Transcription
كان ياسين داتن في ورقه له عن الشفاهيه والكتابيه وحديث الاحرف السبعه. ذهب إلى أن قرار عثمان بحرق المصاحف وتوحيد الناس على نص واحد لم يكن قرار خليفه فحسب، بل أيضًا كان عمليًا قرارًا بإجماع من الصحابه. من أجل ذلك، كما يشير الطبري، وكما تدل أحكام مالك وفتاوى ابن مجاهد، فإن الالتزام به طاعة واجبة على المسلمين، ومخالفته فيها فتح لباب الفتنة والنزاع.
تلك الخلاصة اعترض عليها فرانسوا ديغوش في آخر كتبه. تولى الأرثوذكسية الإسلامية من خلال سرد انتقائي عن نقل القرآن أهمية بالغة للطبيعة الفريدة والثابتة للنص. وهذا في نهاية المطاف هو الهدف النهائي الذي سعى إليه عثمان نفسه. وقد عبر ياسين داتن عن هذا الموقف الإسلامي التقليدي، ثم اقتبس النص الذي أشرنا له أنفًا. ثم عقب عليه بالقول: إن موضوع النزاع والذي بحثناه في سياق ارتباطه ببعض الروايات حول الأحرف السبعة وعملية إعداد نسخة مكتوبة من القرآن، ربما تم إقحامه من أجل تبرير الخيارات التي اتخذها محررو النص قديمًا.
وفي نظر باحث معاصر مثل داتن، النزاع يبرر تلك الخيارات بشكل كامل. بل إنه يذهب أبعد إلى حد الكلام عن إجماع الصحابة، رغم أن المصادر تتحدث عن شيء مختلف تمامًا. ومن الواضح جدًا أن أسبابًا تتعلق بمصلحة الدولة تقف وراء القرار الذي اتخذ نحو منتصف القرن السابع الميلادي باعتماد رسم قرآني واحد لكي يعتمده المسلمون جميعًا. بكلمات أخرى، الطابع الإلهي لهذا الرسم الخالي من النقط والتشكيل كان نتيجة لقرار بشري. بنفس الطريقة التي جاء بها قرار ابن مجاهد بعد ذلك بكثير، والذي دعمته السلطات العباسية لإضفاء مكانة الوحي على القراءات المعتمدة القانونية.
نحن إذا أمام رؤيتين مختلفتين إلى حد كبير بشأن طبيعة التوحيد العثماني للنص. هل كان قرارًا بإجماع الصحابة أم لا؟ ما مدى تنوع ومرونة النص القرآني قبل عثمان وبعده؟ وما طبيعة النصوص التي أبادها عثمان؟ مصادر معرفتنا للإجابة عن هذه الأسئلة المتعلقة بتاريخ نقل القرآن محدودة. لدينا المدونة الإسلامية وما جاء فيها من أخبار بشأن قراءات الصحابة. ثم لدينا مخطوطات القرآن. هذان المصدران هما ما يعتمده النقاد بشكل أساسي مثل ديروش. ثم لدينا آراء القدامى من القرن الثالث الهجري وما بعده. هذا المصدر يعتمد بشكل واسع في التيار التقليدي، بما في ذلك ممثلوه في الأكاديمية الغربية مثل داتن، الذي يعيد صياغة خلاصات القدامى اللاهوتية بلغة حديثة.
من بين الأمثلة التي ذكرها ديروش ليحتج لموقفه ضد ما يسميه بالـ "أرثوذكسية الإسلامية"، ما عثر عليه في مخطوط عند إحدى آيات سورة البقرة. وهو مخطوط يعود إلى النصف الأول من القرن الثامن الميلادي، أي أنه من زمن عبد الملك أو بعده بعقود. فيه قراءة تنسب إلى ابن مسعود وإلى غيره كما سيأتي بعد قليل. الأمر يتعلق بغياب كلمة مثل "على" خلافًا لما في النص القياسي، ثم أضافها ناسخ لاحق بخط صغير بعد أن كان الناسخ الأصلي كتبها على قراءة أخرى.
لقد سلك القدامى طرقًا شتى في محاولات تفسير وجود مثل هذه القراءات التي تختلف على مستوى الرسم عن المصاحف العثمانية. إذ لم يكن من المقبول عندهم أن يكون عثمان أباد قراءات عبرت عن وحي إلهي. لذا احتاج الأمر منهم إلى تبرير حرقه للمصاحف بالقول إنه أبادها بإجماع الصحابة، أو بالاحتكام إلى قصص الأحرف السبعة، أو بأن يجعلوا الصحابة قرأوا بها على وجه التفسير لا غير. هذا إلى جانب آليات دفاعية أخرى تطورت عبر القرون بتطور عقيدة المسلمين في القراءات وفي القرآن نفسه.
ما تقدم كان مدخلًا لمباحث كتاب "الطرس المحمدي". كيف تحولت إبادة عثمان لمصادر محمد المكتوبة الما قبل إسلامية إلى قصص عن حرقه لمصاحف في الصحابة؟ هذا المبحث الفرعي يحمل عنوان: "نشوء وتطور الخطوط الدفاعية العاشرة لاستيعاب قراءات الصحابة المخالفة للرسم القياسي: قراءات ابن عباس نموذجًا". أما عن محتوى هذا البحث الفرعي نفسه، فهو يبدأ بالتعريف بالخطوط الدفاعية العشرة عند القدامى. أولها الطعن في إسناد الحديث. فإن صح الحديث يتم تأويله على أنه قراءة تفسيرية، أو أنه من الأحرف السبعة، أو يدعى أن القراءة منسوخة التلاوة دون الإحالة على العرضة الأخيرة. أو قد يدعى نسخها في العرضة الأخيرة. وقد يصل الأمر في بعض الأحيان إلى ادعاء تراجع الصحابي عن قراءته. أما تخمينًا بلا مستند من المصادر، أو بالاحتكام إلى أسانيد القراء المعتمدين. وقد يحتكم أيضًا إلى عدم تواتر القراءة عن الصحابي، أو إلى إجماع الصحابة على مصحف عثمان. هذه الخطوط الثلاثة الأخيرة متقاربة إلى درجة أنه يمكن اعتبارها خطًا واحدًا. إلى أن يصل الأمر عند بعضهم إلى الرفض اللاهوتي الصريح.
ياتي بعد ذلك النظر في القراءات في مخطوطات القرآن. ثم نمر إلى عرض قراءات مأثورة عن ابن عباس، وهو الصحابي الذي تم اتخاذه نموذجًا لاختبار الخطوط العشرة. ثم نختتم بنتائج البحث والأسئلة المنبثقة عنها. في هذا الشريط سيتم الاكتفاء بعرض قراءات ابن عباس التي خالف فيها الرسم القياسي بعد التوحيد العثماني.
من حيث الكثافة العددية، الذي يظهر هو أن أكثر القراءات المخالفة للنص القياسي تنسب إلى ابن مسعود ثم إلى أبي بن كعب. غير أنهما توفيا قبل عثمان. وفي المقابل، عاش ابن عباس أكثر من 30 عامًا بعد توحيد المصاحف. بقطع النظر عن اختلاف في المصادر بشأن تاريخ الجمع العثماني، لذا فإن ما قرأ به ابن عباس سيكون أكثر قابلية للاختبار عند مناقشة الخطوط الدفاعية. لم أقف على إحصائية بشأن العدد الإجمالي لقراءات ابن عباس التي تنسبها إليه المصادر، لكنها بالمئات على أي حال. غير أن كل قراءة سيتم الاحتكام إليها في هذا المبحث ينبغي أن تتحقق فيها ثلاثة شروط: أن يكون إسنادها صحيحًا وفق معايير أهل الحديث. أن تكون القراءة متعلقة بالرسم لا بالفرش، وبالقراءات فقط لا بآيات كاملة أو أكثر.
مثاله ما أخرجه سعيد بن منصور. فقد روى عكرمة عن ابن عباس أنه قرأ: "حتى يلج الجمل". بينما القراء العشرة قرأوها جميعًا: "الجمل". هذا الحديث وإن كان يستوفي شرط صحة الإسناد، لكنه يتعلق بالفرش لا بالرسم. فالجمل والجمل يكتبان بنفس الصورة. وفي المقابل، آية في سورة البقرة تقول: "وعلى الذين يطيقونه". قرأها ابن عباس كما سيأتي عرضه بعد قليل: "يطوقونه". بين نبرة في المصحف القياسي وواو في قراءة ابن عباس. وهذا هو النوع من القراءات التي سيتم اعتمادها.
ومما لن يتم اعتماده أيضًا ما يتجاوز بضع كلمات. كما في الحديث الذي أخرجه أحمد. يحكي فيه ابن عباس أن رجلاً جاء يسأل المعونة المالية من عمر. فسأله عمر عن مقدار ممتلكاته، فأخبره الرجل أنه يملك 40 من الإبل. وجد ابن عباس في آية "ابن آدم" مصداقًا لحال ذلك الرجل، فقراها عليهم. فسأله عمر عنها، فأخبره أن أبي أقرأها إياها. ذهب عمر إلى أبي، فأخبره أن النبي أقرأها إياها. سأله عمر: هل يثبتها في المصحف؟ فأجاب أبي: نعم. فأثبت عمر آية "ابن آدم" في المصحف. هذا الحديث وإن كان يستوفي شرط صحة الإسناد أيضًا، لكن الأمر هنا لا يتعلق بقراءة، إنما بآية أو بضع آيات مما يقال إنها كانت نصوصًا من القرآن، لكنها لم تعد من القرآن. سوف نعود إلى هذه الرواية التي تعد من أغرب ما روي عن تاريخ القرآن في مناسبتها.
ما يعنينا الآن هو أن آية "ابن آدم" التي قرأ بها ابن عباس ليست من الاختلافات في الرسم بالمعنى الاصطلاحي. وهذه مناسبة جيدة للتعريف بالتقسيم المعتمد في كتاب "الطرس المحمدي" للمادة التي تقول المصادر إنها كانت من القرآن ولم تعد منه. تبدأ الفروقات مما سماه القدماء بالاختلافات الفرشية، وهي اختلافات في علامات الضبط كالـ تشكيل والتنقيط وغيره. وقد تقدم المثال عن قراءات "الجمل" و"الجمل". ثم الاختلافات في الرسم نفسه، وهو الاختلاف في الصورة كزيادة أو حذف أو تغيير حرف فأكثر بما لا يصل إلى جملة كاملة. مثاله "يطيقونه" و"يطوقونه" كما تقدم. أو بزيادة الكلمة متتابعات في إحدى آيات الصيام. ثم لدينا ما أسميه بالوحدات النصية الصغيرة، والتي تبدأ من جملة كاملة، لكن بما لا يتجاوز صورة قصيرة. كقراءة أبي بن كعب في التوبة: "وهو أب لهم". أو آية "ابن آدم" وآية الرجم. ثم "القرآن الكثير"، وهي الأخبار عن ضياع سور كاملة طويلة أو أجزاء طويلة من سور طويلة. مثل الخبر عن ذهاب سورة كانت بطول التوبة، أو ضياع جل سورة الأحزاب. ثم "القرآن المضاعف"، وهي الأخبار التي تجعل القرآن الأصلي أضعاف ما بين أيدينا اليوم، كالروايات التي تقول إنه كان ثلاثة أو تسعة أضعاف القرآن الحالي. لكن يوجد أيضًا ما لا يعرف حجمه، كالخبر عن ذهاب سورة تشبه المسبحات، أو ذهاب سورة بطريقة سحرية بحيث نسيت من ذاكرة كل الصحابة في ليلة واحدة واختفت أيضًا من الحوامل التي كتبوا ها عليها.
هكذا إذا، فإن ما يعني في هذا المبحث مما أثر عن ابن عباس يتعلق بالنوع الثاني حصراً. نعود إذا إلى التذكير بالشرطين الأولين: أن يكون الإسناد صحيحًا، أن تكون القراءة متعلقة بالرسم لا بالفرش، وبالقراءات فقط لا بآيات كاملة أو أكثر. وأما الشرط الثالث، فهو أن يكون ابن عباس قرأ بها بعد مقتل عثمان. لقد تم الاكتفاء بالروايات التي نقلت عن تلاميذ ابن عباس ممن ولدوا بعد اغتيال عثمان بشكل صريح، أو ممن لم تبدأ علاقتهم به إلا بعد الفتنة الأولى.
سأبدأ بالتمثيل بقراءة مأثورة عن أنس بن مالك من أجل شرح الشرط الثالث. قال أبو عبيد في "فضائل القرآن": حدثنا عباد بن العوام عن سليمان التيمي أنه قال: سمعت أنس بن مالك يقرأ: "إني نذرت للرحمن صومًا وصمتًا". أبو عبيد ثقة معروف، ورجال إسناده من رجال البخاري. ذكر القرطبي في تفسيره قراءات ابن عباس وأنس وأبي بن كعب للآية، وذكر اختلافهم بين من قرأها "صومًا صمتًا" ومن قرأها "صومًا وصمتًا". ثم علق بالقول: إن اختلافهم في الواو يدل على أنهم ذكروا تلك الزيادة على وجه التفسير لا على أنها قرآن. غير أن استدلال القرطبي ليس صحيحًا. ففي النص السفلي من "طرس صنعاء" تم العثور على تلك القراءة في المتن في الهامش، ما يعني أن المسلمين كانوا يتعاملون معها على أنها القرآن لا على أنها من التفسير. بقطع النظر إن كان المخطوط يعود إلى ما قبل عثمان أم إلى ما بعده. مات سليمان التيمي سنة 143 عن 97 سنة، أي أنه ولد حوالي سنة 46، ما يعني أنه سمع أنسًا يقرأ بتلك القراءة بعد عثمان. هكذا يكون أنس بن مالك ضمن قائمة الصحابة الذين لم يلتزموا بمصحف عثمان أو رفضوه بشكل صريح كما بيناه في مناسبات سابقة.
وبالمثل سيتم الاختيار من مجمل القراءات المأثورة عن ابن عباس. أخرج ابن أبي داود في "كتاب المصاحف" بإسناده عن عمير بن يريم أنه سمع ابن عباس يقرأ آية الصلاة الوسطى بزيادة لفظ "صلاة العصر". الإسناد مقبول من منظور المحدثين. غير أن تاريخ ولادة عمير، وهو الراوي الذي نقل عن ابن عباس هذا، خبر غير معروف. لذا لا نعرف أن كان عمير سمع ابن عباس يقرأ بتلك الزيادة قبل عثمان أم بعده. كذلك أثر عنه أنه قرأ: "إذا جاء فتح الله والنصر" بدلاً من "إذا جاء نصر الله والفتح". وأنه كان يقرأ بها في الصلاة. غير أننا لا نعرف تاريخ ولادة أبي نوفل ولا نملك مؤشرًا من المتن [تنحنُح] على تاريخ سماعه لتلك القراءة. لن يتم الاحتكام إذا إلى مثل هذه الروايات التي لا يعرف تاريخ سماعها. إنما سنحتكم إلى ما نقل عن تلاميذ ابن عباس الذين ولدوا بعد عثمان بشكل صريح، أو ممن لم تبدأ علاقتهم به إلا بعد عثمان، أو الروايات التي ينص متنها على أن ابن عباس قرأ بها بعد التوحيد العثماني.
لدينا مثلاً التلاميذ الذين ولدوا بعد عثمان مثل سعيد بن جبير وعمرو بن دينار. وأما الذين لم تبدأ علاقتهم بابن بن عباس إلا بعد عثمان فهم أمثال عكرمة، مجاهد بن جبر، وعطاء بن أبي رباح. فقد سكن ابن عباس المدينة منذ الثامنة للهجرة وأقام هناك حتى اغتيال عثمان عام 35. ثم لما تولى علي الخلافة استعمله على البصرة بداية من عام 36. وهب مملوكًا اسمه عكرمة. وفي تلك الأثناء كان مجاهد وعطاء من الموالي في مكة. خرج ابن عباس من البصرة عام 40 وصاحب معه عكرمة مولاه وأقام في مكة. بعد ذلك تعرف مجاهد وعطاء على ابن عباس وصاروا من تلاميذه.
"مثل نوره كمشكاة" قرأها بزيادة كلمة "مثل نور المؤمن كمشكاة". واعتبرها خطأ من ناسخ النص القرآني. في بحث من جامعة أم القرى من إعداد عمر يوسف حمزة "تفسير سورتي النور والفرقان من تفسير ابن أبي حاتم"، أورد الباحث حديث عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس. ثم علق عليه بالقول: إسناده صحيح ولا يلزم من صحة السند صحة المتن لأنه خلاف ما أجمع عليه القراء. لقد احتكم الباحث إذا إلى الخط الدفاعي السابع وهو إجماع القراء المعتمدين على القراءة بما في مصحف عثمان. وهو استدلال دائري كما سيأتي بيانه في المناقشة لاحقًا.
جاء في صحيح مسلم أن النبي نفسه قرأ: "يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن". بينما المصحف الحالي فيه: "لعدتهن". قرأها ابن عباس أيضًا بزيادة "قبل". وكذلك قرأها مجاهد. "وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه". قرأها: "ووصى". واعتبر القراءة الحالية خطأ في المصحف بسبب حبر زائد أدى إلى التصاق الواو بالصاد. "الذين قال لهم الناس زادها واوًا". "له معقبات من بين يديه ومن خلفه". قرأها بزيادة "رقباء". أخرجه عبد الله بن وهب وكذلك سعيد بن منصور. "أولئك لهم نصيب مما كسبوا". قرأها بزيادة ألف ونبرة. "ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم". قرأها بزيادة في مواسم الحج. "والليل". خالف المصحف وقرأها: "وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته". قرأها بزيادة كلمة "محدث". "وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمن إناثًا". صحيح أن الفرق هنا يعد من الاختلافات الفرشية. لكن سعيد بن جبير كان يكتبها في مصحفه بلا ألف ويقرأها: "عند الرحمن". أمره ابن عباس بحكها من مصحفه وأن يكتبها بالألف. القراءة بالألف من القراءات المعتمدة أيضًا. غير أن ما يعنينا هنا هو رفض ابن عباس لها رغم أنها توافق الرسم القياسي. "يسألونك كأنك حفي عنها". قرأها: "حفي بها". "أفلم ييأس الذين آمنوا". كان يقرأها: "أفلم يتبين". وكان يرى أن الناسخ كتبها وهو ناعس. لدينا أيضًا خبر عن طاوس بن كيسان فيه أن ابن عباس "باس" قرأ: "والراسخون" بدلاً من "والراسخون في العلم يقولون". هذه القراءة تجعل علم تأويل المتشابه حصريًا لله على خلاف القراءة في الرسم العثماني التي تحتمل أن يكون الراسخون في العلم يعلمون تأويل القرآن أيضًا. صحيح أن تاريخ ولادة طاوس ليس معروفًا. لكن ابن حجر نقل لفظًا فيه أن ابن عباس قرأ بتلك القراءة في سياق رده على الخوارج. "وإن عزموا الطلاق". خالف المصحف وقرأها: "وإن عزموا السراح". "فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن". قرأها: "أن يضعن من ثيابهن". "لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تـأنسوا وتسلموا على أهلها". قال ابن عباس: إن الكاتب أخطأ وأن اللفظ الصحيح إنما هو "تست يا". "حسرة على العباد". خالف المصحف وقرأها دون لفظ. "فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا". جاء عن أبي جمرة أن ابن عباس كان ينهـاه عن القراءة كما في المصحف العثماني. وفي رواية أخرى جاء أنه وضع لهم مقترحين: إما أن يقرأوا بالذي أو أن يقرأوا بما لا يعرف تاريخ ولادة أبي جمرة. غير أن القراءة الثانية هي التي توافق ما رأيناه أنفًا في المخطوط الذي يعود إلى العصر الأموي. "وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبًا". "وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين". أخرج البخاري عن سعيد بن جبير أن ابن عباس قرأ بزيادة "صالحة" في الآية الأولى وبزيادة "كان كافرًا" في الآية الثانية. "حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم". خالف المصحف وكان يقرأ: "كانت أحلت لهم". "وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين". خالف المصحف وقرأها: "يطوقونه". ثم قال: إنها ليست منسوخة. "وشاورهم في الأمر". خالف المصحف وقرأها: "وشاورهم في بعض الأمر".
لدينا إذا 20 حديثًا صحيحًا على الأقل مما قرأ به عبد الله بن عباس بعد ما يقال إنه حرق لمصاحف الصحابة من أجل توحيد المسلمين على مصحف برسم واحد. وقد كانت قراءاته متنوعة تتراوح بين اعتراضات لاهوتية واعتقاد في وقوع التصحيف في النص القرآني إلى جانب تصحيحات لبعض المواضع فيه. مجمل هذه الآثار عن ابن عباس تبين أنه لم يرَ القرآن وحيًا حرفيًا، وأنه تعامل مع القرآن بما يشبه عقيدة اليهود والمسيحيين في نصوصهم المقدسة. فإن كان هذا هو معتقد ابن عباس، فالأحرى به أن يكون معتقد جميع المسلمين الأوائل. تلك إحدى الخلاصات التي سيتم تفصيلها بعد اختبار الخطوط الدفاعية العشرة التي أنشأها القدامى عبر القرون على ضوء ما نعرفه عن قراءات ابن عباس اللاحقة للتوحيد العثماني.