📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

محاضرة (توافق العقل الصريح مع النقل الصحيح) | أ.د. صالح سندي

أ.د. صالح سندي3:06:30

Transcription

الحمد لله الذي ارسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا. واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له اقرارا به وتوحيدا، واشهد ان نبينا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما مزيدا.

أما بعد، فبين أيدينا هذا الموضوع الجليل الذي نجتمع في هذا المسجد المبارك بعون الله عز وجل وتوفيقه للمدارس فيه، ألا وهو توافق العقل الصريح مع النقل الصحيح بين أهل السنة ومخالفيهم. وهذا الموضوع، يا أيها الكرام، موضوع في غاية الأهمية، والحاجة ماسة إلى الاعتناء به وللوصول إلى القول الحق فيه، وذلك لأن هذا الموضوع حد فاصل بين الإيمان الصحيح والاتباع الصادق وما ضاد ذلك. وكثير من الصراعات العقدية التي وقعت والتي تقع قديماً وحديثاً مرجعها إلى هذا الموضوع، العقل ومنزلته بالنسبة إلى النقل.

وأنبّه إلى أن الطرح في هذا اللقاء بعون الله فيه شيء من السعة والعمق والتفصيل، وذلك بسبب طبيعة الموضوع الدقيقة، إضافة إلى أن المادة العلمية فيه تعني بطلاب العلم والمتخصصين والمتن بهذه القضية. وأرجو أن ينفع الله سبحانه وتعالى بهذا الكلام.

الموافق والمخالف موضوع العقل من الموضوعات الواسعة الساخنة التي أشغلت العقول قديماً وحديثاً، بدءاً من تعريفه وماهيته ومحله وحدوده، وانتهاء بعلاقته بغيره، ولاسيما مع وحي الله سبحانه وتعالى. والمسائل والتشعبات والاختلافات التي تندرج في إطاره لا شك أنها كثيرة، ولكن موضوعنا كما سمعتم متعلق بهذا الجزء الخاص، ألا وهو ما يتعلق بعلاقة العقل مع النقل عند أهل السنة ومخالفيهم.

وسيكون الكلام بعون الله عز وجل في ستة محاور. المحور الأول في موقف أهل السنة والجماعة من العقل وموافقته للنقل. والمحور الثاني موقف المتكلمين من موافقة العقل للنقل، وأكثر الكلام سيكون منصباً إلى مناقشة هؤلاء المتكلمين الذين أوغلوا في هذا الموضوع وبثوا في الأمة شرا عظيما بسبب ما طرحوه على الناس.

المحور الثالث مناقشة القانون الكلي للمتكلمين. والمحور الرابع نتيجة مسلك الفريقين، أهل السنة وأهل الكلام. المحور الخامس أهم أسباب ضلال المتكلمين في هذا الباب. والمحور السادس مناقشة ظنية دلالة الأدلة النقليّة كما يدعيها المتكلمون.

نبدأ بعون الله سبحانه في مدارسه المحور الأول، ألا وهو موقف أهل السنة والجماعة من موافقة العقل للنقل. أهل السنة والجماعة هم الذين هداهم الله إلى الحق فيما اختلف الناس فيه، ولاسيما في هذه القضية العظيمة، فإنزلوا العقل منزلته اللائقة به دون إفراط أو تفريط. وقبل أن أسترسل، يحسن الوقوف وقفة عند تعريف العقل. ما هو هذا العقل الذي تحار فيه العقول؟

أصل هذه المادة كلمة عقل تدل في اللغة على المنع، ومنه سمي عقال البعير. وقد اختلف العلماء في حد العقل اختلافا كثيرا، ومما قيل فيه أنه الحابس عن ذميم القول والفعل، وقيل إنه نقيض الجهل. وعرفه بعضهم بقوله: العقل يقال للقوة المهيأة لقبول العلم، ويقال للعلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوة.

والتحقيق أن العقل يطلق في النصوص ومجاري كلام أهل العلم ويراد به واحد من أربعة معان:

1. الغريزة أو الملكة التي جعلها الله سبحانه وتعالى في الإنسان وبها يدرك، وهي التي يمتاز بها الإنسان عن الحيوان، والعاقل عن المجنون.

2. العقل يطلق على العلوم الضرورية التي يشترك فيها جميع العقلاء، كالعلم بأن الكل أكبر من الجزء، وأن المخلوق لا بد له من خالق، وامتناع اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما، ونحو ذلك.

3. المعنى الثالث العلوم النظرية، وهي التي تحصل بالنظر والاستدلال.

4. العمل بالعلم أو الأعمال التي تكون بموجب العلم، وهذا ما جاء في نحو قوله تعالى: "وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير".

وتحديد المراد من هذه المعاني يتضح من خلال سياق الكلام، ولا شك أن البحث مع المخالفين في هذا الموضوع إنما يعود إلى المعنى الثالث. فهم كثيراً ما يطلقون العقل والمراد العلوم النظرية التي تنال بالبحث والنظر، فيقولون: "هذا هو العقل" أو "ما دل عليه العقل" أو "هذه مسألة عقلية" أو ما شابه ذلك.

مهما يكن من شيء، فـ أهل السنة والجماعة ينزلون العقل منزلته اللائقة به، أخذاً بما جاءت به الشريعة من تكريمه والاحتفاء به وصيانته وحمايته. ومن شواهد ذلك أن الشرع جعله مناط التكليف. وهذا هو المعلم الأول من معالم اعتناء الشريعة بالعقل، أن الشريعة جعلت للعقل منزلة رفيعة، ومن شواهد ذلك كونه مناط تكليف، ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل".

الأمر الثاني أنه حث على أعماله ووضعة في موضعه اللائق به، وذلك من خلال الأدلة الكثيرة التي دلت على التدبر والتفكر والتذكر، وكل ذلك إنما يكون باله العقل.

الأمر الثالث أنه سبحانه أثنى في كتابه على أهل العقول الراجحة، فقال سبحانه: "وما يتذكر إلا أولو الألباب".

الأمر الرابع أنه ذم الذين أهملوا العقل، فقال سبحانه: "وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آبائنا، أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون". ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، صم بكم فهم لا يعقلون.

الأمر الخامس أن الشريعة جعلت العقل أحد الضروريات الخمس التي يتعين المحافظة عليها، ويحرم التعدي عليها، فنهى عن تناول ما يغيبه من المسكرات، وشدد على أمر الجناية فيه، حتى أنه قد حكم في التعدي عليه بالدية الكاملة، أي أيضا أنه نهى عن تعطيله أو إهانته بخراف أو شعوذة كالمس أو السحر أو التنجيم أو تعليق تمائم وما إلى ذلك.

الأمر الأخير أنه حفظه من التيه في مهامه ليست في وسعه، صيانة له عن الضياع، فمنعه من الخوض في كيفية الغيبيات مثلاً، والتنقيص عن العلة في كل دقيق وجليل من الخلق والأمر والقدر.

الأمر أو المعلم الثاني أن الدليل العقلي الصحيح عند أهل السنة والجماعة دليل شرعي معتبر، فهو قسيم للدليل السمعي، والدليل الشرعي يشملهما.

فالآدلة العقلية الصحيحة أدلة عقلية شرعية بمعنى أن الشرع هدى إليها، ويعرف صحتها عن طريق العقل. بالتالي فقد جمعت بين وصفي الكمال، ويؤكد هذا المعنى أمران:

الأمر الأول أن العقل موصل كما هو حال النقل إلى أصول الاعتقاد الكبار، كالإقرار بوجود الله سبحانه وربوبيته، وإفراد العبادة له، واتصافه بالكمال المطلق، كما أنه قد أشار إلى ثبوت المعادي والجزاء ونحو ذلك لكن هذا إنما كان على سبيل الإجمال، وأما التفصيل فإنه من خصيصة النقل.

الأمر الثاني أن الرسل عليهم الصلاة والسلام قد أرشدوا إلى كثير من الأدلة العقلية ولم يهملوا القدر الذي يمكن للعقل إدراكه من العلوم، بل نبهوا الناس عليه، ذكروهم به، ودعوهم إلى النظر فيه، حتى فتحوا أعيناً عميا وآذاناً صما وقلوباً غلفى. وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله: "فجمع سبحانه بين السمع والعقل".

وأقام بهما حجته على العباد، فلا ينفك أحدهما عن صاحبه أصلاً. فالكتاب المنزل والعقل المدرك حجة الله على خلقه.

الأمر الثالث: أهل السنة في شأن العقل وسط بين الغلاة والجفاء. اختط أهل السنة والجماعة لهم في شأن العقل كما هم كذلك في سائر المسائل. اختطوا منهجاً وسطاً بين أهل الإفراط وأهل التفريط، بين من أهمل حجيته ومن غالى فيه.

فمنحوه سلطاناً فوق سلطانه. وذلك أن كثيراً من أرباب علم الكلام غلوا في شأن العقل حتى جعلوا العقل وحده أصل علمهم وجعلوا الإيمان والقرآن تابعين له، والمعقولات في زعمهم هي الأصول الكلية المستغنية بنفسها عنهما.

وقبلهم كثير من المتصوفة الذين ذموا العقل وعبوه ورأوا أن الأحوال العالية والمقامات الرفيعة لا تحصل إلا مع عدمه. وربما أقروا بما يكذب به صريح العقل، ومدح السكر والجنون والوله، وعموم المعارف والأحوال التي لا تكون إلا مع زوال العقل والتمييز.

فالاولون أفرطوا حتى قضوا بوجوب أشياء وجوازها وامتناعها لحجج عقلية اعتقدوا حقاً وهي باطل، وعارضوا بها ما خرج من مشكاة النبوة. والآخرون فرّطوا فجمعوا بين تصديق باطل وعمل فاسد فخرجوا عن مقتضى العقل الذي فضّل الله بني آدم به على غيرهم وعزله عن محل ولايته.

وهدي الله أهل السنة والجماعة إلى النهج القويم والصراط المستقيم. تأسيساً على هذا الضابط وما قبله أيضاً يتبين مدى ظلم أهل السنة والجماعة حينما ينسبون من أعدائهم إلى إهمال العقل. فإن من الأمر العجيب أن أهل الكلام يزعمون أن أهل الحديث والسنة أهل تقليد، ليسوا أهل نظر واستدلال، وأنهم ينكرون حجيّة العقل. فيقال لهم: ليس هذا بحق، فإن أهل السنة والحديث لا ينكرون ما جاء به القرآن، وهذا أصل متفق عليه بينهم.

والله سبحانه في كتابه قد أمر بالنظر والاعتبار والتفكر والتدبر في غير ما آية، ولا يعرف عن أحد من سلف الأمة ولا أئمة أهل السنة ولا أحد من علمائها أنهم أنكروا ذلك، بل كلهم متفقون على الأمر بما جاءت به الشريعة من النظر والتفكر والاعتبار والتدبر وغير ذلك. ولكن وقع الاشتراك في لفظ النظر والاستدلال ولفظ الكلام، فإنهم أنكروا ما ابتدعه المتكلمون من باطل نظرهم وكلامهم واستدلالهم فاعتقدوا أن إنكار هذا مستلزم لإنكار جنس النظر والاستدلال.

المعلم الرابع: لا تعارض بين العقل والنقل. وهذا أصل أصيل عند أهل السنة والجماعة يعتصمون به دائماً. في مقامي التقرير والرد، فإن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصومون، لا يقولون على الله إلا الحق ولا ينقلون عنه إلا الصدق. فمن ادعى أن في أخبارهم ما يناقض صريح المعقول كان كاذباً.

بل لا بد أن يكون ذلك المعقول ليس بصريح، أو أن يكون ذلك المنقول ليس بصحيح. فما علم يقيناً أنهم أخبروا به، يمتنع أن يكون في العقل ما يناقضه. وما علم يقيناً أن العقل، بحكمه يمتنع أن يكون في أخبارهم ما يناقضه. فتبين إذن أن أهل السنة يقررون أن العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح، وهذا ثابت بالاستقراء التام لأدلة الشريعة.

وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وما علم بصريح العقل لا يتصور أن يعارضه الشرع البتة، بل منقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط". وقد تأملت ذلك في عامة ما تنازع الناس فيه، فوجدت ما خالف النصوص الصحيحة الصريحة شبهات فاسدة يعلم بالعقل بطلانها، بل يعلم بالعقل ثبوت نقيضها الموافق للشرع. وهذا تأملته في مسائل الأصول الكبار، كمسائل التوحيد والصفات ومسائل القدر والنبوات والمعاد وغير ذلك.

ووجدت ما يعلم بصريح العقل لم يخالفه سمع قط. وقال أيضاً: "وكثيراً ما يشتبه ذلك وتتعارض الدلالتان عند من يكن السفسطة والالحاد لشبه قامت به، فتكون الآفة من إدراكه لا من المدرك كالأحمرار والنور".

والسمع الصحيح هو القول الصادق من المعصوم الذي لا يجوز أن يكون في خبره كذب لا عمداً ولا خطأ، والمعقول الصحيح هو ما كان ثابتاً أو منتفياً بربك إنه على كل شيء شهيد.

فأخبر أنه سيريه من الآيات العيانية المشهودة لهم ما يبين لهم أن القرآن حق. وقال تعالى: "ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق، ويهدي إلى صراط العزيز الحميد".

فمن أوتي العلم رأى ما أنزل إليه من ربه هو الحق، وأما من كان عنده ما يظنه علماً وهو جهل، فذلك يرى الأمر على خلاف ما هو عليه، مثل من زاغ فآزاه الله قلبه وكان في قلبه مرض فزاده الله مرضاً. وممن يقلب الله أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة، ومن الصم البكم العمي الذين لا يرجعون إلى ما كانوا عليه من الهدى أو لم يكونوا يعقلون بحال. وأمثال هؤلاء قال تعالى فيهم: "والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات، من يشاء الله يضلله ومن يشاء يجعله على صراط مستقيم".

انتهى كلامه رحمه الله.

الخلاصة، يا أيها الكرام، أن أهل السنة والجماعة في هذا المقام يعتقدون ما يلي:

أولاً: أنه لا يمكن حصول التعارض بين النقل، أعني من الدليل من الكتاب أو السنة الصحيحة، مع العقل الصريح. هذا فرض فاسد من أصله.

ثانياً: أن كل من كان أقرب إلى التصديق بما جاءت به الرسل والعمل به كان أكمل عقلاً وسمعاً، وكل من كان أبعد عن التصديق بما جاءت به الرسل والعمل به كان أنقص عقلاً وسمعاً. ولذا ما عارض أحد الوحي بعقله إلا أفسد الله عليه عقله حتى يقول ما يضحك أو حتى يقول ما يضحك منه العقلاء.

قال ابن أبي العز رحمه الله: "وكل من قال برأيه وذوقه وسياسته مع وجود النص، أو عارض النص بالمعقول فقد ضاهى إبليس حيث لم يسلم لأمر ربه".

انتهى كلامه.

ثالثاً: أن كل شبهة وإن سُمّيت عقلية تعارض النقل فهي داحضة، والعقل السليم أول حاكم بفسادها. فلا ارتياب في أن المعقول الصريح يدل على بطلان المعارض للمنقول الصحيح.

رابعاً: أن كل ما يدعى فيه التعارض بين النقل والعقل فمرجعان، إما عدم صحة العقل أو عدم التفريق بين ما تحيله العقول وما تحار فيه العقول، أي عدم التفريق بين المستحيل عادة والمستحيل عقلاً. وسيأتي الكلام عن هذا بالتفصيل إن شاء الله.

خامساً: أنه عند توهم التعارض بين العقل والنقل، وعجز المكلف عن إزالة هذا التعارض، فالواجب تقديم النقل واتهام العقل. قال سبحانه: "اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون".

فهذا هو القانون الكلي عند أهل السنة والجماعة. وقد كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى الناس أنه لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الشافعي رحمه الله: "يُسقط كل شيء خالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يقوم معه رأي ولا قياس".

فإن الله عز وجل قطع العذر بقوله صلى الله عليه وسلم.

المعلم الخامس: العقل وإن كان ذا شأن واعتبار، إلا أن حدوده ضيقة ومجالاته محدودة. سبق بيان أن أهل السنة لا ينكرون ما للعقل من مكانة واعتبار، ومع هذا فهم يقرون بأن له حدوداً لا يتجاوزها. ولذا فهو أضعف من أن يحكم في شيء خارج محل ولايته أو أن يستقل عن الشرع استقلالاً تاماً.

وهذا من آثار كمال الخالق وفقر المخلوق. وخلق الإنسان ضعيفاً، فالعقل إذاً له حكم لكن داخل حدود مملكته، وهو عاجز خارجها. وفي كلا الحالين فإنه لا يستغني عن وحي ربه سبحانه وتعالى.

ومن شواهد ذلك:

أولاً: أنه لا دخل له في الغيبيات. فتفاصيل كثير من صفات الله عز وجل أو أخبار الملائكة أو مباحث اليوم الآخر لا تعلم ابتداءً إلا من طريق النقل، وليس للعقل من سبيل إلى الاهتداء إليها، وحسبه الإقرار والتسليم بها إذا بلغته، والحكم بعدم امتناعها.

وسبب هذه المحدودية، يا أيها الكرام، كون العقل مكبلاً بالمحسوسات، فلا طاقة له في إدراك شيء وراء المحسوسات. وهذا ما يذعن به العقل نفسه، فهو إذاً الذي حكم بأنه لا مجال له خارج محل سلطانه.

الأمر الثاني: أن العقل لا يستقل بالهدّاية، فمن رامها به وحده ظل. فإن مثل العقل كمثل نور العين، العين لا تبصر، يا أيها الأخوة، إلا إذا اتصل بها نور الشمس أو المصباح، وإلا بقيت عاجزة عن الإبصار.

كذلك العقل لا يوصي بالهدّاية إلا إذا اتصل به نور القرآن والإيمان، فالعقول عند عدمه لا تجدي ولا تنفع. قال سبحانه: "ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه، وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة، فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء، إذ كانوا يشهدون بآيات الله، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون".

إذاً لا سبيل للهداية إلا بالوحي، قال سبحانه: "أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول: "وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي".

ثالثاً: مما يدلك على أن العقل محدود أنه لا يستقل بالفصل بين الناس فيما تنازعوا فيه. إنما الذي يستقل بذلك هو الوحي المنزل الذي لا اختلاف فيه ولا اضطراب.

وذلك أن أقوى العقول متفاوته مختلفة، وكثيراً ما يشتبه المجهول بالمعقول، فلا يمكن أن يفصل بين المتنازعين قول شخص معين، ولا معقوله. إنما يفصل بينهم الكتاب المنزل من السماء، والرسول المبعوث المعصوم فيما يبلغه عن ربه صلى الله عليه وسلم.

ولذا أمر الله جل وعلا برد التنازع إلى الكتاب والسنة. فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى العقول، لا والله، بل فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر. ذلك خير وأحسن تأويلاً.

الأمر الرابع: سبق بيان أنه لا تعارض بين العقل والنقل، غير أن هذا لا يعني أن العقل مؤهل للحكم على كل ما جاء في الشرع أو إدراكه من جميع الوجوه، بل إنه لعجزه قد يقف عاجزاً أمام بعض ما جاء في الشرع، وإن كان مع هذا لا يحكم بامتناعه.

وهذا كما قدمت من آثار كمال الخالق وعجز المخلوق. ولذلك يقرر أهل السنة والجماعة أن الشريعة قد تأتي بحالات العقول لا بمحال تها. إذاً يجب التفريق بين ما يعلم العقل بطلانه وامتناعه، وبينما يعجز العقل عن تصوره ومعرفته، فالنوع الأول من محالات العقول، وهو المستحيل عقلاً، والثاني من محارات العقول، وهي من قبيل المستحيل عادة.

والرسل عليهم الصلاة والسلام قد يخبرون بالثاني، لا بالأول. فمثلاً خروج ناقة من صخرة هذا أمر مستحيل في العادة، لا في العقل. فإن الذي هو على كل شيء قدير قادر على أن يخرج ناقة من ناقة، وهو قادر على أن يخرج ناقة من صخرة.

والعقل لا يحكم بامتناع ذلك، لكنه مع كونه أمراً لا يقع في عادة الناس، إلا أنه كما أكرر ليس مستحيلا عقلاً. أما المستحيل عقلاً فكالجمع بين النقيضين أو ارتفاعهما في الوقت نفسه للشيء نفسه وفي المحل نفسه، فهذا من محالات العقول، والشريعة لا تأتي بذلك.

وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "العقل الصريح دائماً موافق للرسول صلى الله عليه وسلم لا يخالفه قط، فإن الميزان مع الكتاب. والله أنزل الكتاب بالحق والميزان". لكن قد تقصر عقول الناس عن معرفة تفاصيل ما جاء به، فيأتيهم الرسول بما عجزوا عن معرفته وحاروا فيه، لا بما يعلمون بعقولهم بطلانه.

فالرسل صلوات الله وسلامه عليهم تخبر بمحار العقول، ولا تخبر بمحال العقول. فهذا سبيل الهدى والسنة والعلم.

إذاً الخلاصة في هذا يا أيها الكرام أن الرسل عليهم الصلاة والسلام تخبر بمحار العقول، يعني بما تتحير فيه وتندهش وتقف أمامه عاجزة. تخبر بما تعجز العقول عن معرفته، وتخبر بما لا تعلمه العقول أصلاً. ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى: "كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آيات ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون".

لكنها لا تخبر قط بما تعلم العقول امتناعه.

الأمر أو المعلم السادس: العقل تابع والنقل متبوع. وهذه نتيجة ضرورية لكل ما سبق. فالعقل والنقل وإن كان مقترنين متوافقين، إلا أن التقديم للنقل دون شك. وكيف يتوهم خلاف ذلك؟

فهل يمتري عاقل في كون المعصوم مقدماً على غير المعصوم؟ وإن التسليم حق محفوظ عن الخطإ والاضطراب، وهل يتساوى ما كانت حدوده ضيقة، والنوازع المؤثرة فيه كثيرة، وتطرق الخطأ إليه وارداً مع ما نزل من عند العليم الحكيم سبحانه وتعالى؟

لا شك أن هذا خلاف المعقول والمنقول. وفي هذا يقول الشاطبي رحمه الله: "إذا تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية، فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعاً، ويتأخر العقل فيكون تابعاً".

فلا يسرح العقل في مجال النظر إلا بقدر ما يسرح النقل.

الخلاصة: مبنى هذا الدين، مبنى هذا الدين يا أيها الكرام، على اتباع النقل: "اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون".

وغاية العقل غريزة، غريزةً كان أو علومات ضرورية أو علومات نظرية، أن يكون وسيلة لفهمه أو خادماً له منقاداً إليه غير مستغن عن إرشاده وتوجيهه.

فحقيقة الحال أن العقل متولٍ للرسول صلى الله عليه وسلم، ثم عزَل نفسه، أي إنه بعد مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم عزَل نفسه وتراجع إلى الخلف وقدّم النقل.

لأن العقل دلّ على أن الرسول صلى الله عليه وسلم يجب تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر. فالعقل يدل على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم دلالة عامة مطلقة.

وهذا كما أن العامي إذا علم عين المفتي ودل المستفتي عليه، وأخبره بأنه عالم مفتٍ، ثم اختلف العامي الدال والمفتي، وجب على المستفتي أن يقدم قول المفتي.

فإذا قال له العامي: أنا الأصل في علمك بأنه مفت، فإذا قدمت قوله على قولي عند التعارض قدحت في الأصل الذي علمت بأنه مفت. وهنا يقول له المستفتي: أنت لما شهدت بأنه مفت ودللت على ذلك شهدت بوجوب تقليده دون تقليدك، كما شهد به دليلك.

وموافقتي لك في هذا العلم المعين لا تستلزم أني أوافقك في العلم في أعيان المسائل، وخطأك فيما خالفت فيه المفتي الذي هو أعلم منك لا يستلزم خطأك في علمك بأنه مفت.

وأنت إذا علمت بأنه مفت باجتهاد واستدلال ثم خالفته باجتهاد واستدلال كنت مخطئاً في الاجتهاد والاستدلال الذي خالفت به من يجب عليك تقليده واتباع قوله، وإن لم تكن مخطئاً في الاجتهاد والاستدلال الذي علمت أنه عالم مفت يجب عليك تقليده.

هذا مع علمه بأن المفتي يجوز عليه الخطأ، والعقل يعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم معصوم في خبره عن الله تعالى، لا يجوز عليه الخطأ.

فتقديم قول المعصوم على ما يخالفه من استدلاله العقلي، أولى من تقديم العامي قول المفتي على قوله الذي يخالفه. وكذلك أيضاً إذا علم الناس وشهدوا بأن فلاناً خبير بالطب أو القيافة أو الخرص أو تقويم السلع ونحو ذلك، وثبت عند الحاكم أنه عالم بذلك دونهم أو أنه أعلم منهم بذلك، ثم نازع الشهود الشاهد لأهل العلم بالطب، والياف أهل العلم بذلك، وجب تقديم قول أهل العلم بالطب والياف والخص على قول الشهود الذين شهدوا لهم.

هذه هي، أيها الأخوة، بعض المعالم المفصحة عن منزلة العقل عند أهل السنة والجماعة، وموقفهم من مقاومة العقل للنقل.

وانتقل بعد ذلك إلى المحور الثاني، وهو موقف المتكلمين من موافقة العقل للنقل.

أولاً: من هم المتكلمون؟ أقصر تعريف للمتكلمين ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه "درء التعارض". قال في تعريف المتكلم: هو من تكلم في الله بما يخالف الكتاب والسنة.

إذاً أهل الكلام أو المتكلمون هم الذين تكلموا في الله جل وعلا بما يخالف الكتاب والسنة.

ما هو موقف المتكلمين من موافقة العقل للنقل؟ ألخص لك موقفهم في ثلاثة أشياء:

أولاً: أنهم عظموا العقل.

ثانياً: أنهم طعنوا في النقل.

الموقف الثالث أنهم حكموا بوجود عرض النقل على العقل.

كم هذه؟

1. عظموا العقل.

2. طعنوا في النقل.

3. حكموا بعرض النقل على العقل.

أولاً: أنهم عظموا العقل، وسبب تعظيمهم للعقل راجع إلى ثلاثة أسباب:

1. زعمهم أنه أصل النقل.

2. زعمهم أنه قطعي.

3. زعمهم أن عليه وحده الاعتماد، وهذا مبني على السببين السابقين. ومجموعهما يدلك على خلاصه تعظيمهم للعقل.

أما الطعن في النقل، فسببه أنهم وجدوا فيه أشياء تخالف العقل، في زعمهم.

القوم ما سلكوا المنهج الصحيح في النظر والاستدلال، وذلك أنهم اعتقدوا ثم استدلوا. أي إنهم اعتقدوا عقائده من غير طريق النقل، من غير طريق الكتاب والسنة، ثم بعد ذلك نظروا في الأدلة. فكأن الحال أنهم ماذا؟ اعتقدوا ثم استدلوا.

وحينها وجدوا أشياء تخالف ما اعتقدوا، فطعن حينها في النقل، لأن العقل في زعمهم هو المقدم الذي يجب أن يكون عليه الاعتماد، وليس على النقل.

وهذا الطعن كان له وجهان: الطعن من جهة السند، والطعن من جهة المتن.

أما الطعن من جهة السند، فيرجع ذلك إلى قولهم: "أخبار الآحاد ظنية الثبوت" وعليه فلا يؤخذ بها في العقائد العلمية.

أما طعنهم في المتن ففي قولهم: "النقل سواء كان متواتراً أو آحاداً فإنه ظني الدلالة". وحينها حكموا بوجوب عرض النقل على العقل، وإذا عرضوا العقل على النقل ولا تخل النتيجة من حالتين:

أما الأولى: فهي أن يوافق النقل العقل، فيقولوا: وحينئذ نأخذ به اعتماداً.

الحالة الثانية: أن يخالف النقل العقل، وحينها نقدم العقل على النقل.

فماذا يصنعون بالنقل؟

حينها الجواب: إن كان آحاداً فإنه مردود. ولا إشكال ولا تردد عندهم في التصريح بأنه مردود، إذ لا يعارض في زعمهم القطعي بظني، وإن قيل على سبيل الاستحباب فلا بأس.

أما إن كان متواتراً، فإنه يؤول أو يفوض أولاً أو يفوض، ونزهاً.

وهذا الذي ذكرته، يا أيها الأخوة، في الأمور الثلاثة لا شك ولا ريب أنهم خالفوا فيه العقل والنقل.

أشير إشارة في مناقشة موقفهم في هذه الأمور الثلاثة، قبل ذلك ينبغي التذكير بما سبقت الإشارة إليه من أن الشريعة، يا أيها الكرام، إنما جاءت لتخرج المكلف عن هواه حتى يكون عبداً لله.

أي إن الأصل في شريعتنا الإيمان والتسليم والانقياد، وذلك أن تقابل الأوامر بالقبول والانقياد، والأخبار بالتصديق والتسليم. وما اختل هذا الأصل دخل الخلل إلى الإيمان. فقضية ابتداء وانتهاء قضية إيمانية.

وقاعدة أهل السنة والجماعة تقديم النقل على كل شيء. وكل شيء فمردود إليه.

ولات، وهذا ملحظ دقيق تنبه إليه، أن أهل الأهواء اتبعوا أهواءهم فلم يأخذوا الأدلة الشرعية مأخذ الافتقار إليها والتعويل عليها، حتى يصدر عنها صدوراً صحيحاً. إنما قدموا أهواءهم واعتمدوا على آرائهم ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظورة فيها من وراء ذلك.

أما أهل السنة والجماعة، وتنبه لهذه، فإنهم يأخذون الأدلة مأخذ الافتقار إليها، والتعويل عليها. أي إنهم قبل أن يعولوا عليها يطلبونها، لأنهم يشعرون بحاجتهم الماسة إليها.

أي إنهم يشعرون أنهم تائهون ضائعون إذا لم يجدوا الدليل الهادي من النقل. وعليه فبحث عن الأدلة، وفي الأدلة بحث افتقاري، لأنهم يعلمون أنه لا هداية إلا بالوحي، ولا وصول إلى محبة الله سبحانه ورضوانه ورحمته إلا باتباع كلامه.

أعود فأقول: أهل السنة يشعرون أنهم غارقون في بحار من الضلالات والظلمات، ما لم يمدهم ربهم سبحانه بحبل وثيق من النقل تكون به نجاتهم. "وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي".

فما أعظم منه الله عز وجل علينا بإنزال هذا الوحي.

أما المخالفون لأهل السنة، فإنهم بجميع أصنافهم مخالفون لهذا الأصل، إذ حالهم وقاعدتهم هي تقديم الهوى على النقل.

فعند الصوفية مثلاً، الكشف والذوق مقدم على النقل، والمتكلمون العقل عندهم مقدم على النقل، وأهل التغريب المعاصرون الواقع والمصلحة أو هوى الغرب مقدم عندهم على النقل وهلم جراً.

وهذا فارق منهجي مهم بين أهل السنة ومخالفيهم. صدق ربنا سبحانه إذ قال: "فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه". وقال صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم".

ها هنا كلمة حسنة في بيان أن هذه القضية التي أشرت إليها فارق منهجي مبين بين أهل السنة ومخالفيهم، وذلك ما ذكر الأصبهاني رحمه الله في كتابه "الحجة في بيان الملحد" قال رحمه الله: "واعلم أن فصل ما بيننا وبين المبتدعة هو مسألة العقل، فإنهم أسسوا دينهم على المعقول، وجعلوا الاتباع والمأثور تبعاً للمعقول، وأما أهل السنة فقالوا الأصل في الدين الاتباع والمعقول تبع".

ولو كان أساس الدين على المعقول لاستغنى الخلق عن الوحي وعن الأنبياء، ولبطل معنى الأمر والنهي، ولقال من شاء ما شاء.

ولو كان الدين مبنيًا على العقول، لجاز للمؤمنين أن لا يقبلوا شيئاً حتى يعقلوا.

ونحن إذا تدبرنا عامة ما جاء في أمر الدين من ذكر صفات الله وما تعبد الناس به من اعتقاده، وكذلك ما ظهر بين المسلمين وتداوله بينهم ونقلوه عن سلفهم إلى أن أُسند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذكر عذاب القبر وسؤال منكر ونكير والحوض والميزان والصراط وصفات الجنة وصفات النار وتخليد الفريقين فيهما، الأمور لا ندرك حقائقها بعقولنا، وإنما ورد الأمر بقبولها والإيمان بها.

فإذا سمعنا شيئاً من أمور الدين وعقلنا وفهمناه، فلله الحمد في ذلك والشكر ومنه التوفيق. وما لم يمكن إدراكه وفهمه ولم تبلغه عقولنا آمنّا به وصدقناه واعتقدنا أن هذا من قبل ربوبيته وقدرته، واكتفينا في ذلك بعلمه ومشيئته.

انتهى كلامه رحمه الله.

وعلى المتكلمين، فإن المتكلمين قد عظموا العقل تعظيماً بالغاً على حساب النقل، حتى بلغ الأمر ببعض غلاتهم، وهو النظام المعتزلي أن جوز للعقل أن ينسخ النقل.

ابن قتيبة، العالم السني المشهور، وهو عصرية، نقل في كتابه "تأويل مختلف الحديث" حينما تكلم عن إبراهيم النظام قال: "وله أقاويل في أحاديث يدعي عليها أنها مناقضة للكتاب، وأحاديث يستشعر فيها حجة العقل".

وذكر أن جهة العقل قد تنسخ الأخبار.

الخلاصة، تقديم الهوى على الوحي منهج كل الفرق. وما أحسن ما قال الأوزاعي رحمه الله: "وتلك غاية كل محدث في الإسلام رد ما خالف رأيه من السنة".

وقال ابن أبي العز رحمه الله في شرح الطحاوية: "كل فريق من أرباب البدع يعرضون النصوص على بدعته".

وشيخ الإسلام رحمه الله لما بين هذا الأصل في الجزء التاسع عشر من مجموع الفتاوى قال: "وهذه الطريق يشترك فيها جميع أهل البدع، الكبار والصغار".

والحق أن هذه تركه إبليسية، فإن إبليس هو أول من عارض الأمر برأيه، وقدم العقل على النقل.

وإذا أردنا أن نؤرخ لمسألة المعارضة الصريحة للغفاة من الله، أي المعارضة الحقيرة للنقل، فإنهم لا يكادون يعارضوها.

فإنه يقال إن ابتداء المعارضة للنقل بالمعارضة ما عرفت في التاريخ الإسلامي إلا مع الجهمية. فإن المبتدعة كانوا قبل ذلك موجودين، من شيعة وقدرية ومرجئة وغيرهم، لكنهم كانوا يحاجج بالنصوص.

يردون نصًا بنص، ويعارضون نصاً بنص، لكن منهج تقديم العقل على النقل لم يبدأ إلا مع الجهمية، ثم تبعتهم بعد ذلك الفرق الكلامية من معتزلة وكلام وغيرهم ممن سار على دربهم.

و شيخ الإسلام رحمه الله له تقرير نافع في تفصيل هذه المسألة، يحيلك إليه في كتابه "درء التعارض" في الجزء الخامس في الصحيفة الرابعة بعد المئين.

ومن نماذج تأصيل هذا المنهج، وهو تقديم العقل على النقل، ما أسوقه لك، أولاً: المعتزلة في كتاب "شرح الأصول الخمسة".

يقول المؤلف: "ها هنا أصل آخر، وهو أن ما هذا سبيله من الأخبار، يعني من أخبار الآحاد، فإنه يجب أن ينظر فيه، فإن كان مما طريقه العمل عمل به بشرائطه.

وإن كان مما يتعلق بالعقائد، فينظر: فإن كان موافقاً لحجج العقل قبل واعتقد موجباً له، لا لمكانه، بل للحجة العقلية".

"لا لمكانه ولا لأن هذا حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح، وإنما لماذا؟ لمكانة الحجة العقلية.

وإن لم يكن موافقاً لها، فإن الواجب أن يرد".

ويقول الجاحظ المعتزلي في رسالة صغيرة له اسمها "التربيع والتدوير": "فما الحكم القاطع إلا للعقل، وما الاستبانة الصحيحة إلا للعقل".

والقاضي عبد الجبار، منظر مذهب الاعتزال، له رسالة صغيرة مطبوعة اسمها "المحيط بالتكليف"، يقول فيها: "وإذا ورد في القرآن آيات تقتضي بظاهرها التشبيه، وجب تأويلها، لأن الألفاظ معرّضة لاحتمال، ودليل العقل بعيد عن الاحتمال".

أما الفريق الثاني، وهم الأشاعرة، فلهم في هذا تقارير كثيرة، من ذلك قول الجويني الملقب بإمام الحرمين في كتابه "الإرشاد"، الذي هو من أعظم كتب الأشاعرة، يقول: "باب القول في السمعيات. أعلموا وفقكم الله تعالى أن أصول العقائد تنقسم إلى ما يدرك عقلاً".

إلى أن قال: "فإذا ثبتت هذه المقدمة، فيتعين بعد على كل معتني بالدين، واثق بعقله أن ينظر فيما تعلقت به الأدلة السمعية، فإن صادفه غير مستحيل في العقل، وكانت الأدلة السمعية قاطعة في طرقها، لا مجال لاحتمال في ثبوت أصولها ولا في تأويلها، فما هذا سبيله فلا وجه إلا القطع به".

وإن لم تثبت الأدلة السمعية بطرق قاطعة، ولم يكن مضمونها مستحيلاً في العقل، وثبتت أصولها قطعا، ولكن طريق التأويل يجول فيها؛ فلا سبيل إلى القطع، لكن المتدين يغلب أو يغلب على ظنه ثبوت ما دل الدليل السمعي على ثبوته.

وإن لم يكن قاطعا، وإن كان مضمون الشرع المتصل بنا مخالفاً لقضية العقل، فهو مردود قطعاً بأن الشرع لا يخالف العقل، ولا يتصور في هذا القسم ثبوت سمع قاطع.

لا خفاء به. فأي إمام وأي شيء.

فعلاً أن كلام رب العالمين وحديث رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم، ما هو إلا ضَرْبٌ من الظن والتخمين، والاستدلال به في اليقينيات ممتنع.

فاللهم غفراً، إنه إذا عزل وحي رب العالمين عن إفادة الهداية واليقين، فما ثم إلا الحيرة والضلال المبين.

وكيف لا؟ وأحكم الحاكمين سبحانه يقول: "قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي، وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي".

النتيجة الثانية: تقديم العقل على النقل عند التعارض إذا صار العقل مراقباً للنقل ينظر فيه وله عليه حق النقض. فمتى ما حصل التعارض لا يسلم بالنقل. فهم يقولون: المعارض العقلي لابد من انتفائه في كل استدلال، ومتى ما وجد بطلت دلالة النقل.

وفي هذا يقول الرازي في كتابه "معالم أصول الدين" في الصحيفة الرابعة عشرة بعد أن ساق عشر أمور، سيأتي الحديث عنها إن شاء الله.

زعم أن الأدلة النقليّة مبنية عليها، فافد الظنيّة قال: "وإذا ثبت هذا، ظهر أن الدلائل النقليّة ظنيّة، وأن العقليّة قطعية. والظن لا يعارض القطع".

النتيجة الثالثة: أنه على سبيل التبرع يُؤَوَّل أو يُفَوَّض ما يخالف العقل، ليبقى سالماً من المعارض. يعني القضية الآن معكوسة، فليس المطلوب أن يبقى النقل سالماً من المعارض، المطلوب أن يبقى العقل سالماً من المعارض.

فأي شيء عارضه، ولو كان آية أو حديثا، فإنه مستبعد بالتأويل أو بالتفويض.

هذه هي النتائج الأربع التي وصلوا إليها. ثم أكمل بعد هذا بأصل لتتميم وتكميل هذا البناء الكمالي الكلامي، وهما أن الأدلة النقليّة جملةً وتفصيلاً ظنيّة الدلالة، فهي أصلاً عارضت العقل أو لم تعارضه، دلالتها ظنيّة، لأنّها موقوفة على انتفاء عشرة قوادح تقدح في التسليم بالدلالة المطلقة لهذا النص.

ولو أنّنا تحققنا وفحصنا وفطشنا، فما وجدناها واحداً واحداً، يعني كلها غير موجودة: لا نقل، ولا اشتراك، ولا مجاز، إلى آخر ما سيأتي الحديث عنه.

أقول: يقررون أنه ربما يكون هناك معارض، لكننا ما عرفناه. فظنية الأدلة النقليّة ضربة لازمة ختم على كل نقل.

وبعد كل دليل نقل، قول بالجزم إن تحققت عدم وجود القوادح.

ولو جاء دليل حق، مع الوفرة في الأدلة، ومع عدم ما يعارضه، فمن ثم لا تخرج الأدلة بالحق إلى الحيرة.

وب تراجع الأمر.

وانتهى

هذا ما انتهينا إليه في التقرير العام.

أقول: وأنت إذا قرأت كتب المتكلمين، فإننا نجد بيناتهم ناذرة بالمقارنة بالعالم السني الذي ينطلق في أحكامه من الوحي، فتفاجأ من حجم التناقض في خلط متناقضات.

إذن، الأمر جد محتاج إلى تفصيل في السياق والتوثيق للشيء رغم عظم التعقيد، سيما والجمهور يعتقد أنه يمكن أن يعرض المعارض العقل ومكافحته. هذا يُخل بالتوازن الأخلاقي.

التباين سيظل عنيداً في تجاوز الظل، التصور العقدي والأسس ثلاثة:

1. وأصلها منفك.

2. عدم المُطرقة.

3. التصحيح لا يخالف الواقع، فيتم الاستغناء عن الركون إلى دلائل النقل.

ولكن هذا الموضع هنا جد صعب، فإن إقامتهم بعيدة عن محاور النيل.

انتهى.

عن هذا الاستدلال النقلي والرجوع الى جادة المذهب كما نادى بهم الأمدي، أو الإقرار بأن ما قعدوا من ظن في الأدلة النقليّة، ومن بُني عليه من توقي الاستدلال بها في كثير من المسائل، أو تقديم العقل عليها، مسلك خاطئ مرذول. أو فل يقروا على أنفسهم بالاضطراب، حيث قُدم على شيء وأُحجب عن نظيره.

الأثر الرابع: أثر إيماني يتعلق بالعقيدة والعبادة. فإن مقتضى هذه القاعدة التي أَصلها الرازي، أنه مهما اعتقد المسلم ما دلت عليه النصوص أو امتثل طاعة، فثم طرف من الشك يساوره، لربما يكون المراد غير ما اعتقد. أو أفعل مهما قرأ من آية القرآن أو من أحاديث سنة رسولنا صلى الله عليه وسلم، فيبقى في نفسه شيء من التردد في المعنى، إذ ليس لديه ما يستيقن به ليطمئن قلبه. بما أن كل الأدلة اللفظية ظنية، فهذا يقتضي احتمال أن يكون المراد شيئاً آخر، ولكن لا أدري ما هو. وعليه، فلا يمكن استفادة اليقين من الوحي المنزل من رب العالمين على سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. فأي مصيبة وأي كارثة بعد هذا!

ومن هنا، يمكن أن يدخل من يدخل من الزنادقة ليوقعوا في نفوس المؤمنين الشكوك في دينهم، كما نراه من كثير من [ __ ] هذا العصر. وقد صدق شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حينما قال كما في مجموع الفتاوى في الجزء الرابع لصحيفة أع 4، فتجد أبا عبد الله الرازي يطعن في دلالة الأدلة اللفظية على اليقين وفي إفادة الأخبار للعلم. وهذان هما مقدمة الزندقة.

نأتي الآن إلى مناقشة هذه المقالة التي ذهب إليها الرازي وأضرابه. الرد الأول حاصل هذه القاعدة يدور على ثلاث مقدمات:

المقدمة الأولى: العلم بمراد المتكلم موقوف على حصول العلم بما يدل على مراده.

المقدمة الثانية: لا سبيل إلى العلم بمراده إلا إذا تيقنت من انتفاء تلك الأمور العشرة.

المقدمة الثالثة: لا سبيل إلى العلم بانتفائه. المقدمة الأولى صادقة، لكن الثانية والثالثة كاذبة.

والدعوى المجردة عن الدليل يكفي في ردها عدم التسليم بها. هو يقول: لا يمكن كذا إلا بكذا، ولم يذكر دليلاً على ما قال، فهي دعوى مجرّدة، وعليه فهي مردودة.

هذا أولاً.

الرد الثاني: لا يُسلم أن فهم المراد من النصوص موقوف على تلك المقدمات، بل عامة ألفاظ القرآن والسنة معروفة المراد. ويدل على هذا أمور:

أولاً: إن العلم بالمراد بالكتاب والسنة أوضح من العلم بمراد كل متكلم من كلامه، وذلك لكمال علم المتكلم وكمال بيانه وكمال إرشاده ورحمته. وإذا اجتمعت هذه الأمور الثلاثة، فلا بد أن يكون الكلام في غاية الوضوح.

ثانياً: نعلم بالاضطرار أن مصنفي العلوم قد علم الناس مرادهم من ألفاظهم علماً يقينياً، وإنما يقع شيء من الشك في قليل منه. فإذا قرأت في كتاب سيبويه مثلاً باب الفاعل أو باب الفاعل الذي لم يتعدّه فعله إلى مفعول آخر، هكذا ذكر أي سيبويه في الكتاب، هل يوجد عندك أدنى تردد أو أدنى شك، أرحمك الله، في أنه لا يريد الفاعل والمفعول الذي نعرفه في النحو، إنما يريد الفاعل والمفعول في مسائل الحد والزنا وما إليها؟

هل يريد عليك أدنى لبس في هذا، أو أنت تستيقن أن سيبويه يريد هذا المعنى؟ الرازي نفسه إذا فتح كتاب الأم للشافعي، والرازي شافعي، وقرأ فيه: ولو طلق الرجل امرأته أول ما دخلت في الدم لم يعتد بتلك الحيضة، هكذا في كتاب الأم. السؤال: هل سيشك الرازي نفسه في كلمة "طلق" أنها تدل على معنى آخر، أو في كلمة "الرجل" أنها تدل على معنى آخر، أو في كلمة "امرأته" يعني أن هناك احتمال مثلاً أن هناك إضمار في أنه طلق خاله امرأته؟

ما رأيكم يا جماعة؟ هذا لفظ، أليس كذلك؟ ولا بد أن نتحقق من انتفاء الإضمار، ولا سبيل إلى الجزم بذلك.

فربما يكون مراد الشافعي "طلق الرجل امرأته"، يعني طلق "إيش" خاله امرأته، لوجود "إيش" إضمار. فالكلام لا يزال "إيش" ظنياً وليس قطعياً. هل يمكن لعاقل أن يذهب إلى هذا؟ إذاً، كيف بكلام أعلم الخلق وأفصح صلى الله عليه وسلم، وأقدرهم على البيان، الذي اجتمع فيه كمال العلم والفصاحة والحرص والشفقة؟ فكيف بكلام رب العالمين سبحانه وتعالى؟

والعجيب، الرازي نفسه لما أثبت في تفسيره الكلام النفسي على جادة الأشاعرة استدل بما نسبه للأخطل، وهو أن الكلام للفؤاد إلى آخره. السؤال: كيف جزم بمراد الأخطل؟ لماذا لم يطرد قاعدته؟ لماذا لا يكون هناك احتمال إضمار في كلام الأخطل إن صح عنه أن الكلام لفي الفؤاد أثره وليس هو؟

هل إذا قلنا هذا خرجنا عن تقرير الراز؟ هذا هو تقريره، أن الكلام اللفظي يحتمل ماذا الإضمار.

إذا يبقى "إيش" ظنياً، لكننا وجدناه "ماذا" جازماً بمراد الأخطل مع أن الاحتمال "إيش" وارد في كلامه. إذاً، هذا يدلك على أن هذا الموضوع ليس مراداً لذاته كما ذكرت لك آنفًا، إنما هو مراد لغيره مثل قضية تقديم العقل على النقل. لأن العقل أصل للنقل في زعمهم، هم لا يريدون إلا إلغاء دلالة ما لا يوافق أهوائهم من الأدلة.

ثالثاً: من المعلوم بالضرورة أن الذين خطبوا بالقرآن والسنة أولاً، وهم الصحابة رضي الله عنهم، لم يتوقف حصول اليقين عندهم على تلك المقدمات، ولا التابعون، ولا أتباعهم، ولا أئمة الإسلام. بل وما ذكر أحد هذا قط قبل أن يقرر الرازي ما قرر.

أرايتم النبي صلى الله عليه وسلم إذا حدث أصحابه ثم انصرفوا، هل يدّوكّون ليلتهم من بعده؟ هل في كلامه إضمار؟ هل يوجد مجاز؟ هل ثمة اشتراك؟ هل فعل هذا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قط؟ هل مر بكم أن الصحابة رضي الله عنهم توقفوا في معنى حديث واحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحققوا ارتفاع أمر واحد فقط من تلك الأمور العشرة؟

ثم هل التابعون الذين سمعوا من الصحابة، وأتباع التابعين الذين سمعوا من التابعين، هل كان منهم هذا التوقف؟ أم أن الأئمة الأربعة وفقهاء الإسلام كلهم كانوا جازمين بمعنى ما فهموا وحملوه على ظاهره؟ واستيقنوا في عامة أدلة الكتاب والسنة أن هذا مراد الله وهذا مراد رسوله صلى الله عليه وسلم.

الأمر الرابع: جميع الأمم يعرف بعضهم مراد بعض ضرورة. بل إن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسمعون تسبيح الطعام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ويفهمون المعنى. حتى إن الطفل ليميز مراد أمه بلفظها، طفل صغير دون التمييز، يسمع من أمه كلمة فيفهم ويعمل بمقتضاها بلا تردد. أغبى الناس يعرف مراد محدثه غالباً، ولو كان محدثه يتكلم بكلام ركيك. بل حتى الحيوانات قد تعرف مراد محدثها من الناس ومراد بعضها لبعض.

يا أيها النمل، ادخلوا مساكنكم. اليوم أنتم تشاهدون وتعرفون أن الكلب يُنادَى عليه تعال، واذهب، والقطّة تتعاملون معها بكلمة أمر أو نهي فيفهم المراد ويستجيب. بل السحابة فهمت مراد الملك الذي قال لها: اسقِ حديقة فلان. فكيف بالإنسان الذي جعله الله سبحانه وتعالى ذا عقل، ودقة فهم.

لا يستطيع أن يفهم المراد بالكلام إلا إذا كتب ورقة طويلة عريضة، ثم انطلق يتحقق من كل جملة، ثم انطلق يتحقق في كل جملة من انتفاء تلك الأمور العشرة. ولو اجتهد وبحث طيلة حياته في تقرير أنه لا يوجد ما يمنع حمل الكلام على ظاهره في جملة واحدة، فيبقى احتمال وجود ما لم يقف عليه، فعدم الدليل ليس دليلاً على العدم.

فأي عاقل يقبل مثل هذا التقرير؟

الرد الثالث: هذا القانون يفتح باب الزندقة والطعن في الشريعة من أوسع الأبواب، وذلك من وجوه. أولاً: إن الله تعالى قد بين كلام غاية البيان، وأرسل رسله ليبينوا لأممهم. وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم، فوظيفة الرسول أن يبينوا وقد قاموا بما أوجب الله عليهم. إذا البيان حاصل، وإذا جاز أن لا يبين النبي صلى الله عليه وسلم وحي الله بياناً تاماً يقطع الاحتمال، جاز أن يقال إنه لم يبين بعض ألفاظ الوحي، وهذا قدح في الرسالة من أصلها.

ثانياً: إن قولهم هذا يفتح الباب لمن أراد أن ينسلخ من شيء مما ورد في الوحي. فالجم يقررون بناءً على ظنية الأدلة ما يقررون من نفي الصفات، والفلاسفة يفعلون الفعل نفسه في أدلة المعاد، والباطنية تفعل الفعل نفسه في نصوص الأمر والنهي. وهل يجري ذلك؟

ثالثاً: هذا القانون مخالف للقرآن تمام المخالفة. فالله جل وعلا قد بين في كتابه أن آياته قد أُحكمت ثم فُصلت، وأن عامته محكم غير متشابه، وأما هؤلاء فقد جعلوه كله متشابهاً، والعقل هو المحكم الذي يُرد إليه المتشابه.

رابعاً: الله جل وعلا قد دعا إلى فهم كتابه واستفادة الهدى واليقين منه وذم الذين لا يعقلون. فمن قال إنه لا يستفاد منه يقين فقد ناقض ذلك.

الوجه الخامس من الرد الثالث: مضمون هذا القانون جهد الرسالة. هذا لازم لا ينفك عنه هذا القانون، وأن ترك الناس بغير وحي خير من أن ينزل إليهم وحي لا يُستفاد منه يقين ولا طمأنينة، والعقل مغنٍ في حصول اليقين في أصول المسائل.

الرد الرابع: هذه الأمور العشرة التي ذكرها الرازي مدارها على أمر واحد، وهو أن اللفظ يحتمل أن يُراد منه شيء آخر. وقد علم قطعاً أن اللفظ إن كان يُراد منه الإفحام، فإن المراد هو ما ظهر منه، وما يُقدر من احتمال شيء آخر إنما يُقدر مع قرينة توضح المراد. وأما مع عدمها فلا قيمة لهذا الاحتمال، وإلا كان الكلام من جملة الأحاجي.

والوحي نور وهدى وبيان مُنزَّه عن الأحاجي. ولا يخفى أن تقدير الاحتمالات في الكلام يجر إلى شر لا أول له ولا آخر. وستفسار العشرة، وهو أن يقال: إن أي كلام يحتمل إضمار، فلن يستقر حينها عقد من العقود، لا بيع ولا نكاح ولا غير ذلك، كما أنه ستُلغى كل الأحكام الشرعية المترتبة على القذف والردة؛ وذلك لأن احتمال الإضمار شبهة تَدُرَّ بها الحدود، فأي فساد أعظم من هذا الفساد؟

الرد الخامس: زعم من زعم أن الأدلة النقليّة لا تفيد اليقين لكل أحد كذب ظاهر، لأن أهل العلم والإيمان قد حصل لهم الاطمئنان واليقين بها والجزم بمعناها. وإذا أخبر أهل البدع أنهم في ظن منها أو حيرة واضطراب، فإنما يخبرون عن أنفسهم، وليس لهم أن يجعلوا هذا قضية عامة.

الرد السادس: يلزمه فيما يزعمون من الأدلة العقلية نظير ما أوردوا على الأدلة النقليّة، وذلك أن الأدلة العقلية والنقليّة إنما تؤدى عن طريق الألفاظ، فالباب إذاً واحد. فما أورد على أدلة الوحي يُرد على الأدلة العقلية، وعليه، فقد عادت قاعدتكم إلى نسف عموم الأدلة العقلية وعموم الأدلة النقليّة أيضاً.

الرد السابع: المتحقق بمعرفة الشريعة يجزم بأن أدلتها لا تقبل الظنية بمعنى أن تكون أدلتها كلها أو جلها ظنية الدلالة. هذا لا يمكن أن يكون، لأنها حجج الله على خلقه، والحجة الأصل فيها أن تكون مستيقنة، ولأن الله أراد من العباد العلم، فقال سبحانه: "فاعلم أنه لا إله إلا الله".

"فاعلموا أن ما أنزل بعلم الله لتعلموا أن الله على كل شيء قدير". "أفمن يعلم أن ما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى". وبالأخرة، هم يوقنون، أما الظن فإنه بغير المسلمين اليقين، وإذا قيل إن وعد الله حق، والساعه لا ريب فيها، قلتم: ما ندري ما الساعة، إن نظن إلا ظنًا وما نحن بمستيقنين.

الرد الثامن: هذا التقرير الذي سمعته يقتضي إضعاف الإيمان بالنبوة، ولا بد. وهذا يدلك على أن القضية من قبل ومن بعد تحقيق للإيمان أو خلل في هذا الإيمان. ولشيخ الإسلام تقرير حسن ماتع لهذا الموضوع، أحيلك إليه في درء التعارض في المجلد الخامس في صحيفة 285، قال: "خلاصة".

وقال خلاصة نافعة في هذا في الصحيفة 258: "لا تجد من سلك هذه السبيل وجوز على الأدلة السمعية أن يعارضها معقول صريح ينافيها إلا وعنده ريب في جنس خبر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وليس لكلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في قلبه من الحرمة ما يوجب تحقيق مضمون ذلك، فعلم أن هذا طريق إلحاد ونفاق، لا طريق علم وإيمان".

الرد التاسع: الحمل على الظاهر في الكلام ضرورة دينية ودنيوية. المسألة ليست مسألة حاجة، إنما هي مسألة ضرورة. فلا يستقيم حال الناس في مخاطبتهم وأمور دينهم أو دنياهم إلا إذا حُمِل الكلام على الظاهر. وهذا القانون المذكور خلاصته ولبه والمراد منه إنما هو تسهيل الحمل على خلاف الظاهر.

أعيد وأكرر: القضية ليست مرادة لذاتها، بل مرادة لغيرها.

الرد العاشر: لا يجوز في وحي رب العالمين أن يكون الكلام على خلاف ظاهره، ولا قرينة تدل عليه. وهذا لا يمكن أن يقع، لأنه لو كان كذلك، كان الوحي أقرب إلى الضلال منه إلى الهدى. فمتى ما كان ثم حمل للكلام على خلاف ظاهره فلا بد من قرينة. وإذا جمعت الكلام بسياقه وقرينته، صار هو الظاهر، وصار الخروج عنه هو الحمل على خلاف الظاهر.

أما أن يوحي الله سبحانه إلى نبيه عليه الصلاة والسلام وحيًا مقروءًا أو غير متلو والكلام فيه على خلاف ظاهره، ولا قرينة تبين لنا ولا يبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذاً، لماذا أُرسل، وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم؟ فالواجب على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبلغ البلاغ المبين. إذاً، لا بد أن يكون في الكلام ما يدل على المراد.

الرد الحادي عشر: قانونهم يعارض ثبوت حُكم الله سبحانه ورحمته. الله جل وعلا من رحمته وحكمته يريد ليبين لنا. ليس هو القائل يريد الله ليبين لكم. ثم نبيه صلى الله عليه وسلم يقول كما عند النسائي وأحمد: "إنما أنا لكم مثل الوالد، أعلمكم".

إذاً، لا بد أن يكون الكلام واضحًا صريحًا على ظاهره. أما أن تدعى تلك المقدمات التي زعمت وتوهم الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الناس هملاً دون أن يوضح لهم المراد، فهذا مستحيل. إذ لازم ذلك القدح في حكم الله عز وجل ورحمته، حيث أنزل كلامًا وصفه بالهدى والنور والبيان والتبيان، وأنه أحسن تفسيرًا، ومع ذلك فلا يمكن بحال أن تجزم وتقطع بالمراد منه.

الرد الثاني عشر: إن قانونهم يعارض الحكمة من إرسال الرسل، وهي البلاغ. وإن شئت فقل: قانونهم يستلزم القدح في بلاغ رسول الله صلى الله عليه وسلم. والأمر أوضح من أن يُوضّح.

الرد الثالث عشر: إن قانونهم يعارض كون الهدى مستفادًا من الوحي. وكل القواعد الكلامية التي قررها المتكلمون ومرت بنا تدور على أن الهدى في المسائل العلمية مرجعها إلى العقل، لا إلى النقل. ونحن نقول إن هذا لا يمكن أن يكون، لأن القرآن قد بين لنا أن الهدى سبيلها الوحي.

الرد الرابع عشر: إن قانونهم يعارض مقتضى صفات القرآن الكريم من كونه نورًا مبينًا وبيانًا وتبيانًا وهدى وشفاء وأحسن تفسيرًا وبشرى للمسلمين. تأمل هذه الصفات، تأمل مقتضياتها ولوازمها، ثم عد بالنظر إلى ما قرره أولئك، تجد التنافي حاصلاً.

اسمع قوله تعالى: "ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين". تأمل قوله تعالى: "يا أيها الناس، قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين". اقرأها يا رعاك الله بكل هدوء وتأمل، اشبعها تدبرًا كلمة كلمة. هذه الصفات لا تتوافق إلا مع يقينية الأدلة اللفظية، وخذها قاعدة: صفات القرآن لا تتوافق إلا مع يقينية أدلة الوحي. فثم تلازم بينهما.

أنا أريد شفاء لما في صدري، والشفاء ملازم لليقين. إذا متى وجَدَ اليقين وُجِدَ الشفاء. ولذلك قلنا سابقًا: أهل السنة حينما يأخذون بأدلة الكتاب والسنة، يأخذونها مأخذ الافتقار والحاجة. هم يبحثون عن شفاء العلل التي في نفوسهم، يريدون الدواء الشافي. والدواء الشافي إنما يكون بأن تطمئن وتسكن وتستيقن الله من كلامه.

أما في كل نص تبقى حَزازة في نفسك: لربما يكون المراد خلاف هذا. إذاً، ربما كل الدين الذي التزم به أو جلّه مشكوك فيه، لربما يتبين لي يوم القيامة شيء آخر خلاف ما أُخبرت به في الوحي الذي الشكوك تحوم حوله وحول دلالته. فأي مصيبة هذه؟

إذاً، تنبه يا رعاك الله: اليقينية قاعدة أصيلة عند أهل السنة، والظن قاعدة أصيلة عند المتكلمين. اليقينية عندنا والظن عندهم.

الرد الخامس عشر: قانونهم يعارض قاعدة مُتَّفق عليها بين أهل العلم، وهي: الكلام إذا أُريد به الهدى فلا بد أن يكون مرادًا للمتكلم، مفهوماً للسامع. أما أن يُراد بالكلام غير الهدى، فهذا شأن آخر. هذا مقام ألغاز وطلاسم وأحاجي. نحن نتكلم في كلام يريد المتكلم إفحام السامع وإفادته وهدايته إلى الصواب. إذاً، لا بد أن يكون كلامه في ظاهره مرادًا له، ومفهومًا لدى السامع.

إذاً هما أمران مهمان: تنبه لهما الكرام. الكلام عند إرادة الهدى مراد للمتكلم ومفهوم لدى السامع. فلا بد أن يجتمع في الكلام الذي وُضع للهداية الكلام الهادي.

الرد السادس عشر: قانونهم يعارض قاعدة متفق عليها بين العقلاء، وهي أن غاية الكلام الإفحام. هذا أصل متفق بين بني آدم: أنهم إذا تكلموا، فإنما وهذا هو الأصل فيهم أن يريدوا إفحام بعضهم. والإفهام لا يكون إلا بحمل الكلام على ظاهره.

إن العجب لا ينقضي من هؤلاء المتكلمين عندما يزعمون احتمال أن يكون في كل كلام لفظي من كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم إضمار أو احتمال اشتراك إلى آخر ما ذكروا؟

إذاً لماذا النبي صلى الله عليه وسلم ما أوضح المراد إيضاحًا يُزيل اللبس؟ أليس هو القائل كما عند أحمد وابن ماجه: "تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك".

أيظنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يُبالي أن نقع في السقطات وفي حُفر الخطأ؟ أهذا ظنكم برسول الله صلى الله عليه وسلم؟

ثم إنه لا يخفى حرص الصحابة رضي الله عنهم على ضبط الألفاظ النبوية ومعانيها. بل حرصهم على ضبط المعاني أعظم، لأن الألفاظ لا تُراد إلا للمعاني التي تحتها. فإذا كان الصحابة رضي الله عنهم أحرص شيء على ضبط هذه الألفاظ، فلا بد أن يكون حرصهم على ضبط المعاني أشد.

وإذا كان الأمر كذلك، وكان في الآية أو الحديث ما يُشكل، فلا بد أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولدينا شواهد على ذلك. مر بنا حديث أنس كيف يُحشر الكافر على وجهه. فبين النبي صلى الله عليه وسلم المراد.

حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول، والحديث عند مسلم: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها".

قالت: بلى يا رسول الله. فانتهرني صلى الله عليه وسلم. قد قال الله عز وجل: "ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا".

إذا ما بالهم رضي الله عنهم يسمعون المستشكالات والمجازات وما يحتمل إضمار أو اشتراك إلى آخره، ثم يسكتون ولا يهتمون ولا يبالون، فهموا أم لا؟

ثم ينقلون هذه الغامضات كما هي، ليُدعوا الأمة تسبح في الشكوك والحيرة. أهذا ظنكم بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

الرد السابع عشر: الاحتمالات المجردة لا يُلتفت إليها ولا يُبنى عليها. وهذا شيء لا أظن أحدًا من العقلاء يخالف فيه.

الرد الثامن عشر والأخير: إن حال السلف الذين هم أهدى سبيلاً وأقوى مقيلاً، قد حملوا النصوص على ظاهرها واستيقن بمعانيها، ولم يكن عندهم أدنى تردد في ذلك. خذ مثلاً في البخاري: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بينما رجل يسوق بقره إذا ركبها فضربها، فقالت: إنما خلقنا للحرث"، فقال الناس: سبحان الله، بقرة تتكلم.

قال: "فإني أؤمن بهذا، أنا وأبو بكر وعمر".

ثم ماذا؟ "بينما رجل في غنمه إذ عدى الذئب فذهب منها بشاة فطلب، حتى كان كأنه استنقذ منها، فقال له الذئب: هذا استنقذتها مني. فمن لها يوم السبع، يوم لا راعي لها غيري".

قال الناس: سبحان الله، ذئب يتكلم.

قال "فإني أؤمن بهذا، أنا وأبو بكر وعمر".

ما هما ثم؟ الكلام حمل على ظاهره واستيقن بمعناه لأن المخبر به هو الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.

فاستيقظ وغائب. تنبه يا رعا الله. الله عز وجل يقول: "ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا اعتدنا للكافرين سعيراً".

ويقول ربنا سبحانه: "فأمنوا بالله ورسوله". فما معنى الإيمان؟

فما معنى الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم؟ أليس الإيمان يقتضي حقيقة؟

أليس الإيمان به رسولا يقتضي حقيقة الإيمان بكل ما أخبر به؟

والإيمان أخص من التصديق المطلق، فهو إيمان مع طمأنينة، والطمأنينة لا تكون إلا مع اليقين، وهذا الذي كان عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. والله ما ترددوا لحظة في التصديق ووضوح المعنى في كل ما أخبر به صلى الله عليه وسلم.

ثبت عند الحاكم في مستدركه في قصة الإسراء: أن أبا بكر رضي الله عنه قالت له قريش: هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أُسري به الليلة إلى بيت المقدس؟

قال: "أو قال ذلك؟".

قالوا: نعم.

قال: "لإن كان قال ذلك لقد صدق".

قالوا: أو تصدقه، إنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟

قال: "نعم، إني لاصدق فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو رواحة".

هكذا يا إخوتي كان حال السلف في تصديق الوحي. لا تردد ولا احتمال في المراد.

عن الربيع بن سليمان قال: سأل رجل الشافعي عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم. فقال له الرجل: فما تقول؟ فارتعد وانتفض، وقال: "أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت بغيره؟".

وفي الحلية أيضاً، وفي ذم الكلام للهروي عن الحميدي، قال: "كنا عند الشافعي، فأتاه رجل فسأله عن مسألة. فقال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا".

فقال رجل للشافعي: "ما تقول؟".

قال: "سبحان تراني في كنيسة، تراني في بيعة، ترى على وسطي زًنارًا، أقول لك: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت تقول لي: ما تقول؟".

وفي ذم الكلام، عن ابن خزيمة رحمه الله قال: "قلت لأحمد بن نصر: وحدّث بخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، أتاخذ به؟".

قال: "أترى على وسطي زًنارًا، لا تقل: لخبر النبي صلى الله عليه وسلم أتاخذ به، وقل: أهو صحيح؟".

فإذا صحّ الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، قلت به شاءت أم أبت.

هكذا كانوا يقابلون الأدلة بالتسليم التام. فأين هذا عن منهج المتكلمين يا إخوتي؟

هكذا كان تعامل السلف مع النصوص: الكلام على ظاهره واستيقاط به، لا معارضات عقلية ولا غيرها. هذه طريقة المسلمين حقاً، هذه طريقة أهل التسليم والإذعان.

وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم. إنما كان قول المؤمنين إذا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم، أن يقولوا: سمعنا وأطعنا.

فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً.

هذا هو الإسلام، وهذا حال المسلمين حقاً. والله المستعان، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.