Transcription
أنت في مقهى في وسط لندن. المطر على النافذة. قهوتك تبرد أمامك. على شاشة هاتفك، إعلان توظيف يبدو عاديًا تمامًا: "ضابط استخبارات. المتطلبات: شهادة جامعية، جنسية بريطانية، قدرة على العمل في بيئات غامضة."
"بيئات غامضة." تبتسم قليلاً وأنت تقرأ هذه العبارة. تعرف ما هذا الجهاز. رأيت الأفلام. المطاردات في شوارع أوروبا، والسيارات الفارهة، والعملاء السريون. تضغط على زر التقديم، ثم تضع الهاتف وتشرب قهوتك. لا تعرف بعد أنك لن تكون أنت نفسك بعد هذه اللحظة.
المستوى الأول: المتقدم. ثلاثة أشهر من الصمت التام. لا رسالة، لا بريد، لا شيء على الإطلاق. تفتح صندوق البريد مرات لا تحصى، وتبدأ شيئًا فشيئًا بالاعتقاد أنك تخيلت الأمر من الأساس.
ثم ذات يوم ثلاثاء، يرن هاتفك فجأة. على الطرف الآخر، امرأة تتحدث بصوت هادئ جدًا. هادئ لدرجة أنه يبدو كصوت شخص تدرب على هذا الهدوء. لا تذكر اسم أي جهة تعمل لها. تسألك فقط: أين درست؟ هل سافرت خارج بريطانيا في العشر سنوات الماضية؟ هل تتحدث لغات أخرى غير الإنجليزية؟ هل تعاطيت موادًا مخدرة في أي وقت من حياتك؟ هل لديك أقارب يعيشون خارج بريطانيا؟
المكالمة تستمر 40 دقيقة كاملة. ثم تشكرك بكل هدوء وتنهي الاتصال، دون أن تخبرك بأي شيء عما سيحدث بعد ذلك.
بعد أسبوعين من الانتظار، يصل خطاب إلى بيتك. ظرف أبيض عادي تمامًا. لا شعار عليه ولا عنوان لمن أرسله. بداخله، دعوة إلى مبنى في لندن ليوم تقييم كامل. تصل إلى المكان وتجد أمامك مكانًا يشبه تمامًا أي مكتب عادي في شركة محاسبة. سجادة باهتة اللون، كراسي بلاستيكية، وبرادة ماء في الزاوية تصدر صوتًا لا يتوقف.
في الغرفة 12 مرشحًا آخر يجلسون في صفوف منظمة. لا أحد يتكلم. الجميع يحاول أن يبدو مرتاحًا، والجميع يفشل في إخفاء توتره.
الاختبار الأول: تحليل مكتوب. يضعون أمامك سيناريو استخباراتي كاملاً عن دولة وهمية. لديك 99 دقيقة فقط لتكتب توصية واضحة بإجراء معين أمام وزير الخارجية. يداك تكتبان بسرعة، وأصابعك تبدأ بالتشنج من الضغط.
الاختبار الثاني: عمل جماعي مع بقية المرشحين. يضعون أمامكم موقفًا حقيقيًا. هناك رهينة بريطانية محتجزة في دولة مجهولة. الموارد التي لديكم محدودة جدًا، والوقت ينفد بسرعة. المراقبون يجلسون في أركان الغرفة، يكتبون ملاحظاتهم بصمت على أوراق في أيديهم. لا أحد منهم يبتسم. لا يهمهم ما هي إجابتك. ما يهمهم شيء واحد فقط: كيف يعمل عقلك حين يضيق الوقت من حولك.
الاختبار الثالث: المقابلة الشخصية. شخصان يجلسان أمامك على الطاولة. الأول يسأل، والثاني يراقب بصمت يديك وتعابير وجهك. يسألانك: لماذا تريد هذه الوظيفة؟ تبدأ فورًا بالإجابة التي حضرتها بعناية أمام المرآة في الصباح، لكنهما يقاطعانك قبل أن تنهيها ويسألانك مجددًا بنبرة مختلفة: لماذا تريدها فعلًا؟ تتعثر في كلامك. جيد. هذا بالضبط ما كانا يريدانه منك. كانا يريدان الإجابة الحقيقية التي بداخلك، وليس الإجابة الجميلة التي حضرتها لهما.
بعد كل هذا، يبدأ التحقيق الأمني الشامل. وهو الأشمل والأعمق الذي تجريه أي حكومة غربية في العالم. الأمر لا يتوقف عندك أنت وحدك، بل يمتد إلى كل من له صلة بك. يفحصون والديك، وإخوتك، وزملاء سكنك القديمين في الجامعة، وصديقاتك السابقات. يسحبون سجلاتك المالية الكاملة لعشر سنوات ماضية. يفحصون ملفك الطبي بالكامل، ويتحدثون مع جيرانك، حتى من لم تتبادل معه كلمة واحدة في حياتك. يفحصون كل دولة زرتها في حياتك، وكل شخص تواصلت معه خلال تلك الزيارات.
والهدف من كل هذا واضح: رسم خريطة كاملة ودقيقة لكل نقطة ضعف محتملة في حياتك. الديون المالية، أي نوع من الإدمان، الأفكار السياسية، وأي صلة بأجهزة استخبارات أجنبية. لأن أي نقطة ضعف من هذه يمكن أن يستغلها عدو يومًا ما ليحولك من ضابط بريطاني إلى جاسوس يعمل ضد بلده.
هذه العملية كلها تستمر ثمانية أشهر متواصلة. وطوال هذا الوقت كله، لا تستطيع أن تخبر أي أحد بأنك تقدمت لهذه الوظيفة. لا والديك، لا أقرب أصدقائك. تحمل هذا السر بمفردك تمامًا. وبينما تنتظر في صمت، يبدأ هذا السر ببطء في تغيير طريقة تفكيرك. تبدأ بملاحظة الأشياء الصغيرة التي كنت تتجاهلها من قبل، وتبدأ بقراءة الناس من حولك بطريقة مختلفة تمامًا. أنت في الحقيقة تتدرب بالفعل على العزلة، لكنك لا تدرك ذلك بعد.
المستوى الثاني: المتدرب. يصلك في البريد تاريخ البدء وعنوان منشأة عسكرية في جنوب إنجلترا. تصل إلى المكان، ومن الخارج يبدو تمامًا مثل أي مبنى حكومي قديم. جدران حجرية، أسلاك شائكة على الأسوار، والقنال الإنجليزي يمتد رماديًا خلفها. داخل هذه الجدران، ستمضي الأشهر الستة القادمة من حياتك.
أنت في مجموعة تضم 18 متدربًا، لكن بنهاية الدورة، لن يبقى منهم سوى 14 فقط. التدريب يقوم على ثلاثة محاور رئيسية.
المحور الأول: فنون التجسس الميداني. وهنا تبدأ بتعلم شيء أساسي جدًا: كيف تكتشف أنك تحت المراقبة. يرسلونك لتسلك مسارًا محددًا مسبقًا في بلدة قريبة، ومهمتك أن تلاحظ كل شخص يظهر في طريقك أكثر من مرة. الرجل الذي يقرأ الجريدة على المقعد الآن، كان جالسًا في نفس المقهى الذي مررت به صباحًا. والمرأة التي ترتدي المعطف الأزرق، التفتت في نفس الشارع الذي التفت فيه أنت. هذه ليست مصادفات. هذه مراقبة.
بعد ذلك، تتعلم ما يسمى بنقاط التسليم السرية. والفكره ببساطة هي كيف تترك حزمة أو معلومة في مكان محدد يأخذها عميلك لاحقًا بشكل طبيعي، دون أن يراكما أحد في نفس المكان في نفس الوقت. ثم تتعلم التمريرات الخاطفة، وهي طريقة تسليم معلومات أو أجهزة مشفرة لشخص آخر وسط حشد كبير كمحطة قطار مزدحمة، بشكل سريع لدرجة أن كاميرات المراقبة لا تستطيع التقاطه حتى لو شاهدت التسجيل بالتصوير البطيء.
ثم تأتي مرحلة قصص التغطية. وهي ليست مجرد رد أكاذيب بسيطة تحفظها، بل هي هويات بديلة كاملة لها تاريخ شخصي وخلفية وتفاصيل دقيقة تصمد أمام ساعات طويلة من الاستجواب العدواني. يدربونك عليها في سيناريوهات ضاغطة جدًا، يصرخ فيها المدربون بلغات أجنبية، ويحرمونك من النوم والطعام لساعات طويلة. وهذا كله لغرض واحد: أن تشعر في النهاية أن هويتك البديلة أصبحت أكثر حقيقية من حياتك الأصلية.
المحور الثاني: تجنيد العملاء. وهذا هو قلب عمل إم آي 6 الحقيقي. يجب أن تفهم شيئًا مهمًا هنا: أنت لست جاسوسًا بالمعنى المعتاد. أنت شخص يجند الجواسيس ويديرهم. تتعلم ما يسمى بدورة التطوير، وهي تسير على مراحل واضحة: أولًا، تحديد الشخص المناسب وإمكانية الوصول إليه. ثانيًا، فهم دوافعه الشخصية بعمق. ثالثًا، بناء علاقة ثقة معه على مدى أشهر طويلة. ثم في النهاية، تأتي اللحظة الحاسمة. اللحظة التي تنظر فيها إلى عيني مواطن أجنبي وتطلب منه بشكل مباشر خيانة بلده لصالح التاج البريطاني.
ولكي تنجح في هذا، تتعلم الدوافع الأربعة التي تجعل الناس يقبلون: المال لمن يعاني من ضغوط مالية، الأيديولوجيا لمن يؤمن بعمق بالقيم الغربية، الإكراه لمن لا يملك خيارًا آخر أمامه، والغرور لمن يحتاج أن يشعر بأنه مهم وأن أحدًا يراه. تتدرب على كل هذا مع أشخاص حقيقيين في مقاه وفنادق عادية. تبني ثقة تدريجيًا، وتستخرج معلومات حساسة دون أن تكشف في أي لحظة عن هويتك الحقيقية. والمدربون يراقبون كل شيء بدقة شديدة: نظرة عينيك حين تتحدث، كم تستمع مقارنة بكم تتكلم، هل تتحدث أكثر مما يجب، وهل تلاحظ حين يبدأ الشخص الآخر بالشعور بعدم الارتياح.
المحور الثالث: الصمود أمام الاستجواب. وهذا هو الأصعب على الإطلاق. يغطون رأسك بقماش كثيف، يضعونك في أوضاع جسدية مجهدة أمام جدار بارد، يصدرون ضجيجًا مستمرًا ومزعجًا لساعات متواصلة، ويحرمونك من النوم 72 ساعة كاملة. ثم يضعون أمامك رجلًا يصرخ في وجهك من مسافة قريبة جدًا بأسئلة متناقضة ومربكة لا تنتهي. ومهمتك في كل هذا شيء واحد فقط: الحفاظ على قصة تغطيتك سليمة وعدم الكشف عن أي معلومة حقيقية مهما حدث.
بعض المتدربين لا يتحملون هذا الضغط ويتوقفون في ساعات. ولا أحد، بدون استثناء، يخرج من هذا التمرين بنفس الشخص الذي دخل به.
في نهاية كل هذا، لا يوجد أي احتفال أو تخرج رسمي. ضابط كبير يجد لك في ممر عادي ويصافحك بهدوء. وبهذه المصافحة البسيطة، أصبحت رسميًا عضوًا في جهاز المخابرات السري البريطاني، الذي يعرفه العالم كله باسم إم آي 6.
المستوى الثالث: الضابط الميداني. أول مهمة حقيقية لك في سفارة بريطانية في دولة مهمة جدًا من الناحية الاستراتيجية. ربما في آسيا الوسطى، ربما على خط الفصل بين حلف الناتو والنفوذ الروسي. مسماك الرسمي أمام الجميع: سكرتير ثانٍ في القسم السياسي. جواز سفرك دبلوماسي. تحضر الحفلات الرسمية وتكتب تقارير عن السياسة المحلية وترسلها إلى وزارة الخارجية في لندن. هذا ما يعرفه الناس عنك.
لكن غير رسميًا، أنت تعمل لجهة أخرى تمامًا. تعمل للمحطة، وهي مكتب إم آي 6 السري المخفي داخل السفارة نفسها، خلف باب لا يملك معظم موظفي السفارة حتى صلاحية الاقتراب منه. رئيس المحطة الذي يشرف عليك هو شخص يقرأ البشر بنفس السهولة التي تقرأ بها قائمة طعام. يستطيع من مصافحة واحدة فقط أن يعرف إذا كان الشخص أمامه قابلًا للتجنيد أم لا.
مهمتك الحقيقية هي شيء واحد: رصد الأهداف المناسبة وتجنيدهم كعملاء. لهذا تحضر المآدب الدبلوماسية والفعاليات الحكومية. وعيناك دائمًا تبحثان عن مصادر محتملة، مثل الموظف المتوسط في وزارة الدفاع الذي يشرب كثيرًا في المناسبات الرسمية ويشكو بصوت عالٍ من راتبه، أو العالمة في المعهد البحثي الحكومي التي يظهر على وجهها بوضوح أنها محبطة من حكومتها، أو رجل الأعمال الذي لديه صلات بشبكات توريد حساسة ويحتاج بشدة إلى تمويل لا توافق عليه البنوك. هؤلاء هم أهدافك.
تبدأ بمصادقتهم ببطء وبشكل طبيعي تمامًا على مدى أشهر طويلة. لقاءات قهوة عادية، ودعوات إلى حفلات السفارة. تتذكر أسماء أطفالهم وتسأل باهتمام حقيقي عن صحة آبائهم، حتى تصبح في حياتهم الصديق الأكثر اهتمامًا بهم، والأكثر إنصاتًا لهم من أي شخص آخر. ثم حين تكون الثقة بينكما عميقة بما يكفي، وحين تجد نقطة الضغط الدقيقة التي تحركه، تقدم له العرض.
أول تجنيد ناجح تحققه في حياتك يستغرق منك 11 شهرًا كاملًا. الهدف هو عقيد في جيش إحدى الدول السوفيتية السابقة، لديه إمكانية وصول مباشرة إلى بيانات تسليح سرية. الدافع الذي تجده عنده هو الغرور. حكومته تتجاهله تمامًا، وأنت على العكس من ذلك، لا تتجاهله أبدًا. تخبره باستمرار أن تحليله رائع ومميز، وأن لندن تعتبره واحدًا من أهم العقول الاستراتيجية في المنطقة كلها. بعض ما تقوله له صحيح فعلاً، وبعضه الآخر مصمم بعناية لجعله يشعر بأهمية.
في النهاية، يوافق على تقديم وثائق سرية. تعطيه اسمًا رمزيًا مشفرًا لا يعرفه أحد غيركما، وتحدد معه طرق التواصل الآمنة: نقاط تسليم سرية في حديقة عامة، ورسائل مشفرة عبر تطبيق يبدو من الخارج كلعبة إلكترونية عادية.
تكتب أول تقرير رسمي في مسيرتك، ويصل إلى مقر الجهاز في لندن. رئيس المحطة يقرأه بهدوء، ثم يومئ برأسه مرة واحدة فقط ويقول بنبرة باردة: "يمكن أن يجدي." هذه الإيماءة الواحدة وهذه الجملة القصيرة هي أقصى مدح ستسمعه في هذا العمل، مقابل قرابة عام كامل من حياتك.
المستوى الرابع: الضابط المخضرم. تسع سنوات في الجهاز. ثلاث مهام مختلفة في ثلاث دول مختلفة. خلال هذه السنوات التسع، نجحت في تجنيد 14 عميلًا، لكن اثنين منهم كشف أمرهما. واحد من هذين الاثنين قضى ست سنوات كاملة في زنزانة خرسانية باردة في دولة معادية. وأنت تفكر فيه الآن أكثر بكثير مما تفكر في الاثني عشر الذين نجوا وعادوا بسلام. تسأل نفسك في صمت: هل أصررت عليه أكثر مما كان ينبغي؟ هل كانت المعلومات التي قدمها لك تستحق فعلاً ما دفعه هو ثمنًا لها؟
لا أحد في الجهاز يتحدث عن هذه الأسئلة بصوت عالٍ، لكنها تجد طريقها إليك وحدك. في الساعة الثالثة صباحًا، حين يهدأ كل شيء من حولك وتبقى أنت مستيقظًا مع هذه الحسابات.
تخصصك الآن تغير بشكل كامل. أصبحت متخصصًا في منع انتشار الأسلحة الخطيرة. يعني مهمتك هي تجنيد مصادر داخل الشبكات السرية التي تهرب التقنية النووية، والأسلحة الكيميائية، وأجزاء الصواريخ البالستية. أهدافك الآن ليسوا عسكريين أو مسؤولين حكوميين فقط، بل علماء ومهندسون وسماسرة وشركات شحن دولية وبنوك متخصصة في غسيل أموال برامج التسليح الحكومية.
يومًا ما، تلتقي بعميل في فندق فاخر في مدينة فيينا. يمرر إليك بهدوء تام قرصًا صغيرًا بداخله المواصفات التقنية الكاملة لمنظومة تخصيب نووي. هذه البيانات التي تحملها الآن في يدك تفوق قيمتها مجموع كل الرواتب التي ستقبضها في حياتك كلها. تخرج من الفندق بخطوات عادية، والقرص في جيب معطفك. تركب سيارة أجرة عادية إلى بيت آمن في المدينة. وهناك، ترفع محتوى القرص إلى خادم مشفر يصل إلى مقر الجهاز في لندن عبر ثلاثة مسارات إلكترونية متداخلة لا يمكن تتبعها.
يداك لم تعودا ترتجفان أثناء مثل هذه اللحظات. توقفتا عن الارتجاف منذ زمن بعيد. منذ السنة الرابعة بالضبط.
المستوى الخامس: رئيس المحطة. أول صباح لك رئيسًا للمحطة، وأنت تدرك فورًا أن كل شيء تغير. لم تعد ضابطًا ميدانيًا يعمل بنفسه. أصبحت قائدًا يدير الآخرين. محطتك تضم ثمانية ضباط، وأنت مسؤول بشكل كامل عن كل عملية ينفذونها، وعن كل عميل يديرونه، وعن كل قرار يتخذونه حول المخاطر المقبولة. ببساطة، إذا رصد جهاز مكافحة التجسس في الدولة المضيفة ضابطًا من فريقك وهو يلتقي مصدرًا في منتصف الليل، فأنت وحدك من يتحمل كل العواقب.
الدولة التي تعمل فيها الآن ليست سهلة أبدًا. جهازها الاستخباراتي المحلي قوي جدًا ومتمرس، وضباطك يخضعون للمراقبة بشكل شبه مستمر. السفارة نفسها مليئة بأجهزة تنصت مخفية، يكتشف فريقك التقني جهازًا جديدًا منها كل أسبوع تقريبًا. والهواتف كلها تحت المراقبة. لقاء واحد مع عميل يحتاج منك ثلاث ساعات كاملة من التنقل والمراقبة للتأكد من أنك لست متابعًا، وكل هذا من أجل 20 دقيقة فقط من الحديث داخل سيارة متحركة على أطراف المدينة.
بسبب هذه البيئة الصعبة جدًا، طورت أساليب تغطية خاصة بهذا الميدان تحديدًا. تستخدم أجهزة إرسال فورية تبث بيانات مشفرة في جزء من الثانية، وأدوات تقنية مدمجة بذكاء في أشياء عادية لا يلقي عليها أحد أي نظرة.
لكن بينما تتصاعد المهمة، يبدأ زواجك في التصدع ببطء. زوجتك تعرف أنك تعمل لجهاز الاستخبارات، لكنها في الحقيقة لا تعرف ماذا يعني هذا فعلاً. لا تعرف لماذا تغادر البيت في منتصف الليل وتعود الساعة الثالثة والنصف صباحًا. لا تعرف لماذا تتفقد كل مرآة جانبية حين تقود السيارة. لا تعرف لماذا تطوف حول المنزل كاملاً قبل أن تنام. ولا تعرف لماذا حين يرن هاتفك في ساعات معينة من الليل، تجد نفسك مرتدياً ملابسك وخارجًا من الباب في خمس دقائق.
ذات يوم، تنظر إليك بعينين متعبتين وتسألك: "هل هناك امرأة أخرى في حياتك؟" تقول لها بهدوء: "لا." وأنت تقول الحقيقة. لكن الحقيقة الكاملة أسوأ بكثير من أي خيانة عادية. الحقيقة هي أنك تعيش حياتين كاملتين في نفس الوقت، ولا تحصل أي منهما على النسخة الكاملة منك.
المستوى السادس: المراقب الإقليمي. فوكسهول كروس، الطابق السادس من مكتبك. ترى نهر التايمز يمتد أمامك. أنت الآن في موقع مختلف تمامًا عن كل ما سبق. أصبحت المسؤول عن مراقبة منطقة جغرافية كاملة. ربما الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ربما روسيا ودول الاتحاد السوفيتي السابق. ربما شرق آسيا بأكملها.
كل محطة استخباراتية تعمل في نطاق منطقتك ترفع تقاريرها مباشرة إليك. كل عملية كبرى تحتاج موافقتك الشخصية قبل أن تبدأ، وكل تقرير حساس يمر بين يديك أولاً قبل أن يصعد إلى رئيس الجهاز. تدير الآن 40 ضابطًا منتشرين في عشر دول مختلفة، ومئات العملاء. تعرف أسماءهم الحقيقية، لكنك لن تنطق بأي اسم منها إلا داخل غرفة مفحوصة بالكامل بحثًا عن أجهزة التنصت.
قراراتك وصلت الآن إلى مستوى تؤثر فيه مباشرة على سياسة بريطانيا الخارجية. تقرير واحد من أحد عملائك كان كافيًا لتغيير موقف رئيس الوزراء من قرار حظر تصدير أسلحة إلى دولة بعينها. وعملية تجنيد واحدة أذنت بها أنت شخصيًا أنتجت أول مصدر بشري حقيقي داخل برنامج صواريخ دولة معادية منذ 12 عامًا كاملاً. ولن يعرف هذا أبدًا أحد خارج دائرة ضيقة جدًا من المسؤولين.
لكن الإخفاقات أيضًا تجد طريقها إلى مكتبك. ذات يوم، يصلك خبر أن عميلًا في شبكتك اعتقل. الحكومة المعادية تعرضه على شاشات التلفزيون وتصفه أمام الجميع بأنه جاسوس بريطاني. وزير الخارجية يتصل بالرئيس فورًا، والرئيس يتصل بك مباشرة ويسألك سؤالًا واحدًا فقط: "ماذا حدث؟"
تشرح له بهدوء: "الأساليب التي استخدمناها كانت سليمة تمامًا، والاتصالات كانت مشفرة بالكامل. لكن زوجة العميل لاحظت في حساباتهم المصرفية أموالًا كبيرة لا تعرف مصدرها، وذكرت الأمر لابن عمها بشكل عادي. وابن عمها، للأسف، يعمل في جهاز الأمن الداخلي." الخطأ البشري هذا هو المتغير الوحيد الذي لا يمكن القضاء عليه مهما بلغ مستوى التدريب. وهذا العميل الذي وثق بك سيمضي الآن 12 عامًا من حياته في زنزانة خرسانية باردة، وأنت من وافق شخصيًا على المدفوعات المالية التي كانت السبب المباشر في كشفه واعتقاله.
هذا الثقل الجديد ينضم الآن في صمت إلى الأثقال الأخرى التي تحملها. وهذه المجموعة من الأثقال لا تخف أبدًا مع مرور الوقت.
المستوى السابع: نائب الرئيس. أنت الآن واحد من ثلاثة نواب فقط لرئيس جهاز إم آي 6. بدرجة واحدة أسفل الرئيس، وأعلى من الجميع. تجلس في اجتماعات مع أقوى المسؤولين الأمنيين في بريطانيا: رئيس إم آي 5 الذي يدير الاستخبارات الداخلية، ورئيس مركز الاتصالات الحكومي جي سي إتش كيو وهو الجهاز المسؤول عن التنصت الإلكتروني على مستوى العالم، ورئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات البريطانية، ومستشار الأمن القومي مباشرة.
أنت من يحيط وزير الخارجية شخصيًا بآخر المعلومات، وأحيانًا تجد نفسك تحيط رئيس الوزراء نفسه في غرفة سرية تحت مقر الحكومة، جدرانها مبطنة بطبقات خاصة من المواد تمنع أي جهاز تنصت إلكتروني من العمل داخلها.
في كل هذه الاجتماعات، تتحدث بلغة دقيقة ومحسوبة بعناية شديدة. لغة تعطي الثقة لمن يسمعك، لكنها لا تعطي اليقين أبدًا. والسبب في ذلك واضح جدًا: الاستخبارات لا تعني اليقين المطلق في أي وقت. هي معلومات تقدر وتقاس باحتمالات. لهذا لا تقول أبدًا في أي اجتماع: "نحن نعلم أن..." بل تقول دائمًا: "المعلومات المتاحة لدينا تشير إلى أن..."
هذا الانضباط الدقيق في اختيار الكلمات يحميك أنت شخصيًا حين تخطئ المعلومات، وهي تخطئ أحيانًا بعواقب مدمرة على أرض الواقع. تشرف الآن على البرامج المشتركة الأكثر حساسية في الجهاز: عمليات مشتركة مع وكالة سي آي إيه الأمريكية، والبند الألماني بي إن دي، والموساد الإسرائيلي. وتبادل منتظم للمعلومات مع حلفاء بريطانيا الأساسيين في واشنطن، وأوتاوا، وويلينغتون، وكامبيرا. فضلاً عن عمليات سرية خاصة جدًا لا يعلم بوجودها أكثر من 15 شخصًا في الحكومة البريطانية كلها.
لكن كل هذا له ثمن يدفعه جسمك بصمت. تأخذ دواء يوميًا لضغط الدم، وتعاني من أرق مزمن لا يستطيع أي طبيب علاجه. لأن السبب الحقيقي ليس طبيًا أبدًا. السبب هو أن عقلك يحمل أسرارًا أكثر مما يستطيع أي إنسان تحمله. وفي الساعة الثالثة صباحًا، حين تنخفض حراسة وعيك وتضعف، تطفو الذكريات إلى السطح بلا إذن منك ولا دعوة.
تزوجت في حياتك مرتين. الزواج الأول انتهى لأنك كنت غائبًا عن زوجتك وعن بيتك، حتى في اللحظات التي كنت فيها جالسًا معها في نفس الغرفة. أما الزواج الثاني، فكان صمتًا. كانت ضابطة سابقة في جهاز الاستخبارات، هي تفهم الصمت وتعرف معناه جيدًا. في الليالي التي لا ينزل فيها النوم عليك، تقوم بهدوء وتصنع لك كوب شاي وتجلس بجانبك في صمت تام، دون أن تسألك عن أفكارك أو ذكرياتك. تعرف أن الإجابة سرية.
المستوى الثامن: الرئيس. "سي". الخطاب يكتب بحبر أخضر منذ أكثر من 100 عام، حين أسس أول رئيس لجهاز المخابرات البريطاني هذا الجهاز. كان يوقع كل مراسلاته بحرف "سي" واحد فقط بالحبر الأخضر. كل من جاء بعده على مدى 100 عام استمر في نفس التقليد. والآن، الحبر الأخضر حبرك أنت.
أنت رئيس جهاز المخابرات السري البريطاني. تحت يدك آلاف الموظفين ومئات الضباط المنتشرين في كل قارة على وجه الأرض، وشبكة ضخمة من العملاء البشريين موجودون داخل حكومات أجنبية، وخلايا إرهابية، وبرامج تسليح سرية، ومنظمات إجرامية دولية في كل أنحاء العالم.
تقدم تقاريرك مباشرة لوزير الخارجية، وتستشير رئيس الوزراء في أهم القرارات، وتجلس في لجنة الاستخبارات المشتركة إلى جانب رؤساء إم آي 5 وجي سي إتش كيو، وتشارك بشكل مباشر في رسم الاستراتيجية الأمنية الوطنية للمملكة المتحدة كلها.
اسمك أُعلن للرأي العام حين عينت في هذا المنصب، وذلك كإجراء للشفافية في العصر الحديث. لأنه لمعظم تاريخ إم آي 6، كانت هوية الرئيس سرية مصنفة. لا يعرفها أحد. الآن ينشرون الاسم للعالم، لكن العمل الحقيقي يبقى غير مرئي تمامًا. ميزانيتك يقرها البرلمان البريطاني، لكن البرلمان لا يفحص تفاصيلها أبدًا.
بعض البرامج التي تديرها تعيش في منطقة رمادية تقع بين ما يسمح به القانون وبين ما تفرضه الضرورة العملية على أرض الواقع. منطقة لم يستطع أي قانون أو تشريع حتى الآن استيعابها أو تعريفها. تتحرك في هذه المنطقة الرمادية بدقة بالغة جدًا، لأن خطأ واحدًا يجعلك عنوان الصحف في اليوم التالي، وإخفاقًا واحدًا يكفي لأن ينكر رئيس الوزراء الذي أثنى على حكمك أمس أنه اعتمد على معلوماتك يومًا ما.
علاقتك مع الأمريكيين هي الأهم والأعمق على الإطلاق. مدير وكالة سي آي إيه هو أقرب نظير أجنبي لك في العالم، والشراكة بين جهازيكم هي الشراكة الاستخباراتية الأكثر تأثيرًا على مستوى العالم. هذه الشراكة صمدت عبر عقود طويلة أمام خيانات وفضائح كبيرة وخلافات جوهرية حول أساليب العمل. وأنت تحافظ عليها بالثقة الشخصية المباشرة، لأن الثقة المؤسسية وحدها لا تكفي لابقائها حية. تطير إلى مقر سي آي إيه في لانجلي بشكل منتظم، وتستضيف ضباطهم في لندن. تتبادلون معلومات تنقذ أرواحًا بريطانية، وهم هم يتبادلون معلومات تنقذ أرواحًا أمريكية. لكن كلا الطرفين لا يشارك الطرف الآخر كل شيء، لأنه حتى بين أقرب الحلفاء في العالم، هناك دائمًا جدران داخل الجدران.
ثم يأتي اليوم الذي لا مفر منه: يوم التقاعد. لكن لا يوجد تقاعد حقيقي يعيد لك ما أعطيته طوال هذه السنوات. تغادر الجهاز وتدخل حياة مدنية عادية، لا تستطيع فيها التحدث عن أهم وأعمق تجارب حياتك كلها. مذكراتك، إن قررت كتابتها يومًا، سيراجعها الجهاز كلمة بكلمة، وستُشطب منها الأجزاء الأكثر حقيقية وأهمية. وما سيتبقى للقارئ في النهاية هو مجرد ظل باهت لما حدث فعلاً.
أطفالك يعرفون فقط أنك عملت في الحكومة. توقفوا عن السؤال عن التفاصيل منذ سنوات طويلة، لأن إجاباتك كانت دائمًا تتهرب من الإجابة الحقيقية. والتهرب نفسه أصبح هو الإجابة في نهاية المطاف. كنت موجودًا معهم على طاولة الفطور كل صباح، لكنك كنت غائبًا بكل طريقة تهم في الوقت نفسه. غبت عن حفلات أعياد ميلادهم، وعن أيام التخرج والرياضة، وعن لحظات لن تعود أبدًا. كل هذا من أجل أسباب لن تفسر لأحد، ولن تُعلن أبدًا.
ثم يأتي ذلك الصباح. تسلم قلم الحبر الأخضر لمن سيخلفك. تصافحه بهدوء، وتغادر المبنى للمرة الأخيرة في حياتك. تعبر الجسر وحدك. لندن أمامك بكل ضجيجها وحياتها. ثمانية ملايين إنسان يعيشون حياتهم اليومية بشكل طبيعي دون أن يعرف أحد منهم شيئًا عما أمضيت ثلاثة عقود كاملة تفعله لتبقيهم آمنين في بيوتهم. هذا كان الهدف دائمًا: أن يبقى العمل غير مرئي، وأن يبقى الثمن الذي دفعته غير مرئي، وأن تبقى الانتصارات بعيدة عن الصحف والكاميرات. لأن فقط الإخفاقات هي التي تصل إلى الصحف. أما الانتصارات، فتبقى في الظلام إلى الأبد.
في مكان ما الآن، شاب في الثالثة والعشرين من عمره يجلس وحده في مقهى في وسط لندن. المطر يتساقط بهدوء على النافذة بجانبه. وعلى شاشة هاتفه، إعلان توظيف يبدو عاديًا تمامًا: "ضابط استخبارات. بيئات غامضة." يضغط على زر التقديم، ولا يعرف ما الذي ينتظره على الجانب الآخر من تلك الضغطة البسيطة. لا يعرف عن التحقيقات الشاملة التي ستفتح كل زاوية صغيرة في حياته وتكشف كل شيء عن كل من يعرفهم. لا يعرف عن التدريب القاسي الذي سيعيد بناء غرائزه وطريقة تفكيره من الصفر. لا يعرف عن العملاء الذين سيجندهم يومًا ما، وعن بعضهم الذي ربما سيخسره في النهاية. لا يعرف عن الزيجات التي لن تصمد أمام سنوات طويلة من الصمت والغياب. ولا يعرف عن الأسرار التي ستتراكم بداخله طبقة فوق طبقة حتى يأتي يوم لا يتذكر فيه من كان قبل أن يبدأ كل هذا.
لا يعرف أن قلم الحبر الأخضر يجلس الآن في درج بعيد جدًا في قمة سلم طويل لا يرى له نهاية بعد. لكنه يعرف شيئًا واحدًا فقط: يريد شيئًا أكبر من الحياة العادية. وهذا يكفي للبدايه. لكنه لم يكفِ أبدًا للنهاية. سيفهم ذلك يومًا ما. الجميع يفهمون في النهاية.