنين. ما أجمل هذا الغلام وما أحلاه، حياته سعادة. يذهب إلى أخواله فيرونه، ما أجمل هذا النور الذي يخرج من هذا الوجه الصغير. بعد أن فرح الغلام بإخوته، رآهم ورأوا وفرحوا به، أرادت أمه أن ترجع به مرة أخرى إلى مكة. خرجوا من المدينة، وفي الطريق في منطقة اسمها الأبواء، تعبت أمه ومرضت. وفي تلك اللحظات قبض الله عز وجل روحها، والغلام صغير، لكنه يعقل. لم ير أباه، أبوه مات قبل ولادته. أما أمه، فقد فُجِع بها وهو غلام لم يتجاوز السادسة من العمر. أمه تموت أمام عينيه، أمه تدفن بالأبواء. يا الله، له في هذه الدنيا. أبوه فارق الدنيا قبل أن يولد، وأمه تفارق الدنيا وعمره ست سنين. أي مصيبة ألمت بهذا الغلام الصغير، أي كارثة حلت به. فقد والديه وهو في هذا العمر. يا الله، كيف كان يشعر بأبيه وأمه وهو في هذا السن. الرب عز وجل يرعاه، والرب عز وجل يحفظه، لكن الألم شديد والمصيبة كبرى. دفنت أمه، فيا الله، أي حزن خيم على ذلك القلب الصغير. ثم أخذ بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأُرجِع إلى مكة، فاقداً لوالديه.
[موسيقى]
بعد وفاة أمه عليه الصلاة والسلام، تكفل به جده وعمره ست سنين. جده عبد المطلب بن هاشم، سيد مكة، يتكفل بمحمد ذي ست سنوات ويجعله مع أبنائه البقية، أعمام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وكانت لعبد المطلب عادة كل يوم، إذا بدأ الظل في الكعبة، كان أبناؤه، أعمام النبي، أبناء عبد المطلب، كانوا يفرشون له سجادة في ظل الكعبة، لكن لا يتجرأ أحد أن يجلس عليها حتى يأتي عبد المطلب. فإذا جلس، جلس أبناؤه حوله احتراماً له. إلا ما كان من محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو صبي صغير، كان يأتي قبل أعمامه ويجلس على السجادة قبل أن يجلس جده عليها. عبد المطلب، فكان أعمامه يحاولون منعه وإبعاده عن السجادة، لكن عبد المطلب ما كان يرضى، وكان يقول لأبنائه: دعوه، دعوه، فإن لهذا الغلام شأن عظيم، فإن لهذا الغلام شأن عظيم. فكان يقرب محمداً وهو غلام صغير، ست سنوات، يقربه إليه، فيمسح رأسه ويمسح ظهره. هكذا كان يحبه عبد المطلب. لكن لم يظل النبي عنده إلا سنتين. فلما بلغ الثمان سنين، توفى الله عز وجل عبد المطلب أيضاً. فُجِع النبي بجده، لم ير أباه، وفُجِع بأمه، والآن بجده عبد المطلب. فتكفل به أبو طالب. عبد المطلب كان قد تولى كفالة ورعاية زمزم. فلما توفي عبد المطلب، تولى رعاية والإشراف على زمزم ابنه العباس، وظل آل العباس إلى يومنا هذا هم الذين يشرفون على زمزم وشؤونها. ظل نبينا عليه الصلاة والسلام في رعاية عمه أبي طالب إلى أن شب وكبر.
[موسيقى]
ظل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في رعاية وعناية عمه أبي طالب، وكان أبو طالب يحبه من بين أبنائه ورعاه رعاية كبيرة، حتى إنه كان يعلمه ويدربه منذ الصغر على التجارة. ولما قرر أبو طالب، عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أن يذهب بتجارة إلى الشام، أخذ محمداً صلى الله عليه وآله وسلم، وكان عمره 12 عاماً. سارت القافلة إلى الشام ووصلت إلى منطقة تسمى بصرى في الشام. فلما وصل تلك القافلة، كان هناك دير لراهب، وما كان يخرج من ديره، كان يتفرغ للعبادة، لكنه لما رأى تلك القافلة، خرج وذهب إلى تلك القافلة يترقبها وينظر إليها، حتى وصل إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم. كان غلاماً 12 سنة، فنظر بين كتفيه، فوجد علامة، فتأكد الراهب. فسأل: من الوصي على هذا الغلام؟ فدل على أبي طالب. قال: من أنت؟ قال: أنا أبوه. فقال الراهب: لا، ما كان لهذا الغلام أن يكون أبوه حياً. قال: إنه ابن أخي. قال: الآن صدقت، الآن صدقت. قال: وما تقول؟ قال: ما من حجر ولا شجر مررتم عليها في طريقكم إلا خروا سجداً، وما كانوا يسجدون إلا لمرور نبي. ثم قال: وقد رأيت علاماته، هذا سيكون سيد العالمين، هذا سيكون رحمة للعالمين. الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وإن كثيراً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون. الحق من ربك فلا تكونن من الممترين. وأكرمهم ذلك الراهب وضيفهم، ما كان يفعلها لأي قافلة تمر. ثم بعد أن أكرمهم، سأل أبا طالب: أين ستذهبون به بهذا الغلام؟ قال: إلى تلك المناطق نبيع ونشتري تجارة. فقال له الراهب: لا تفعل، لا تفعل، فإني لا آمن عليه أن علم أحد بأمره سيكيد له شراً. قال: وماذا أصنع؟ قال: إني ناصح لكم، أن ترجعوا بهذا الغلام إلى مكة ولا تذهبوا به إلى تلك الأماكن. وأخذ أبو طالب بنصيحة هذا الراهب واسمه بحيرى، وأرجع محمداً صلى الله عليه وآله وسلم برفقة بعض الرجال آمنهم، ثم رجعوا به إلى مكة آمناً سالماً حتى لا يصاب بأذى. هكذا بدأت علامات محمد صلى الله عليه وآله وسلم تظهر للناس، وبدأت الأمور تتكشف شيئاً فشيئاً، فهو يكبر، لكن لا كغيره من الأقوام.
[موسيقى]
[موسيقى]
لما بلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم 20 من العمر، حصل في قريش معركة. وسبب هذه المعركة أن قريش وكنانة، وهي في طرف رجل منهم، قتل بعض الرجال من قبيلة تسمى قيس عيلان. فحصل بينهم معركة في عكاظ، وثارت المعركة، وحصد كل من الفريقين قتلى من الآخر. وكان النبي في العشرين من عمره، وقد شارك في هذه المعركة، وكان يجهز النبل لأعمامه من الطرفين. والمصيبة أن المعركة حصلت في الأشهر الحرم، ولهذا سميت هذه المعركة معركة الفجار، فقد فجر الناس فيها وقاتلوا في الأشهر الحرم التي كانوا يحرمون فيها القتال. حتى إذا قرب النهار على الانتهاء، اتفق الطرفان على أن يوقفوا القتال ويحسبوا القتلى من الطرفين. فإذا كان قتل أحد الفريقين أكثر، أعطاهم الفريق الآخر دية ليسدد ثمن قتلاهم. هذه معركة سميت معركة الفجار.
بعد هذه المعركة، حصل أمر أيضاً في مكة. جاء رجل من زبيد ببضاعة إلى الحرم يبيعها، فاشتراها منه رجل اسمه العاص بن وائل السهمي. فلما اشترى البضاعة، لم يعطه الثمن. حاول به فلم يعطه. فذهب إلى الناس يريد من ينصره ومن يعينه على أخذ ثمن هذه البضاعة، فلم يعطه أحد أي قوة يستنصر بها على من ظلمه، وهو العاص بن وائل. فذهب الرجل المظلوم الزبيدي إلى جبل أبي قبيس، فعلاه وصرخ بأعلى صوته وقال شعراً يستنصر الناس. فسمعه الزبير بن عبد المطلب. قال: مالك؟ فأخبره بالخبر. فصرخ الزبير: أيها الناس، ما بالكم رجل يأتي إلى الحرم وتؤخذ أمواله ويظلم ولا ينصره أحد منكم؟ فتداعى من بني هاشم وبني عبد المطلب وزهرة وتيم وغيرهم من الأشراف. تداعى إلى حلف سمي حلف الفضول. عقد في بيت عبد الله بن جدعان، وهذا رجل شريف سيد من السادات. وكان بين الحاضرين نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. يحضر لأنه الصادق الأمين، يحضر لأن الناس تحب كلامه ومنطقه، يحضر لأنه أهل لأن يحضر مثل هذا الحلف. وأي حلف تعاقدوا عليه؟ تعاقدوا على أنه لا يأتي إلى الحرم مظلوم، سواء كان من أهل مكة أو من غير أهلها، إلا وانتصرت له مكة. قريش وقبائلها تنتصر للمظلوم ممن كان، سواء كان من أهل قريش أو من غير أهل قريش. وهكذا يقول النبي عن هذا الحلف الذي كان من أعظم الأحلاف في ذلك الزمان. بل لم يكن أحد من العرب يفكر في حلف مثل هذا. يقول: لقد دعيت إلى حلف في دار عبد الله بن جدعان، يقول: ما أحب أن يكون لي به حمر النعم. لو أعطيت بدل حضور هذا الحلف أموالاً كثيرة جداً ما رضيت وما قبلت. ثم قال عليه الصلاة والسلام: لو دعيت إليه في الإسلام لأقبلت. أي أقبل حضور أي حلف ممن كان إذا كان لنصرة المظلوم. هكذا كان عليه الصلاة والسلام يهتم ولا يبالي بمن يدعو لنصرة المظلوم، سواء كان مسلماً أو غير مسلم، المهم أن ينصر المظلوم. فانتشر بين القبائل وانتشر بين العرب أن هذا الحرم حرم، وأن أهل مكة سيقومون مع المظلوم وينصرونه مهما كان، سواء كان منهم أو كان من غيرهم. وهكذا ارتفعت مكانة قريش وقبائلها، وارتفعت مكانة ساداتها وأشرافها بين القبائل، أي أنها تنصر المظلوم.
عاش النبي صلى الله عليه وآله وسلم، عاش يتيماً في بدايته، فأواه الرب عز وجل. كان لا يملك شيئاً من المال، وكان يرعى الغنم، وما من نبي إلا رعى الغنم. كان يرعى الغنم ويعطى قراطيط يأكل منها عليه الصلاة والسلام. لما كبر شيئاً ما، بدأ يعمل بالتجارة وحصل على بعض الأموال يعمل فيها، فأغناه الرب عز وجل. حفظه الرب في صغره. ألم يجدك يتيماً فآوى، ووجدك ضالاً فهدى، ووجدك عائلاً فقيراً، ووجدك عائلاً فأغنى. حفظه الرب عز وجل في صغره. كان يتيماً فأواه الرب وحفظه، وكان عائلاً فقيراً فأغناه ربنا جل وعلا.
كالنور في جنح الظلام، جاء الحبيب إلى الأنام هدياً.
يضيء دروبه وكأنه بدر السماء.
كالنور في جنح الظلام، جاء الحبيب إلى الأنام هدياً.
يضيء دربهم وكأنه بدر السماء.
لمحمد خلق عظيم، وبحبه من لا يهيم.
والله جل جلاله صلى عليه وسلم.
لمحمد خلق عظيم، وبحبه من لا يهيم.
والله جل جلاله صلى عليه وسلم.
صلى عليه وسلم.
ذاك الذي، ذاك الذي رب العلى.
صلى عليه وسلم.
صلى عليه وسلم.
[موسيقى]