📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

فضفضه : صمود | بودكاست وسق

وَسَقْ7:18

Transcription

تبدأ حياتك منذ صغر وأنت في مخيلتك اتجاه واحد، بانياً كل أسس وأهداف الحياة عليه. وتمضي في ذلك الطريق حتى تصادف ما لم يكن بالحسبان من عقبات ومخاوف وصدمات.

ومن هنا لم تعد ذلك الصغير، بل الشخص الناضج والمتفق فيما يمر به. وهي طبيعة الإنسان الناجح على مر العصور أن يصنع شيئاً لنفسه إن استطاع، أو أن يتكيف مع الظروف. وفي حين سماعنا لكلمة التكيف نظن بأنها الاستسلام، والصحيح أنها عوامل خارجة عن إرادتك. والثقة هنا مطلب في أن الأمور ستسير بطريقتها الخاصة وفي الوقت المناسب حتى يحقق غايته.

وفي الحالتين راحة النفس وتحقيق الهدف. لعل تجربة الحياة مليئة بما يكفي من كل شيء، وفي ظلها تجد الكائنات البشرية نفسها تعيش على وقع الصدمات والخيبات والهزائم. ويصبح الألم والمعاناة جزءاً من هذا الوجود. هناك من يتحمل هذه القساوة أكثر مما يطيق، وبقدر ما يتحمل يغدو أقوى مما كان عليه. وآخر يستسلم لهذا العذاب ولا يملك أدنى مقاومة.

وبين هذا وذاك تنطوي حدة العذاب الذي يستشعره المرء. والحق أنه لا ينبغي أن يكون الإنسان ضعيفاً إلى هذا الحد الذي ينهي به حياته بمجرد حدث أو موقف أو معاناة تدفعه إلى الانهيار. عندما يفشل المرء في جاد ذاته وسط ضجيج الواقع، فإنه يصير معرضاً للإحباط. وما أسوأ الإحباط عندما لا يملك المرء عقلاً صلباً يتحمل الخسارة في كل مراحلها.

هناك لحظات يجد فيها الإنسان نفسه مجبراً على خوض تجربة الوجود المحفوفة بالألم، ولا يملك إلا تحمل ذلك لو أراد الاستمرار وطلب المزيد. ولعل ما يميز الكائنات البشرية هو هذه القدرة على التحمل. وفيها يتضح أن البقاء للأقوى هو أحد قوانين الطبيعة. فإن يكون المرء قوياً يعني أن يكون مستعداً لممارسة وجوده بكل ما فيه من تحديات، وأن يتهيا للخسارة باعتبارها جزءاً من اللعبة. وهكذا يمكن أن يتحملها إذا كان قادراً عليها، وقد يستسلم إذا كانت وتيرة الانهيار واليأس بلغت حدودها.

وكل فرد يجد في ذاته بعض القدرة على ممارسة الصلابة. وما دامت الكائنات البشرية تحمل بين طياتها هذه القدرة، كان جيداً أن تتحمل كل الخيبات والآلام التي تعرقل الوجود بين الفينة والأخرى. وما هذا التحمل إلا فرصة للنيل من الوجود. الواقع أسوأ من أن نتصوره جميلاً. وأعتقد أن من لا نبالي به، رغم أنه لا يستحق إلا أن نتجاهله، ذلك أنه يفرض علينا ظروفه ويجعلنا منغمسين في هذه الظروف بكل رفض. فهو يدفعنا لكل ما يثير ضعفنا، وقد تتلاشى قوانا في ضم هذا الواقع.

الحياة ليست منصفة إلى درجة أن تمنحنا كلما نشتهي، وليست جميلة لكي تزيح من طريقنا كل ما قد يعكر مزاجنا، وليست عادلة لتأخذ حقنا ممن ظلمنا، وليست رحيمة لكي تأخذ ضعفنا بعين الاعتبار. هي أمور تندرج ضمن قوانين الحياة، وبالتالي لا ينبغي أن نتذمر من حصول هذه الأمور أو أن نغضب إذا كان حظنا سيئاً، حتى لو صار الألم من نصيبنا.

المعاناة لصيقة بالبشر، لأن هذه الحياة دار اختبار. ولعلها تجعل وجودهم ذات معنى لو نظرنا إليها من الزاوية التي سيختبر فيها البشر قدرتهم وقوتهم. ولا يكون لهذا المعنى أي معنى إلا عندما يملك المرء القدرة على مواجهة الألم والتغلب عليه. وحتى عندما لا يقدر على التغلب عليه، كان جميلاً أن يتحمله المرء وألا يذوب فيه حتى ينهزم، لكي لا يهزم في معركته مع الحياة التي لا ترحم.

عندما يكون المرء صامداً في وجه الحياة، فإنه سيعيشها على النحو التالي الذي يناسبه وبالطريقة التي يشتهي. فالصمود تحمل الألم رغم قساوته. فإن تصمد في قمة ياسك، وأن تتحمل رغم ما فيك من انهيار، فذلك يدل على أنك أقوى مما ظننت. أنت أقوى من أن تميتك الحياة قهراً رغم ضعفك ورغم قلة حيلتك، لأنك عرفت أن الصمود هو المفتاح أمام ما تختبرنا فيه الحياة. والصمود هو الطريق الذي يقوي ذلك الجزء الضعيف منك. والصمود هو الذي يهيئك للقادم من الضربات. والصمود هو الذي يؤجل موعدك مع الانهيار.

وبقدر ما يتاجل الانهيار، يكتسب المرء قوة مضاعفة ترمم جانبه الضعيف وتسعف بما يكفي من القدرة على تحمل المزيد. واقعياً، الحياة مليئة بالخيبات واليأس يسيطر على هذا الوجود، ويبدو أنه ليس هنالك ما يبشر بالعكس. وبين طيات هذا الحزن الكبير، يجد البشر أنفسهم مرغمين على الانصياع لما يفرضه الوجود، ولا يملكون إلا ما يخبئون من إرادة في السير نحو الأمام بدل الوقوف والتذمر الذي لن يغنيهم في شيء.

الإرادة والصمود هي التي تتولد عندما نجد أنفسنا منهكين ونقترب من رفع الراية البيضاء. والشعور الذي ينتصب فينا مقاوماً كل ما نعيشه من ضعف هو هذه الإرادة والصمود في المضي قدماً وتجاوز ما نحن بصدده. وبواسطة تلك الإرادة يمكن أن نستهلك الحزن واليأس. والإرادة القوية هي التي تؤجل موعدنا مع الخسران أو تزيحه عن طريقنا. والإرادة القوية هي التي تقوينا عندما ننهار وتسعفنا بما يكفي لنسترجع قوتنا وقوانا حتى نخرج من مأزق الورطة الذي لم نجد إلى الخروج منه سبيلاً. وهذه الأخيرة هي التي تؤكد لنا مدى رغبتنا في الحياة في اللحظة التي لا ترغب بنا الحياة.