Transcription
بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم لك الحمد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله الطيبين الطاهرين ومن أحبهم وصافاهم وتمسك بسنتهم وسار على محجتهم إلى يوم الدين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الكمال البشري المعجز. الكمال البشري المعجز. قد يقول بعض السامعين: ما معنى الكمال البشري المعجز؟ نحن نتحدث عن الكمال البشري الذي منحه الله عز وجل لرسول الله في كل خصلة وكل صفة وكل خلة في أعلى المستويات، في أعلى الدرجات، بحيث لم تجتمع خصال الفضل وخصال البركة وخصال النور وخصال الهداية لم تجتمع على مستوى واحد وعلى علو واحد في أي شخص إلا في رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا معنى المعجز.
ونحن سنتحدث حدث في معاني قول الله عز وجل: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً". "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة". نعم، واخترت بيان هذه الصفات أو الحديث عن معاني هذه الآية من كتاب "عدة الصابرين" لابن قيم الجوزية رحمه الله. قال: مما ينبغي أن يعلم. ابن القيم يقول: يجب على المسلم أن يعلم هذه الصفات التي سيذكرها وهذه الأحوال وهذه الخصال. يجب على المسلم الذي يحب الله ورسوله أن يكون على بينة من الصفات التي سيذكرها والأحوال التي سيبينها. قال: مما ينبغي أن يعلم أن كل خصلة من خصال الفضل قد أحل الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في أعلاها وخصه بذروة سنامها. كل خصلة ليس هناك تفاوت في خصال النبي. هذا حسن، وهذا مستحسن، وهذا حسن جداً. كل خصال النبي صلى الله عليه وسلم في الذروة وفي سنام العلو. قال: فإذا احتجت هذه الجملة على العموم، وسياتي تفصيلها. فإذا احتجت بحالة، أي بحال النبي صلى الله عليه وسلم، بحال من أحواله. فإذا احتجت بحالة فرقة من فرق الأمة، الأمة المسلمة، إذا احتجت فرقة من فرق الأمة بحالة التي تعرفت عليها، أي على تلك الخصال وتقاسمتها، إذا افتخرت بذلك على غيرها، إذا احتجت بذلك على غيرها، أم كان الفرق الأخرى، أم كان الفرقة الأخرى أن تحتج به، أي بحال النبي صلى الله عليه وسلم، على فضلها أيضاً. ففضله متعدد لا يحصى، وتلك نعمة من الله عز وجل.
يقول: فإذا احتج به الغزاة. ان بدأ التفصيل. إذا احتج به الغزاة والمجاهدون على أنهم أفضل الطوائف، احتج به العلماء والفقهاء على مثل ما احتج به أولئك. وإذا احتج به الزهاد والمتخلفون عن الدنيا، المتخلفون عن الدنيا، إذا احتجوا به بذلك على فضلهم، احتج به الداخلون في الدنيا والولاية وسياسة الرعية لإقامة دين الله وتنفيذ أوامره. لاحظ الاحتجاج مقابل الاحتجاج. هؤلاء يحتجون بصفة، والآخرون يحتجون بصفة تقابلها ولا تناقضها، صفة أخرى تقابلها. فالحجة مع الطرفين دائماً.
وإذا احتج به الفقير الصابر، احتج به الغني الشاكر به صلى الله عليه وسلم. وإذا احتج به أهل العبادة على فضل نوافل العبادة وترجيحها، كما في الحديث: "ما وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل"، احتج به العارفون على فضل المعرفة، أي الذين توسعوا في معرفة الله عز وجل ومعرفة أركان الإيمان. وإذا احتج به أرباب التواضع والحلم والتسامح، احتج به أرباب العز والقهر للمبطلين والغلظة عليهم والبطش بهم. وإذا احتج به أصحاب الوقار والهيبة والرزانة، احتج به أرباب الخلق الحسن واللين والمرح والمزاح المباح الذي لا يخرج عن الحق وحسن العشرة للأهل والأصحاب. وإذا احتج به أصحاب الصدع بالحق والقول به في المشهد والمغرب، يحتج به أصحاب المداراة والمصانعة والحياء والكرم، أن يبادروا الرجل بما يكرهه في وجهه. وإذا احتج به المتورعون عن الورع على الورع، احتج به المتورعون على الورع، أي على وراعهم، على وراعهم المحمود، احتج به الميسرون المسهلون الذين لا يخرجون عن سعة شريعته صلى الله عليه وسلم ويسرها وسهولتها. والنموذج أبو ذر الغفاري، أبو الدرداء. والنموذج المقابل عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وغيرهما.
وإذا احتج به من صرف عنايته إلى إصلاح دينه وقلبه، احتج به من راعى إصلاح بدنه ومعيشته ودنياه، فإنه صلى الله عليه وسلم بعث لصلاح الدنيا والدين. وإذا احتج به من لم يعلق قلبه، من لم يتعلق قلبه بالأسباب ولا ركن إليها، احتج به من قام بالأسباب، يعني عمل بالأسباب ووضعها مواضعها وأعطاها حقها. وإذا احتج به من جاع وصبر على الجوع احتساباً، احتج به من شبع وشكر ربه على نعمه. وإذا احتج به من أخذ العفو من أخذ بالعفو والصفح والاحتمال، احتج به من انتقم في مواضع الانتقام. وإذا احتج به من أعطى لله ووالى، يعني أحب ووالى لله، احتج به منع لله وعادى الله. وإذا احتج به من لم يدخر شيئاً لغد، احتج به من يدخر لأهله قوت سنة. وإذا احتج به من يأكل الخشنة من القوت والآدم، الآدم كخبز الشعير والخل، احتج به من يأكل اللذيذ والطيب كالشواء والحلوى والفاكهة والبطيخ ونحوه. وإذا احتاج به من سرد الصوم، صوم مستمر يوم على يوم، احتج به من سرد الفطر، فقد كان صلى الله عليه وسلم يصوم حتى يقال لا يفطر، ويفطر روح حتى يقال لا يصوم. وإذا احتج به من رغب عن الطيبات والشهوات والشهيات والشهوات، احتج به من أحب أطيب ما في الدنيا وهو النساء والطب. وإذا احتج به من لان وتعطف جانبه وخفض جناحه لنسائه، احتج به من أدبهن ومهنهن وطلق وهاجر وخير.
وإذا احتج به من ترك أسباب المعيشة بنفسه، احتج به من باشرها بنفسه، فاجر صلى الله عليه وسلم واستأجر وباع واشترى واستلف، فـ أي استقرض وأذن ورهن صلى الله عليه وسلم. وإذا احتج به من يجتنب النساء بالكلية في الحيض والصيام، احتج به صلى الله عليه وسلم من احتج بمن يباشر زوجه وهي حائض بغير وطء، ومن يقبل زوجه وهو صائم وهو يملك إرباحه، كما قالت أم المؤمنين.
وإذا احتج به من رحم أهل المعاصي بالقدر، كان يقول: فلان وقع في المعصية الفلانية، لا نعاقبه ونعفو عنه لأن الله قدر عليه هكذا. هذا فهم خطئ. فإذا إذا احتج به من رحم أهل المعاصي بالقدر، احتج به احتج عليه بمن أقام حدود الله، فقطع السارقة ورجم الزانية وجلد الشاربة. وإذا احتج به أرباب الحكم بالظاهر، أرباب الحكم بالظاهر النصوص الظاهرة، احتج به أرباب السياسة العادلة المبنية على القرائن، القرائن الظاهرة. فإنه صلى الله عليه وسلم حبس في تهمة وعاقب في تهمة. وأخبر صلى الله عليه وسلم عن نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام أنه حكم بالولد للمرأة بالقرينة الظاهرة مع اعترافها لصاحبتها به، فلم يحكم بالاعتراف الذي ظهر له بطلانه بالقرينة.
والقصة أن امرأتين تخاصمتا في ولد إلى سيدنا داود عليه الصلاة والسلام، فحكم بالولد للكبيرة لأنهما ذهبت إلى الغابة فأكل السبع ولد إحدى إحداهما، ثم وقع الاحتكاك والمخاصمة والمدافعة، فادعت الكبرى أن الذي لم يؤكل الحي، الطفل الحي، أنه ولدها وتخاصم إلى سيدنا داود، فحكم كما بالولد للكبرى. فلما خرج من عنده سألهما سليمان عليه الصلاة والسلام، ابن نبي الله داود، فحكى حكى له أو حكت له حكم أبيه عليه الصلاة والسلام، فقال سليمان: ائتوني بالمدية، السكين، لاقسمها هذا الولد شطرين، شطر تأخذه الكبرى وشطر تأخذه الصغرى. فارتاعدت الصغرى رأفة وشفقة وخوفاً، وقالت: هو لها، هو لها، أنا أدعه لها. فعلم سليمان، وهو ما يقول الله عز وجل: "وفهمناها سليمان" في مثل هذا الحكم.
قال الله عز وجل: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة". ما من أحب أن ينجو وأن يسلك طريق الهداية وطريق السلامة، فليقتد بمحمد، فليتأس بمحمد. فصفاته كلها عالية محمودة مرضية عند الله عز وجل. فإن ائتسيت به واقتديت به، فقد فزت على الخير. ومن حرم وأصيب بالخيبة، فسيرى وسيُحسب أو سيظن أنه يمكن أن يوفق إلى عمل أو إلى خصلة أو إلى خير على غير يد محمد. وهذا هو الذي يخيب، وهو الذي يقع على وجهه ويندم، ولا تنفعه الندامة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.