📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

و تلك حجتنا - 30 - ( مقدمة عن القصص القرآني ) - مع المفكر ياسر العديرقاوي

OKAB TV11:56

Transcription

[موسيقى] الحمد لله رب العالمين. الأخوة الكرام، لكم التحية. سنُطرق، في هذا المحور، بإذن الله، إلى موضوع في غاية الأهمية، وهو محور القصص القرآني. وكما تعلمون، إن القصص القرآني يشكل ثلاثة أرباع كتاب الله سبحانه وتعالى. وهنا يكفي السؤال المحوري: لماذا أغلب آيات كتاب الله سبحانه وتعالى، أول المصحف الشريف، هي تتحدث عن أخبار السابقين وقصص الأنبياء والأحداث التاريخية التي وقعت في غابر الزمان، بما يشكل ثلاثة أرباع القرآن الكريم؟ ما هي الحكمة من هذا الأمر؟

والغريب في الأمر، أن آيات الأحكام التشريعية، بما في ذلك أحكام القوانين، الأحوال الشخصية، أحكام العقوبات الجنائية والأحوال الشخصية من طلاق وزواج ومواريث وغيرها، بالإضافة إلى الآيات التي تحدثت عن شعائر العبادة، بالجملة: صلاة وزكاة وصيام وحج، كلها لا تتجاوز في القرآن 200 آية فقط، من جملة 6236 آية. يعني في أكثر من 6,000 آية، لا تتحدث لا عن تشريع ولا عن أحكام ولا عن عقوبات ولا عن شعائر عبادة. مع أن الإنسان اليوم اختزل مجمل الدين في ما يقوم به من شعائر، خلاص! ده هو المتدين، هو الذي حقق الإسلام، مع أنه يمثل أقل من واحد على 30، واحد على 30 من جملة الأحكام الواردة في القرآن الكريم، أو من جملة ما نزل في كتاب الله سبحانه وتعالى.

هنالك العديد، العشرات، المئات من الآيات التي تتحدث عن أخبار السابقين، الآيات الكونية عن الوجود الإلهي بقوانينه ونظمه وأحكامه. أليس ذلك من الدين في شيء؟ أم أنها عمق التدين الذي يريده الله سبحانه وتعالى؟ من القصص القرآني، فرعون ذكر في القرآن، يعني يمكن يكون أكثر اسم علم ذكر في القرآن: فرعون. الآيات التي ذكرت فرعون فقط، أكثر من الآيات التي ذكرت الصلاة والزكاة والصيام والحج مجتمعة، قبل أن يكون اسم للشخص رمسيس الثاني أو غيره. فهي ظاهرة سياسية تتحدث عن الديكتاتورية السياسية في القرآن الكريم، وهذه تتمسخر عبر الزمان، لا تنتهي. يعني ظاهرة الفراعنة، كلما هلك فرعون جاء فرعون. تمظهر هذه القضية، ظاهرة الديكتاتورية السياسية، أعلى قمة لها في عهد الفرعون الذي ذكر في القرآن الكريم، اللي هو فرعون موسى، ولكن الظاهرة تبقى إلى الأبد، والواقع يشهد بذلك. فكم هي الدول التي مليئة بالفراعنة، أو الديكتاتورية التي تنتهي بكرامة الشعوب، وتسويق لقبتها السياسية؟ لا نريد هذا البرنامج، ونكتفي بالمنهجية في تدبر النصوص.

إذاً، الحكمة من القصص القرآني، دعونا أولاً نذهب إلى السورة التي حكى الله سبحانه وتعالى عنها أنها أحسن القصص: سورة يوسف. "نحن نقص عليك أحسن القصص". ماذا قال في آخر آية؟ الآية الأخيرة من سورة يوسف، التي تمثل أحسن القصص، وضع لنا الله سبحانه وتعالى الختم المعرف للحكمة من القصص القرآني: "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب، ما كان حديثاً يفترى، ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون". هذا هو الختم الإلهي لبيان الغاية من القصص القرآني. وكرر الآية: "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب، ما كان حديثاً يفترى، ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون". إذاً، من هذه الآية، الله سبحانه وتعالى أعطانا حكمتين عظيمتين: الأولى: عبرة للألباب، الثانية: تفصيل كل شيء. إذاً، سنتطرق، سنلقي نظرة على القصص القرآني من هذين البابين: كيف تكون القصة القرآنية عبرة للألباب؟ وكيف هي تكون تفصيل كل شيء؟

أولاً: العبرة. لو سألنا أحد: ما هو الهدف من القصة؟ قال لك: نأخذ منها العظة والعبرة. طيب، لو سألته بالسؤال: ما هو الفرق بين العظة والعبرة؟ يقول لك: لا أدري، أعتبرها شيئاً واحداً. هنالك موعظة، هنا عبرة. يعني القصة هي العبرة، أما الموعظة موضوع آخر. فماذا تعني العبرة؟ العبرة هي اشتقاق من العبور، من فعل العبور، عبر، ومنها الاسم العبارة، ومنها المعبر. يا جماعة، بتعرفوا العبارة، أو خلينا نقول السفينة، مش بنطلق عليها العبارة، أو الكوبري الذي يوضع على النيل: المعبر. هذا هو مفهوم العبرة. طيب، كيف تكون القصة عبرة لأولي الألباب؟ وهي عندما تقرأ القصة في القرآن الكريم، يجب أن تضع جسراً معبراً بين الواقع الذي تعيش فيه الآن وبين الواقع التاريخي الذي حدثت فيه القصة. لا تحاول أن تفهم القصة من واقعك أنت، يعني أنت قاعد في محيط اليوم، محيطك الثقافي، وكسبك المعرفي، وما تراه الآن من مظاهر الدنيا، وتريد أن تفهم كيف حدث، أو ما هي الأبعاد المعنوية والمادية للقصّة التي حدثت بين موسى وفرعون. لا يجب أن تنصب جسراً تخيلياً، ثم تتسلق على هذا المعبر وتذهب هناك، خيال بالخيال إلى الزمن الغابر، وتتخيل كيف كانت مظاهر الحياة، وتعتبر نفسك واحداً، أو تتخيل أنك واحد من ذلك المجتمع، وتحاول أن تفهم القصة هناك. وبعد أن فهمت القصة في ذلك الزمن، أخذت منها الموعظة، اللي هي انعكاس الشيء الذي انعكس على قلبك من المشاعر والتصورات، وتركب المعبرة، تجي راجع تشوف ماذا يناسب هذه الموعظة بالواقع الذي أنت تعيش فيه. إذاً، القصص القرآني هي معبر، وجسور ضربها الله سبحانه وتعالى بين الواقع المتغير الذي تعيش فيه وبين الواقع التاريخي الحقيقي الذي وقعت فيه تصورات القصة. هذا هدف.

الهدف الثاني: تفصيل كل شيء. ولذلك، هو عبر القصص القرآني يتم تفسير المصطلحات والكلمات التي نزلت في آيات الأحكام. مثلاً، الأخ لأمه، هل يطلق عليه اسم أخ؟ والأخ لأب، هل يطلق عليه اسم أخ؟ أم أن كلمة الأخ لا تطلق إلا على الشقيق فقط؟ أليس هذا سؤال لا تستطيع، لو قرأت كل آيات الأحكام، لا تستطيع أن تثبت أن ابن الأب يمكن أن يقال له أخ، وأن ابن الأم يمكن أن يقال له أخ، إلا أن تذهب إلى التفاصيل الواردة في القصص القرآني. كيف قول العزيز يوسف لإخوته: "ائتوني، فلما جهزهم بجهازي قال: توني بأخي لكم من أبيكم". إذاً، من هذه القصة، ما عندها علاقة بالأحكام، عرفنا الآن أن ابن الأب فقط هو أخ يسمى أخ. طيب، ابن الأم يسمى أخ؟ قال موسى من أهله هارون: "أخي". بينه وبين هارون. ولكن ما هي العلاقة بين هارون وموسى؟ نذهب في آيات أخرى، عندما جاء موسى من الميقات وألقى الألواح، وجاءه موسى وأخذ برأسه وبيحيته، قال: "ابن أمه، لا تأخذ برأسي ولا بلحيتي". إذاً هو أخيه، ابن أمه. وبعد أن أخذت هذه المفاهيم من القصص القرآني، وعلمت أن ابن الأب هو أخ، وابن الأم هو أخ، والشقيق هو أخ، أخذت هذا التصور من القصص القرآني، ومباشرة توجهت لبيان الحكم المواريث في الآية 12 من سورة النساء، قوله تعالى: "وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فليكون لي واحد منهم السدس". أخ، جاءت مطلقة، لم تحدد أنه أخ ابن أب، أو أخ شقيق، أو أخ ابن أمه. جاءت مطلقة هكذا، فتسقط جميع الدعاوي التي جاء بها الفقه في أن هذه الآية قد فصلت بين الأخوة لأم والأخوة لأب، فدخلوا من جيوبهم وقالوا إن هذه الآية 12 من سورة النساء تتحدث عن الأخوة لأم، أين التخصيص؟ وهي جاءت مطلقة، والإطلاق في كلمة أخ يدخل فيه الشقيق، ويدخل فيه ابن الأب، ويدخل فيه ابن الأم. وهذا ما سنتطرق إليه عندما نتطرق في الحلقات الحوارية التي أنتم موعودون بها عن ميراث الكلالة وخطأ الإجماع الفقهي.

الآن دعونا في القصص القرآني، حكمتين، غايتين: الغاية الأولى: عبرة وجسور نتسلق من خلالها إلى الزمان الغابر، والغاية الأخرى هي تفصيل كل شيء. إذاً، تفصيل آيات الأحكام لا يمكن أن يوجد إلا عبر القصص القرآني. القصص القرآني ليس طرف فكري، وإنما فيه من الجمال والعظمة والموعظة والمعابر الله به عليم. في الحلقة التالية، والحلقات التي تليها مباشرة، سنحاول أن نأخذ نموذجاً أو نموذجين عن القصص القرآني: قصة العرض الصالح مع موسى، وقصة ثورة موسى لمناطحة الديكتاتورية، فقط إلى أن ألتقي بكم في هذا التسلسل. أترككم في حفظ الله ورعايته، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. [موسيقى]