Transcription
في آخر ساعات من عام 2025، هناك رسالة لا تُقال في خطاب رسمي، ولا تُكتب في بيان تهنئة. رسالة تُقرأ من مكان واحد فقط: الميدان.
ماذا يعني أن تنهي الجزائر سنة كاملة وهي تترك على الطاولة ملفًا اسمه "الحصن المنيع"؟ ولماذا يعود هذا الاسم كلما اقتربنا من رأس السنة، كأنه ختم أحمر على الصفحة الأخيرة من العام؟ القصة تبدأ من وقائع موثقة، لا من حماس منصات التواصل.
في الثاني من مايو من عام 2025، أشرف رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، الفريق الأول السعيد شنقريحة، على تنفيذ تمرين تكتيكي بالذخيرة الحية بعنوان "الحصن المنيع 2025". نُفذ من طرف وحدات القطاع العملياتي جنوب تندوف، مدعومة بوحدات من مختلف القوات والأسلحة، ضمن متابعة برامج الجاهزية القتالية لسنة التحضير 2024-2025. هذا ليس وصفًا عامًا، هذا نص رسمي من وزارة الدفاع الجزائرية.
ثم بعد أيام قليلة، في الـ 27 من مايو من العام نفسه، عاد المشهد في الناحية العسكرية الثانية. تمرين تكتيكي بالذخيرة الحية بعنوان "صمود 2025". نُفذته وحدات اللواء الـ 6 للمشاة الآلية، مدعومة بوحدات من مختلف القوات والأسلحة، كخاتمة لسنة التحضير القتالي 2024-2025، وتحت إشراف الفريق أول شنقريحة. هذا أيضًا موثق رسميًا.
إذًا، ما الذي يجعل هذين التمرينين يعودان بقوة في نهاية السنة؟ لأن الرسائل العسكرية لا تُقاس فقط بتاريخ تنفيذها، بل بلحظة تفعيل معناها. رأس السنة هو توقيت يشتغل فيه العقل السياسي بطريقة مختلفة. جرده حساب، توقعات، سيناريوهات. أي دولة تفكر في العام المقبل تسأل نفسها: ما الذي أملكه الآن؟ ما الذي أخفيته؟ ما الذي اختبرته أمام عيني؟ ومن الذي التقط الإشارة؟
هنا ندخل إلى لب ملف "الحصن المنيع". الاسم وحده ليس تفصيلًا بريئًا. حصن منيع لا يقول لك: "نحن نلوح"، بل يقول لك: "نحن نبني فكرة دفاعية صلبة، لا تُكسر بسهولة". والأهم: مكان التنفيذ. تندوف، جنوب تندوف تحديدًا، قرب الحدود المغربية، بحسب تغطيات إعلامية اعتمدت على التلفزيون الرسمي الجزائري ووكالات.
لماذا تندوف؟ لأن الجغرافيا في الجزائر ليست خلفية صامتة، بل جزء من المعادلة. تندوف ليست مدينة بعيدة عن المركز فقط، بل نقطة تماس مع خرائط إقليمية معقدة، وملف الصحراء الغربية، وحساسيات حدودية، وممرات صحراء واسعة لا تُدار بالكلام. لكن انتبه، الرسالة لا تختصر في قرب الحدود. هناك طبقة أعمق.
وزارة الدفاع تقول إن التمرين نفذته وحدات القطاع العملياتي جنوب تندوف، مدعومة بوحدات من مختلف القوات والأسلحة. هذه الجملة وحدها تحمل المفتاح: تنسيق، دمج، عمليات مشتركة. لأن الحرب الحديثة ليست سلاحًا واحدًا، بل شبكة. وإذا كانت المناورات بالذخيرة الحية هي اختبار للرصاصة، فهي قبل ذلك اختبار للعقل الذي يربط الرصاصة بالخطة، والخطّة بالاتصال، والاتصال بالقرار.
ثم تأتي مناورات "الصمود". الاسم أيضًا مقصود. الصمود ليس طلقة. الصمود وقت، يعني قدرة على الاستمرار تحت الضغط. والوثيقة الرسمية تضيف عنصرًا مهمًا: التمرين يأتي كتتويج لسنة التحضير القتالي. أي أننا أمام إغلاق سنة تدريب على مستوى المؤسسة، لا مجرد حدث تصويري. عندما تُغلق سنة التدريب بمناورة حية، فأنت تقول للداخل قبل الخارج: هذه هي النتيجة، وهذه هي درجة الجاهزية التي نملكها، لا التي نتمنى أن نملكها.
لمن ترسل الجزائر هذه الإشارات؟ فعلاً، ليس لجمهورها الداخلي فقط، رغم أن رسالة الثقة مهمة. الرسالة تُرسل للدوائر التي تفهم لغة الميدان: خصوم محتملون، وشركاء يراقبون، ووسط إقليمي يعيش توترًا مزمنًا من الساحل إلى المتوسط. وعندما تنشر وزارة الدفاع تفاصيل الإشراف والقطاعات والوحدات الداعمة، فهي لا تكشف أسرار التسليف الدقيقة، لكنها تقول: لدينا منظومة تتحرك، لدينا قيادة تتابع، لدينا جاهزية تُختبر ميدانيًا.
هل هذا يعني أن الجزائر تستعرض أو تبحث عن التصعيد؟ لا. التمرين بالذخيرة الحية هو في الأصل رسالة ردع دفاعي، قبل أن يكون دعاية هجومية. الردع ليس تهديدًا لفظيًا. الردع هو جعل الطرف الآخر يحسب كلفة أي مغامرة. والردع الحقيقي لا يحتاج إلى كلمات جارحة ولا إلى مبالغات. يكفي أن تقول: ما نحميه اليوم ليس شعارًا، بل قدرة مُجرّبة.
تُغفِل الجزائر، التقطت الرسالة من زاوية أخرى. تقارير صحافية عربية ودولية ذكرت أن المناورات تمت قرب الحدود مع المغرب، وأن قائد الأركان حضر بنفسه، وأنها مناورات بالذخيرة الحية نفذتها وحدات من القطاع العملياتي جنوب تندوف بدعم من مختلف القوات. هذا الاهتمام الخارجي ليس صدفة. لأنه عندما تُجرّبها علنًا في موقع حساس، فإنها تعطي للمراقب إشارة: لا تراهن على المفاجأة.
وسط كل هذا، يبرز عنصر غالبًا ما يُهمل في التحليل السريع: التوقيت الإقليمي. نهاية عام 2025 لم تكن هادئة في محيط الجزائر، بل كانت مشبعة بإشارات ارتباك وتحولات صامتة في أكثر من جبهة. من الساحل الأفريقي، حيث تتبدل التحالفات بسرعة، إلى الشمال، حيث تتقاطع حسابات الطاقة والأمن، وصولًا إلى غرب المتوسط، حيث تُعاد كتابة قواعد النفوذ بهدوء.
في مثل هذا السياق، لا تُقرأ المناورات العسكرية كحدث داخلي معزول، بل كجزء من مشهد أكبر تتحرك فيه الدول الكبرى بحذر، وتعيد فيه القوى الإقليمية وزن خطواتها. عندما تختار الجزائر أن تُظهر جاهزيتها في هذا التوقيت تحديدًا، فهي لا تخاطب حدودها فقط، بل تخاطب مراكز القرار التي تراقب بصمت وتُجري حساباتها على ضوء كل حركة مدروسة في الجنوب الجزائري.
وهنا تصبح رسالة رأس السنة مفهومة. الجزائر تقول: العام الجديد لا يبدأ من فراغ، يبدأ من برنامج جاهزية تم تتويجه، ومن مناورات تم اختبارها، ومن رسالة جغرافيا واضحة. الجنوب الغربي ليس ساحة رخوة، والناحية الثانية ليست مجرد ميدان رمي، هي عنوان لاستمرارية التدريب والقيادة والقدرة على دمج وحدات متعددة في سيناريو واحد.
لكن لماذا يبرز اسم شنقريحة في الإشراف المباشر على تمرينين كبيرين ضمن أسابيع قليلة؟ لأن القيادة عندما تنزل إلى الميدان، فهي تريد أن تُثبت معيارًا، وتراقب التنفيذ، وتؤكد أن خط الجاهزية ليس ورقًا. وهذا يتوافق حرفيًا مع ما تقوله وثائق وزارة الدفاع عن متابعة برامج الجاهزية وختام سنة التحضير القتالي.
إذًا، ما الذي ينبغي أن نفهمه ونحن ندخل 2026؟ أن الجزائر لا تراهن على أمن بالتصريحات، بل على أمن بالممارسة. وأن "الحصن المنيع" و"الصمود" ليس اسمين لقطعتين إعلاميتين، بل عنوانين لمدرسة تفكير: ردع هادئ، وجاهزية متواصلة، ورسائل تُرسل بالذخيرة الحية لا بالمنشورات.
والسؤال الأخير الذي يتركه هذا الملف مفتوحًا مع بداية السنة الجديدة: إذا كانت هذه هي الطبقة التي تُعرض للعلن ضمن برامج التدريب المعلنة، فكم طبقة أخرى تُبنى بعيدًا عن الكاميرا؟ وما الذي سيظهر في أول اختبار إقليمي كبير خلال 2026؟