Transcription
وبالقدر المقدور، أيقن فانه دعامه عقد الدين، والدين أفيح طيب. وبالقدر المقدور، أيقن فانه دعامه عقد الدين، والدين أفيح، الدين واسع، وفيه أشياء كثيره. فيه امور عقديه، وفيه امور عباديه، وفيه معاملات. لكن هناك اصول واركان ومعاقد، ومن ذلك القدر، فالايمان به ركن من اركان الايمان، كما ثبت هذا في حديث جابر في حديث جبريل عليه السلام المشهور في صحيح مسلم.
لما بين النبي صلى الله عليه وسلم أركان الايمان، قال: "وان تؤمن بالقدر خيره وشره". فالايمان بالقدر شأنه في هذا الدين عظيم، وهو نظام التوحيد. كما روي هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، لن يستقيم توحيدك إلا إذا استقام ايمانك بالقدر.
هذا القدر، لا بد من الايمان فيه واليقين. وبالقدر المقدور أيقن، فهذا ليس محل ظن أو شك، هذا محل ايمان ويقين. والبحث في باب القدر بحث طويل، والإمام ابن أبي داود رحمه الله أجمل في هذا البيت ما يتعلق بالقدر. ومعاقد الكلام في القدر عند أهل السنة والجماعة يرجع ذلك إلى ثلاثة أصول تجمع لك خلاصة معتقد أهل السنة والجماعة في باب القدر.
ويتفرع عن كل أصل مسائل، ولكن حسبنا أن نشير إلى هذه الأصول نظرا لضيق الوقت.
**الأصل الأول:** يؤمن أهل السنة والجماعة بأن كل ما يقع فإنه راجع إلى علم الله وكتابته ومشيئته وخلقه. كل ما يقع فإنه راجع إلى علم الله ومشيئته. ما من شيء يكون في هذا الكون إلا والله جل وعلا قد علمه وكتبه وشاء وخلقه. وهذه الأمور الأربعة كما تعلمون هي مراتب القدر التي أطبق عليها الأنبياء عليهم السلام وأتباعهم.
أما الأمر الأول فهو علم الله عز وجل القديم؛ فالله جل وعلا علم كل شيء مما كان أو هو كائن أو سيكون، أو مما لم يكن لو كان كيف يكون (ممكنًا كان أو مستحيلا). الله جل وعلا علم كل هذا بعلمه الواسع. ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلمًا، ولا يمكن بل يستحيل غايه الاستحاله أن يكون شيء من الأشياء خارجًا عن معلوم الله عز وجل. كل شيء قد علمه الله سبحانه وتعالى.
وهذا العلم القديم صفة ذاتية لله عز وجل، إنه لم يزل ولا يزال عليما، وليس أنه اكتسب علم شيء كان يجهله (تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا).
**ثانيا:** أن الله جل وعلا كتب كل شيء يقع في هذا الكون إلى قيام الساعة في اللوح المحفوظ، وكانت الكتابة قبل خلق السماوات والأرض ب 500 ألف سنه، أو ب 50 ألف سنه، كما ثبت هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم.
**الأمر الثالث:** الإيمان بمشيئة الله عز وجل. ومشيئة الله هي الموجبة للأشياء على الحقيقة، بمعنى أن كل شيء إنما يقع لأن الله شاءه، ولو لم يشأ الله لم يقع. ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
فمهما تسلسلت الأشياء فإنها ستنتهي إلى مشيئة الله جل وعلا. فمشيئة الله هي التي أوجبت وقوع ما وقع، وكل شيء لم يقع فإنه لم يقع لأن الله لم يشأه. ولو شاءه لوقع، والله لا يعجزه شيء، ولا يغالبه في هذا الكون أحد. فلو شاء أن شيئًا يقع فإنه سيقع كما شاء.
**الأمر الرابع:** الإيمان بأن الله خالق كل شيء. فالله سبحانه وتعالى خالقه، ولا وجود لشيء إلا للخالق. والمخلوق لا يوجد شيء إلا خالق ومخلوق، والله وحده الخالق.
إذاً، كل ما سواه فإنه مخلوق. قال سبحانه: "الله خالق كل شيء"، وقال سبحانه: "وخلق كل شيء". إذا ما من شيء إلا والله عز وجل خالقه سواء كان عينا أو فعلا أو صفه. كل شيء فالله جل وعلا خالقه.
هذا هو الأساس الأهم والأكبر في القدر. والإيمان بالقدر هو الإيمان بهذه الأمور الأربعة، أصلا، هذا هو الأصل أن تؤمن بعلم الله وكتابته ومشيئته وخلقه.
**الأمر أو الأصل الثاني:** يعتقد أهل السنة والجماعة أنه لا تعارض بين إثبات مشيئة الله لأفعال العباد وخلقه لها، وبين إثبات مشيئة العباد وأفعالهم. يعتقد أهل السنة أنه لا تعارض بين إثبات مشيئة الله لأفعال العباد وخلقه لها، وبين إثبات مشيئة العباد وأفعالهم.
عندنا هنا أربعة أمور، وما فاز بالجمع بين إثباتها إلا أهل السنة والجماعة فحسب. وأما الفرق الأخرى فلا بد أن تجد أنهم أثبتوا شيئًا منها ونفوا شيئًا. أما أهل السنة والجماعة فإنهم وحدهم الذين وفقهم الله عز وجل بأن لانت قلوبهم وسمحت نفوسهم باعتقاد الجمع بين هذه الأمور الأربعة.
فهم يثبتونها جميعًا. يثبتون أن للعباد مشيئة. العبد له مشيئة حقًا وله قدرة حقًا، وأنه يفعل بمشيئته. لمن شاء منكم أن يستقيم: "فاتوا حرثكم أنا شئتم". وهذا ما يدركه الإنسان من نفسه قطعا؛ إنه يفعل شيئًا بمشيئته هو يريد فيفعل.
**الأمر الثاني:** أن أفعال العباد التي تصدر منهم هي أفعالهم حقيقة، وليست أفعالهم مجازًا كما يقولون. هم فاعلون، وليس أنهم مفعول بهم كما تقول الجبرية. إنما العباد يفعلون حقيقة، ولذا فإنهم إن حسبوا وجوزوا فإنما يحاسبون ويجازون على أعمالهم جزاءً بما كنتم تعملون. قال سبحانه في الحديث القدسي: "يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيهَا لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه".
هذا عملك وأنت تتحمل مسؤوليته. إذًا العباد فاعلون حقيقة، والعباد يكسبون، فلهم ما كسبوا وعليهم ما اكتسبوا. "لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت".
**الأمر الثالث:** إثبات مشيئة الله عز وجل وأن كل شيء لا يقع إلا بمشيئة الله، حتى فعلك ومشيئتك فإنها تابعه لمشيئته عز وجل. لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين. فمشيئتك وفعلك، كل ذلك تابع لمشيئة الله سبحانه وتعالى.
**الأمر الرابع والأخير:** أن تؤمن بأن الله عز وجل خالقك وخالق فعلك. فأنتم مخلوقون لله سبحانه وتعالى، كما أن الله عز وجل خلق ذواتكم، فإنه قد خلق أفعالكم. فحركات قيامك وعودك وصلاتك وصيامك وأخذك وإعطائك، وكل شيء فإنه مخلوق لله سبحانه وتعالى.
خلق الله عز وجل في الوقت الذي قمت به، في هذا العمل. فإن الله عز وجل قد خلقه لما قمت به. وهذا الموضع يحتاج إلى حسن تأمل حتى يتصوره الإنسان تصورًا صحيحًا.
فبعض الناس يقول: "أنا على يقين من أني أنا الذي قمت بالعمل، فكيف يكون مع هذا مخلوقًا لله عز وجل؟" الجواب عن هذا يتم بمعرفة أصل، وهو أن الله جل وعلا قد يخلق بلا واسطة، وقد يخلق بواسطة.
قد يخلق بلا واسطة كما خلق الله عز وجل آدم عليه السلام، وقد يخلق بواسطة كما خلق حواء بواسطة آدم، وكما خلق الله عز وجل المطر بواسطة السحاب، وخلق خلقنا نحن بواسطة الوالدين إلى آخره.
فالله عز وجل له الحكمه البالغة. قد يخلق بواسطة وقد يخلق بلا واسطة، مع غناه سبحانه وتعالى عن الوساطة، لكنها حكمته تبارك وتعالى.
أفعالنا من هذا القسم الذي خلقه الله بواسطة. ما هي هذه الوساطة؟ نحن، نحن الوساطة. الله جل وعلا خلق أفعالنا بواسطة أنفسنا، ويعينك على فهم هذا أن تعلم أن الفعل لا يكون فعلا إلا باجتماع ثلاثة أمور:
لابد من قدرة تامة، ولا بد من إرادة جازمة، ولا بد من زوال المانع. كم هذه ثلاثة؟ أولاً: لابد من قدرة تامة. لا يمكن أن تقوم بشيء، هل حتى ولو كنت مريدا له إلا إذا كان عندك قدرة على القيام به.
لو أراد إنسان أن يحمل هذا المسجد بيده، هل يمكنه أن يتمكن من هذا؟ لا يتمكن. لماذا؟ لعدم القدرة. إذاً لابد من قدرة، ولا بد من إرادة جازمة. لو أن عنده قدرة ولكنه لا يريد، هل سيقع الفعل؟ أجيبوني، يا جماعة، لو كان مترددًا: أفعل؟ لا أفعل؟ متردد. لا يقع.
متى سيقع؟ إذا كانت الإرادة جازمة. ولا بد أيضًا من زوال المانع. قد يكون عندك قدرة، ولك إرادة، ولكن جاء من هو أقوى منك، فمنعك.
لن يقع الفعل، والسؤال الآن: من الذي منحنا القوة والقدرة؟ الله جل وعلا، ولو شاء أن يسلبها منا في لحظة لفعل. ومن الذي أوجد هذه المشيئة في قلوبنا؟ الله جل وعلا، ولو شاء أن يذهبها لفعل. ومن الذي يزيل الموانع عنا؟ الله جل وعلا.
فإذا كان الفعل لا ينشأ ولا يتولد إلا من هذه الأمور، وهي مخلوقة لله عز وجل، كان ما تولد منها مخلوقًا لله عز وجل. وهذا من أوضح ما يكون، والله جل وعلا أعلم.
**الأصل الثالث والأخير:** ما يتعلق بالهدایه والاضلال. يعتقد أهل السنة والجماعة أن الهدايه والاضلال بيد الله عز وجل. فهو يهدي من يشاء نعمة منه وفضلا، ويضل من يشاء حكمة منه وعدلا.
عندنا هنا أمران: الهدايه والاضلال. أما الهدايه فلها أربعة ضوابط عند أهل السنة والجماعة.
**الضابط الأول:** الهدايه محض تفضل من الله سبحانه. الهدايه بيد الله سبحانه وتعالى، فهو الذي يهدي من يشاء. ولولا أن الله شاء الهدايه، فإنها لا يمكن أن تقع مهما حاولت أن تهتدي، ومهما قمت برياضات النفسية أو خلوت أو عكفت أو اجتهدت، ولكن الله عز وجل لم يشأ الهدايه لك، فإنها لا يمكن أن تقع.
الله جل وعلا يهدي من يشاء كما أنه يضل من يشاء؛ فهي مرجعها إليه سبحانه وتعالى، فهو الذي يمنحها من يشاء.
**الضابط الثاني:** أن الهدايه محض تفضل من الله عز وجل. فليس شان فيها شان معاوضة؛ قدمت فتستحق على الله أن يهديك. الأمر ليس كذلك، إنما هو تفضل محض من الله جل وعلا.
وأنت ليس منك شيء ولا إليك شيء. وقالوا: "الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله". والله لولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا، ولا صلينا.
فالهداية ليقولوا: "أهؤلاء من الله عليهم من بيننا!". هذه مقالة المشركين، نحن السادة والرؤساء، وهؤلاء الصحابة ضعفاء. "أهؤلاء من الله عليهم من بيننا؟".
ماذا كان الجواب؟ "أليس الله بأعلم بالشاكرين؟". إذا، الله عز وجل أعلم بالمحل اللائق بنعمته، فوضع سبحانه وتعالى فضله في المحل اللائق به. وهذا مقتضى الحكمة، الحكمة وضع الشيء في موضعه اللائق بالغايات المحمودة منه، هذا هو المحل المناسب.
إذا وضع الله عز وجل الهدايه في قلب، فلعلمه أن هذا هو المكان المناسب، فكان الوضع هو الحكمة.
إذا ليست القضية عبثية، وليست القضية راجعة إلى مشيئة محضه. الأمر ليس كذلك. الشأن في الهدايه مشيئة مقترنة بعلم وحكمة.
وإذا تأملت في آية في كتاب الله عز وجل، وجدت هذه الضوابط الثلاثة فيها. قال سبحانه: "ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان. أولئك هم الراشدون". هذه حقيقة الهدايه، اليس كذلك؟ ممن كانت؟ من الله.
إذا الهدايه إلى الله، هذا الضابط الأول. ولكن الله هو الذي فعل هذا، هو الذي حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم. ثم قال: "فضلا من الله ونعمة"، هذا هو الضابط الثاني.
والله عليم حكيم، هذا هو الضابط الثالث. إذاً هذه الآية تجمع لك الضوابط الثلاثة.
**الضابط الرابع:** تفضل الله عز وجل بالهدایه أولی وتابع أو أولی ولاحق، بمعنى الهدايه هدايه أوليه. فالله جل وعلا يوقع في القلوب الهدايه. فيهدی العبد؛ يكون ضالا، فيهتدي. يكون منحرفا فيستقيم. هذه خصيصة يبتدئ الله عز وجل بها من أحَب ويوقعها في قلب من شاء.
أو من كان ميتًا فأحييناه، وجعلنا له نورا يمشي به في الناس. أما الهدایه اللاحقه فإنها تكون بعد ذلك، إذا اهتدى العبد واستقام، فإن الله سبحانه وتعالى يجازيه على ذلك بأن يزيده خيرًا واستقامة.
وكلما عمل حسنة، هداه الله عز وجل إلى حسنة بعدها. فإذا قام بالتي بعدها، هداه الله عز وجل إلى حسنة ثالثة، وهلم جرا. والله جل وعلا يقول: "والذين اهتدوا زادهم هدى". والله جل وعلا يقول: "فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى، ماذا فسنيسره لليسر".
وهذا ما ينبغي أن تستحضره إذا صليت، فتلو قوله تعالى: "اهدنا الصراط المستقيم". العبد بحاجة إلى أن يهديه إلى الصراط، وبحاجة إلى أن يهدى في الصراط.
كل شيء تفعله مما تتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى، فأنت والله ما فعلته إلا لأن الله هداك إليه.
هذا عن موضوع الهدایه. أما الاضلال، فإن هذا الموضوع له أربعة ضوابط أيضًا.
**الضابط الأول:** أن الله عز وجل يضل من يشاء. فالضلال راجع إليه سبحانه وتعالى مشيئه، هو الذي شاء أن يضل الضال، وليس أن الله عز وجل أراد هدايته والعبد أراد اضلال نفسه، فغلبت مشيئة العبد مشيئة ربه. لا، والله الأمر ليس كذلك؛ إنما الله عز وجل هو الذي يشاء اضلال العبد.
والله سبحانه وتعالى يقول: "قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب".
**الضابط الثاني:** أن اضلال الله عز وجل محض عدل منه. إذا أضل الله عز وجل أحدا، فإن هذا عدل من الله. والعدل محمود أو مذموم؟ أجب بلا شك أنه محمود.
كيف كان الاضلال عدلا؟ الجواب أن الاضلال عقوبة واقعة في محل مستحق لها. انتبه، الاضلال هو عقوبة واقعة في محل مستحق لها.
فإذا أضل الله عز وجل أحدًا، فإن هذا كان منه عقوبة على ما أجرحه هذا الضال. وبناءً عليه كان الاضلال عقوبة مستحقة، وهذا عدل من الله تبارك وتعالى.
توضيح ذلك: أن الله سبحانه وتعالى أرسل الرسل، وأنزل الكتب، ومكن من الهداية. فأعطى القلوب والأسماع والأبصار، ويسر الخير لعباده. فإذا أعرض العبد عن ربه، وما أقبل ولا استجاب لدعوته، فإن الله سبحانه وتعالى يضله عقوبة على ما فعل.
وهذا منه عدل محمود. قال سبحانه: "وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى". إذاً هؤلاء مستحقون للاضلال الذي هو عقوبة في حقهم، أليس كذلك؟ تيسرت لهم أسباب الهداية، لكنهم أعرضوا عن الله.
قال سبحانه: "ثم انصرفوا". ما النتيجة؟ صرف الله قلوبهم، أضلهم الله عز وجل لأنهم أعرضوا عن الله. فأعرض الله عز وجل عنهم، وأعرض بقلوبهم عن الحق.
إذاً لابد أن تفهم أن الاضلال هو عقوبة، وإيقاع العقوبة في محلها عدل وحكمة.
**الضابط الثالث:** أن الاضلال من الله عز وجل محض حكمة منه، لأنه وضع الشيء في موضعه المناسب للغايات المحمودة منه. فالاضلال وقع في محله، فهؤلاء لا يليق بهم إلا الضلال.
الهداية لا تليق بهم من أضلهم الله عز وجل، فحكمته هي أن يكون ضالا، وهذا هو الذي يليق به. ولو علم الله فيهم خيرًا، لأسمعهم. ولو أسمعهم، لتولوا وهم معرضون. مثل هؤلاء لا يستحقون هداية الله جل وعلا.
فالنعمة ينبغي أن توضع في المحل المناسب.
أريدك أن تتخيل لو أن هناك مجرما عاتيا، لو من الله، لو من العبد، لو من الحاكم مثلاً عليه بالعفو وتفضل عليه بالمسامحة، فأطلقه، فخرج، وقتل أول رجل يقابله؛ لأنه رجل في غاية الإجرام وغايه الخبث.
فهل التفضل عليه هو الحكمة، أو حبسه وعقوبته هي الحكمة؟ أيش رايكم يا جماعة؟ لا شك أن الحكمه هي في حبسه وعقوبته، والحكم والتفضل ها هنا ليس من الحكمة في شيء.
الضالون الذين صدوا عن ربهم، لا يليق بهم إلا الاضلال. والحكمة، كل الحكمة في أن يكونوا ضالين، فإنهم في غاية الخبث والنجاسة المعنوية، ومثل هذا المحل لا يليق به الطهارة وكرامة الله عز وجل بالهداية.
ومما يسهل لك فهم هذا الموضوع أن تعلم ما أخبر الله عز وجل عن حال هؤلاء الضالين. فإن الله جل وعلا قد أخبر بحال الكفار الضالين، لو قدر رجوعهم إلى الدنيا بعد معاينة النار. ونحن قد علمنا أنفا أن الله علم ما لم يكن لو كان كيف يكون.
طيب، أخبر الله عز وجل عن الكفار أنهم إذا عاينوا العذاب يطلبون الرجوع إلى الدنيا ليعملوا صالحًا غير الذي كانوا يعملون. صح ولا لا؟ طيب، ماذا قال الله عز وجل في حال هؤلاء إذا طلبوا هذا الطلب؟ قال الله: "ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وإنهم لكاذبون".
لاحظوا معي، هؤلاء أصبح الأمر بالنسبة لهم عين اليقين. صح ولا لا؟ شاهدوا العذاب، وتحققوا من صدق الرسل، وما أصبح هناك أدنى لبس في أن ما دعاهم رسولهم إليه حق.
فلو قدر أنهم رجعوا إلى الدنيا، والأمر عندهم قد أصبح عين اليقين وحق اليقين، كانت النتيجه أنهم يعودون مرة أخرى إلى الشيء الذي كانوا عليه، سواء بسواء. سيعودون إلى الكفر، سيعودون إلى الصد عن سبيل الله عز وجل، ويعودون إلى تكذيب الرسل.
فبالله عليكم، نفوس كهذه النفوس يناسبها الهدايه وقد بلغت هذا المبلغ من الخبث؟ الجواب لا. والله هؤلاء لا يليق بهم ولا يناسبهم إلا أن يعاقبوا وأن يعذبوا بما شاء الله سبحانه وتعالى فيهم.
إذا تنبهت إلى هذا الأمر، فإنه يسهل عليك فهم موضوع الاضلال. فالضلال عقوبة، وإيقاع العقوبة في محلها عدل وحكمة.
**الضابط الرابع:** أن عقوبة الله عز وجل اضلال لها وجهان. فعاقب الله عز وجل بالاضلال عن الحق وما أقبل عليه بعد أن قامت عليه الحجة وبلغته الدعوه.
فيعاقبه الله سبحانه وتعالى بأن يصرف قلبه عن الحق. فإذا عمل، وقع في فعل كفر ومعاصي وسيئات وصد عن سبيل الله إلى آخره، فإن الله عز وجل يزيده ضلالا، فيضل ضلالات لاحقة.
فالكلام ها هنا على وزان الكلام في الهداية. فكل معصية تقع، كما بسط هذا بكلام في غاية الحسن ابن القيم رحمه الله، أن كل معصية تقع فإنها عقوبة على معصية قبلها، والمعصية التي قبلها عقوبة على معصية قبلها، والتي قبلها عقوبة على معصية قبلها، إلى أن نأتي إلى العقوبة الأولى، عقوبة على أي شيء؟ عقوبة على ترك الإقبال والاستجابة لله عز وجل.
إذا كان الذي يجب لما بلغت الدعوة أن يقبل العبد، صح ولا لا؟ لكن هؤلاء ماذا فعلوا؟ قال الله عز وجل: "ثم انصرفوا". هو صرف الله قلوبهم، إذاً هذا هو الاضلال الأولي. طيب، ماذا بعد ذلك؟
"وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى، فسنيسره للعسر". في قلوبهم مرض، فزادهم الله مرضًا. والله أركسهم والسبب بما كسبوا. وهل هم جر في أدلة كثيرة؟ تجد أن الإنسان يعاقب على ذنب بذنب يكون منه، نسأل الله السلامة والعافية.
إذاً، هذا مجموع ما يتعلق بهذا الموضوع. وما بعد ذلك مخزون عنا علمه. فليس لنا أن ندع العلم به أو ليس لك أن تجهل ما علم، كما أنه ليس لك أن تطلب علم ما جهل.
انتبه لهذا؛ هناك شيء معلوم هو ما دار في حدود الأدلة وما بينته النصوص، وهذا قدر معلوم لابد من العلم به، وهو ما ذكر لك نبذة عنه. وبعد ذلك هناك شيء اختص الله سبحانه وتعالى بعلمه، فلا نكشف، وليس لنا قدرة على كشفه.
ومهما يكن من شيء، ينبغي عليك يا رعاك الله أن تستحضر دائمًا أصولًا عظيمة إذا وصلت إلى هذا الموضوع. أولاً: أن الله عز وجل عدل لا يظلم. ثق وأيقن، فهمت هذا الموضوع أم لم تفهمه، أن الله عز وجل عدل لا يظلم. إن الله لا يظلم الناس شيئًا، يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي.
فكن على يقين واطمئن بأن الله سبحانه وتعالى عدل لا يظلم.
**ثانيًا:** إن لله الحكمة البالغة، فإذا أضل فحكمة. وإذا هدى فحكمة. والحكمة ليس لنا سبيل إلى العلم بكل تفاصيلها. قد يبين لنا طرفًا من حكمة الله سبحانه وتعالى، وقد يغيب عنا أشياء. ونحن نستدل بما علمنا على ما جهلنا، القدر الذي علمناه كاف في أن نعلم أن لله الحكمة البالغة، وأن هناك أشياء فوق طاقة عقولنا، لا سبيل لنا إلى معرفتها.
**الأمر الثالث:** ذكر نفسك الثالث أو الرابع. ثالثًا: ذكر نفسك بقوله تعالى دائمًا: "والله يعلم وأنتم لا تعلمون".
ذكر نفسك رابعًا بأنه ينبغي عليك أن تلزم مقام الأدب مع ربك. حذاري من رعونة توقعك فيما لا تحمد عقباه. بعض الناس إذا دخل وولج إلى هذا المقام، فربما تفوه بكلام لا يجوز له أن يتكلم به، ولا يليق بمقام العبودية لربه أن يتكلم بكلام به.
فدائمًا لاحظ مقام الأدب مع ربك سبحانه وتعالى. نحن هنا نتحدث عن رب وعبد، انتبه لهذا.
والله جل وعلا لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون، لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته وكمال علمه سبحانه وتعالى. ونحن أضعف وأقل من أن نحيط علمًا بذلك، والله عز وجل أعلم.