📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

سعدون حمادي ؛ [وَهَنُ الأُمَّةِ.. بَيْنَ حُبِّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةِ الْمَوْت]

قناة سعدون حمادي الرسمية22:38

Transcription

الحمد لله، الحمد لله، مغيث المستغيثين، ومجيب دعوة المضطرين، ومسدل النعم على الخلق أجمعين. عظم حلمه فستر، وبسط يده بالعطاء فأكثر، نعمه تترى، وفضله لا يعصى.

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله.

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيباً. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً.

أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

عباد الله، يتساءل الكثير منا عن أمة جعلها الله تعالى من خير الأمم، أمة بلغ مداها المشرق والمغرب، أمة بسطت نفوذها على سائر الأمم قروناً عديدة، أمة وجهت العالم إلى خير، ودكت حصون الطواغيت والشر، أمة وصلت إلى قمة الأمم في الحضارة والنضارة، أمة لا تغيب الشمس عن سلطانها، أمة بنت الرجال وربت الأجيال، وترجمت الأقوال بالأعمال، أمة ختمت بها الرسالات، وتمت بها النبوات، وحصلت بها الكمالات، أمة الاعتدال والأمجاد، أمة الوسطية والجهاد، أمة المنهج الرباني والهدى القرآني. يتساءل الناس عن تلك الأمة، إلى أين وصل بها الحال والمال؟ هل فقدت من الوجود؟ أم هل اندثرت على مر العصور والعهود؟ أم ذابت في الأمم والشعوب؟

كلا، الجواب كلا، إنها أمة ما زالت قائمة، إنها أمة الإسلام، أمة الريادة والقيادة، أمة العهد والشهادة. "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً".

ولكن عباد الله، ماذا جرى؟ وماذا حدث لهذه الأمة يا ترى؟ ما واقع الأمة اليوم؟ وما واقع الذين ينتسبون إلى هذه الأمة؟ وما واقع أفرادها؟ ما الذي جرى لهذه الأمة؟ ما الذي جرى لهذه الأمة العظيمة، أمة الوسطية والاعتدال؟ أمة جرى عليها ما جرى.

عباد الله، من المحن علينا أن نتدبر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، لنعلم ما الذي جرى لهذه الأمة، الحديث الذي بين فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن أثر ترى هذه الأمة سيتلاشى، ويدب فيها الضعف والوهن، حينما تتخلى عن أصولها ومبادئها، وتتنكر لفضائلها، وتستبدل شرائعها. فقد قال صلى الله عليه وسلم: "يوشك الأمم أن تداعى عليكم، يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها". فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ ومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: "بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن". فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: "حب الدنيا وكراهية الموت".

لا إله إلا الله. أجل، فحب الدنيا أصل الداء، ومفتاح البلاء، وسبب الشقاء. الدنيا يغر بريقها، وتفتن زينتها، وتأسر القلوب بوعودها، وتعمي الأبصار عن زيفها، فتشترى بها الذمم والنيات، وتباع من أجلها الأمانات، وتهتك في سبيلها الحرمات. إنها الدنيا، حب الدنيا عباد الله، أصل البلايا، ومنبع الخطايا. الدنيا عباد الله متاع راحل، وظل زائل، إن أقبلت فتنت، وإن أدبرت أحزنت، لا تصفو لشارب، ولا تبقى لصاحب، ولا لطالب. من جعلها همه أتعبت، ومن جعلها غايته أضنت، ومن ركن إليها أهلكت. فكم أورث حبها قوماً ذلاً بعد عز، وفقراً بعد غنى، وحسرة بعد سرور. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: "فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكته".

نعم عباد الله، فلقد أخبر الذي لا ينطق عن الهوى، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم، عن حقيقة هذه الدنيا، وعن حقيقة ما ستؤول إليه هذه الأمة إذا هي تخلت عن مبادئها، وتنكرت لفضائلها، وتركت سنة نبيها، وتعلقت بهذه الدنيا وأحبتها، بأنها ستكون والله لقمه سائغة تنتهشها وحوش الأمم، وأنها رغم ضخامة أعدادها وكثرة أفرادها في الظاهر، إلا أن في باطنها عباد الله اختلافاً وخروقاً، وتفرقاً وشقاقاً، وتفرقاً يكون في باطن هذه الأمة، ضلال وأهواء، تطاحن وقتال، مراء وجدال. فهذا الحديث عباد الله يبين لنا ويصف لنا الحال، حال الأمة الإسلامية اليوم. وصدق والله من قال:

إن اتجهت إلى الإسلام في بلد تجده كالطير مخصوصاً جناحاه

إني تذكرت والذكرى مؤرقة مجداً تليداً بأيدينا أضعناه

كم صرفتنا يد كنا نصرفها وبات يملكنا شعب ملكناه

بالله بالله سل خلف بحر الروم عن عرب بالأمس كانوا هنا ما بالهم تاهوا

نعم عباد الله، هذا الواقع مع الأسف، هذا حال الأمة اليوم. لذلك استغرب الصحابة الكرام عندما حدثهم النبي عليه الصلاة والسلام أن الأمم ستجتمع عليهم وتناوئهم وتغلبهم على أمرهم، تساءلوا سبحان الله، ما بال الأمة؟ أمن قلة يحصل لها هذا؟ تساءلوا كيف يحصل لها هذا وهي أكثر الأمم عدداً؟ تساءلوا كيف وهي خير أمة أخرجت للناس؟ تساءلوا واستغربوا، هل يصل وضع الأمة في مستقبل أيامها إلى هذا الوضع المخزي والواقع المزري؟ تساءلوا: "فمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟" فيجيبهم النبي صلى الله عليه وسلم على هذا التساؤل بكلمات جامعة مانعة، فيها جوامع الكلم، فيها التنبيه والتحذير من مغبة ما يصل إليه وضع الأمة. نعم، تكون كذلك إذا هي تخلت عن منهجها الرباني، وابتعدت عن دستورها القرآني، فيحل بها ما حل، ويدب فيها داء الأمم: الوهن، حب الدنيا وكراهية الموت.

أجل أيها المسلمون، اعلموا والله أن اجتماع أمم الكفر على أمة الإسلام اليوم ليبرهن الواقع الذي تعيش فيه الأمة. فأينما اتجهت إلى المسلمين في أقطار الأرض وجدت فيهم حب الدنيا وكراهية الموت. حينما اتجهت إلى المسلمين وجدت الشرك والخرافات والبدع والخزعبلات قد انتشرت بين المسلمين، وجدت تفرق الكلمة، وجدت اختلافاً وتشتتاً وتحزباً، قلوباً متشاحنة، وأهواءً مضللة، معاصٍ منتشرة ومنكرات ظاهرة، وتستراً في الظاهر بالدين ونفاقاً، وتقليداً للغرب والكافرين. نعم، عندما تنظر إلى الواقع اليوم تجد مصداق هذا الحديث والله ظاهراً ظهور الشمس في رابعة النهار، تجد أن الأمم قد تكالبت على أمة الإسلام تنهشها من كل حب وصوب، وأثرت فيها بسبب التفرق والتناحر والمعاصي والتدابر، بسبب ما كسبت أيدينا، فكانت النتيجة لهذا الوضع حتماً الضعف والخور، الذل والهوان.

أبعد هذا نتساءل أيها الإخوة الإيمان، كيف تسلط علينا أعداء الإسلام؟ وكيف سفكوا فينا الدماء؟ كيف تجرأوا على الدماء ماء فسفكوها، وعلى الحرمات فانتهكوها؟ كيف قتلوا وشردوا ونكلوا وعذبوا؟ بل والله يقتلون الأسرى في سجونهم ونحن نرى ونسمع، وقلوبنا وقلوبنا لا تخشع ولا تفزع؟ أليس ذلك لأن ضيعنا الأمانات واتبعنا الشهوات وابتعدنا عن دين رب البريات؟ أليس ذلك لأن القلوب قست والعيون جفت والنفوس بهذه الدنيا تعلقت؟ بلى والله هو كذلك، لما أعرضنا عن كتاب ربنا وتركنا سنة نبينا عليه الصلاة والسلام وركنا إلى هذه الدنيا وزينتها، سلط علينا عدونا وجاءنا من لا يخاف الله فينا، فصرنا نتجرع مرارة الذل بعد العز، ونتذوق طعم الهوان بعد الكرامة.

نعم عباد الله، لما ابتعدنا عن ديننا وتقاعسنا عن طاعة ربنا وانغمسنا في شهواتنا وتركنا المسلمين، أصبحنا إلى هذا الواقع ننتمي، وفي هذا البلاء نرمي. فلنسأل أنفسنا، كم من بدع وكم من شركيات وكم من خرافات وكم من خزعبلات انتشرت؟ كم من صلاة ضيعت؟ وكم من زكاة منعت؟ كم من حرمة هتكت؟ وكم من معصية أعلنت؟ أفبمثل هذا يرتجى نصر ويدفع عنا ضر؟ أم بمثل هذا تعاد عزة وتصان حرمة؟ كلا وربي، إنما النصر بطاعة صادقة، وتوبة ناصحة، وعودة إلى رب البريات. "إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم". قاعدة ثابتة.

فارجعوا عباد الله إلى ربكم رجوعاً صادقاً، وتوبوا إليه توبة نصوحاً، وأصلحوا ما بينكم وبين ربكم، يصلح لكم شأنكم ويكفيكم شر عدوكم. وادعوا الله أيها السامعون أن يحقق الله وحده المسلمين، وأن يرد عنا عدوان المعتدين، وأن ينصر عباده المستضعفين، وأن يفك أسر الماسورين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله الذي رضي لنا الإسلام ديناً، ونصب لنا الدلالة على صحته برهاناً مبيناً، وأوضح السبيل إلى معرفته واعتقاده حقاً يقيناً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمداً عبده ورسوله. اللهم صل عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد، فيا أيها الكرام، ونحن في خضم الحديث عن حقيقة هذه الدنيا، لا ينبغي علينا أن نغفل، فلا عن حقيقة عظمى، وهي أن وجودنا في هذه الدنيا إنما هو لسببين اثنين. السبب الأول: عقوبة على ما كان من أكل الشجرة في جنة السماء، عندما أكلها أبونا آدم، فأخرجنا الله عز وجل منها إلى الأرض نحن وأعدى الأعداء إبليس، كما قال عز وجل: "وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو، ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين". لذلك كانت الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، كما جاء في الحديث. وليت شعري، هل لنا من إياب إلى مسكننا الأول؟ وهل لنا من خروج من ضيق هذا السجن إلى سعة ذاك المأوى؟ فحي على جنات عدن، فإنها منازلنا الأولى، وفيها المخيم. ولكننا، ولكننا عباد الله، تركنا هذا المنزل ونزلنا إلى هذه الأرض، فعلينا أن نعود إلى موطننا الأصلي، علينا أن نترك هذه الدنيا وملذات هذه الدنيا وشهوات هذه الدنيا، وأن نعرف حقيقة هذه الدنيا حتى نرجع إلى موطننا الأصلي.

أما السبب الثاني عباد الله، السبب الثاني لوجودنا في هذه الحياة، أن هذه الدنيا دار بلاء وامتحان، يختبر فيها الإنس والجان. لذلك أرسل الله الرسل عليهم السلام، وأنزل عليهم الكتب عالية المقام، فمن صدق وأطاع واستقام، فله النجاة والأمن ودار السلام، ومن كذب وأدبر وعصى، فله الخسارة والخوف ونار تلظى، كما قال سبحانه: "قلنا اهبطوا منها جميعاً، فإما يأتينكم مني هدى، فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون".

لذا أيها المسلمون، أنقذوا أنفسكم، واجعلوا همكم الآخرة. اجعلوا ما آتاكم الله تعالى من متاع هذه الحياة الدنيا من علم وصحة ومال وجاه، زاداً لكم إلى الآخرة. فقد قال صلى الله عليه وسلم: "من كانت الآخرة همه". واسمعوا عباد الله، "من كانت الآخرة همه، جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن جعل الدنيا همه، جعل الله فقره فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له".

اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا. اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم إنا نعوذ بك من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً سخاءً وسائر بلاد المسلمين. اللهم رد عنا عدوان المعتدين. اللهم رد عن بلدنا هذا وعن سائر بلاد المسلمين عدوان المعتدين. يا رب العالمين. اللهم اللهم عليك باليهود الغاصبين، اللهم عليك باليهود الغاصبين المعتدين، اللهم ومن والاهم وساعدهم يا رب العالمين. اللهم شتت شملهم وفرق جمعهم، اللهم وبد قوتهم، اللهم أرنا فيهم آثار وعجائب قدرتك يا رب العالمين. اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً يا رب العالمين. اللهم يا ذا الجلال، يا ذا الجلال والإكرام، يا أرحم الراحمين. اللهم فك أسرى الماسورين من المسلمين. اللهم فك أسرى الماسورين من المسلمين. اللهم يا من أخرج يونس من بطن الحوت، أخرجهم من الأسر آمنين سالمين غانمين يا رب العالمين. اللهم ارحمهم برحمتك الواسعة، اللهم اشملهم بلطفك العظيم يا ذا الجلال والإكرام. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. والحمد لله رب العالمين.