Transcription
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين والمسلمات.
أما بعد، فيقول الشيخ عبد الرحمن ابن ناصر السعدي رحمه الله:
قوله: "يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون".
الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناءً، وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم، فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون.
هذا أمر عام لجميع الناس بأمر عام هو العبادة الجامعة لامتثال أوامر الله تعالى واجتناب نواهيه وتصديق خبره.
فأمرهم تعالى بما خلقهم له، قال تعالى: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون".
ثم استدل على وجوب عبادته وحده بأنه ربكم الذي رباكم بأصناف النعم، فخلق بعد العدم وخلق الذين من قبلكم، وأنعم عليكم بالنعم الظاهرة والباطنة.
فجعل لكم الأرض فراشاً تستقرون عليها وتنتفعون بالبناء والزراعة والحراثة والسلوك من محل إلى محل وغير ذلك من وجوه الانتفاع بها.
وجعل السماء بناءً لمسكن، وأودع فيها من المنافع ما هو من ضرورات وحاجات كالشمس والقمر والنجوم.
وأنزل من السماء ماءً، والسماء كل ما على فوقك فهو سماء.
ولهذا قال المفسرون: المراد بالسماء هنا السحاب.
فأنزل منه تعالى ماءً فأخرج به من الثمرات كالحبوب والثمار من نخيل وفواكه وزروع وغيرها رزقاً لكم به ترتزقون وتتقوون.
فلا تجعلوا لله أنداداً، أي أشباه ونظراً من المخلوقين، فتعبدوني ملكون مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا ينفعونكم ولا يضرون.
وأنتم تعلمون أن الله تعالى ليس له شريك ولا نظير لا في الخلق والرزق والتدبير ولا في الألوهية والكمال.
فكيف تعبدون معه آلهة أخرى مع علمكم بذلك؟
هذا من أعجب العجب وأسفه السفه.
وهذه الآية جمعت بين الأمر بعبادة الله وحده والنهي عن عبادة ما سواه، وبيان الدليل الباهر على وجوب عبادته وبطلان عبادة ما سواه.
وهو ذكر توحيد الربوبية المتضمن انفراده بالخلق والرزق والتدبير.
فإذا كان كل أحد مقراً بأنه ليس له شريك بذلك، فكذلك فليكن الإقرار بأن الله تعالى ليس له شريك في عبادته.
وهذا أوضح دليل عقلي على وحدانية الباري تعالى وبطلان الشرك.
وقوله: "لعلكم تتقون" يحتمل أن المعنى أنكم إذا عبدتم الله وحده اتقيتم بذلك سخطه وعذابه، لأنكم أتيتم بالسبب الدافع لذلك.
ويحتمل أن يكون المعنى أنكم إذا عبدتم الله صرتم من المتقين الموصوفين بالتقوى.
وكلا المعنيين صحيح وهما متلازمان.
فمن أتى بالعبادة كاملة كان من المتقين، ومن كان من المتقين حصلت له النجاة من عذاب الله وسخطه.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.
اللهم يا ربنا، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، يا رب العالمين، فقهنا جميعاً في الدين، وعلمنا التأويل.
أما بعد، قول الله سبحانه وتعالى: "يا أيها الناس اعبدوا ربكم".
هذا أول أمر في القرآن، وهو أمر بعبادة الله.
والأمر بعبادته سبحانه وتعالى هو أمر بتوحيده، كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "كل أمر بالعبادة في القرآن فهو أمر بالتوحيد".
"اعبدوا ربكم"، أي وحدوه وأفردوا بالعبادة وأخلصوا له سبحانه وتعالى الدين، ولا تتخذوا معه شركاء وأنداداً كما سيأتي في السياق.
فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون.
وقوله جل وعلا: "يا أيها الناس" هذا خطاب لجميع بني آدم.
هذا خطاب لجميع بني آدم، كلهم يشتركون في تعلق هذا الخطاب بهم، الذي هو الأمر بعبادة الله سبحانه وتعالى وإخلاص الدين له وتوحيده جل في علاه.
وقوله جل وعلا: "اعبدوا ربكم"، مثل قوله: "وأن ربكم فاعبدون".
"اعبدوا ربكم" جمع بين نوعي التوحيد: العلم والعمل.
"اعبدوا" والعلم "ربكم" مثلها "وأن ربكم فاعبدون".
وهذا فيه استدلال على توحيد الألوهية بتوحيد الربوبية.
والمعنى: كما أن الله سبحانه وتعالى تفرد بالربوبية فهو الرب لا شريك له، فليفر بالعبادة.
وهذه طريقة القرآن، كثيراً ما يأتي الاستدلال على توحيد الألوهية الذي هو توحيد العبادة بتوحيد الربوبية.
ستدل جل وعلا على وجوب إفراده بالعبادة بتفرده بالربوبية، وأنه سبحانه وتعالى لا شريك له في الربوبية والخلق والإيجاد.
فالواجب ألا يجعل معه شريك في العبادة.
"اعبدوا ربكم"، والرب هو السيد المالك المنعم المربي المصلح.
والله هو الرب بجميع هذه الاعتبارات، لأن هذه كلها من معاني الربوبية.
قال: "الذي خلقكم والذين من قبلكم".
خلقكم أي أوجد من العدم، هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً؟
خلقكم أي أوجد من العدم، وأمد بالقوى والصحة والحواس، وأيضاً بكل ما تتحقق به مصالحكم.
"الذي خلقكم والذين من قبلكم"، أي وخلق الذين من قبلكم من آبائكم وأجدادكم وآباء آبائكم وأجداد أجدادكم إلى آدم.
"الذي خلقكم والذين من قبلكم"، والخلق كما بين أهل العلم رحمهم الله متضمن لكمال العلم.
ألا يعلم من خلق؟ متضمن لكمال العلم ومتضمنة مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً.
فالخلق يتضمن كمال العلم وكمال القدرة وكمال الإرادة وكمال الحكمة وكمال الحياة، وهذه تستلزم سائر صفات الله سبحانه وتعالى.
فقوله: "ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم" هذا تضمن التوحيد العلمي.
وقوله: "اعبدوا" هذا التوحيد العملي، لأن التوحيد نوعان: علمي وهو المعرفة والإثبات، وعملي وهو الإرادة والطلب.
وقد جمعت هذه الآية النوعين.
قال: "يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون".
لعلكم تتقون، هل التعليل "لعلكم" تأتي للتعليل؟
هل التعليل للامر الذي هو "اعبدوا" أو التعليل للخلق "خلقكم"؟
هل التعليل في قوله "لعلكم تتقون" هل هو للامر في قوله "اعبدوا" يكون المعنى: "اعبدوا ربكم لعلكم تتقون"؟
أو أنه تعليل للخلق "خلقكم لعلكم تتقون"؟
على الأول تكون كونها تعليل للامر تكون نظير قوله: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون".
فالتعليل هنا للعبادة.
وعلى المعنى الثاني، أنها تعليل للخلق تكون نظير قول الله سبحانه وتعالى في سورة الذاريات: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون".
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: "ولا يمتنع أن يكون تعليلاً للامرين".
ولا يمتنع أن يكون تعليلاً للامرين معاً، وهذا هو الأليق بالآية.
لا يمتنع أن يكون تعليلاً للامرين معاً، وهذا هو الأليق بحق ولا معبود بحق سواه.
قال: "الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناءً، وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم".
فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون.
ويأتي كلام الشيخ على معانيها وهدايات.
وقوله: "فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون"، أي لا تجعلوا لله شركاء في العبادة وأنتم تعلمون أنه لا خالق غير الله.
وأنتم تعلمون أنه لا خالق غير الله سبحانه وتعالى.
والخطاب في قوله: "فلا تجعلوا لله أنداداً" للكفار المشركين الذين اتخذوا الشركاء والأنداد.
فهذا الخطاب متجه إليهم: "فلا تجعلوا لله أنداداً"، أي لا تجعلوا مع الله الشركاء في العبادة وأنتم تعلمون أنه لا خالق لكم غير الله.
لأن المشرك إذا سئل: "من خلق السماوات والأرض؟" ماذا يقول؟
إذا قيل له: "من خلق السماوات والأرض؟" ماذا يقول؟
ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله، فأنى يؤفكون؟
ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله، قل: الحمد لله، بل أكثرهم لا يعلمون.
ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن: خلقهن العزيز العليم.
ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله، قل: أفرايتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره؟
أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته؟
قل: حسبي الله، عليه يتوكل المتوكلون.
أربع مواطن في القرآن الكريم مبدوءة بقوله: "ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض".
وفي موطن قال جل وعلا: "وسألتهم من خلقهم ليقولن الله".
ولئن سألتهم من خلقهم فهم يقرون بأن الخالق هو الله الذي خلق السماوات وخلق الأرض والذي ينزل الماء من السماء ويحيي به الأرض بعد موتها، كل ذلك يقرون بأنه الله سبحانه وتعالى.
فإذا قيل لهم: "إذا لما تعبدون معه غيره وتتخذون معه الأنداد؟" يقولون: "نعبدهم ليقربونا إلى الله".
ونحن نعتقد، يقولون: "إنها لا تملك".
هذه المعبودات لا تملك نفعاً ولا دفعاً ولا تملك شيئاً.
ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم: "لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك".
هي ما تملك شيئاً، لكن نعبدها لتقربنا إلى الله.
ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى.
ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم، ويقولون: "هؤلاء شفعاؤنا عند الله".
يعني اتخذناهم ليشفعوا لنا عند الله سبحانه وتعالى.
فالخطاب في قوله: "فلا تجعلوا أنداداً وأنتم تعلمون" هذا للمشركين المتخذين للأنداد مع الله سبحانه وتعالى.
قال رحمه الله تعالى: "هذا أمر عام لجميع الناس".
أي قوله جل وعلا: "يا أيها الناس" هذا أمر عام لجميع الناس.
بأمر عام، وهو العبادة.
وهو العبادة الجامعة لامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه وتصديق أخباره.
وعرفنا أن المراد بالعبادة التوحيد.
المراد بالعبادة التوحيد، لا يكفي فقط أن يعبد الله.
لا يكفي، بل يجب أن يخلص العبادة لله.
لأنه لو عبد الله ولم يخلص العبادة لله، جعل مع الله شريكاً فيها.
جعل مع الله شريكاً فيها، لم يكن عابداً لله.
ولهذا في سورة الكافرون قال: "وما أنتم عابدون ما أعبد".
يعني مع أنهم يعبدون الله في جملة معبوداتهم.
قال: "وما أنتم عابدون ما أعبد".
فالذي لا يخلص دينه لله، لا يفرد الله وحده بالعبادة، ما عبد الله.
فإذا الأمر بالعبادة ماذا؟ أمر بالتوحيد.
الأمر بالعبادة أمر بالتوحيد.
ولهذا يصح أن تنفى العبادة عن من لم يخلص لله، مثل نفي الصلاة عن من لم يؤدها بالطهارة.
لو أن شخصاً صلى الصلاة كاملة، لكن بدون طهارة، أليس يصح أن يقال: لم تصل؟
لم تصل، لأن شرط عظيم لا تصح الصلاة إلا به، لم يفعل.
والعبادة لا تقبل إلا بالتوحيد.
ولهذا من لم يعبد الله بالتوحيد والإخلاص، كأنه ما عبد الله.
وما أنتم عابدون ما أعبد.
قال: "فأمرهم تعالى بما خلقهم له".
أمرهم بما خلقهم له، أي أمرهم بالعبادة التي خلقهم لها.
كما قال الله جل وعلا: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون".
فأمرهم بالعبادة التي خلقهم لها.
قال تعالى: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون".
ثم استدل جل وعلا على وجوب عبادته وحده بأنه ربكم الذي رباكم بأصناف النعم.
فخلق بعد العدم وخلق الذين من قبلكم.
هذا في قوله: "الذي خلقكم والذين من قبلكم".
قال: "وأنعم عليكم بالنعم الظاهرة والباطنة".
فجعل لكم الأرض فراشاً، أي تستقرون عليها.
جعلها فراشاً، أي مهيئة لكم تستقرون عليها، تبنون عليها البناء، وتضعون عليها المساكن، وتزرع الزروع، وتسلك السبل والطرق.
فامشوا في مناكبها، أي الأرض، وكلوا من رزقه.
فجعلها الله سبحانه وتعالى فراشاً لينتفع بها العباد، أبنية وزراعة وحراثة وسلوكاً من محل إلى محل وغير ذلك من وجوه الانتفاع.
وجعل السماء بناءً، بناءً أي سقفاً مرفوعاً كما في الآية الأخرى.
وأيضاً سقفاً محفوظاً كما في آية أخرى.
ورفعها سبحانه وتعالى فوق الأرض بغير عمد.
بغير عمد، فهي سقف للارض، سقفاً محفوظاً، سقفاً مرفوعاً أي على الأرض.
وسميت السماء لعلوها وارتفاعها.
ولهذا سيأتي معنا تسمية السحاب سماء لعلوها.
تسمية السماء سحاباً لعلوها، لأن السماء في القرآن تطلق ويراد بها المبنية، وتطلق ويراد بها السحاب.
وكلاهما اجتمع في هذه الآية.
كلا الإطلاق اجتمع في هذه الآية، فإن قوله: "والسماء بناء" هذه المبنية.
وأنزل من السماء ماء، هذا السحاب.
فالسماء تطلق ويراد بها المبنية، وتطلق ويراد بها السحاب.
قال: "وأنزل من السماء ماء"، وهو كل ما على فوقك فهو سماء.
ولهذا قال المفسرون: المراد بالسماء السحاب.
هذا الأمر الثالث من البراهين.
الرابع قال: "فأنزل منه ماءً فأخرج به من الثمرات".
إخراج أنواع الثمرات وصنوف الأرزاق كالحبوب والثمار من نخيل وفواكه وزروع وغيرها رزقاً لكم.
رزقاً لكم ترزقون به وتعيشون.
فلا تجعلوا لله أنداداً.
فلا تجعلوا لله أنداداً، الخطاب هنا للمشرك الذي اتخذ الند مع الله.
ولهذا بعض المفسرين قال: قوله: "فلا تجعل لله أنداداً" عائد على من ذكر قبل في الآية في قوله: "إن الذين كفروا".
وفي قوله: "هو من الناس" عائد على الكفار والمنافقين.
عائد على الكفار والمنافقين.
فلا تجعلوا لله أنداداً، قال: أي أشباه ونظراً من المخلوقين.
فتعبدوني كما تعبدون الله، وتحبونه كما تحبون الله.
مثل ما في الآية الكريمة: "ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله".
فلا تجعلوا لله أنداداً، أي شركاء تعبدونهم كما تعبدون الله، وتحبونهم كما تحبون الله.
والحال أنهم عباد مثلكم، مخلوقون مثلكم، مدبرون لا يملكون شيئاً.
قال ابن عباس رضي الله عنهما في معنى الآية: أي لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر.
وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره.
وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم من توحيده هو الحق الذي لا شك فيه.
ولقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم من توحيده هو الحق الذي لا شك فيه.
عن النبي، عن نبينا صلى الله عليه وسلم، الذي اجتهد عمه أبو طالب، الذي اجتهد معه صلى الله عليه وسلم في دعوته إلى توحيد الله، ومات وهو يقول: هو على ملة عبد المطلب.
كان يقول في أبيات الله: "هذا يذكرنا بالمعنى الذي قرأ ابن عباس".
يقول: "وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم من توحيد هو الحق".
كان يقول في أبيات الله: "ولقد علمت، ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية".
ديناً إذا ما دمت قد علمت هذا العلم وعرفت هذه المعرفة أنه من خير أديان البرية ديناً، لما لا تدخل؟
أجاب: "انظر الجواب".
قال: "لولا الملامة أو حذار مسبة، لرأيتني سمحاً بذلك مبيناً".
لولا أني أخاف فقط أن الناس يعيروني، يقولون: "تركت ملة آبائه وأجداده".
هذا الذي يردني، ولا أعرف أن أحسن الأديان وأصح الأديان، لكنني أخشى أن أُعير.
هؤلاء الذين كان عنده، ماذا كان يقولون له؟
ماذا كان يقول؟ "أتدعي عبد المطلب؟ أتذر ملة عبد المطلب؟".
فمات وهو يقول: هو على ملة عبد المطلب.
لا يريد أن يعير بأنه ترك ملة الآباء والأجداد.
وهذه سبحان الله عقدة رده خلق عن التوحيد.
ردة خلق عن توحيد الله سبحانه وتعالى وإفراده بالعبادة.
إن وجدنا آباءنا على أمة، وأنا على آثارهم مهتدون.
قال: "وأنتم تعلمون".
فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون.
وأنتم تعلمون، هذه جملة حالية.
والخطاب كما تقدم فيها الكفار والمنافقين.
تعلمون، وأي والحال أنكم تعلمون أنه لا خالق لكم غيره.
وأنتم تعلمون أن الله ليس له شريك ولا نظير لا في الخلق والرزق والتدبير ولا في الألوهية والكمال.
فكيف تعبدون معه آلهة أخرى مع علمكم بذلك؟
هذا من أعجب العجب وأسفه السفه.
قال رحمه الله تعالى: وهذه الآية جمعت بين الأمر بعبادة الله وحده والنهي عن عبادة ما سواه، وبيان الدليل الباهر.
جمعت بين التوحيد وبرهان التوحيد، هذا الذي يقصد الشيء.
جمعت بين التوحيد: "اعبدوا ربكم" وبرهان التوحيد: "الذي خلقكم" إلى آخر الآية والآية التي بعدها.
فجمعت بين التوحيد الذي هو الأمر بالعبادة والتحذير من اتخاذ الأنداد.
والنهي عن عبادة ما سوى الله، وبيان الدليل الباهر على وجوب عبادته وبطلان عبادة ما سواه.
وهو ذكر توحيد الربوبية المتضمن انفراده بالخلق والرزق والتدبير.
قال الشيخ موضحاً تقرير هذا الدليل: فإذا كان كل أحد مقراً بأنه ليس لله شريك بذلك، فكذلك فليكن الإقرار بأن الله ليس له شريك في عبادته.
وهذا أوضح دليل عقلي على وحدانية الباري وبطلان عبادة ما سواه.
قال: وقوله: "لعلكم تتقون" هذا كان خاتمة للآية الأولى.
هذا كان خاتمة للآية الأولى، ولهذا حقه أن يكون مقدماً كما جاء في سياق النص.
فقال: وقوله: "لعلكم تتقون".
قوله: "لعلكم تتقون" يحتمل أن المعنى أنكم إذا عبدتم الله وحده اتقيتم بذلك سخطه وعذابه.
وهذه حقيقة التقوى.
هذا المعنى الذي يشار إليه هو حقيقة التقوى.
حقيقة التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخشاه من سخط الله وعقابه وقايةً.
تقيه، وذلك بفعل المأمور وترك المحظور.
هذه حقيقة التقوى.
قال: لأنكم أتيتم بالسبب الدافع لذلك، الذي يدفع عنكم السخط.
الدافع لذلك الذي يدفع عنكم سخط الله وعذابه.
ويحتمل أن يكون المعنى أنكم إذا عبدتم الله صرتم من المتقين.
"اعبدوا ربكم لعلكم تتقون"، أي إن حققتم عبادة الله كنتم من المتقين.
كنتم من المتقين.
احتمل أن يكون معنى أنكم إذا عبدتم الله صرتم من المتقين الموصوفين بالتقوى.
الموصوفين بالتقوى.
كلا المعنيين، كلا المعنيين الذين أشار إليهما التعليل عائد إلى ماذا؟
في المعنيين إلى الأمر، التعليل عائد إلى الأمر.
يقول الشيخ: وكلا المعنيين صحيح وهما متلازمان.
وهما متلازمان.
من أتى بالعبادة كاملة كان من المتقين، ومن كان من المتقين حصلت له النجاة من عذاب الله وسخطه.
من عذاب الله وسخطه.
وأيضاً يدخل في عموم المعنى ما تقدم، وهو أن الله عز وجل خلق الناس ليتقوا الله.
لعلهم يتقون، كما قال: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون".
ومعنى "إلا ليعبدون" أي لأمرهم بعبادتي.
فمنهم من عبد الله، ومنهم من لم يعبده.
فمنهم من هدى الله، ومنهم من حقت عليه الضلالة.
نفعنا الله جميعاً بما علمنا وزادنا علماً وتوفيقاً، وأصلح لنا شأننا كله، وهدانا إلى صراط مستقيم.
اللهم آت نفوسنا تقواها، زكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفة والغنى.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا.
واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر.
اللهم اغفر لنا ذنبنا كله، دقّه وجله، أوله وآخره، علانية وسراً.
اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا، وما أنت أعلم به منا.
أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت.
اللهم اغفر لنا ولوالدينا ووالديهم وذرياتهم، ولمشايخنا ولولاة أمرنا، وللمسلمين والمسلمات.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وسدده في أقواله وأعماله.
اللهم وفق ولي عهده لما فيه صلاح البلاد والعباد، ولما فيه عز الإسلام وصلاح المسلمين.
اللهم وفق جميع ولاة أمر المسلمين للعمل بكتابك، وتحكيم شرعك، واتباع سنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم.
واجعلهم رحمة وراثة على عبادك المؤمنين.
اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفّس الكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، وارحم موتانا وموتى المسلمين.
اللهم أصلح ذات بيننا، وألف بين قلوبنا، واهدنا سبل السلام، واخرجنا من الظلمات إلى النور، وأعذنا والمسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم انجل المستضعفين من المسلمين، واحقن دماءهم يا رب العالمين، واحفظهم بما تحفظ به عبادك الصالحين.
اللهم عليك بأعداء الدين، فإنهم لا يعجزونك.
اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك.
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا.
اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعلها الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا.
ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا.
اللهم يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، يا رب العالمين، أصلح لنا جميعاً النية والذرية والعمل.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.