📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

الدرس الثاني عشر من تفسير سورة يس

الشيخ طارق داهود39:01

Transcription

يَا إنسانُ، عصى اللهَ تعالى بمعصيتهِ. هذا لا يترتبُ عليهِ أن تُعاقَبَ أنتَ على معصيةِ فلانٍ، لأن اللهَ تعالى يقولُ: "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى". المعصيةُ التي ركبتُها أنا، أنا الذي أستحقُ أن أُعاقَبَ عليها، لا أنتَ. والمعصيةُ التي عملتَها أنتَ، إن كنتَ عملتَ، أنتَ الذي تستحقُ العقوبةَ عليها، لا غيرُكَ. "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى".

فربنا عز وجل يقولُ: "وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ". إن عملتُم الخيرَ، تُجزَون في يومِ القيامةِ خيرًا، واطمئنَّ قلبًا أيها المسلمُ، لا ينقصُ اللهُ تعالى من ثوابِكَ شيئًا. بل إن ربَّكَ سبحانهُ وتعالى واسعٌ كريمٌ، يُعطيكَ أحيانًا على الحسنةِ الواحدةِ أضعافَ أضعافِ ما تستحقُهُ أنتَ بجودِهِ وكرمِهِ ومنِّهِ وفضلِهِ. قد يُعطي اللهُ تعالى العاملَ سبعمائةِ حسنةٍ على شيءٍ عملَهُ، ولو كانَ يسيرًا. أقلُّ المضاعفةِ أحبابَنا أن الحسنةَ بعشرِ أمثالِها، هذا قانونُ المضاعفةِ. ولكن قد يجزلُ اللهُ تعالى للعاملِ ثوابًا لا يعلمُهُ إلا اللهُ. قد يُعطيهِ على الحسنةِ الواحدةِ سبعمائةِ حسنةٍ إلى أضعافٍ كثيرةٍ لا يعلمُها إلا اللهُ، لا يعلمُ حدَّها وعدَّها إلا اللهُ عز وجل. ولا يدري الواحدُ منا ما هي هذهِ الحسنةُ التي سيُضاعفُها اللهُ عز وجل لهُ. لذلكَ لا ينبغي أن يفوتَ على نفسِهِ فرصةَ خيرٍ سنحتْ لهُ ليقتنصَ ويغتنمَ منها الحسناتِ، كما قالَ ذلكَ الشاعرُ:

إذا هبَّتْ رياحُكَ فاغتنمْها

فعقبَ كلِّ خافقةٍ سكونُ

وإذا درَّتْ نياقُكَ فاحتلبْها

فلا تدري السكونَ متى يكونُ

لذلكَ سنحتْ لكَ فرصةٌ غيرُ تجمعُ بسببِها الحسناتِ، لا تفوتْها على نفسِكَ. هذا الذي أمرَنا بهِ ربنا عز وجل من المسارعةِ في الخيراتِ: "وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ". مسارعةٌ في أعمالِ الآخرةِ، مسارعةٌ تنافسٌ على الخيراتِ، مسابقةٌ. وعلى قدرِ السبقِ في الدنيا بالعملِ الصالحِ يكونُ السبقُ في الآخرةِ، يكونُ السبقُ في الجنةِ، يكونُ السبقُ إلى عبورِ الصراطِ. أمْ لذلكَ "وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ". على قدرِ المسارعةِ بالعملِ الصالحِ في الدنيا تكونُ المسارعةُ في الدخولِ إلى الجناتِ.

إذاً، الآيةُ لها تفسيرانِ، كلاهما يعتمدُ على معنى الظلمِ. إذا قلنا الظلمُ هو وضعُ الشيءِ في غيرِ موضعِهِ، فيكونُ معنى قولِهِ تعالى: "فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا" معناهُ: لا تُوضَعُ نفسٌ كائنةٌ ما كانتْ في غيرِ موضعِها الذي تستحقُهُ على حسبِ ما وعدَ اللهُ تعالى المؤمنَ وما أوعدَ بهِ الكافرَ.

التأويلُ والتفسيرُ الثاني أيضًا يعتمدُ على معنى آخرَ لكلمةِ الظلمِ، وهو النقصُ. النقصُ. تقولُ مثلاً: أي لتقولُ لشخصٍ: ضِفْ أناساً، ما ضِفْ فلانًا وفلانًا وفلانًا، وصلَ دوري أنا، فلم يُضِفْني. في اللغةِ أستطيعُ أن أقولَ: لماذا ظلمتَني؟ ما معنى: لماذا ظلمتَني؟ يعني: لماذا نقصتَني حقِّي من الضيافةِ؟ انتبهتُم؟ هذا لا مانعَ منهُ لغةً وشرعًا. ويدلُّ عليهِ قولُ اللهِ تعالى: "أَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا". شو يعني: "وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا"؟ أي: ولم تنقصْ منهُ شيئًا من ثمارِها شيئًا. فعلى هذا التفسيرِ الثاني والمعنى الثاني لكلمةِ الظلمِ يكونُ معنى قولِهِ تعالى: "فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا" أي: لم تُنقصْ نفسٌ شيئًا مما تستحقُهُ من الثوابِ، كما لم تُنقصْ نفسٌ شيئًا مما تستحقُهُ من العذابِ. بل يجزي اللهُ تعالى كلَّ نفسٍ جزاءَ عملِها.

ثم إن ربنا عز وجل ذكرَ صفةَ أصحابِ الجنةِ، اللهُ يجعلُنا منها، أسألُ اللهَ ذلكَ. قالَ ربنا سبحانهُ وتعالى: "إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاکِهُونَ". "الْيَوْمَ" معناهُ: في يومِ القيامةِ. أما الآنَ في دنيانا التي لا زلنا فيها، لا يوجدُ أجسادٌ لمؤمنينَ من صحابةٍ وتابعينَ في الجنةِ. لا يوجدُ. إنما الناسُ يدخلونَ الجنةَ بأبدانِهِم وأجسادِهِم وأرواحِهِم بعدَ البعثِ في يومِ القيامةِ. طيب، لماذا قالَ اللهُ عز وجل: "الْيَوْمَ"؟ أعرفُ إذاً أن المقصودَ بقولِهِ: "الْيَوْمَ" أي: في الآخرةِ، في يومِ القيامةِ. "إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ" أي: إن أهلَ الجنةِ، وكانَهم جُعِلوا أصحابَها، كما يكونُ الواحدُ من الناسِ في الدنيا عنده بيتٌ يملِكُهُ اشتراهُ بمالِهِ، فتستطيعُ أن تقولَ: هو صاحبُ هذا البيتِ. فكانَهم بسببِ إيمانِهِم وأعمالِهِم الصالحاتِ مَلَكوا مفاتيحَ أبوابِ الجنةِ. "إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ" أي: إن أهلَ الجنةِ المستحقينَ للدخولِ فيها، اليومَ في الآخرةِ، "فِي شُغُلٍ فَاکِهُونَ". "فِي شُغُلٍ" يعني: يتقلبونَ في هذا النعيمِ الذي جعلهُ اللهُ عز وجل لهم في الجنةِ، في شغلٍ عظيمٍ في الجنةِ. "فَاکِهُونَ" جمعُ فاكهٍ. الفاكهُ والفكهُ لغةً معناهُ: المتنعمُ المستلذُّ. تقولُ: رجلٌ فاكهٌ، معناهُ: متنعمٌ بما يُطعَمُهُ ونحوُ ذلكَ. فقولُهُ تعالى: "فَاکِهُونَ" صيغتُها صيغةُ جمعٍ. معناهُ: هؤلاءِ الجنةُ في الجنةِ يتلذذونَ من نعيمِها. لا يُصيبُهُم في الجنةِ نكدٌ ولا همٌ ولا نصبٌ ولا تعبٌ ولا وصبٌ ولا مرضٌ ولا سقمٌ ولا موتٌ ولا ضعفٌ ولا عجزٌ ولا كبرُ السنِّ ولا شيخوخةٌ. لا يُصيبُهُم أدنى همٍّ في الجنةِ. بل هم دائمًا في نعيمٍ. هذا النعيمُ لا يَمَلُّ. لا يَنقطعُ. لا يأتي على أهلِ الجنةِ يومٌ مثلاً ينقطعُ عنهم نعيمُهُم. شيءٌ لا ينتهي. لا يأتي على واحدٍ من أهلِ الجنةِ وقتٌ يَمَلُّ ويُسامُّ من مكثِهِ في الجنةِ، لأن الجنةَ أحبابَنا كلما أتى إلى أنواعِ ثوابِها ونعيمِها يجدهُ أشكالاً وألوانًا، أنواعًا مختلفةً. فكيفَ سيسأمُ؟ في الدنيا ربما أنتَ تسأمُ شيئًا كنتَ تفرحُ فيهِ فرحًا عظيمًا. يعني مثلاً، إذا واحدٌ مثلاً سنحَ لهُ بيومٍ من الأيامِ منكم، أسألُ اللهَ تعالى ذلكَ، أنا لا أريدُ أنهُ كانَ يشتهي ويتمنى أنهُ يكونُ عنده سيارةٌ مثلاً لامبورغيني... سيارةٌ اسمها لامبورغيني، يا أبو... لا، شوي. سيارةٌ يعني سعرُها ملايينُ الدولاراتِ، ماشي؟ استطاعَ أن يشتريَها. كم تكونُ فرحتُهُ حينَ تصلُ إلى يدِهِ وقد كانَ يتمناها من قبلُ؟ الآنَ صارتْ تحتَ يدِهِ، يركبُها. أولَ يومٍ، ثاني يومٍ، ثالث يومٍ، بعدَ أسبوعٍ، بعدَ أسبوعينَ، بعدَ ثلاثةِ أسابيعَ. هل تبقى فرحتُهُ بها بعدَ شهرٍ أو شهرينَ كفرحتِهِ في اليومِ الأولِ بها؟ لابدَّ أن فرحتَهُ بها ستنقصُ وسيصيرُ أمرُها شيئًا معتادًا عندَهُ، ألفَهُ واعتادَهُ. أليسَ كذلكَ؟ ربما يخطبُ الرجلُ ابنَهُ بنتًا يريدُها زوجةً لهُ، يذهبُ إلى أهلِها ليخطبَها، يقولُ: مثلُ هذهِ تقبلُ بمثليها؟ سيعطونَني، لأنهُ يعتبرُ أن غايةَ سعادتهِ في الدنيا أن يصلَ إلى من تعلقَ قلبُهُ بها وأحبَّها لجمالِها ولخلقِها ولأدبِها ولغيرِ ذلكَ. حينَ يقبلونَ تزويدَ جهياها، أولَ يومٍ ينظرُ إلى نفسِهِ يقولُ: أنا هذهِ زوجتي، في الجمالِ التي هي عليهِ، وأنا ما على ما أنا عليهِ من درجاتِ الجمالِ المتدنيةِ. اه، حتى ما نحكي كلمةً ثانيةً. بعدَ أسبوعٍ، أسبوعينَ، ثلاثةِ أسابيعَ، شهرينَ. هل يبقى فرحُهُ بهذهِ التي كانتْ أمنيةً عندَهُ قبلَ أن يتزوجَها؟ لا يبقى ذلكَ، لأن جمالَها لن يبقى على ما هو عليهِ، لابدَّ أن جمالَها سينقصُ بكبرِ سنِّها، فلن تبقى فرحتُهُ بها كفرحتِهِ بها أولَ مرةٍ. أما أهلُ الجنةِ في الجنةِ، كلما أتى إلى نوعٍ من أنواعِ النعيمِ فيها، كانَ كأنَّهُ أولُ مرةٍ، كانَ كأنَّهُ في أولِ مرةٍ يأتيهِ. فمن أينَ تأتيهِ السآمةُ؟ ومن أينَ يأتيهِ المللُ؟ لذلكَ نبيُّنا عليهِ الصلاةُ والسلامُ قالَ: يُنادي مُنادٍ في يومِ القيامةِ بأشياءَ مختلفةٍ، منها: "إنَّ لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإنَّ لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، لا تمرضونَ، وإنَّ لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإنَّ لكم أن تنعموا فلا تباسوا أبدًا". شو يعني: "فلا تباسوا"؟ يعني: لا تملّوا. الأكلةُ قد ما كنتَ تحبُّها، هذهِ مشانَ أبو عبيدةَ. الأكلةُ قد ما كنتَ تحبُّها، تأكلُها يومًا، يومينَ، ثلاثةً، خمسةً، أسبوعًا، وبعدينَ: "إنهُ عملي لنا شيئًا ثانيًا". قد ما كنتَ تحبُّها للأكلةِ، ستملُّها، أليسَ كذلكَ؟ أما الجنةُ ليستْ كذلكَ. أحبابَنا، نعيمُها لا يَمَلُّ ولا يُسامُّ منهُ. إذاً، حينَ كانتِ النفوسُ تتوقُ معرفةَ هذا النعيمِ وهذا الشغلِ في الجنةِ لأهلِها وأصحابِها، بيَّنَ ربنا عز وجل شيئًا من هذا النعيمِ، فقالَ: "هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ". "هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ". ما معنى: "فِي ظِلَالٍ"؟ أي: في ظلالِ أشجارِ الجنةِ، وظلِّ العرشِ. لأن اللهَ تعالى جاءَ بها بصيغةِ الجمعِ. فإذاً: "فِي ظِلَالٍ" أي: في ظلالِ أشجارِ الجنةِ، وفي ظلِّ العرشِ. لا يُصيبُهُم أذى حرِّ شمسٍ، لأن الجنةَ ليسَ فيها شمسٌ ولا قمرٌ. الجنةُ أنوارٌ متلاطمةٌ. ليسَ فيها شمسٌ ولا قمرٌ. كما أنهُ لا يوجدُ فيها ظلامٌ ولا ليلٌ. لا يوجدُ فيها بردٌ ولا حرٌّ. لا تُقاسُ حياتُنا في الدنيا على حياةِ المؤمنينَ في الجنةِ. لذلكَ: "هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ" يعني: لا يُصيبُهُم شيءٌ مما كانَ يؤذيهِم في الدنيا. ربما الإنسانُ إذا مشى تحتَ الشمسِ في يومٍ شديدِ حرِّهِ يؤذيهِ حرُّ الشمسِ، فتجدُهُ يأوي الظلَّ هربًا من حرارةِ الشمسِ في الدنيا. أما هنالكَ، المؤمنونَ يكونونَ في ظلالٍ، تحتَ ظلالِ اللهِ. هؤلاءِ الأزواجُ أيضًا، بما أننا أتينا على ذكرِ هذا الأمرِ قبلَ قليلٍ، هؤلاءِ الأزواجُ "مُطَهَّرَاتٌ". ربنا سبحانهُ وتعالى وصفَهم فقالَ: "وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ". مطهرةٌ من ماذا؟ مطهرةٌ من كلِّ ما يُنغِّصُ على زوجِها عيشَهُ في الجنةِ. ما كنتَ تعيبُ عيبًا منها في الدنيا، تراهُ عيبًا فيها، لا يكونُ هذا العيبُ في زوجتِكَ في الجنةِ. وما كانتْ تنفرُ منكَ بسببِهِ من المعايبِ التي فيكَ، اللهُ تعالى لا يُبقي هذا العيبَ الذي كانَ مُنفِّرًا لزوجتِكَ منكَ، بل يُزيلُهُ اللهُ سبحانهُ وتعالى عنكَ، فتكونُ النفوسُ راضيةً، الزوجُ راضٍ بزوجتِهِ، والزوجةُ راضيةٌ بزوجِها. لا تعيبُ عليهِ خلقًا ولا تعيبُ عليهِ هيئةً وصورةً وشكلاً. بل كلهم حسانُ الوجوهِ. أقلُّ أهلِ الجنةِ في الجنةِ حسناً وجمالاً كجمالِ نبيِّ اللهِ يوسفَ الذي أوتيَ شطرَ الحسنِ. هذا أقلُّ المؤمنينَ في الجنةِ. يعني لا تبقى هيئتُكَ التي أنتَ عليها هي في الجنةِ. لا. فإن كنتَ لا يُعجبُكَ وصفٌ فيكَ، اللهُ تعالى لا يُبقي هذا الوصفَ لكَ في الجنةِ. هذا تفسيرٌ لقولِهِ تعالى: "وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ". ومنهم من يقولُ: "هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ" أن أهلَ الجنةِ في الجنةِ لا يحجبُهُم شيءٌ. لا يوجدُ سترٌ وحواجبُ تمنعُهُم من رؤيةِ هذا النعيمِ، إلا إذا كانَ الرجلُ مع زوجتِهِ، فلا يُرى، فلا يُرى ما يعملانِهِ من قبلِ غيرِهِما، فكأنَّهُما في ظلالٍ مستورينَ عن عيونِ أهلِ الجنةِ. إذا كانَ مع امرأتِهِ مع زوجتِهِ في الجنةِ، لهذا ربنا سبحانهُ وتعالى يقولُ في كتابِهِ: "حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ". "حُورٌ" أي: الحورُ العينُ. والحورُ جمعُ حورٍ، والعينُ جمعُ عيناً، لأنها واسعةُ العيونِ مع شدةِ الجمالِ، شدةُ بياضِ العينِ مع شدةِ سوادِها. "مَّقْصُورَاتٌ". شو يعني: "مَّقْصُورَاتٌ"؟ يعني: مَصوناتٌ، مَحجوباتٌ عن أن يراها غيرُ زوجِها. "فِي الْخِيَامِ". مقصورةٌ إليهِ. فيكونُ قولُهُ تعالى: "فِي ظِلَالٍ" أنهُ إذا أرادَ أن يأتيَ امرأتَهُ، لا يستطيعُ أحدٌ أن يراهُما، لأنهُما في ظلالٍ هناكَ ما يُظلِّلُهُما فيستُرُهُما عن عيونِ أهلِ الجنةِ. ثم المؤمنُ في الجنةِ لهُ درةٌ، درةٌ واحدةٌ، قصرٌ يعني من درِّ هذهِ الدرةِ، تضربُ في السماءِ ستونَ ميلاً. حيثُ الطولُ تكونُ قصرُهُ في الجنةِ، تكونُ قصرُهُ في الجنةِ. نسألُ اللهَ أن يُدخلَنا إياه. طيب، هلّا أحيانًا يسألُ بعضُ الناسِ: أنهُ يكونُ في الجنةِ حسدٌ ونكدٌ؟ أكيدٌ لا يكونُ في الجنةِ حسدٌ ولا نكدٌ. يعني إذا كنتَ تُنَكِّدُ على زوجتِكَ في الدنيا، وياما في ناسٌ تُنَكِّدُ على زوجاتِهِم بالدنيا، لا سيما قبلَ المغربِ بشوي. تأخرتِ عن الأكلِ، ما عملتِ لنا كذا، ما حطيتِ لنا كذا، ما جهزتِ لنا كذا. وبعدَ ما تعملُ الأكلَ وتبدأُ الأكلَ بعدَ المغربِ، تبدأُ كمانَ نق. ليش هذهِ ملحُها كثيرٌ؟ ليش هذهِ ملحُها قليلٌ؟ ليش هذهِ ما عملتِ لي إياها بكذا؟ وأحيانًا يكونُ النكدُ بالعكسِ. اه، وهذا وهذا يحصلُ. الجنةُ ليسَ فيها هذا النكدُ، لأن قلوبَ أهلِ الجنةِ في الجنةِ كقلبِ رجلٍ واحدٍ. لا بغضٌ ولا تحاسدٌ ولا همٌ ولا نكدٌ فيما بينَ أهلِ الجنةِ جميعهم.

"عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ". على الأرائكِ، جمعُ أريكةٍ. والأريكةُ مثلُ السريرِ يُجعَلُ عليهِ شيءٌ يُغطيهِ، كما يفعلُ أهلُ الترفِ، أهلُ الترفِ والغنى، يجعلونَ على السريرِ شيئًا من حريرٍ يسترُ هذا السريرَ وينزلُ على جنباتِهِ لتزيينِهِ وتجميلِهِ. هذهِ يُقالُ لها أريكةٌ، تجمعُ على أرائكِ. "مُتَّكِئُونَ" يعني: يعيشُ كأنَّهُ ملكٌ يتكئُ على الأرائكِ، على الوسائدِ، يعتمدُ عليها. ولا ينبغي أن نفهمَ من قولِهِ: "عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ" أنَّهُم ينامونَ. لا. أهلُ الجنةِ لا نومَ عندهم، لأن أهلَ الجنةِ أحبابَنا دائمًا في نعيمٍ يتقلبونَ فيهِ. النومُ لماذا نحتاجُهُ نحنُ في الدنيا؟ لأننا نتعبُ إن عملنا بأعضائِنا وجوارحِنا، ونتعبُ، لأننا نعملُ، فكرنا، أليسَ كذلكَ؟ لهذا ولهذا نتعبُ، فيحتاجُ الواحدُ منا بعدَ هذا التعبِ إلى نومٍ. أما أهلُ الجنةِ فلا تعبَ عليهم. فلا تعبَ عليهم، لا تعبٌ جسديٌ ولا تعبٌ فكريٌ، فلا يحتاجونَ إلى ما كانوا يحتاجونَ إليهِ في الدنيا من قسطٍ من النومِ.

"لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ". "لَهُمْ فِيهَا" يعني: لهم في الجنةِ فاكهةٌ. هذهِ الفاكهةُ نضيجةٌ، نضيجةٌ دائمًا. نضيجةٌ إلى مرورِ أشهرٍ حتى تصيرَ نضيجةٌ. من حينِ يخلقُها اللهُ عز وجل تكونُ نضيجةٌ. الآنَ فاكهةُ الدنيا تحتاجُ أن يمرَّ عليها أشهرٌ حتى تنضجَ، أليسَ كذلكَ؟ أما ثمارُ أهلِ الجنةِ وفاكهتُهُم، اللهُ يخلقُها نضيجةً من الابتداءِ. ثم إذا أخذَ المؤمنُ فاكهةً من شجرةٍ اشتهاها، اللهُ تعالى على الفورِ يخلقُ بدلاً عنها على الفورِ. وهذهِ التي خلقَها اللهُ على الفورِ تكونُ نضيجةً. ولا تمتنعُ على أصحابِها. هذهِ الثمارُ والفاكهةُ لا تمتنعُ على أصحابِها، بل بمجردِ أنهُ اشتهى شيئًا من فاكهةِ الجنةِ، القطفُ ينزلُ إليهِ، القطفُ ينزلُ إلى هذا الذي اشتهَاها ليتناولَهُ بسهولةٍ دونَ أدنى تعبٍ ولا كلفةٍ. لأن ربنا سبحانهُ وتعالى يقولُ في كتابِهِ: "لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ". شو يعني: "لَا مَقْطُوعَةٍ"؟ يعني: إذا أخذتَ فاكهةً من فاكهةِ الجنةِ، يخلقُ اللهُ بدلاً عنها فورًا، فإذا هي كأنَّها لم تُقطعْ، لأنها أُبدلتْ بغيرِها على الفورِ. و"لَا مَمْنُوعَةٍ" يعني: لا تمتنعُ على من يشتهيها. الآنَ، لأقربَ لكَ الأمرَ في الدنيا، ربما تشتهي ثمرةً في أعلى الشجرةِ، طوبى باعلى الشجرةِ، حبةُ ليمونٍ هالقد ما شاءَ اللهُ أعجبتكَ فاشتهيتَها، لكن بينَكَ وبينَها مشقةٌ لتصلَ إليها. تحتاجُ أن تصعدَ على هذهِ الشجرةِ، وربما تؤذي نفسَكَ، ولعلكَ تصلُ إليها ولعلكَ لا تصلُ، أليسَ كذلكَ؟ بتجيبُ السلمَ كمانَ. السلمُ أحيانًا لا يُعينُكَ أن تصلَ إليها لتشابُكَ أغصانِها، فيلحقُكَ في الدنيا مشقةٌ وتعبٌ. أما أهلُ الجنةِ، كما قلتُ لكم، لا يمتنعُ عليهم شيءٌ اشتهتْهُ نفوسُهُم. القطفُ ينزلُ إليكَ. القطفُ ينزلُ إليكَ. العذقُ، الجزعُ. لهذا قالَ ربنا عز وجل: "وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ". ما معنى: "دَانٍ"؟ يعني: دانٍ من الدنوِّ، يعني: يدنو إليكَ. وقالَ ربنا عز وجل: "قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ". "قُطُوفُهَا" أمم... "دَانِيَةٌ". ما معنى: "دَانِيَةٌ"؟ هي تدنو منكَ لتنالَها. بمجردِ أنهُ وقعَ في نفسِهِ اشتهاؤها. عيشةٌ أحلى من عيشةِ خمسمائةِ مليونِ ملكٍ كانَ في الدنيا، أليسَ كذلكَ؟ مثلُ هذهِ الجنةِ. "لِلْعَامِلِينَ". أي: أن ينشطوا للوصولِ إليها. "لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ". شو يعني: "وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ"؟ أي: ما تشتهيهِ أنفسُهُم. ما يدَّعونَ أي: ما تشتهيهِ أنفسُهُم. ما يشتهونَهُ. كلُّ ما يشتهيهِ المؤمنُ في الجنةِ ينالُهُ. ولكن يشتهونَ أشياءَ مما يعني... مما فيهِ خيرٌ. لا يشتهي المؤمنُ مثلاً في الجنةِ أنهُ يُربي كلبًا. اه. الآنَ في الدنيا في ناسٌ تشتهي أن تربيَ كلبًا، ويصيرُ الكلبُ يقودُ صاحبَهُ حيثُ شاءَ، وهذا الرجلُ وربما يكونُ رجلاً مُشيبًا ينقادُ خلفَ هذا الكلبِ حيثُ يجُرُّهُ. أليسَ هذا الحالُ في الدنيا؟ أهلُ الجنةِ في الجنةِ لا يشتهي واحدٌ منهم أن يكونَ عندَهُ كلبٌ ليربيَهُ كما كانَ يشتهي ذلكَ في الدنيا. امم. لا يشتهونَ الولدَ. أنهُ واللهِ زوجتُهُ تحملُ وتُولدُ. هذا لا يشتهونَهُ. ليش؟ لأن الولدَ في الدنيا لماذا يُشتهى؟ أولاً: ليتمتعَ بهِ حالَ إصابتهِ. ثم ليعينَهُ في حالِ كبرِهِ، صحيحٌ؟ ليقومَ على مصلحةِ أبيهِ وليحملَ اسمَهُ. أليسَ كذلكَ؟ أهلُ الجنةِ لا يحتاجونَ إلى هذا. ما في تعبٌ، ما في كبرٌ في السنِّ. "إِنَّ لَكُمْ أَن تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا". ما في كبرٌ في السنِّ وشيخوخةٌ وعجزٌ. لذلكَ لا يشتهونَ الولدَ. فقولُهُ تعالى: "وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ" أي: مما يُلهمُهُم اللهُ عز وجل أن يشتهيَهُ في الجنةِ. ليسَ كلَّ شيءٍ يشتهونَهُ ككلبٍ مثلاً يُربُّونَهُ. هذا لا يقعُ في نفوسِهِم. "سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ". الملائكةُ حالُ دخولِ أهلِ الإيمانِ إلى الجنةِ تستقبلُهُم الملائكةُ فتقولُ لهم: "سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ". الربُّ الرحيمُ اللهُ يسلمُ عليكم. سلامٌ قولاً. أنتم الآنَ في سلامٍ. أنتم الآنَ في أمانٍ. لا كما كانتْ معيشتُكُم في الدنيا. الإنسانُ لا يكادُ يمرُّ عليهِ يومٌ في الدنيا إلا ويُصيبُهُ شيءٌ من الهمِّ أو الألمِ، أليسَ كذلكَ؟ "سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ". وهذا مُنى أهلِ الجنةِ في الجنةِ.

أما الكافرونَ، حينَ ذكرَ أهلَ الجنةِ، ربنا عز وجل ذكرَ لنا حالَ أهلِ النارِ. فقالَ: "وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ". ذكرَ نعيمًا أو شيئًا قليلاً من نعيمِ أهلِ الجنةِ، فقابلَ نعيمَهُم بذكرِ أهلِ النارِ وذكرِ امتيازِهِم عن أهلِ الجنةِ. امتازوا بالعذابِ في الدنيا. ربما يخالطُ المؤمنونَ الكفارَ، يكونونَ معهم في حيٍّ واحدٍ، في مدينةٍ واحدةٍ، في قريةٍ واحدةٍ. أما في الآخرةِ، يمتازُ الكفارُ عن المؤمنينَ بأن الكفارَ في النارِ والمؤمنينَ في الجنةِ. هذا امتيازُهُم. يعني: يُبْعَدونَ، يُبْعَدونَ عن الجنةِ ويكونونَ ممتازينَ في النارِ. نسألُ اللهَ أن يُسلِّمَنا. "امْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ". يعني: اعتزلوا وانفردوا اليومَ عن المؤمنينَ وكونوا على حِدَةٍ منهم. وسماهم مجرمينَ، لماذا؟ لأنهم اقترفوا أكبرَ الجرمِ، أكبرَ جريمةٍ يرتكبُها العبدُ: كفرُهُ باللهِ. كفرُهُ باللهِ. هذهِ جريمةٌ. بعضُ الناسِ تتخيلُ أن الجريمةَ فقط أن يقتلَ إنسانًا. هذهِ جريمةٌ، نعم. لكن ليستْ هذهِ الجريمةَ فقط. ربنا عز وجل قالَ في القرآنِ أيضًا: "إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ". "يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ". "إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ". إذاً، مجرمٌ هنا أُريدَ بهِ الكافرُ، لأنهُ ارتكبَ أكبرَ الجرمِ وأكبرَ ظلمٍ. أكبرَ ظلمٍ يرتكبُهُ العبدُ هو كفرُهُ باللهِ، وهو الذنبُ الذي لا يغفرُهُ اللهُ عز وجل لمن ماتَ عليهِ. لهذا تسمعونَ أن اللهَ تعالى قالَ في القرآنِ: "وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ". "وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ". إن أكبرَ ظلمٍ يرتكبُهُ العبدُ هو كفرُهُ باللهِ العظيمِ.

نقفُ اليومَ. نسألُ اللهَ تعالى أن يُوفقَنا جميعًا لرضاهُ، وأن يُصلحَ أحوالَنا، ويقبلَنا بقبولٍ حسنٍ. اللهمَّ علِّمنا ما جهلنا، وانفعنا بما علمتنا، وباركْ لنا فيما أعطيتنا. اللهمَّ إنا نسألُكَ رضاكَ والجنةَ، ونعوذُ بكَ يا ربنا من سخطِكَ ومن النارِ. وأحينا ما أحييتَنا مسلمينَ، وتوفَّنا مؤمنينَ كاملينَ. اللهمَّ انصرنا على من ظلمنا وعادانا، اليهودَ الصهاينةَ ومن عاونَهُم، يا أرحمَ الراحمينَ. إنكَ يا مولانا على ما تشاءُ قديرٌ. وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.