📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

محاضرة في طرق إثبات مقاصد الشريعة || أ. د. محمد اوالسو

قناة أ.د. محمد اوالسو للتدريس الجامعي28:14

Transcription

[موسيقى] ها [موسيقى] [موسيقى] بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وكل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

إذا نواصل هذه المحاضرات في مادة مقاصد الشريعة. وقد سبق لنا أن تناولنا مباحث متعددة، بدءاً من التعريف الاصطلاحي، إلى النشأة، إلى الفوائد والآثار، إلى مدخل التعليل. واليوم نتحدث عن مبحث طرق إثبات مقاصد الشريعة.

إذا عنوان مبحث اليوم أو عنوان محاضرتنا اليوم: طرق إثبات مقاصد الشريعة. لا شك أن المنهج يقتضي تقديم التصورات على التصديقات. إذا بما أن هذا مركب إضافي، فتقتضي الصناعة المنهجية الحديثة عن المصطلحات وبيان نسبة التصديقات فيما بعد. فما هي الطرق؟ إذا ما المراد بالطرق؟ الطرق مراد بها هنا الأدلّة. وهذا يبين لنا أن تفكير الفقيه في الشريعة الإسلامية ليس تفكيراً عن هوى، إنما هو تفكير مؤطّر بأدلة شرعية. إنما هو فهم في الشريعة بالشريعة. لذلك إدراك المقاصد لم يكن لمجرد العقل، وإنما هو تابع لأدلة شرعية.

إذا فالطرق هنا مراد بها الأدلّة الشرعية التي من خلالها تثبت المقاصد. أو تثبت، إذا أسندنا الإثبات للمجتهد على أنه بمعنى الإدراك. إذا طرق إثبات مقاصد الشريعة. الإثبات قد يتحدث عنه هنا في سياق بمعنى الثبوت. وذلك حينما نتحدث عما ثبتت به تقاسيم المقاصد، كان نتحدث عن دليل المراتب الثلاث من الضروريات والحاجيات والتحسينيات. فالحديث عما استقر منهجاً ومضموناً في مقاصد الشريعة حديث عن الثبوت، وليس إثباتاً. لماذا؟ لأن الثبوت أثر الإثبات، والإثبات فعل المجتهد. فمعنى ذلك أن إثبات المقاصد إذا كان مسنداً إلى المجتهد على أنه فعل متجدد، فالمقصود به أو فالمراد به والمعني به ما يثبته المجتهد مما يراه مقصود الشارع في مسألة من المسائل أو في فرع من الفروع.

إذا إثبات مقاصد الشريعة. حينما نقول طرق إثبات مقاصد الشريعة، فمعنى ذلك أن المقاصد مفتقرة إلى أدلة تثبت بها. وما افتقر إلى دليل لا يكون دليلاً لغيره. هذه مسألة يمكن أن تقتنص من سياقات الشاطبي وسياقات من كتبوا في المقاصد قبله. ولذلك نقول إن المقاصد معتبرة في القواعد والأصول، لكنها متأخرة عن الأحكام تنجيزاً. وإن كانت كما قلت مقدمة أو متقدمة اعتباراً. فهي متقدمة اعتباراً، وإن كانت متأخرة تنجيزاً. هذه إذا مصطلحات هذا العنوان لهذه المحاضرة.

ثم ننتقل إلى نقطة أخرى تتعلق بالمصلحة بمفهوم المصلحة. لأن الحديث عن المقاصد حديث عن المصالح. ولذلك كان علماؤنا من المتقدمين يتحدثون عن المصالح، ويتحدثون عن المعاني، ويتحدثون عن الحكم، وأحياناً يعبرون بالعلل، وأحياناً يعبرون بالمناسبات. فكانت هذه المصطلحات في كتبهم مترادفة أو متقاربة ذات سياق واحد. يعني كانت ذات سياق واحد، فكانت متقاربة في الدلالة على مقاصدهم في كلامهم في استنباطات فيما يستنبطونه من أحكام شرعية.

إذا هنا لابد من الإشارة إلى مسألة تناولها الشاطبي في النوع الأول، وهي أنه لا توجد مصلحة خالصة ولا مفسدة خالصة. وإنما المقصود للشرع ما غلب من ذلك. إنما الاعتبار للغالب. الاعتبار الغالب حتى يكون ذلك النادر أو القليل كالعدم. وهذه مسألة فيها مناقشات للفقهاء. لا نريد الخوض في تفاصيلها وفيما يذكر في سياق إثباتها من الإيراد والجواب عن الإيراد إلى غير ذلك، لأن الوقت المحدد لهذه المحاضرة نريد أن يستوعب جل عناصرها وأهم مباحثها.

وهنا إشارة لابد منها تحدث عنها علماء الأصول في سياق يدل على تأطير المقاصد بالأصول، وهي مسألة انخرام المناسبة بمفسدة منها مفسدة راجحة أو مساوية. فإنها تنخر. وفي ذلك يقول السبكي في جمع الجوامع: "المناسبة تنخر بمفسدة راجحة أو مساوية، خلافاً للإمام..." إلى آخر كلامه.

هنا لابد من بيان أمر هو يتعلق بمفهوم العلة. على أن العلة مظنة للمصلحة. هنا لا أتحدث عن المفهوم المتقدم في المحاضرة السابقة، بل أتحدث عن حدود العلة في ذاتها، في طبيعتها، في تصور ماهيتها. ونقف عند سؤال واحد هو: هل انتفاء المانع ووجود الشرط شطر من ماهية العلة أو شرط؟ هل انتفاء المانع ووجود الشرط جزء من العلة؟ أم يمكن أن نقول إنه شرط لا شطر؟ هذا الذي أشرت إليه هو موقع الخلاف بين الإمام الرازي وغيره في هذه المسألة. هو أننا حينما نقول إن المناسبة تنخر بمفسدة راجحة، أن المناسبة تنخر بمفسدة تلزم راجحة أو مساوية، فهل نتيج ذلك أنه لا مناسبة أو لا مصلحة أو لا حكمة؟ هل نتيج ذلك أنه لا مناسبة ولا مصلحة؟ أم نقول إنها باقية، وإنما انعدم الحكم لوجود المانع؟

لذلك يقول بعض علماء الأصول: إن انتفاء المفسدة شرط في اعتبارها مصلحة. شرط في اعتبارها مصلحة. فلذلك من يقول: لا تنخر المناسبة بمفسدة راجحة أو مساوية، يرى أن ذلك بسبب وجود المانع، وهذا خارج عن ماهية العلة. ومن يقول إن ذلك يؤدي إلى انعدام المناسبة أصلاً وانعدام المصلحة أصلاً، يرى أن انعدام المانع ووجود الشرط شرط في اعتبارها مصلحة. أي شرط أو أساس في اعتبارها مصلحة. هناك من يراه جزءاً شطراً في اعتبارها مصلحة. هو من يقول بالانخراط. بعدم الانخراط يرى أن قضية المانع والشرط هما أمران خارجان عن مفهوم العلة. وهذه مسألة تراجع في المصادر الأصولية في مبحث المناسبة، الذي هو المبحث الذي تفرعت منه مقاصد الشريعة. حتى أن المناسبة في مسالك التعليل أوسع مسالك الاستنباط هي أوسع مسالك الاستنباط. وقلنا إنها معتبرة في كل المسالك وجوداً أو ظهوراً. وجوداً أو ظهوراً.

ثم بعد ذلك نتحدث عن أدلة معرفة المقاصد. إذا المقاصد لابد من دليل يدل عليها. هذه الأدلّة جاءت الإشارة إليها في كلام العز بن عبد السلام في كتاب القواعد في مباحثه الأولى من الكتاب، حين قال: "وأما مفاسد الدارين وأما مصالح الدارين وأسبابها ومفاسدها فلا تعرف إلا بالشرع. فإن خفي منها شيء طلب في أدلته. ثم قال: وأدلة الشرع وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس المعتبر والاستدلال الصحيح." هذه إذا أدلة منها تستنبط المقاصد. منها تستخرج المقاصد. لابد من فهمها وفقهها.

فإن كنا نقول أصول الفقه، فنحن في حاجة إلى فقه الأصول قبل الحديث عن المقاصد. معنا أن من فقه الأصول وكان لديه فقه الأصول هو من يمكن أن يتحدث عن المقاصد. عن المقاصد. ولذلك نرى أيضاً أن الإمام الشاطبي رحمه الله يقول في آخر المقدمة التاسعة من مقدمات كتابه الموافقات، يختم هذه المقدمة قبل العاشرة بقوله: "ومن هنا لا يسمح للناظر في هذا الكتاب الموافقة أن ينظر فيه نظر مفيد أو مستفيد حتى يكون ريان من علم الشريعة منقولها ومعقولها، أصولها وفروعها، غير مخلد إلى التقليد والتعصب للمذهب. فإنه إن كان كذلك خيف عليه أن ينقلب عليه ما أودع فيه فتنة بالعرض، وإن كان حكمه بالذات. والله الموفق للصواب." أو كما قال رحمه الله.

فإذا لا شك أن الحديث عن المقاصد يتوقف على فقه رصين راسخ، رصين راسخ ثابت لأصول الفقه. ولذلك نرى أن الشاطبي نفسه كتب المقاصد ضمن أصول الفقه. كتب مقاصد الشريعة ضمن أصول الفقه، في إشارة منهجية إلى أن هذا العلم إنما ينظم وينتظم ضمن هذا، أو أن هذا المبحث إنما ينتظم ضمن أصول الفقه.

إذا هذا نص لابن عبد السلام، وذاك نص للإمام الشاطبي. كلاهما يشير إلى ضرورة فقه الأدلّة أو فقه الأصول، وإدراك مكامن الدقائق والحقائق فيها للحديث عن مقاصد الشريعة. الحديث عن مقاصد الشريعة. ولذلك حينما نتأمل نص ابن عبد السلام ونتأمل سياق الإمام الشاطبي وما تحدث عنه في المقدمة العاشرة من مقدمات كتابه، نستخلص من مجموع ذلك كله أن العقل لا حظ له في إدراك المقاصد مستقلاً، وإنما يسرح ضمن أدلة الشرع ويسترشد بأدلة الشرع ليدرك المقاصد.

لذلك الإمام الشاطبي ناقش هذه المسألة في المقدمة العاشرة. وهنا نشير أيضاً إلى أن القرآن الكريم تحدث عن العقل في أصول الدين، في أصول العقائد، وأمر بالنظر ولم يهمل هذا، بل حث عليه. "أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ." "أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ." "قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ." وما تغني الآيات والنظر، وهكذا آيات متعددة في سياق النظر. كذلك في قول الله تعالى: "أَفَلَا تَعْقِلُونَ." "وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ." "إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ." سياقات العقل في القرآن الكريم إنما جاءت في سياق عقدي. ولم تأت في سياق فرعي فقهي إلا في آية واحدة في سورة النور. في سورة النور حينما تحدثت الآيات عن أحكام العورات وما يتصل بها، واحترام خصوصيات الأفراد. "لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ." جاءت لعلكم تعقلون في سياق يتضمن إشارة مهمة دقيقة غزيرة الفوائد لاستعمال العقل هنا.

وأيضاً لو أمكن للعقل أن يدرك المصالح والمفاسد لكان غنياً عن الشرع. ولذلك جاءت الشريعة تخاطب العقلاء ولا تخاطب المجانين. جاءت الشريعة تخاطب العقلاء. فهناك مجالات لأعمال العقل في الشريعة، ولكن ذلك أيضاً مقيد في أمور أخرى ليسترشد وليكتمل نظره بالشرع. فإذا هناك مزاوجة بين النقل والعقل بدون تنافٍ ولا إهمال ولا إقصاء.

هناك أيضاً مسألة أخرى في هذا السياق من خلالها نخلص إلى أن العقل ليس دليلاً شرعياً في الفروع. نجد مثلاً قول الله تعالى: "وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ." وهنا نقول: ليس في الشريعة ما ينافي العقل أبداً. بل الشريعة على مقتضى الفطرة. والله تعالى يقول: "فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ." فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله. لا تبديل لخلق الله. وكان الآية تتضمن إشارة إلى أن هذه حقيقة طبعية أن الدين على الفطرة الإنسانية. على الفطرة الإنسانية. نعم، في الشريعة ما يخالف العادة. ومن هنا نتحدث عن المعجزة بأنها الأمر الخارق للعاده. وليس في الشرع ما ينافي العقل أبداً، وإلا كان تكليفاً بما لا يطاق. فالشريعة على مقتضيات الفطر السليمة تماماً. هذه إشارة أيضاً لابد منها. ولذلك الشاطبي بحثها في المقدمة العاشرة وأشار إليها أيضاً في المقدمة التاسعة من النوع الأول في المقاصد في مبحث المقاصد.

ثم ننتقل إلى الطرق كما ذكرها العلماء. فأول الطرق التي تثبت بها مقاصد الشريعة هو النصوص. النص الشرعي. إذ معلوم أن الألفاظ قوالب المعاني. الألفاظ قوالب المعاني. ومن إطلاقات المعاني عند المتقدمين أنها تطلق بمعنى المقاصد. فيقول أحدهم مثلاً: "والمعنى من ذلك كذا"، أي المقصود من ذلك كذا. "والمعنى كذا وكذا". معناه لما كانت الألفاظ والب المعاني، فإن أول ما تؤخذ منه المقاصد النصوص الشرعية. وأخذ المقاصد من النصوص الشرعية يتوقف على إتقان اللغة العربية. ولذلك نجد الشاطبي في الموافقات وفي النوع الثاني تحدث عن قضية اللغة، مبيناً أن القرآن الكريم إنما يفهم من جهة لغة العرب. يفهم من جهة لغة العرب لا من غيرها. وهذا أمر واضح.

إذا بما أن المقاصد تؤخذ أولاً من النصوص، فلابد من مفتاح فهم هذه النصوص وهي ما يسمى في أصول الفقه بمباحث الأقوال أو مباحث الألفاظ، وهي القواعد الأصولية اللغوية كالتي تتعلق بالأمر والنهي. إذ منابع التكليف أو منبع التكليف في النصوص أساساً في الأمر والنهي. ولذلك نجد أن الله عز وجل حين خلق سيدنا آدم وزوجه وأدخلهما الجنة قال: "وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ." فجاء هناك أمر ونهي. اسكن وكلا أمران، ثم نهي: "وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ."

باختصار، كحسب ما يسمح به الوقت، أنقل إلى الاستقراء. الاستقراء وحينما نتحدث عن الاستقراء، لا شك أنه الانطلاق من الجزئية لاستخراج أمر كلي. بمعنى أنه تتبع جزئيات لاستخراج حكم كلي لتنزيله على جزئه. وفيه طريقتان. هناك طريقة المناطقة وهناك طريقة علماء الأصول. فطريقة علماء الأصول هي التي يقول فيها السبكي: "الاستقراء. الاستقراء في مسائل الاستدلال. الاستقراء إن كان تاماً، الاستقراء بالجز على الكل إن كان تاماً إلا صورة النزاع فقطع، وإلا فظني. ويسمى إلحاق الفرد بالأغلب. فالمناطقة يشترطون فيه القطع باستقراء كل الجزئيات لاستخراج حكم كلي. وبما أن علماء الأصول يريدون تنزيل الحكم الكلي على الجزئي، فإنهم خالفوا المناطقة في منهج الاستقراء. في منهج الاستقراء. وفي المنهج المنطقي يقول صاحب السلم فيما أشار إليه: "وإن بجزئ على كل استدل، فذا بالاستقراء عندهم عقل، وعكسه يدعى القياس المنطقي." إلى آخر كلامه.

وهو الذي قدمته. فحقيقة، وهنا نشير إلى نموذج الاستقراء. حينما ننظر مثلاً إلى قضية تحريم المزابنة، نجد حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال: "أينقص الرطب إذا جف؟" قالوا: نعم. قال: "فلا إذا." في هذا الحديث أولاً فائدة هي سؤال الفقيه لأهل الاختصاص استكمال تصور النازلة من أجل التصور التام للنازلة. فلو شاء الله تعالى أن يطلع على ذلك لاطلع، ولكن ليسن لنا، ليسن للفقيه، ليسن للباحث عن مقاصد الشريعة، ليسن له البحث عن سبل استكمال تصور النازلة في المسألة. فسأل: هل الاختصاص؟ "أينقص الرطب إذا جف؟" قالوا: نعم. قال: "فلا." إذاً، فلا تفعل. إذاً، أو فلا يجوز. إذاً، خلافاً لما ذكره الأحناف في المسألة. ونجد كذلك تحريم بيع المكيل بالجزاف أو الجزاف. ونجد كذلك الرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم وذكر له أنه يخدع في البيوع، فقال له: "إذا بايعت فقل: لا خلابة." فقل: لا خلابة. مجموع هذه الأحكام نستخلص منها مقصوداً شرعياً هو نفي الخديعة أو تحريم الخديعة بين الناس في المعاملات، أو دفع الغرر بين الناس في المعاملات، أو تحريم الغرر في المعاملات. طبعاً الغرر اليسير مغتفر كما ذكر الفقهاء، إذ لا تخلو منه بعض المعاملات، كمن اشترى داراً مثلاً وهو لا يعرف مدى رسوخ أساسها تحت الأرض مثلاً. فهناك الغرر اليسير أو الغرر الذي لابد منه. هذه أمور أخرى تفصيلية. وإنما قصدنا هنا أن هذه الأحكام يستخلص منها نفي المخاطرة أو الغرر في المعاملات.

كما نجد مثلاً نهيه عليه الصلاة والسلام عن أن يخطب الرجل على خطبة أخيه، أو أن يسوم على سومه. نستخلص من هذه الأحكام ومن سياقات أحكام أخرى في سياقها أن الحفاظ على المودة بين المسلمين وعلى حسن العلاقة بينهم هو من مقاصد الشريعة. هو من مقاصد الشرع. إذا تتبع جزئيات فقهية لاستخلاص حكم كلي. وحينما نجد كذلك مثلاً إباحة الإفطار للمسافر في رمضان والقصر، قصر الصلاة مثلاً في السفر، ونجد مجموعة من الأحكام، فإننا نستخلص من هنا مسألة هي أن المشقة تجلب التيسير. مثلاً. فهناك مجموعة من الجزئيات الفقهية التي يستخلص منها حكم كلي. فكان إذا الاستقراء من أدلة إثبات المقاصد. لكن يمكن هنا أن أشير إلى أن الاستقراء هو تسمية لعمل المجتهد في التتبع. وإلا فالدال حقيقة هو الشيء المستقر. ما استقر هو الدال. كما أشار إلى ذلك الشاطبي في إشارات دقيقة عنده حينما تناول مسألة الاستقراء، وحينما تناول ما ثبتت به المقاصد في المسألة التاسعة من النوع الأول في المقاصد، مشيراً إلى عمل الاستقراء أو عملية الاستقراء، وأن ذلك كتوأم. معنى ذلك أن الأدلّة في تضافر هي الدالة على المقصود من ذلك. والاستقراء إنما هو لقب للمنهج المتبع في تتبع الأدلّة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.