📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

جند الشيطان .. الشبهات والشهوات

القناة الرسمية للشيخ محمد الحسن الددو29:17

Transcription

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. وأصلي وأسلم على سيد الأولين والآخرين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستنى بسنته إلى يوم الدين.

أما بعد، فإن الله سبحانه وتعالى جعل هذه الدار دار عمل لا جزاء، وجعل الإنسان فيها عرضة للامتحان. فكل ما في الحياة الدنيا هو امتحانات للإنسان. ولذلك قال الله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}. وهذا شامل للامتحان في عقيدته، وفي عبادته، وفي معاملته وأخلاقه وقيمه وسلوكه، وكل شؤون حياته.

ولذلك فتح الله على الإنسان خمس جبهات في هذه الدار يلزم أن يجاهد فيها جميعًا جهادًا مستمرًا إلى الممات. فإذا وفق الله سبحانه وتعالى أحدًا من عباده للانتصار على هذه الجبهات الخمس، فهو ناجٍ يوم القيامة.

الجبهة الأولى: جبهة الشيطان الذي هو العدو الأول للإنسان. وهو يأتيه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله يريد إغواءه. وقد أقسم بعزة الله على ذلك. فقد حكى الله عنه ذلك في كتابه قال: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}. وقد أخبر الله بتحقق يمينه في أكثر الناس قال: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ}.

وهو مسلح بجند، أحدهما جند الشهوات، والآخر جند الشبهات. فالشهوات منها: شهوات حسية، وشهوات معنوية. فالشهوات الحسية كشهوة البطن والفرج. والشهوات المعنوية كحب الرئاسة، وحب الانتقام، وحب الشهرة، وحب الظهور، ونحو ذلك.

والشبهات تنقسم إلى قسمين كذلك: إلى الشبهات في التعامل مع الله، والشبهات في التعامل مع الناس. وكلتاهما فيها إفراط وتفريط. فالشبهات في التعامل مع الله سبحانه وتعالى منها الجانب العقدي، فيوسوس الشيطان فيه للإنسان كثيرًا من الوساوس والأوهام. منها ما يتعلق بوجود الله أصلًا، ومنها ما يتعلق بصفاته، ومنها ما يتعلق بأفعاله، ومنها ما يتعلق بعدله وحكمته. فكلها وساوس يقيها الشيطان. وقد سبق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الشيطان يأتي الإنسان فيقول: هذا خلق الله، فمن خلق الله؟" حتى يوصله إلى هذه الدرجة في الوسوسة. وهذا هو من الشبهات في التعامل مع الله في الجانب العقدي.

القسم الثاني هو الشبهات في التعامل مع الله في الجانب التعبدي. وذلك كالوساوس كلها. وهذه الوساوس كل واحد منها له جند من جنود إبليس مخصص فيه. فالطهارة، وهو مثلث الوترين، أي خِطْأُهُ مثلثه فيها الفتح والكسر والضم، وزاويته مثلثه فيها الفتح والكسر والضم. كما قال العلامة محمد مولود رحمه الله عليه: "وخنزير سب من ربى مثلث الوترين تذكيره أمرًا من الدارين". عند دخولك الصلاة تشتغل به، فلا تصلحه ولا تصلي. والـ "خنزب" داهية، معناه من دواهي مثلث الوترين، وهو خنزب. أنه عندما تدخل الصلاة يذكرك بأمر، سواء كان من أمور الآخرة أو من أمور الدنيا. تشتغل به، فأنت لا تستطيع إصلاحه لأنك في الصلاة، ولا تصلي لأنك شغلت بذلك الأمر.

هذه الوساوس والأوهام التي تعرض للإنسان في صلاته، نظيرها يعرض في صومه، وفي حجه، وفي زكاته، وفي قراءته للقرآن، وفي قرباته كلها. فهي من وساوس هذا العدو الماكر المتربص.

أما الوساوس فيما الشبهات فيما يتعلق بالإنسان بالتعامل مع الناس، فهي تنقسم أيضًا إلى قسمين: فيها إفراط وتفريط. ففيها ما يتعلق بتعظيم الإنسان فوق قدره. أن يعتقد الإنسان مثلًا العصمة لغير الأنبياء، أو أن يعتقد أن فلانًا ذو مقام عالٍ لم يرد فيه وحي ولم يوجبه عقل. فهذا من الشبهات فيما يتعلق بالإفراط. وعكسها ما يتعلق بالتفريط: أن يحتقر الناس، وأن يظن بهم ظن السوء، وأن يرى إنسانًا معينًا فيرى نفسه خيرًا منه. خُيّل إليه الشيطان أنه خير منه، قال إبليس: {أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}. فهذه أيضًا هي من شبهات الشيطان فيما يتعلق بالتعامل مع الناس.

وهذان الجندان، وهما جند الشهوات وجند الشبهات، أيد الله المؤمنين عليهما بجند من جنود الله. الجند الأول هو الصبر، والجند الثاني هو اليقين. فالصبر يهزم الشهوات ويقف دونها. فالإنسان إذا صبر، فإنه ينتصر على الشهوات كلها. والصبر كما تعلمون ثلاث شعب: هي الصبر عن معصية الله، ثم الصبر على طاعة الله، ثم الصبر على أقدار الله.

وكل واحد منها ثلاثة أقسام. فالصبر عن معصية الله ثلاث درجات: أدناها أن يدرك الإنسان أن هذا الأمر قد حصل، وأنه لا يستطيع رده، ولا فائدة من مغالبة القدر في أمر قد مضى. وهذا القدر من الصبر كان موجودًا عند أهل الجاهلية. يقول الشاعر:

أيتها النفس اجملي جزعًا إن الذي تحذرين قد وقعا

يدركون أن الأمر قد قضي، وحينئذ ما للإنسان إلا الصبر، لأنه إذا لم يصبر ماذا يفعل؟ فلا فائدة من أذية نفسه ومن إشماة عدوه به. هذه أمور لا فائدة فيها.

الدرجة التي فوق هذه هي الصبر بالإيمان بالقدر خيره وشره، وأن يعلم الإنسان أنه رُفعت الأقلام وجفت الصحف عما هو كائن، وأن لله حكمة في كل ما يكون، وأنه إذا أصابك بمصيبة فذلك خير لك، لأنه يعلم وأنت لا تعلم، وهو أحكم الحاكمين. فهو يعلم البواطن والسرائر ونهايات الأمور، وأنت لا تعلمها. ولذلك قال: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ}. وقال: {فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا}.

الدرجة العليا من الصبر عن معصية الله هي أن يكره الإنسان المعصية. عفوا، أنا بدأت بالصبر على أقدار الله. فدرجات الصبر عن معصية الله ثلاث: أولها الصبر عن المعصية بحيث يجاهد الإنسان نفسه عنها، ينشغل بها، يراها، يسمعها، ولكنه يجاهد نفسه في الإقلاع عنها والبعد عنها. فهذه درجة المقتصدين الذين الظالمين أنفسهم، جمعوا خيرًا وشرًا، ولكنهم جاهدوا أنفسهم فمنعوها من الوقوع في المعصية.

والدرجة الثانية هي درجة الذي يمنع نفسه أصلًا من التوجه إلى المعاصي، فيكف جوارحه عن معصية الله بالكلية، ويكف قلبه عن ذلك. وإذا مالت نفسه بادر لصرفها وردها. كما قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}. وأخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون.

إن الذين اتقوا، هؤلاء أهل التقوى، إذا مسهم طائف من الشيطان، شبه الله كيد الشيطان بالطائف من الرياح، وهو الذي يمر سريعًا، نسيم الهواء الذي يمر سريعًا ويذهب. وفي القراءة المتواترة الأخرى: {إِذَا مَسَّهُمْ طَيْفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا}. والطيف هو ما يرى في المنام، وهو سريع الذهاب أيضًا. ترى الإنسان ترمش عينه وهو نائم، تلك اللحظات جاءه الطيف في المنام، وهو سريع الزوال. {إِذَا مَسَّهُمْ طَيْفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا} أي ذكروا الله وراجعوا أنفسهم مباشرة، {فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}. إذا الفجائية، معناها بينما كان الشيطان يريد لتهم، وصلوا إلى مقام فوق الذي كانوا فيه، لأنهم ذكروا الله سبحانه وتعالى، فخَنَثَ شيطانهم وانتصروا عليه، {فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}. أبصروا، فعرفوا أن الله هو الذي يستحق أن يُخاف ويُخشى، وأن تُجتنب نواهيه، وأن يُوقف عند حدوده، وأن تُطاع أوامره، وأن تتعلق القلوب به، وأن تتجه إليه سبحانه وتعالى. فلذلك قال: {تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}.

{وَأَخَوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ}. وأخوانهم، إخوان الشياطين، يمدونهم في الغي، فلا يزالون في غي، لأنهم يزيدونه نشاطًا وقوة فيه ومحبة له. وفي القراءة المتواترة الأخرى: {وَأَخَوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ} يمدونهم ويمدون. يمدونهم معناه يعطونهم، كأنما يساعدونهم بقوة مادية في ذلك. والقراءة الأخرى: {وَأَخَوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ} معناها يسوفون لهم، يقولون: لا بأس عليك، الوقت طويل، ما زال لديك وقت، يمكن أن تتوب، ما زلت شابًا، يمكن أن تفعل ثم ترجع إذا كبرت في السن. هذا يمدونهم في الغي، {ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ}. لا يرجعون بعد ذلك، فينقطع الحبل بينهم وبين التوبة، عائذًا بالله. وحينئذ لا يمكن أن يعودوا ولا أن يرجعوا إلى رشدهم.

فهذا إذا المقام الأوسط من مقامات الصبر عن معصية الله. ثم المقام الأعلى من مقامات الصبر عن معصية الله هو مقام الصابرين الذين لا تخطر المعصية على قلب أحد منهم، فيكرهها كما يكرهون كل مكروه لديهم. الإنسان الآن لديه كثير من المكروهات يكرهها، ولديه كثير من الأمور يحبها، لأن العاطفة تنقسم إلى قسمين: إلى خانتين: خانة المحبوبات، وخانة المكروهات. خانة المحبوبات يملأها الإنسان بما شاء، يضع فيها عناوين: أشخاص، أشياء، مأكولات، مشروبات، هيئات، ألوان، أشياء وضعها في محل المحبة منه. وخانة المكروهات وضع فيها أيضًا أشياء يكرهها: يكره الجن، يكره الروائح الكريهة، يكره السباع والأسود الكاسرة، يكره الحيات والعقارب، يكره الفئران، يكره الحشرات، يكره أشياء معينة، يكره أشخاصًا معينين، تصرفات، حركات. هذه جعلها في مكان الكره منه.

فإذا كان الإنسان مربيًا لنفسه مزكيًا لها، فإنه سيجعل ما أحبه الله في مكان المحبة من عاطفته، وما كرهه الله في مكان الكراهة من عاطفته. كيف هو مزعج؟ أبعده قليلًا. فيجعل يكفي، يجعل المحبوبات ما أحبه الله في مكان المحبة من قلبه، ويجعل المكروهات لدى الله جل جلاله في مكان الكراهة من قلبه. فيحب الصلاة حبًا شديدًا، فتكون راحة له وسعادة. كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أرحنا يا بلال". فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يحب الصلاة حتى جعلت قُرة عينه في الصلاة. وجعلت قُرة عينه في الصلاة لأنه أحب الله حبًا شديدًا حتى وصل إلى مقام الخلة. "ولكن صاحبكم خليل الله" كما قال صلى الله عليه وسلم. والخليل معناه تخللت محبة خليله قلبه، فلم يبق فيه مكان للغير، لم يبق في قلبه مكان لحب سواه.

وما كرهه الله، ومن ذلك الكفر والشرك وكبائر الإثم والفواحش والمعاصي والمكروهات، هذه كلها إذا جعله المؤمن في مكان الكراهة منه، فقد زكى نفسه. لأنه يجعل هذه المعاصي لديه بمثابة السباع والنمور، أو بمثابة الجن، أو بمثابة الأمراض الخطرة، أو بمثابة الروائح الكريهة. هل يستطيع أحد منكم أن ينام في غرفة ومعه فيها جيفة منتنة قد تغيرت؟ يكره هذه الرائحة، ولا يمكن أن يتصور أنه إذا خلى بها سيأكل ويتناولها أو يتلذذ برائحته الكريهة أبدًا. فكذلك المعاصي يجعلها الإنسان بمثابة هذه المكروهات المادية التي يعرفها في دنياه، فيكره. فإذا خلا بها نفر منها. إذا خلا بأي معصية من معاصي الله نفر منها، كما ينفر من الجيفة المنتنة، أو كما ينفر من الأسد أو الحية أو شيء فيه غاية الضرر عليه. فيكون ذلك مكروهًا.

وقد ذكر ابن القيم رحمه الله أن الحاجز بين الإنسان وبين المعصية على أربعة أقسام، أو أن الناس في المعصية على أربعة أقسام: القسم الأول: الحاجز بينه وبين المعصية كالجبل، فلا يشم للمعصية رائحة، ولا يرى لها لونًا، ولا حركة، ولا تأخذ أي حيز من تفكيره أبدًا. هو مشغول عنها، لا تخطر على باله. كما قال الإمام أحمد عن شيخه وكيع رحمه الله: "لو قيل لوكيع: إنك تموت غدًا، لما استطاع أن يحدث شيئًا". البرنامج مليء، لا يستطيع أن يحدث أي شيء فيه ما يغير شيء. فهذا النوع من الناس الحاجز بينه وبين المعصية كالجبل، لا تصل إليه رائحتها ولا لونها ولا حركتها، ولا يتأثر بها نهائيًا، لا تخطر على باله.

النوع الثاني: الحاجز بينه وبين المعصية كالزجاج. يرى من ورائه الحركات والألوان، ولكنه لا يخترقه، ولا يسمع الأصوات، ولا تصل إليه الروائح من ورائه. ولكن يأخذ حيزًا من تفكيره وحيزًا من بصره، وينشغل به بعض الشيء.

القسم الثالث: الحاجز بينه وبين المعصية كالماء. يخترقه بصعوبة، ولا يحجز الألوان ولا الحركات، وتنبعث منه الروائح القوية أيضًا. ولكنه يهابه الإنسان، من الصعب عليه اختراقه. فالماء له هيبة. ولذلك ذكره علي رضي الله عنه في الجنود العشرة، قال: "أشد جنود ربك عشرة"، وذكر منها الماء.

القسم الرابع: الحاجز بينه وبين المعصية كالهواء، مثل هذا الأكسجين. يسهل عليه اختراقه، ولا يحول دون رائحة ولا لون ولا حركة. فهو مع المعصية في لحاف واحد، عائذًا بالله. والذي يحول بين الإنسان وبين المعصية من هذا الصبر هو برهان الله، حجة لله على عباده، تحول بين العبد وبين ممارسة المعصية. وهذا البرهان يقوى بقوة إيمان الإنسان، ويضعف بضعف إيمانه. إذا قوي إيمان الإنسان، قوي برهان الله في قلبه، إلى أن نصل إلى ما كان عليه الأنبياء المعصومون، فقد قوي برهان الله في قلبهم، فحيل بينهم وبين التفكير في معصية الله. كما قال الله في قصة يوسف عليه السلام: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}. معناه: ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها. فالدواعي كلها تدعو إلى ذلك، ولكنه رأى برهان ربه، وهو هذه الحجة التي جعلها الله في قلبه، وهي حجة عظيمة تحول بينه وبين التفكير في المعصية أصلًا، حتى الهم.

فإذا هذه ثلاث درجات هي درجات الصبر عن معصية الله. ثم الصبر على طاعة الله ثلاث درجات: الصبر على طاعة الله قبلها بمعرفة أحكامها، والعزم عليها، والاستعداد لها، وتهيئة الشروط السابقة كالطهارة.

ثم في أثنائها، أن تكون العبادة خالصة لله جل جلاله، ويتلذذ ويتذوق طعم العبادة. فهذه العبادات تحتاج إلى إحسان. يصلي الرجلان في الصف، ولكن شتان بين صلاتهما. هذا صلاته قد أحسنها وأتقنها وحضرها من أولها إلى آخرها، وحصل له خشوع فيها، واستجيب له الدعاء فيها، وتلذذ بمناجاة كان مع الله فيها طيلة صلاته. فإذا قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} سكت ينتظر جواب ربه، والله يجيبه فيقول: "حمدني عبدي". وإذا قال: {الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ} سكت ينتظر جواب ربه، وربه يقول: "أثنى علي عبدي". وإذا قال: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} سكت ينتظر جواب ربه، وربه يقول: "مجدني عبدي". وفي رواية: "فوض إلي عبدي". "هؤلاء لي ولعبدي ما سأل". فإذا قال العبد: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قال الله: "هذه بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل". فإذا قال العبد: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} قال الله: "هؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل". فهو مع الله في كل أوقاته. إذا ركع، فهم معنى الركوع والخضوع لله. إذا سجد، فهم معنى القرب، أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. وهكذا في كل حركة وفي كل نطق، هو حاضر البال وقاصد لما يفعل. فهذا أحسن صلاته، فصبر عليها في أثنائها من تكبيرة الإحرام إلى السلام. هذا هو الصبر على الطاعة في أثنائها. فكانت خالصة لله، ليس فيها شوب لمخلوق، ليس فيها رياء، وليس فيها سمعة، وليس فيها رؤية للفضل على الغير، وليس فيها تفكير في غير ما هو فيه. ولا يزال الله مقبلًا على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت. فإذا التفت أعرض عنه وقال: "يا ابن آدم، إلى من تلتفت؟ أنا خير مما تلتفت إليه".

ثم بعد ذلك، القسم الثالث هو الصبر على الطاعة بعدها، وذلك بأن لا يخالف عزيمتها. فهذه العبادات عبارة عن تقوية للعزيمة على طاعة الله وتقوية لعقد الإيمان في القلوب. فإذا كان الإنسان الآن في المسجد عابدًا لله، وإذا خرج من المسجد بدأ في معصية الله، هذه العقد ما قواها ولا شدها. فلذلك لابد أن يحرص على قوة وشد عزيمته وقوة عرى الإيمان في قلبه. وهذا من أحكم الصلاة من حكم مشروعيتها: صقل القلوب وتوثيق عرى الإيمان في القلب. فهذا يحصل بالصلاة، لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر. فلذلك لا يأتي بعدها بما يخالف ما كان فيه.

ثم بعد ذلك المبطلات اللاحقة كالمن والأذى بالنسبة للصدقة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى}. هذا المن والأذى صاحبه لم يصبر على الطاعة بعدها، ولذلك أفسدها بما ينافيها. فهذا هو الصبر على الطاعة في أثنائها وفي وسطها وبعدها.

ثم الصبر على أقدار الله هو أعظم أنواع الصبر وأكبرها. وهو ثلاثة أقسام كما ذكرنا: الصبر على الأقدار بحيث يعلم الإنسان أنها وقعت فيتسل بذلك، كحال أهل الجاهلية الذين يعرفون أن المصيبة إذا وقعت لا يرفعها الصراخ والعويل. يقولون:

مُتَمَثِّلٌ ذو اللُّبِّ في لُبِّهِ مَصَائِبَهُ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَا

فَإِنْ نَزَلَتْ بِغْتَةً لَمْ تُرِعْهُ لِمَا كَانَ فِي نَفْسِهِ مَثَلَا

وَذُو الْجَهْلِ يَا مِنْ وَأَيَّامَهُ وَيَنْسَى مَصَارِعَ مَنْ قَدْ خَلَا

فَإِنْ دَهَتْهُ صُرُوفُ الزَّمَانِ بِبَعْضِ مَصَائِبِهِ أَعْوَى

وقد ذكر البيت الآخر وهو:

أيتها النفس اجملي جزعًا إن الذي تحذرين قد وقعا

وهذا الذي تحصل به الشجاعة. كما سئل الإمام علي رضي الله عنه عن الشجاعة فقال: "صبر ساعة". يكون الإنسان متئدًا صابرًا، لا يستفز، ويعلم أن الأمر قد قضي، وأنه رفعت الأقلام وجفت الصحف بما هو كائن.

الدرجة الثانية من الصبر على أقدار الله هي درجة التسليم: أن يعلم الإنسان أن الخلائق جميعًا مملوكة لله جل جلاله، وأن تصرفه فيها ماضٍ، لا يمكن أن ينازعه أحد في ملكه، وأنه قدر ذلك، فلا يقع في خلقه إلا ما أراد. وقد بين حكمه القدر فقال: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ}. لكي هذا هو التعليل: لكي لا تأسوا، أي لا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا، ولا تفرحوا بما آتاكم منها، فكل ذلك قدر الله وتوزيعه. {مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ}. رُفعت الأقلام وجفت الصحف عما هو كائن.

والقسم الثالث وهو أعلى درجات الصبر على أقدار الله هو الرضا: أن يكون الإنسان راضيًا عن الله. {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ}. فهم رضوا عن الله، فكل ما يأتيهم من عند الله محبوب لديهم. أحب الله، فأحبوا كل ما يأتيهم من عند الله. إذا جاءتهم السراء شكروا، وإذا جاءتهم الضراء صبروا، فكل ذلك من عند الله جل جلاله.

وبهذا يتسع مجال الصبر على أقدار الله في التعامل مع الناس. فينظر الإنسان إلى الآخرين على أنهم مسيرون بأقدار الله. فإذا جاءه فضل وخير على يد أحد منهم، لم يكبره عن حجمه، بل عرف أنه من قدر الله، وأنه من الله، وأنه لو أراد أن يمنعه لما استطاع. وإذا جاءه ضر من أحدهم أيضًا، لم يكبره عن حجمه، بل علم أنه من عند الله، وهو راضٍ عن الله في تصرفه وفي كل معاملته. فبذلك يحسن التعامل مع الله ومع خلقه على أساس الرضا الكامل.

فهذا الصبر يقطع الشهوات. ثم بعد ذلك الجند الثاني هو اليقين، وهو الذي يقطع الشبهات، يمنع تأثيرها على الإنسان. واليقين معناه الانطلاق من الدليل، أن ينطلق الإنسان مما يوقن به، ألا ينحى وراء الخرافة والدجل والأباطيل والريب والشك والوهم. هذه أمور ما ليس لها نهاية. فينها الإنسان وينطلق من اليقين، ينطلق مما هو مجزوم به، وهو ما يقنه. وهذا اليقين نافٍ للشبهات في التعامل مع الله، سواء كانت شبهات عقدية أو تعبدية. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ويُبنى على ما استيقن" هذا في الوساوس في الصلاة. إذا شك الإنسان وهو في صلاته فلم يدري كم صلى، فإنه قال: "ويُبنى على ما استيقن"، معناه اليقين لابد منه.

فاليقين يقطع على إبليس كل هذه الشبهات. فلذلك الشبهات العقدية والشبهات التعبدية يقطعها اليقين. وكذلك الشبهات في التعامل مع الناس فيما يتعلق بالزيادة والمبالغة في توقيرهم وجلالهم، وفيما يتعلق باحتقار أيضًا، كل ذلك يقطعه اليقين. فهذا الإنسان أنت لا تعلم فيه إلا ما رأيت من الظاهر. وإنما نحن قوم نحكم بالظواهر، والله يتولى السرائر. فمن أبدى لنا صفحة عنق أخذناه. فمن رأيناه يخاف الله ويتعبد له، ظننا به الخير وحملناه على ذلك. ومن رأيناه لا يخاف الله ويعصيه، ظننا به الشر وحملناه على ذلك. ولكننا لا نجزم بمصير أحد، لا من لا الأول ولا الثاني. فذلك غيب إلى الله جل جلاله. وهذا اليقين هو الذي يقطع هذه الشبهات.

هذه الشبهات تسمى بالوساوس، والوساوس أصلها من "وسوس" إذا أشار إشارة خفية، وتطلق على الأصوات الخفية. ومنها وسوسة الحلي، حلي النساء إذا تحرك سمع له صوت، وهذا الصوت يسمى الوسوسة. كما قال الأعشى:

تسمع للحلي وسواسًا إذا انصرفت

وكما قال أبو تمام:

وإذا مشت تركت بقلبك ضعف ما بحليها من كثرة الوسواس

وإذا مشت تركت بقلبك ضعف ما بحليها من كثرة الوسواس.

الوسواس هنا هو صوت الحلي، وصوت الحلي ليس كبيرًا، صوت خفي. فكذلك وساوس الشيطان هي أمور خفية، كأنها أصوات، كأنه يقول لك: "ما صليت إلا ما هَدَتْ إلا سهده واحدة؟ ما صليت إلا ركعة واحدة؟ لست على طهارة؟" كأنه يناجيك بذلك في أذنك. فهذه هي وساوس الشيطان. هذه الوساوس أعظمها وأخطرها الوساوس فيما يتعلق بالتعامل مع الله. وهذه هي أعظمها وأخطرها ما يتعلق بالجانب العقدي. فلذلك بين النبي صلى الله عليه وسلم مخاطر هذه الوساوس.