📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

الدرس الحادي عشر من تفسير سورة يس

الشيخ طارق داهود45:27

Transcription

سيد الأولين والآخرين وحبيب رب العالمين، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين. نسأل الله تعالى من فضله أن يوفقنا جميعًا لرضاه، وأن يصلح أحوالنا، ويقبلنا بقبول حسن.

وصلنا في تفسيرنا لسورة ياسين عند قوله تعالى: "وَقَالُواْ يَا وَيْلَتَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۗ هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ".

قوله تعالى: "وَقَالُواْ يَا وَيْلَتَنَا" هذا حكاية قول للذين كفروا في قبورهم. قالوا: "يَا وَيْلَتَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا". أي من مضجعنا، لأنهم أحبوا حين عاينوا عذاب الآخرة وشاهدوا أهوالها. قالوا من شدة الفزع الذي أصابهم: "مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَٰذَا". كأنهم كانوا في حالة نوم من غير أن يكون انقطاع للعذاب عنهم في قبورهم، لأنهم حين عاينوا عذاب الآخرة وشاهدوا أهوال القيامة قالوا: "مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَٰذَا". كانت حالتهم التي كانوا عليها، حالة كينونتهم في قبورهم بالنسبة لأهوال يوم القيامة، كالنوم. كالنوم يعني شيء يشبه النوم، لا أنهم في قبورهم كانوا مرتاحين، لم يذوقوا في قبورهم عذابًا.

الأمر كما قال المفسر أبو السعود: قال: إذا عاينوا جهنم وما فيها من أنواع العذاب، يصير عذاب القبر في جنبها مثل النوم. فيقولون ذلك: "مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَٰذَا". "هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ". فليس في تسميتهم لما كانوا عليه في قبورهم مرقدًا دليل على أنهم كانوا في راحة برهة من الوقت.

فأكثر الآن بينت هذا، لأن بعض الناس في زماننا يعتمد في إنكاره لعذاب القبر على أشياء، من جملة هذه الأشياء هذه الآية الكريمة. والحقيقة أنه ليس في هذه الآية أدنى مستند ولا حجة لإنكار عذاب القبر. عذاب القبر أحبابنا ثابت بالنصوص القرآنية والنصوص الحديثية والإجماع. ثم خبر عذاب القبر متواتر تواترًا معنويًا. دلائل الشرع قامت على إثبات العذاب في القبر للكافر ولبعض عصاة المسلمين. فتجد بعض الناس يقولون: قوله تعالى: "وَقَالُواْ يَا وَيْلَتَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَٰذَا". يزعمون أنهم كانوا في راحة، والكلام عن المشركين أنهم كانوا في راحة في قبورهم، لم ينلهم أدنى عذاب في القبر، ثم فاجأتهم نفخة الصور الثانية للبعث ولرؤية أهوال يوم القيامة.

الحقيقة ما بينته لكم أن الكافر إذا رأى أهوال يوم القيامة ورأى النار وعذاباتها، هذا العذاب أشد بكثير من عذاب القبر. ففي مقابله وموازنة العذاب في القبر، عذاب يوم القيامة ودخول النار أشد. أشد عذاب على الكافر هو دخوله نار جهنم، فيكون عذابه في قبره بالنسبة إلى عذابه في نار جهنم كأنه كان في رقاد، كان مثل النائم. هذا في مقابلة العذابات وموازناتها بين عذاب القبر وعذاب يوم القيامة. وليس في قوله تعالى أدنى حجة لإنكار العذاب في القبر، لأن أحاديث وآيات إثبات العذاب في القبر كثيرة جدًا.

سأذكر لكم بعضها، لأن بعض الناس يعني دكتور، هو يقال له علي الكيالي، يعني هذا برز على وسائل التواصل وأتى بطامات، خالف فيها ما اتفق عليه أهل السنة والجماعة بأوهامه، وجاء بها وجاء بأشياء من كيسه بلا حجج ولا براهين، لا من أقوال المفسرين القدامى ولا من أقوال شراح الحديث. لهذا استدعى الأمر أن أبين لكم ما يدل على إثبات العذاب في القبر.

يعني في القرآن الله سبحانه وتعالى يقول: "النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۚ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ ۗ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ". هاتوا لننظر أحبابنا في الله. "النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا". هذا العرض على النار مرتين، مرة أول النهار ومرة آخره، إنما يكون في القبر. في القبر الكافر تعرض على روحه النار، روحه ترى النار مرة في الغداة أول النهار ومرة آخر النهار في العشي. لأن الله عز وجل قال: "وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ". يوجد حرف الواو، وهذا الحرف سبق أن بينت لكم أنه يفيد المغايرة. بدنا نصحصح شوي وتركزوا الله يكرمكم. الواو تفيد المغايرة. ما معنى المغايرة؟ أي مغايرة حكم ما قبلها لحكم ما بعدها. ما قبلها غير ما بعدها. وهذا يعني معروف. تقول مثلاً: جاء زيد وعمر. زيد غير عمر، لأنك عطفت مجيء عمر على مجيء زيد بحرف الواو. وهذا هذا قرآننا، لا بد أن نفهمه، وهو لغة عربية. لا بد أن نفهم مراد الله تعالى من كلامه. يعني ما حدا يقول يعني في قلبه عم يحكينا نحو لغة حتى تفهم القرآن. لا بد من هذا.

انظر إلى ما قبل الواو. ما الذي ما قبل الواو في الآية؟ "النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۗ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ". لاحظتم الواو؟ "وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ". إذا في عنا نوعين، نوعين متغايرين من العذاب. أولاً: عرض النار. عرضهم على النار مرتين في الغداة وفي العشي. وفي يوم القيامة يدخلون النار يقاسون حرها. هذا غير هذا. أين عرض النار على الكافر مرتين قبل يوم القيامة؟ قبل يوم القيامة في القبر. لأن الكفار في حال حياتهم الدنيوية حين كانوا يتحركون ويمشون أحياء، هل كانوا يرون نار جهنم مرة في الغداة ومرة في العشي كل يوم؟ كل يوم؟ لا. إذاً أين هذا العرض؟ في القبر. في القبر، لأن هذا العرض قبل يوم القيامة. وهذه الآية دالة بمنطوقها على إثبات أن هناك عذابًا في القبر، لأن الكافر تعرض عليه النار مرتين، مرة أول النهار في الغداة ومرة في العشي، يعني ما بعد العصر. هذا شيء.

الشيء الثاني: قول الله عز وجل في القرآن: "وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ". "وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي" أي عن الإيمان بالله، الإيمان بالقرآن. "فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا". معيشة شاقة، شديدة، جديدة، فيها عذاب. "وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ". أين هذه المعيشة الضنك الشاقة الشديدة؟ نبينا عليه الصلاة والسلام هو بين لنا أنها في القبر. بين أن المعيشة الضنكة في القبر. قال عليه الصلاة والسلام: "أتدرون ما المعيشة الضنكة؟" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال عليه الصلاة والسلام: "عذاب الكافر في القبر". عذاب الكافر في قبره. وهذا الحديث رواه ابن حبان في صحيحه، ورواه أبو يعلى في مسنده، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه، ورواه البزار في مسنده، وإسناده حسن. إسناده حسن، معناه يحتج به.

قد يقول لكم قائل: هذا الحديث وهذه فائدة حديثية. قد يقول لكم قائل: هذا الحديث ضعيف، لأنه من رواية دراج، رجل اسمه دراج في سند هذا الحديث، ودراج رواياته وأحاديثه غير مستقيمة. نقول لهم: دراج تكون أحاديثه غير مستقيمة إذا روى عن أبي الهيثم. إذا روى عن أبي الهيثم. وهذا الحديث ليس من رواية دراج عن أبي الهيثم، بل هو من رواية دراج عن ابن حجيرة. فعندئذ تكون أحاديثه مستقيمة، لأنها ليست من رواية دراج عن أبي الهيثم. فاذا هذا الأمر انتهينا منه.

ناتي إلى أحاديث أخرى، بعضها في صحيح مسلم. بعضها في صحيح مسلم. أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعلم أصحابه أن يقولوا في الصلاة عقب التشهد وقبل السلام. عقب التشهد وقبل أن تسلم، كان يعلم أصحابه أن يقولوا: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر وعذاب جهنم، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال". أليس في استعاذة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعليمه لأمته من عذاب القبر وعذاب جهنم إثبات بأن هناك عذابًا في القبر؟ والحديث رواه مسلم.

نعم، نبينا عليه الصلاة والسلام آمن من العذاب في القبر وآمن من العذاب في الآخرة، فهو أكرم المكرمين عند ربنا الكريم سبحانه. ولكنه عليه الصلاة والسلام كان يدعو بهذا الدعاء في صلاته، لأن الدعاء مظهر عظيم من مظاهر التذلل والخضوع لله، فهو عبادة لله. ويعلم أمته أن يدوموا على هذا الدعاء في صلاتهم. الذي نريده من روايتنا لهذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام تواتر عنه الأحاديث التي فيها الاستعاذة بالله عز وجل من عذاب القبر. ولهذا نجد أن إمام الحرمين الجويني رحمه الله تعالى عليه يقول في كتابه "الإرشاد": تواترت الأخبار باستعاذة رسول الله صلى الله عليه وسلم بربه من عذاب القبر. تواترت. والمتواتر الحديث المتواتر أو الأحاديث المتواترة تفيد العلم القطعي، تفيد العلم اليقيني القطعي المجزوم به، لأنها في قوتها تشبه القرآن، كيف وصل إلينا بالتواتر، أليس كذلك؟

وهذه الأحاديث التي فيها إثبات استعاذة نبينا عليه الصلاة والسلام بربه من عذاب القبر، يقول الإمام الجويني: تواترت هذه الأحاديث. تواترت. معناه دليلها قطعي يقيني. يقول العيني شارح صحيح البخاري، وهو إمام من أئمة الحنفية الكبار، له شرح على صحيح البخاري واسع. يقول رحمه الله في شرحه على صحيح البخاري: "ولنا أيضًا في عذاب القبر أحاديث صحيحة متواترة". أحاديث صحيحة متواترة. ونقل تواترها أيضًا الحافظ السيوطي في كتابه "الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة" أو في "الأحاديث المتواترة".

ويقول ابن بطال، وابن بطال من أئمة المالكية، له شرح على صحيح البخاري. ينقل الإجماع على أن هناك عذابًا في القبر، وأن هذا هو معتقد أهل السنة والجماعة. لا يمكننا إنكاره، بل منكره مبتدع، ويلزمنا التصديق به. أنقل لكم نص عبارته رحمه الله. قال: "وفيه حين ذكر حديثًا وشرحه فيه إثبات عذاب القبر، قال: وفيه أن عذاب القبر حق، يعني شيء متحقق الحصول لأناس. وأهل السنة مجمعون على الإيمان به، مجمعون يعني لا خلاف فيه والتصديق. ولا ينكره إلا مبتدع". ولا ينكره إلا مبتدع. يعني إذا كان القرآن أثبت، أثبت عذاب القبر، والحديث أثبت العذاب في القبر لأناس، والأخبار في هذه الأحاديث متواترة، والإجماع قائم على إثباتها، كما ينقل ذلك ابن بطال وغيره، كابن عبد البر. ليس لإنسان ولو وضعوا له قبل اسمه حرف الدال التي بجانبها نقطة، دال بجانبها نقطة، ثم يذكرون اسمه، لو كان لقبوه دكتور الآن، من أسهل السهل أن ينال أحاد الناس ممن ليس معه شهادة البريفي، وأنا أعي ما أقول. لم يصل إلى شهادة البريفي بـ 1500 دولار، بـ 2000 دولار، يصير دكتور، يحصل هالكرتونة، والناس بتصدق أنه هذا دكتور، وتبلش تعيط له دكتور. هذا من أسهل السهل. فمثل هذا علي منصور الكيالي، الذي راج له مقاطع ينكر فيها صراحة عذاب القبر. الآن بينا فساد مقالته. ولا ينبغي للمسلم أن ينخدع بهذه الألقاب التي تسبق أسماءهم. الاعتبار أحبابنا بموافقة القرآن، بموافقة الحديث النبوي الصحيح، بموافقة الإجماع، وعدم الشذوذ والخروج عنه. فكيف إذا اجتمعت دلائل الشرع كلها على إثبات أن هناك عذابًا في القبر؟ وهذا الذي ذكرته لكم أحبابنا غيض من فيض، شيء قليل من كثير، لكن في هذا كفاية.

طيب، إذا عاين الكفار ما هم فيه ودعوا على أنفسهم بالويل والهلاك، لأنهم يقولون: "يَا وَيْلَتَنَا". قالوا: "يَا وَيْلَتَنَا". يدعون على أنفسهم بشو؟ بالويل. ما معنى الويل؟ أي الهلاك الشديد والثبور. فزعين قائلين من الدهشة: "مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا". الملائكة ترد عليهم، أو بعضهم يرد على بعض مذكرًا لهم بما كان من خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم. أما الملائكة تقول لهم، وأما أن بعضهم يخبر بعضًا ويذكر بعضهم بعضًا أن محمدًا جاءنا فاخبرنا أن هناك بعثًا وخروجًا من القبور وقيامة وحسابًا وعذابًا لأناس. يذكر بعضهم بعضًا. هذا أي البعث، وهو الخروج من القبور، "مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ". أي ما وعدكم به الرحمن، لأنهم في الدنيا كانوا ينكرون البعث. مشركو مكة كانوا ينكرون البعث والقيامة، يقولون: إذا مات الواحد من الناس، لا بعث ولا حساب ولا جنة ولا نار ولا عذاب. فحين تقول له الملائكة، أو يخبر بعضهم بعضًا بقوله: "هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ". المرسلون الذين كانوا يحدثونكم بأن هناك بعثًا وقيامة وحسابًا وعذابًا، ها أنتم الآن تعاينون ذلك. كنتم تنكرونه حال حياتكم، والآن ترقبونه وتشاهدونه. رجعت أرواحكم إلى أبدانكم، انشقت عنكم قبوركم، وخرجتم سراعًا. خرجتم.

إذا هذه قضية أخرى، وهي إثبات أن هناك بعثًا. حجة هؤلاء المشركين زمان نبينا عليه الصلاة والسلام في إنكارهم للبعث شبه، ليست دلائل، ليست حججًا، إنما هي شبه عرضت لقلوبهم. من جملة هذه الشبه أنهم ما أيقنوا بكمال قدرة الله على كل شيء. ولو أيقنوا بكمال قدرة الله على كل شيء، لما أنكروا البعث، لما أنكروا خروج الناس من قبورهم بعد إعادة الأجساد وإرجاع الأرواح عينها إلى هذه الأبدان والأجساد. الموقن بقدرة الله على كل شيء لا يتردد أن هذا كائن، لأن قدرة الله صالحة لذلك.

من الذي بدأ الخلق أول مرة؟ الله رب العالمين. من الذي أنشأك من نطفة؟ الذي أنشأك من نطفة قادر على أن يعيدك. قادر على ذلك. ربنا سبحانه وتعالى يقول: "وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ". قبل ما أشرح "وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ"، هذه وإن كانت صيغتها صيغة أفعل التفضيل، إلا أنها في حق الله عز وجل معناها هين عليه. هين عليه، لأننا بينا من قبل أنه لا يقال حال الكلام عن الله: هذا الشيء أهون من هذا الشيء على الله، وهذا الشيء أيسر على الله من هذا الشيء، لأن كل الأشياء بالنسبة لقدرة الله هينة، سهلة، لأن قدرة الله تامة، لا يلحقه عجز، لا يلحقه قصور، لا يلحق قدرته ضعف. "وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ". أنشأهم أول مرة. "ثُمَّ يُعِيدُهُ". قادر على إعادة هذا الجسد. "وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ". أي وهو هين عليه. هكذا يقول بعض المفسرين ويقتصرون على ذلك. ومن المفسرين، أرجو التنبه، من يقول: "وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ" في حسبكم أنتم الخلق، وفي ظنكم أنتم الخلق، أن إعادة الشيء أهون من ابتدائه أول مرة. في حسبكم أما على الله هين. أقرب لكم الأمر. مين بيذكر أول كمبيوتر؟ انصنع. في ناس عم تهز براسها. كمبيوتر أول كمبيوتر انصنع كان بده غرفة، ساعو غرفة كبيرة تساعوا. قديش تعب هذا اللي عمل الكمبيوتر أول مرة؟ قديش نزل جهدًا حتى عمل لنا هذا الكمبيوتر اللي يحتاج إلى غرفة كبيرة لتساعوا. طيب، لما جاء مرة ثانية ليعمل كمبيوتر، صار أسهل عليه من أول مرة، صح؟ طيب، المرة الثالثة؟ أسهل وأسهل. أسهل وأسهل. بعدين هلأ صار الكمبيوتر هالقد بتحمله بجيبتك وبتمشي. ما حدا بيعرف أنه أنت معك كمبيوتر كمان. صح؟ طيب، في حسبنا نحن، في ظننا نحن، إنشاء الشيء وابتداؤه أول مرة أشَق من إعادته ثانية وثالثة ورابعة، أليس كذلك؟ لذلك قول الله تعالى: "وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ". ابتداؤه هين، وإعادته هين عليه سبحانه. "وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ" أي في حسبكم أنتم، في منظوركم أنتم، إعادة الشيء أهون من ابتدائه أول مرة. وإلا فكل الأشياء هينة على الله.

ما هي الشبهة التي دخلت على قلوبهم؟ من جملة الشبه ما ذكره هذا العاص بن وائل، ومنهم من ينسب هذه القصة إلى أبي بن خلف. جاء أحدهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بما أن الروايات اختلفت في ذكر اسمه، يحمل في يده عظمًا رميمًا، يعني بلي، صار بسهولة يتفتت في يده صاحبه. تفتته بيدك، يتفتت. فقال لنبينا عليه الصلاة والسلام متهكمًا، منكرًا أمر البعث، عم يستخف بالنبي عليه الصلاة والسلام، وباعتقاده بحقية البعث. قال له: "أيبعث هذه ربك يا محمد؟" وجعل يفتتها بيده. قال له عليه الصلاة والسلام: "يبعثك ويدخلك النار إذا شاء". يبعثك ويدخلك النار إذا شاء، يعني معناه إن مت على هذا الكفر، على هذا الصد عن الإيمان بالله ورسوله والتصديق بأمر القيامة والبعث، يدخلك النار.

فأنزل الله سبحانه وتعالى ردًا عليه قال ربنا سبحانه: "وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ". رميم، بالية، متفتتة. قال: "مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ". قل الله عز وجل، لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، الحجة على هذا الكافر: "قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ". الذي أنشأك أول مرة وغفلت عن نشأتك الأولى، قادر على أن يبعثك من جديد. جاء يضرب له مثلاً بهذه العظام البالية. آه، ونسي خلقه. نسي أن الذي خلقه وأوجده في رحم أمه هو الله. فالذي ابتداه قادر على أن يعيده ويبعثه من جديد. هذه شبهة.

الشبهة الثانية: أنهم يقولون: الإنسان طبعه حار، جسده حار، حار فيه الحرارة. يعني كلكم بتعرفوا هالشيء. فإذا مات ودفن، يدفن في أرض ترابية رطبة. والحار يقابله الرطب. انتبهتم إلى الشبهة؟ كيف يخرج جسدًا حارًا؟ رطبة باردة؟ انتبهتم إلى الشبهة؟ الله سبحانه وتعالى رد عليهم في القرآن، فبين ربنا سبحانه وتعالى أنه قادر على أن يخرج من الشجر الأخضر نارًا، فإذا أنتم منه توقدون. الشجر الأخضر، العادة أن الشجر الأخضر رطب، فيه شو؟ رطوبة، لأجل المائية التي فيه. ليش بتقول لك نبات رطب؟ لولا أن فيه مائية، فيه ماء. إذا فيه رطوبة، ومع ذلك نوقد من الشجر الأخضر، يخرج النار من الشجر الأخضر. فإذا أنتم منه توقدون. ولهذا كل الشجر فيه نار. كل الشجر فيه نار، ولكن من الشجر ما فيه مزية على غيره. نوعان من الشجر يقال لأحداهما العفار، وللآخر المرخ. المرخ والعفار. هذان نوعان من الشجر، مع رطوبتهما، بسرعة يخرج ويقتدح منهما النار. كانوا في الماضي العرب في الماضي يجعلون زنده، قطعة خشب من هذا المرخ تكون أفقية، ويجعلون العفار عموديًا، ثم يحفون العفار بالمرخ، فينقدح النار، فيوقدون. لا يحتاج الأمر إلى بذل جهد واسع. هذان النوعان من الشجر بسهولة ينقدح منهما النار مع أنهما رطبين. ولهذا يقول الشاعر في كلامه: "في كل شجر نار، واستجمد المرخ والعفار". واستجمد المرخ والعفار. ما شو يعني استجمد؟ يعني نالا المجد على سائر أنواع الشجر، أنهما بسرعة يوقدان. هو كل الشجر فيه نار، لكنهما مميزان.

ردت هذه الشبهة بما قال ربنا سبحانه وتعالى. الشيء الثالث الذي اشتبه عليهم: قالوا: الإنسان تأكله التربة ويتناثر أجزاؤه، تتناثر وتتباعد، وربما تقلب هذه الجبانة، هذه المقبرة، يختلط صديد ذا بصديد ذا، والتراب يقلب ويباعد بين الأجزاء. كيف تجتمع؟ انتبهتم إلى الشبهة؟ كيف يجمعها ربكم ويبعثها وقد تباعدت أجزاء هذه الأجساد؟ بعد هذه الأجساد؟ الأمر سهل. الأمر سهل على من سهل الله له. الأمر عليه. الآن ألستم تعرفون أن هناك معدنًا يقال له المغناطيس؟ المغناطيس هذا المغناطيس يجذب ذرات الحديد وإن كانت متباعدة، صح؟ تعرفون هذا؟ طيب، من الذي جعل في هذا المغناطيس هذه الخاصية أنه يجذب ذرات الحديد وإن تباعدت؟ ربنا سبحانه هو الذي خلق هذا المعدن، فيجعل في المعدن خاصية أن يجذب المتباعد، المتناثر. وهو عاجز على أن يجمع المتناثر، المتباعد؟ أجزاء؟ يوجد نوع من الشجر، أنا لم أسمع من الحجر، يعني أنا لم أره بعد، لكن هذا مستفيض مقرر عند هؤلاء المكتشفين في زماننا. يقولون: يوجد حجر، حجر، حجر هو، لكن فيه خاصية، هذه الخاصية أنه يجذب الأظفار. الأظفار التي تقص وترمى. من خاصية هذا الحجر أنه إذا وجه إلى هذه الأظفار يجمعها. يجمعها كما أن المغناطيس يجمع الحديد. فبما أن بعض خلق الله عز وجل جعلت فيه هذه الخاصية بخلق الله، فقدرة الله صالحة لأن تجمع أجزاء وذرات الإنسان وإن تباعدت وتناثرت وصار بين الجزء والجزء، والذرة منها والذرة مسافات بعيدات. هذه شبههم.

والأمر أيسر إذا تعلمنا وفهمنا ما بينه ربنا عز وجل في القرآن كيف نرد عليهم. "هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ". ثم إن ربنا سبحانه وتعالى قال: "إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ". هذا المعنى سبق وبيناه في آية أخرى. أحب أن أؤكد عليكم الأمر. لا يأخذ إلا صيحة واحدة من إسرافيل. كلكم تبعثون من قبوركم. الصيحة الأولى لإماتة من كان حيًا. الصيحة الثانية لإخراج من في القبور. ربنا يقول: "إِن كَانَتْ إِلَّا". هذا الترتيب، هذه الصيغة بهذا الشكل دالة على سهولة الأمر. ليس الأمر إلا صيحة واحدة. "فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ". أي مجموعون. والفاء كما بينت لكم تفيد التعقيب. الأمر بسهولة يعقب نفخة إسرافيل الثانية خروجكم من قبوركم بلا مهلة ولا مدة مديدة. ثم التعبير بقوله تعالى: "جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ". ليظهر الله تعالى عظمته في قهره. لدينا بصيغة الجمع لحسابنا في موقف القيامة. لدينا محضرون، أي محشورون. لا يتخلف منهم أحد. وصيغة محضرون دالة على أنهم مكرهون على الخروج، مكرهون على البعث، لا اختيار لهم. لأن الأمر لله. وإذا شاء القادر حصول هذا البعث في الوقت الذي شاء، لابد أن يقع على ما يشاء.

"فَالْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۚ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ". "فَالْيَوْمَ" لماذا قال ربنا عز وجل: "فَالْيَوْمَ"؟ لأنه يوم القيامة. اليوم الذي لا تدبير فيه لأحد إلا لله سبحانه. الأمر كله لله. في يوم القيامة. في الدنيا كان يظلم فلان فلانًا، وفلان يأكل مال فلان، وفلان يقتل آخر ظلمًا، وقد يؤخر الله تعالى عقوبتهم على ذنوبهم. هذه يمهلهم ويتركهم ولا يعاقبهم عليها. يؤخر لهم العقوبة إلى يوم القيامة. في الدنيا يظلم زيد بكرًا، وبكر وعمر فلانًا. أما في الآخرة، الأمر كله لله. تظلم في يوم القيامة نفس شيئًا. هذا لبيان أن الله عز وجل قد لا يعاجل بالعقوبة في الدنيا على ذنوب كبيرة، ولكن يؤخر العقوبة، عقوبة عليها إلى يوم القيامة. فمن الناس من ينخدع بإمهال الله تعالى له. من ينخدع ويغتر بتأخير العقوبة له إلى يوم القيامة. شو بيعمل؟ بدل ما يتوب من المعصية، ويستذكر أن الكريم الله أمهله ولم يعاجله بالعقوبة، بدل أن يبادر إلى التوبة إلى الله، تجده يكرر الذنب بعد الذنب. بما أن الله لم يعاجله بالعقوبة، هذا استدراج أحبابنا، استدراج. نسأل الله السلامة. ولهذا يقول ابن السماك وهو من الشعراء الوعاظ: يقول: "يا كاتم الذنب أما تستحي؟ والله في الخلوة رايك. غرك من ربك إمهاله وستره طول مساويك". ما الذي غرك؟ ما الذي خدعك أن الله لم يعاجلك بالعقوبة؟ فاسترسلت بالذنب بعد الذنب. فإن أمهلك لا يعني أنك ستترك في يوم القيامة. فلا ينبغي أن تنغر. غرك من ربك إمهاله، أي إمهاله لك وتركه تعذيبك على ذنوبك في الدنيا. غرك من ربك إمهاله وستره طول مساويك، كثرة ذنوبك. يتركك ولا يفضحك. لا ينبغي أن تنخدع بهذا.

لذلك ربنا قال: "فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا". هو ربنا عز وجل منزه عن الظلم، لا يظلم أحدًا، لا في دنيا ولا في يوم القيامة. لكن حين كان الناس منهم من يظلم غيره في الدنيا، ويؤخر الله تعالى له العقوبة على ظلمه، بين ربنا عز وجل أنه في يوم القيامة لا ظلم. ما في حدا يظلم حدا. "فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا". انتبهوا إلى لفظة "نفس". جيء بها نكرة مفردة، ليست جمعًا. وهذه الصيغة المفرد المنكر يفيد العموم عند اللغويين. لا تظلم نفس، أي كل نفس، شيئًا، ولو كان هذا الشيء قليلاً، يسيرًا. "وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ". فمن عمل خيرًا فهو مطمئن أنه لا ينقص ثواب عمله. ومن عمل سوءًا، فالى ربنا سبحانه وتعالى، إن شاء عذبه إن كان مسلمًا عاصيًا، وإن شاء غفر له. وأما الكافر، فلا مسامحة له في يوم القيامة. فلا مسامحة له في يوم القيامة.

اليوم سنقف هنا إن شاء الله. سأرجع إن شاء الله تعالى إلى ذكر بعض الأشياء في هذه الآية الأخيرة في درسنا القابل إن أحيانا الله تعالى وقدر لنا اللقاء والبقاء. نهلل ونصلي على رسول الله.