Transcription
وتعيها إذن واعية، إذن واعية مع الشيخ الدكتور صالح سندي، أن الإسلام استسلام لله وإسلام للوجه له. ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى، إنه الاستجابة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم. فلسان حال المسلم الصادق مع ربه يقول: "يا رب، أنا عبدك جاهل إلا إذا علمتني، ضال إلا إذا هديتني، لا هداية لي إلا بوح، ولا سعادة إلا باتباع نبيك صلى الله عليه وسلم. أقيم وجهي حيث أقمت، وأسير حيث وجهتني، مؤتمراً بأمرك، منتهياً عن نهيك، مسلماً لحكمك راضياً بقدرك."
هذا هو المسلم حقاً. ومن لم يكن كذلك، فليع النظر في إيمانه. إن الإيمان يقتضي اقتضاءً حتمياً الالتزام بالكتاب والسنة، أي اعتقاد وجوب الأخذ بهما، فلا يسع أحداً الخروج عنهما، إنما الانقياد والقبول. وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم.
إن الإيمان يقتضي حاكمية الوحي، فهو الحاكم على كل شيء المقدم على كل شيء، وكل ما سواه من رأي أو عقل أو مذهب فإنه مؤخر.
يا أيها الذين آمنوا، لا تقدموا بين يدي الله ورسوله، واتقوا الله. هذه قضية لا بد أن نذكر أنفسنا بها دوماً، لأن قد ابتلينا في هذه الأيام بدعوات ضالة تطعن في القرآن والسنة أو تشكك في حاكم تهماً أو تزاحمه ما بسفاسف الأذهان من دعوة تقديم العقل على النقل أو محاكمة الأدلة إلى العقل أو أن الانقياد للدليل مرهون بمعرفة حُكمه.
فهذه وأشباهها دعوات ضالة، روائح النفاق غالب عليها. والله جل وعلا قد قال عن المنافقين: "وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا."
إن العلاقة بين النقل والعقل علاقة تعاضد لا تناقض. وإذا قيل النقل فالمراد أدلة القرآن وأحاديث السنة الصحيحة، فلا يمكن البتة أن يخالف نقل صحيح عقلاً صريحاً. لا معاندة بين شرع منقول وحق معقول، هذا أصل أصيل عندنا معشر المسلمين، فإننا نعتقد أن الله سبحانه هو الذي أوحى إلى عبده محمد صلى الله عليه وسلم هذا الوحي، وهو الذي خلق العقول.
فالمصدر إذاً واحد، فكيف يحصل التناقض؟ إنما يحصل التناقض في عقول فاسدة أو عاجزة؛ عقول فاسدة مستكبرة عن ربها، ولا غرابة أن تدعي هذا التناقض، أو عقول عاجزة، فهي لقصور تتوهم التناقض والتعارض، والواقع خلاف ذلك.
ومن تأمل وجد أن أسباب ظهور توهم التعارض ترجع إلى ستة أسباب:
الأول: عدم صحة المنقول، أي أن يكون توهم التعارض حاصلاً مع حديث ضعيف أو موضوع.
الثاني: أن ينسب إلى الشرع ما ليس منه كأسرائيل أو بدع لا تمت للإسلام بصلة.
الثالث: عدم صحة ما يُدعى أنه معقول، حيث يُدعى أن العقل يقتضي كذا أو يمنع كذا، والصواب خلاف ذلك.
الرابع: عدم التفريق بين المحال عقلاً والبعيد وقوعاً.
الخامس: عدم التفريق بين محالات العقول ومحارات العقول. المحالات: ما يعلم العقل بطلانه وامتناعه، وهذا لا يأتي في الشريعة أبداً. والمحارة: ما يعجز العقل عن تصوره أو يقصر عن معرفة تفاصيله، وهذا قد يقع في مسائل الغيب والقدر والصفات الإلهية ونحوها.
ولذا قال العلماء: الرسل عليهم الصلاة والسلام يخبرون بمحارات العقول ولا يخبرون بمحال العقول.
السبب السادس والأخير: عدم فهم النقل فهماً صحيحاً.
واختتاماً، إن المنهج الصحيح عند توهم وقوع التعارض بين العقل والنقل يتلخص في أربعة أمور:
أولاً: أن يستيقن المسلم أنه يستحيل التعارض بين العقل والنقل.
ثانياً: أن يقصد المسلم الوصول للحق ويحقق إيمانه بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
ثالثاً: أن يطلب عالماً أو جهة علمية موثوقة لعرض الإشكال، وسيجد بتوفيق الله شفاعة.
رابعاً: ليُوطّئ نفسه على تقديم الوحي على العقل، بل وعلى كل شيء، فهذا صريح الإيمان.
ليجعل قاعدة حياته: "اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم، ولا تتبعوا من دونه أولياء."
والحمد لله رب العالمين.