Transcription
مدينة تاريخية شُبِهت بجنة الله تعالى في أرضه، وذلك لبساتينها الخضراء ونخلها الكثيف. كان يُطلق عليها ما قبل الإسلام غَثَم، قبل أن يتم تدميرها من قبل الحميريين. عندما دخل الإسلام حضرموت، سُميت بالحَوْل، بما تُعرف هذه المدينة حاليًا. إنها مدينة الغرفة. دعونا نسترجع شيئًا مما أهمله التاريخ.
مدينة تاريخية شُبِهت بجنة الله تعالى في أرضه، لبساتينها الخضراء ونخلها الكثيف. تقع هذه المدينة التاريخية في قلب وادي حضرموت، في خَلع راشد الذي يشمل حاليًا الحوطة والغرفة والقرى المجاورة لها. فهي في غرب سيئون. كان من أسمائها ما قبل الإسلام رَطْغَ تَم، ومن ثم تم تدميرها من الاحتلال الحميري. كما تم تدمير وإزالة قسم كثير للمناطق الأثرية القديمة في حضرموت لأهداف ديموغرافية وسياسية وعصبية بنوعيها القبلية والدينية. ومن ثم اشتهرت بالحَوْل من بداية دخول الإسلام حضرموت، وتعرف حاليًا بالغرفة.
ففي سنة 601 للهجرة، اقتسمت نهد السرير السليل. فأخذ بنو معروف ومرة شبام والحول والتيس، وانتفض بنو ظنة في بور ومريم. عُرف من هذا أهمية منطقة الحول من الناحية الزراعية والاستراتيجية، وأنها كانت تُعرف بالحَوْل. أما مسجد الجار بالحَوْل الغرفة، فهو الاسم الثابت تاريخيًا حتى يومنا هذا. فقد بُني عام 300 للهجرة، وقيل أقدم من ذلك، لأن المنطقة كان بها من أهل حضرموت منذ دخول الإسلام، فَلَزِم وجود مساجد لأداء صلواتهم. وكان آخر القائمين عليه آل جرو.
آل جرو كانوا أمراء على الحول، لهم خيول وقوة وشوكة. آل جرّ وآل بحلوان أخوة من أم وأب، ونسبهم في كنده. وكان آل وبر من سكان الحول الغرفة، وهم من بني معاوية بطن من كنده، وهم حلفاء آل باصهي الكنديون. وقد دخل الجر والبن وبر في حروب عدة حتى أُفْنِيَت جميعًا. أما مسجد الجرو، لقدمه كثيرًا، فقد تم هدمه سنة 1997، وتم بناؤه من جديد. لهذا وغيره، لا نجد اسمًا يُذكر في صفحات تاريخ حضرموت خلال القرون الماضية قبل الثامن الهجري للغرفة، وكغيرها من الأسماء للقرى والأماكن الأخرى في الوادي.
أما اسم الغرفة، فقد استحدثه الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن باعِباد رحمه الله، اللبنة الأولى لمدينة الغرفة حاليًا، سنة 701 للهجرة، على يد الشيخ محمد بن عمر بن محمد باعِباد. وهناك غرفة سبق وأن أسسها الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن باعِباد المشهور بالقديم في الحول، بموضع يُطلق عليه المحلة. ومنها أسس آل باعِباد جاههم الروحي والمعنوي، الذين نافسوا غيرهم من سكان الحول الأصليين، مثل آل باجمال وآل جرو وآل باحلوان وآل ابن وبر وغيرهم. فضعفت شوكة هؤلاء وتفرقوا، ولاهم آل باعِباد بين الحضارم. فقد اعتمدت قبائل الكثير عند بداية مشروعهم في بناء سلطة لهم بحضرموت على دعم ورعاية آل باعِباد قبل العلويين، وساعدوهم بالقدوم من شرق حضرموت إلى منطقة الحول الغرفة. فقال الشيخ علي بن عمر باعِباد رحمه الله: "نحن والكثير شيء واحد، كالكف من الساعد وكتفين من شجرة". فلهذا حضيت قبائل الكثير بمكانة وسكن وقرب فيما بعد في الحول الغرفة، فبنوا حصونهم حول الغرفة من شرقها حتى غربها. [موسيقى]
أما في الجانب الديني، فقد برز علماء وفقهاء، ولعل كثيرًا ممن كتبوا عن تاريخ هذه المنطقة قد تجاهلهم لأسباب لا يعلمها إلا الله. ولكن لأمانة التاريخ وإنصاف، ومراجعات كثيرة التي سطرت مكانتهم الدينية والعلمية، ومنهم آل باعامر، ولهم مساجد قائمة حتى يومنا هذا في الحول الغرفة، وهم أسرة معروفة تاريخيًا بالعلم والفقه، مما أهمله التاريخ في هذه المنطقة. في الجانب الديني، هناك علماء وفقهاء قد برزوا مع الزهد والورع لله سبحانه وتعالى، ومنهم الشيخ سالم بن عبد الله باعامر الذي نقف أمام أحد مساجده. والشيخ سالم عليه رحمة الله بنى ثلاثة مساجد في الحول الغرفة من ماله الخاص. وكذلك ترجم له ابن عبيد الله القاف في كتابه أدام القوت. ومنهم الشيخ علي بن أحمد باعامر الذي كان متمكنًا في اللغة العربية، وخطب عدة مرات في جامع الغرفة، عليه رحمة الله. ومثلهم آل بش رحيل وآل باجمال وآل باعنتر وآل بجون وآل باحلوان، وكذلك إلى علماء وفقهاء الحبشي والحداد وآل باعِباد. وهناك الكثير من علماء وفقهاء هذه المنطقة الذين امتازوا بالزهد والورع مع الله سبحانه وتعالى، ومنهم الشيخ عبد الرحمن بن سراج الدين باجمال. وآل باجمال عدة مساجد قائمة حتى يومنا في منطقة الحول الغرفة. وكذلك الشيخ سالم بن سعيد بن محمد باعِباد باعنتر رحمه الله، الذي كان يلهج دائمًا بذكر الله سبحانه وتعالى، ومهتمًا في علم الفقه والانساب. وكذلك الشيخ أحمد بن سالم مسلم الذي كان تقياً وزاهدًا مع الله سبحانه وتعالى. وكذلك الشيخ عبد الله بن حسين بريق باشا راحيل الذي كتب المصحف الشريف بيديه، وخطب عدة مرات في جامع الغرفة. وكذلك الشيخ أحمد بن عبد الله باحلوان وغيرهم الكثير، عليهم رحمة الله جميعًا.
شهدت منطقة الحول كثيرًا من الأحداث والتغيرات التاريخية، وصولًا إلى دولة بن عبدات، وهم من جذور قبائل الكثير. فأقام عبدات دولته في الحول الغرفة، الذي عُرف بمقاومته للاحتلال البريطاني، وأسس كثيرًا من الأعمال التي نهضت بهذه المنطقة. من أمام هذا القصر، قصر با متين، وبجانبه في الآخر قصر الغبي، كان مركزًا مهمًا لبن عبدات ودولته التي صَكَّ لها عمله خاصة. وكذلك بنى سورًا حول الغرفة، وما زالت بعض آثاره موجودة حتى يومنا هذا. وفي أثناء حكمه، حصلت المجاعة التي اجتاحت وادي حضرموت، وذلك في الأربعينيات من القرن الماضي. وذكر المؤرخون وكبار السن أن منطقة الحول الغرفة كانت أكثر تضررًا من هذه المجاعة، فمات الكثير من أبناء هذه المنطقة.
أنجبت هذه المدينة فحولًا من الشعراء الذين ذاع صيتهم، ومنهم الشاعر الكبير والجدير خميس بن سالم بن عبود الكندي، والشاعر الغزلي سليمان بن علي بن عون الكثيري، والشاعر سعيد دحمان جوبان، والشاعر عمر بن محمد باعِباد، والشاعر سعيد محروس، رحمهم الله جميعًا. ومن أعلام هذه المدينة الذين تعددت أعمالهم في شتى النواحي، عبود بن سعيد بن سالم هديب الملقب بالطويل، الذي كان له حضور في العمل التطوعي والاجتماعي، وهو من مؤسسي مشروع مياه الغرفة، وحرص على صيانة وحراسة هذا المشروع لإيصال المياه إلى البيوت. وكذلك المهندس علي بن عوض بن مبارك باعافيه، الذي كان مهندسًا في تخطيط الأراضي وتحديد قبلة المسجد، وهو من تجار هذه المدينة الذي أسس مشروع الكهرباء، وهو أول من أنار منازل هذه المدينة بالإضاءة لمدة عشر سنوات، وله أعمال لا تُحصى في فعل الخير. ومن هذا المكان لا ننسى دور آل أُدْريس الذين كان لهم دورًا مهمًا وبارزًا في البلاد وفي السوق القديم، ومنهم الشيخ أحمد بن سالم بن عوض باضريس الذي كان آية عجيبة في البذل والعطاء وإكرام ضيوفه، وله عدة أعمال إنسانية لا تُحصى. وكذلك الكثير منهم، مثل آل با سلم وآل با صحيح وآل بن مهري وآل جوبح وآل عطوفة وآل هجري وآل الحبشي وآل حداد وآل موسى، وجميع أبناء هذه المنطقة كانت لهم بصمات عديدة في أعمال مختلفة. [موسيقى]
جنة خضراء، هكذا كانت، لكنها اليوم تئن بالانقسامات والصراعات في جميع جوانب الحياة. الغرفة، غابت عنك النعمة، صار خيالها في الذكرى يلمعُون. الغرفة يا واحة الجمال، غابت عنك النعمة، وخلفها الم ودمعة الحزن تسيل على أطلالك حزينين. ورغم ذلك في القلب [موسيقى] تبقين. الحول أقدم من الغرفة، للأستاذ الباحث حسين ص بن [موسيقى] سلمان h