Transcription
الاقنعه سقطت واللعب اصبح على المكشوف. وما كان يدار في الغرف المغلقه بالكواليس الدبلوماسيه انفجر الان امام العلن وبشكل لا رجعه فيه.
هل ظننتم ان سحب السفير في صيف 2024 كان ذروه الازمه؟ هل اعتقدتم ان التوتر وصل لسقفه النهائي؟ انتم مخطئون تماما. ما يحدث اليوم في الجزائر العاصمه ليس مجرد خلاف عابر. نحن امام اعلان حرب دبلوماسيه مفتوحه. والمشهد الذي نعيشه الان هو السيناريو الاسوا الذي حاولت باريس تجنبه، لكن الجزائر قررت قلب الطاوله.
ستيفان روماتي السفير الفرنسي في الجزائر لم يعد مجرد دبلوماسي غير مرغوب فيه، بل اصبح شخصا غير مرحب به فوق التراب الجزائري. العباره ثقيله، حاده، ولا تحتمل التاويل. في لغه الدبلوماسيه، يانيد يعني احزم حقائبك وغادر.
لكن السؤال الحقيقي الذي يجب ان نطرحه الان والذي لا يتجرا الاعلام الغربي على قوله بوضوح: لماذا الان؟ وما هي الشعره التي قسمت ظهر البعير؟ الجواب ليس في البيانات الرسميه التقليديه، بل في فضيحه استخباراتيه واعلاميه هزت اركان قصر الاليزيه قبل ان تصل ارتداداتها الى قصر المراد.
راديه القصه بدات بفيلم. نعم، وذائقي بثته القناه الفرنسيه الثانيه فرونس 2 مساء الخميس الماضي. قد تقولون انه مجرد عمل صحفي، لكن دققوا في التفاصيل. الشيطان يكمن هناك. هذا لم يكن عملا صحفيا، بل كان هجوما ممنهجا، عمليه اغتيال معنوي لمؤسسات الدوله الجزائريه. والاخطر من ذلك ان السفير روماتييه نفسه شارك فيه. تخيلوا سفير دوله يظهر في برنامج يصف الدوله التي تستضيفه بانها تدير حربا سريه ضد بلاده ويوزع الاتهامات يمينا ويسارا.
السلطات الجزائريه التقطت الرساله فورا. هذه ليست حريه تعبير، هذا ضوء اخضر رسمي من الحكومه الفرنسيه، وهذا تواطؤ لا يمكن السكوت عنه.
لكن انتظروا، السيناريو اكثر تعقيدا وتشويقا من مجرد برنامج تلفزيوني. نحن نتحدث عن ملفات سوداء فتحت فجاه. الوثائقي تحدث عن حرب سرديات وعن ضعوطات، لكنه ارتكب الخطيئه الكبرى عندما استعان بشخصيات مطلوبه للعداله الجزائريه مثل اليوتيوبر امير بوخرس ليشن هجوما مباشرا على رئيس الجمهوريه ويتهم الاجهزه الجزائريه بمحاوله خطفه في باريس.
هل تدركون خطوره ما يطرح؟ قناه عموميه فرنسيه تمورها ضرائب الفرنسيين تتبنى روايه شخص معارض تتهمه الجزائر بالارهاب، وتتهم دبلوماسيين جزائريين بمحاوله تصفيه جسديه على الاراضي الفرنسيه. هذا ليس اعلاما، هذه ساحه معركه استخباراتيه نقلت الى الشاشات.
وهنا ياتي الرد الجزائري. رد باسلوب تشويقي حقيقي، سريع، حاسم، وموجع. الجزائر لم تكتفي ببيان استنكار. لقد فعلت مبدا العين بالعين. اتذكرون الصحفي الفرنسي كريستوف جليز المسجون في الجزائر بسبع سنوات بتهمه الارهاب؟ عائلته كانت تخطط لزيارته، لكن السلطات الجزائريه قالت لا. لماذا؟ لان باريس في خطوه استفزازيه سابقه منعت عائله دبلوماسي جزائري مسجون في فرنسا من زيارته. الرساله واضحه: تعاملون دبلوماسيين كمجرمين، سنعامل رعايكم بالمثل. لا امتيازات، لا جوازات سفر حمراء تحميك، ولا حصانه لاحد.
الوضع الان هو انسداد شامل. القنوات الرسميه مغلقه والهواتف لا ترن. الازمه التي بدات تتدحرج كره الثلج منذ صيف 2024 حين قرر ماكرون اللعب من نار ودعم الحكم الذاتي المغربي في الصحراء الغربيه، وصلت اليوم الى قاع الهاويه. في ذلك الوقت سحبت الجزائر سفيرها، واليوم تطرد سفير فرنسا. وبين التاريخين كانت هناك حرب طاحنه في الظل. طرد متبادل لموظفين قنصليين، اتهامات بالتجسس، وقضايا احتجاز. هل تعلمون ان ابريل 2025 شهد طرد 12 دبلوماسيا من كل جهه؟ نحن نتحدث عن تصفيه للوجود الدبلوماسي، تفريغ للسفارات، وقطع لخطوط الاتصال.
الوثائقي الفرنسي حاول ان يصور الامر وكان الجزائر تتجسس على فرنسا في عقر دارها. استعرضوا مذكره للامن الداخلي الفرنسي تتهم عنصرا من الاستخبارات الجزائريه بتوبيخ مستشاره بلديه فرنسيه من اصول جزائريه في قنصليه كريتاي لانها دشنت شارعا باسم المغني معطوب لونيس دون ذكر جنسيته الجزائريه. لاحظوا الخبث في الطرح. يحاولون تصوير الجزائر كدوله تلاحق ابناء جاليتها في تفاصيل دقيقه ليبرروا ممارساتهم العدائيه تجاه الدبلوماسيين الجزائريين.
لكن السحر انقلب على الساحر، والجزائر قرات المشهد ككل. هذه حمله منسقه، والوثائقي هو مجرد رصاصه الرحمه على العلاقات.
وفي خضم هذا الجو المشحون، وسط هذا الظلام الدامس والقطيعه، تظهر فجاه سيجوالين رويال في مطار هواري بومدين. مشهد سريالي لا يصدق. بينما يحزم السفير حقائبه للرحيل مطرودا، تحط الوزيره الفرنسيه السابقه والمرشحه الرئاسيه رحالها في الجزائر العاصمه. ما الذي يحدث؟ هل هي محاوله بائسه للانقاذ ام مناوره فرنسيه جديده لذر الرماد في العيون؟
رويال تاتي بقبعه رئيسه جمعيه فرنسا الجزائر، تحمل ملفات اقتصاديه واستثمارات وحديثا ناعما عن الصداقه والحوار. تتحدث بجراه، تطالب بالاعتراف بجرائم الاستعمار وتلوح بملفات حساسه مثل التجارب النوويه واسترجاع مدفع بابا مرزوق. لكن هل يمكن للسياسه الناعمه ان تصلح ما افسدته السياسه الخشنه؟ هل اعتقدت باريس انها تستطيع ضرب الجزائر بيد ومصافحتها باليد الاخرى؟
التوقيت مريب، والزياره تبدو وكانها محاوله للفصل بين المصالح الاقتصاديه والاشتباك السياسي. لكن في الجزائر، السياسه والسياده خط احمر لا يمكن تجاوزه بصفقات تجاريه.
نحن امام مشهد معقد. سفير مطرود، صحفي فرنسي في السجن، دبلوماسي جزائري محتجز في باريس، وقنوات تلفزيونيه تحولت الى منصات قصف متبادل. الجزائر اليوم تتصرف من منطق القوه والنديه. انتهى زمن البيانات الخجوله. البيان الاخير لوزاره الخارجيه كان ناريا، وصف الوثائقي بانه مليء بالاكاذيب واعتبر مشاركه القناه العموميه دليلا على الموافقه الرسميه. الدوله الجزائريه تقول لفرنسا بوضوح: نعلم انكم وراء هذا، ونعلم ان الاعلام لديكم اداه سياسيه، وسنرد في المكان والزمان المناسبين.
السؤال الذي يطرح نفسه الان والذي يجب ان يفكر فيه كل جزائري: الى اين نحن ذاهبون؟ هل نحن امام قطيعه نهائيه قد تمتد لسنوات؟ المؤشرات تقول نعم. فرنسا ماكرون اختارت معسكرها بوضوح عندما انحازت للطرح المغربي، والان تحاول ابتزاز الجزائر اعلاميا وحقوقيا. لكن الرد الجزائري جاء صادما للمراقبين في باريس. كانوا يتوقعون غضبا، لكنهم لم يتوقعوا طرد السفير وقطع الزيارات العائليه.
هذا التصعيد ليس عشوائيا. انه رساله بان الجزائر الجديده لا تقبل المساومه. اللعب اصبح على المكشوف، والقفازات الحريريه نزعت. سيجو ين رويال قد تحاول تلطيف الاجواء، قد تتحدث عن التاريخ والذاكره، لكن الواقع على الارض يقول ان الثقه دمرت بالكامل. الوثائقي الفرنسي لم يكشف اسرا عن الجزائر، بل كشف الوجه الحقيقيه للنوايا الفرنسيه.
الايام القادمه ستكون حبله بالمفاجات. هل سترد باريس بتصعيد اكبر؟ هل سنشهد طردا مماثلا للسفير الجزائري رغم انه مسحوب اصلا؟ ام ان ملفات الاقتصاد والغاز ستجبر الاليزيه على الركوع والاعتذار؟ راقبوا جيدا، فالقصه لم تنتهي بعد، وما خفي اعظم. نحن لا نشاهد نشره اخبار، نحن نعيش فصول معركه كسر عظم حقيقيه، والجزائر فيها هي من يملك ورقه الضغط الاقوى: السياده والكرامه التي لا تباع ولا تشترى. ابكوا معنا، لان القادم سيغير وجه علاقات في المنطقه بالكامل.