📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

براهين النبوة (٥) | أ.د. صالح سندي

أ.د. صالح سندي5:37

Transcription

وتعيها أذن واعية، أذن واعية مع الشيخ الدكتور صالح سندي.

القرآن الكريم العظيم، أعظم آيات رسولنا صلى الله عليه وسلم، ودره تاجها. قال سبحانه: "أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون"، فهو كاف في الدعوة والبيان والحجة. القرآن كله معجز: ألفاظه وقراءاته، ونظمه ومعانيه وإخباره وأحكامه. كل سورة فيه، بل كل آية، إنه بحر لا يدرك قعره.

ولعلي أكتفي بشذ يسيّر يبلغ 20 وجها، وحسبي من الرياض زهرات أوجه إعجاز القرآن.

أولا: بلاغة ألفاظه واستيفاء معانيه وحسن نظمه، فله كمال البلاغة ونهاية الفصاحة. كتاب فصلت آياته قرآنًا عربيًا لقوم يعلمون أنه له حلاوة وأن عليه لطلاوة، وأنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، وأنه لا يعلو ولا يعلى، وأنه ليحطم ما تحته.

القرآن الكريم من فاتحته إلى خاتمته لا تخلو آية من آياته عن نكتة لطيفة أو حكمة نافعة أو بيان مفحم أو عبارة تأخذ بالألباب لجمالها وبلاغتها. نظم القرآن وأسلوبه عجيب بديع، ليس من جنس الشعر ولا الخطابة، ولا نظمه نظم شيء من كلام الناس. إنه كلام الله، والله لا يشبه المخلوقين، فكلامه لا يشبه كلامهم.

ثانيا: استيفاء معانيه في قليل الكلام مع جمال المقال وكمال اللفظ. تأمل قوله تعالى: "وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين". قال بعضهم: جمع بهذين اللفظين ما لو اجتمع الخلق كلهم على وصف ما في الجنة، التفصيل لم يخرجوا عنه. تأمل قوله تعالى: "وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فالقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني، أنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين"، حيث جمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين.

حكي أن أعرابيًا سمع رجلًا يقرأ: "فأصدع بما تؤمر"، فلم يتمالك أن وقع على الأرض وسجد، فسئل فقال: سجدت في هذا المقام لفصاحته الكلام.

ثالثا: ما تضمنه من الحجج والبراهين، ففيه الدلائل اليقينية القطعية والآيات العقلية السنية. وصدق ربنا إذ قال: "ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون، قرآنًا عربيًا غير ذي عوج لعلهم يتقون".

رابعا: ما تضمنه من أخبار القرون الخالية وقصص الأمم السالفه. تأمل في هذا مثلا ما تحداه به أهل الكتاب من قصة أهل الكهف وشأن موسى والخضر وحديث ذي القرنين، فكان على ما ذكره أنبيائهم وتضمنت كتبهم.

خامسا: ما تضمنه من أمور الغيب، فقد تضمن أخبارًا أفادت أنها ستكون فكانت، كقوله تعالى لليهود: "فتمنوا الموت إن كنتم صادقين، ولن يتمنوه أبدًا بما قدمت أيديهم"، فما تمناه أحد منهم. وكحه على أبي لهب وزوجته بالنار قبل موتهما، فماتا كافرين. وكقوله: "سيهزم الجمع ويولون الدبر"، وكان ذلك في يوم بدر. وكقوله عن الروم: "وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين"، فكان ما أخبر به في آيات كثيرة.

وهذا برهان لا يجد العقل أمامه إلا أن يقر بأن الذي تكلم بالقرآن هو العليم الخبير سبحانه.

سادسا: ما فيه من الأخبار بضمائر القلوب التي لا يصل إليها إلا علام الغيوب. فتأمل قوله تعالى: "وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم"، أو قوله: "إذ هم الطائفتان منكم أن تفشلا"، فهذا ما حصل من غير أن يظهر منهم قول أو يوجد منهم فشل.

سابعا: إن ألفاظه جمعت بين الجزل والسهل. أسلوب رفيع مع السهولة والوضوح، فلا يتوع جزله ولا يسترد سهله. وأما معانيه فكل ذي لب يشهد له بالتقدم في أبوابه والرقي في أعلى درجاته. فجاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظم، مضمنا أصح المعاني. ولم توجد هذه الثلاثة مجموعة سوى في كلام العليم الحكيم سبحانه.

ثامنا: إن تلاوته تختص بما لا يوجد في غيره وأن قارئه لا يكل، سامعه لا يمل. وهذا في غيره من الكلام معدوم. كم يسمع المسلم القرآن، ومع هذا فلا يدخله ملل منه، البتة. ولو أعطى ما يسمعه حظه من التدبر لوجد في كل مرة فائدة، حتى كأنه يسمع هذا الكلام أول مرة.

تاسعا: إنه منقول بألفاظ محفوظة، حفظه المسلمون في صدورهم ودونوها في صحفهم. فلم ينخر منه لفظ ولا اختل فيه معنى ولا تغير له ترتيب، حتى صار من الزلل مضبوطا ومن التبديل محفوظا، لا يختل بتعاقب الأزمنة ولا يختلف بتباعد الأمكنة، ولا يتغير باختلاف الألسنة. وصدق الله: "إنّا نحن نزلنا الذكر وإن له لحافظون".

هذا ما سمح به وقت هذه الفقرة، وللحديث بقية إن شاء الله. والحمد لله.