Transcription
ملخص كتاب التطهير العرقي في فلسطين لمؤلفه ايلان بابي، ترجمه مؤسسه الدراسات الفلسطينيه.
بعد الهولوكوست، بات من المستحيل اخفاء جرائم شنيعه ضد الانسانيه. والان، في عالمنا المعاصر، ومع تكاثر وسائل الاعلام الالكترونيه وانتشارها، لم يعد في الامكان انكار كوارث من صنع البشر او اخفاؤها عن اعين الراي العام. ورغم هذا، فان جريمه التطهير العرقي في فلسطين جرى محوها كليا من ذاكره العالم. وحدث مصيري كهذا، وهو الاكثر اهميه في تاريخ فلسطين الحديث، انكر بصوره منهجيه منذ وقوعه والى الان. لم يعترف به كحقيقه سياسيا واخلاقيا.
اولا، مفهوم التطهير العرقي. يعرف الكاتب التطهير العرقي على انه سياسه خاصه لمجموعه من الاشخاص، هدفها ازاله منهجيه لمجموعه اخرى عن ارض معينه، على اساس ديني او عرقي او قومي. وهي سياسه تتضمن العنف، وتكون مرتبطه بالعمليات العسكريه، ويتم تنفيذها بشتى الوسائل الممكنه، والتي غالبا ما تنطوي على انتهاكات خارقه لحقوق الانسان واتفاقيات جنيف 1999. اما موسوعه هاتشينسون، فتعرف بانه طرد بالقوه لايجاد تجانس عرقي في اقليم او ارض يقطن فيها سكان من اعراق مختلفه. ويهدف الطرد الى ترحيل اكبر عدد ممكن، بكل الوسائل المتاحه لمرتكبي الترحيل. كما يلقى هذا التعريف قبول وزاره الخارجيه الامريكيه. وبالنظر الى الامم المتحده، نجدها تستخدم تعريفات مشابهه، اذ نوقش المفهوم بصوره جديه عام 1993. ويبدو تعريف موسوعه هاتشينسون منسجما مع المحاولات العلميه المختصه للاحاطة به. تسريع هروب السكان، ثم يتم محوهم من تاريخ البلد الرسمي والشعبي، واستئصالهم من الذاكره الجماعيه تماما. هذا ما حدث في فلسطين عام 1948. ابتداء بمرحله التخطيط حتى انتهاء عمليات التنفيذ، كانت جريمه تطهير عرقي في منتهى الوضوح، حسب كل التعريفات.
ثانيا، تداعيات قرار الامم المتحده 181 عام 1947. عهدت الامم المتحده، المفتقر الى الخبره حينها بمساله مصير فلسطين، الى لجنه خاصه، اون سكوب، التي لم يكن لاي من اعضائها خبره سابقه في حل النزاعات او معرفه تاريخ فلسطين. وتبنت هذه اللجنه مبدا التقسيم كحل مستقبلي. وقد درست امكان جعل فلسطين باسرها دوله ديمقراطيه، لكنها تخلت عن الفكره. واوسط الجمعيه العامه للامم المتحده باقرار تقسيم فلسطين الى دولتين مرتبطتين فيدراليا بوحده اقتصاديه، واوسط بجعل مدينه القدس كيانا منفصلا يخضع لنظام دولي تديره الامم المتحده. وفي 9 من تشرين الثاني/نوفمبر، صدر القرار 181 باقرار الجمعيه العامه للامم المتحده بتوصيات اللجنه. وكان هذا القرار تجاهلا لاعتراض اساسي مبدئي اثاره الفلسطينيون ضد الخطه. وبتبني هذا القرار، بدات اسوا كوابيس الفلسطينيين تتكشف لهم، اذ وجدوا انفسهم تحت وطاه منظمه دوليه مستعده لتجاهل قواعد الوساطه الدوليه المصادق عليها في ميثاقها. ويمثل اشد جوانب قرار 181 لا اخلاقيه، عدم تضمنه ايّه تحمي فلسطين من التطهير العرقي. وفي عام 1947، راس بن جوريون تركيبه سياسيه لصنع القرار، وسميت فيما بعد بالهيئه الاستشاريه، والتي كانت اهم مجموعه مرجعيه لديه. اذ انها مزيج من نخبه شخصيات امنيه وخبراء بالشؤون العربيه. واشار بن جوريون في يومياته الى ان اول اجتماع موثق للهيئه عقد في الثام من حزيران/يونيو 1947.
ثالثا، الخطه الرئيسه. قبل اذار/مارس 1948، كان بامكاننا رؤيه النشاطات التي قامت بها القياده الصهيونيه على انها ردات فعل تاديبيه على اعمال عدائيه فلسطينيه او عربيه. لكن بعده، لم يكن الامر كذلك. اذ صرحت القياده الصهيونيه علنا انها ستسعى للاستيلاء على البلد وترضي الفلسطينيين بالقوه. وحدث ذلك من خلال خطه منهجيه، تمثلت اولى خطواتها في الحصول على اكثر ما يمكن من الارض، مع اقل ما يمكن من السكان الفلسطينيين. ولتنفيذ ذلك، كانت الخطوه الثانيه الدخول في مفاوضات مع ملك المملكه الاردنيه، لجعل بعض الاراضي من الضفه الغربيه تابعه للاردن، لتصير اردنا كبرى، لا اسرائيل كبرى فقط. اما الخطوه الثالثه، وهي الاكثر حماسا، كانت بناء قدره عسكريه ملائمه. وعشيه حرب 48، كان لديها جيش جيد الى حد ما، بحسب مذكرات بن جوريون. ناقشت الهيئه الاستشاريه المره الاولى الخطه دالت في شباط/فبراير عام 1948، واسمه الرسمي كان خطه يهوشع. وبعد ايام من طباعتها، وزعت على قاده الويه الهاجانا، والتي اصبح عددها حينها 12 لواء. وكل قائمه تحتوي وصفا دقيقا للقرى الواقعه في مسرح عمليات القائد، ومصيرها من احتلال وتدمير وطرد.
رابعا، الحرب المزيفه. في غضون اسابيع من انتهاء الانتداب، وصلت القوات اليهوديه الى المستعمرات المعزوله، عد اثنتين فقط، لاحتلال الفيلق العربي لهما (الضفه الغربيه حاليا). ولعدم وجود اتفاق مسبق بشان القدس، طرت القوات اليهوديه الى القتال من اجل السيطره على حصتها المتمثله في البلده القديمه والحي اليهودي. وكانت هذه المره الاولى لاشتباك الطرفين معا. اما بن جوريون، فطلب من زملائه مناقشه تداعيات حدوث حمله عدائيه اردنيه اعنف في المستقبل القريب. ونتيجه تمثلت في رسالته بعد الاجتماع، قائلا: "تطهير فلسطين يبقى الهدف الرئيس للخطه دالت". واتضح فيما بعد صحه توقعاته. اذ حيد التحالف الضمني المعقود بين الملك عبد الله والحركه الصهيونيه. وتسميه رئيس هيئه اركان الفيلق العربي الانجليزي، جلو باشا، لحرب 48 بالحرب المزيفه كان موفقا. فمثله كاغلِب المستشارين البريطانيين للجيوش العربيه، علم ان التحضيرات الاساسيه التي قام بها الفيلق العربي لانقاذ فلسطين عقيمه للغايه. وبالنظر الى التطهير العرقي، فلم يتاثر الطرد الجماعي بانتهاء الانتداب. واسطوره الهروب الطوعي للفلسطينيين ابان بدء الحرب، مخلين الطريق امام الجيوش الغازيه، لا اساس لها من الصحه. طرد المئات بالقوه قبل بدء الحرب، وطرد العشرات في الاسبوع الاول من بدئها. وتاريخ 15 ايار/مايو 1948 لم يكن مهما لهم، كان كما اطلق الكاتب، مجرد يوم اخر في الرزنامه المرعبه للتطهير العرقي الذي كان قد بدا قبل اكثر من خمسه اشهر.
خامسا، تصعد عمليات التطهير. منذ لحظه بدء تطبيق الهدنه التي اعلنت رسميا في الثامن من حزيران/يونيو عام 1948، كان الهدم جزءا اساسيا في النشاط الصهيوني. اذ قام خلالها بعمليات تدمير هائله لعدد من القرى. وكثير منها، بانتهاء الهدنه يوم الثامن من تموز/يوليو من العام نفسه، قد ازيل من الوجود. وبانتهاء هي ايضا، احتاج وسيط الامم المتحده، الكونت فولك برنادوت، الى عشره ايام اخرى لترتيب هدنه جديده. وفي اليوم التالي، نشب قتال متفرق بين الجيش الاسرائيلي والوحدات العسكريه العربيه. ولم يمر اقل من اسبوعين على بدئه حتى ترض مئات الالاف من الفلسطينيين. وكان نتاج خطه الامم المتحده للسلام الوحيد هو ارعاب المدنيين بحرب نفسيه وقصف عنيفا وطرد ورؤيه اقارب يعدمون، واطفال ونساء يغتصبون. اما الكونت فولك برنادوت، فقد اغتيل في 20 ايار/مايو على يد ارهابيين يهود، لتجرؤه على تقديم راي بتقسيم البلد مناصفه، وطالب خلال الهدنه الاولى بالسماح للاجئين بالعوده. اتت الاخبار عن هدنه قريبه في وقت غير مريح لعمليه التطهير، فجرى تسريع بعض العمليات لتنتهي قبل بدء الهدنه. واضيفت مدينتا اللد والرمله، وست قريه اخرى، الى الـ290 قريه التي سبق احتلالها وتطهيرها من السكان. ولم تكن هدنه بالمعنى الحقيقي، اذ اجهدت من اليوم الاول. واحتلت القوى الاسرائيليه قرا رئيسه شمالي حيفا، واستمر القتال في الجنوب مع القوات المصريه، فيما سمي بجيب الفالوجه.
سادسا، انجاز المهمه. مئات الاسئله تدور حول عام 1948 وعمليه التطهير. وابرزها: لماذا تم السماح لسكان بعض القرى بالبقاء دوناً عن غيرهم؟ من الصعب بالمقدار نفسه فهم ذلك. لذا، خضعت قرا معينه لمعامله وحشيه بشكل استثنائي. في الواقع، لا توجد اجابه محدده، وكل ما ذكر مجرد تكهنات. وفي نهايه العام ذاته، ركزت عمليات التطهير العرقي الرئيسه على تطبيق سياسه اسرائيل المعارضه لعوده اللاجئين الى موطنهم. وبدا ذلك على صعيدين: القومي، اذ قررت الحكومه الاسرائيليه تدمير جميع القرى التي اخليت، وتحويلها الى مستعمرات يهوديه او غابات طبيعيه. ودبلوماسي، فقد حاولت تفادي الضغط الدولي المتنامي للسماح بعوده اللاجئين. وارتبط الصعيدين معا، اذ سرعت عمدا عمليه تدمير وهدم البيوت لتفادي اي بحث في موضوع امر العوده اليها، فهي لن تكون موجوده. ومع بدايه عام 1950، اخذت طاقه وتصميم الطاردين على النفاد، واصبح الفلسطينيون الذين ما زالوا في فلسطين بمامن من الطرد الى حد كبير. ويمكننا القول هنا ان التطهير العرقي ليس اباده جماعيه، رغم انطوائه على اعمال وحشيه وقتل جماعي ومجازر. ومع توافر الادله، لم يحاكم شخص واحد على ارتكاب هذه الجرائم.
سابعا، الوجه القبيح للاحتلال. مع بدايه عام 1949، وانتهاء عمليه التطهير العرقي من حيث الجوهر، لم تنتهي معاناه الفلسطينيين. اذ امضى نحو 8000 شخص العام باكمله في المعتقلات، وتعرض اخرون للمضايقه بشتى الطرق تحت الحكم العسكري المفروض عليهم من اسرائيل. وكان مالوفا في الريف الفلسطيني رؤيه معتقلات ضخمه محتجز فيها الذكور بين سني العاشره والـ. بعد فرزهم في عمليات التفتيش والاعتقال الروتينيه، والتي تتم بشكل منهجي شامل انحاء الريف كافه. في بدايه الامر، نظام الاعتقال كان مشوشا وفوضوي. وفي تشرين الاول/اكتوبر عام 1948، اسس يثل يدين شبكه معسكرات اعتقال لينهي حاله الفوضى. اما عمليات الفرز والاعدامات السريعه فكانت تنفذ دون محاكمه تحت اشراف ضباط الاستخبارات الاسرائيليه. واستغل السجناء سخره بامر من القياده العسكريه الاسرائيليه، وانشئت ثلاثه معسكرات ليقوم السجناء باي عمل من شانه تقويه الاقتصاد الاسرائيلي وقدرات جيشه. احدى الجرائم الاخرى التي قامت بها قوات الاحتلال هي الاغتصاب. فعندما يؤخذ الرجال الى المعتقلات، تبقى نساؤهم تحت رحمه الاسرائيليين. وقد غطت الارشيفات الاسرائيليه الحالات التي قدم فيها المغتصبون للمحاكمه فقط، وكتب عنها بن جوريون في يومياته تحت عنوان فرعي باسم "حالات اغتصاب وروايات مرتكبي الجرائم وضحاياهم". لا يمكننا الحصول منها على حقائق، لكنها ساعدت على كشف جرائم انسانيه مرعبه حدثت اثناء حرب اليهود على فلسطين.
ثامنا، انكار النكبه ومحو ذكراها. بعد الحرب وعمليات التطهير العرقي، تفرق مئات الالاف من الفلسطينيين في ارجاء الدول العربيه المجاوره ليجدوا ماواهم في مخيمات زودتهم بها منظمات الاغاثه الدوليه. وكان واحدا من القرارات المضلله التي اتخذتها الامم المتحده عام 1947، انشاء وكاله خاصه للاجئين الفلسطينيين، وعدم اشراك منظمه اللاجئين الدوليه التي ساعدت اللاجئين اليهود في اوروبا عقب الحرب العالميه الثانيه. وبهذا، في عام 1949، ولدت وكاله الامم المتحده لاغاثه وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الادنى (الاونروا)، والتي كان همتها الاهتمام بشؤون اللاجئين اليوميه، لا حقهم في العوده. وبالنسبه للفلسطينيين، ف الشيء الايجابي الوحيد الناجم عن اتفاقيه كامب ديفيد هو نجاح القياده الفلسطينيه، على الاقل ولفتره وجيزه، في لفت انتباه الجمهور المحلي والاقليمي والعالمي الى حد ما، الى ان الصراع لا يتعلق بمستقبل المناطق المحتله فقط، انما في الصميم منه اللاجئون الذين طردوا من فلسطين عام 1948. وقد اعيد احياء عمليه السلام ظاهريا في عام 2003 باسم اتفاق جنيف، بخريطه طريق جديده ومبادرات اجرا الى حد ما، تحت اشراف اللجنه الرباعيه المكونه من الولايات المتحده والامم المتحده وبريطانيا وروسيا، التي عينت نفسها وسيطا. ورغم غرابه الامر، حصلت اسرائيل على الاعتراف بنفسها كدوله يهوديه على شكل وثيقه من الشركاء الفلسطينيين، لتتكون اسرائيل القلعه، وتصبح اعتى عقبه في طريق السلام لارض فلسطين.
ختاما، ليس كل اليهود في اسرائيل عميا عن اشلاء ضحايا جيشهم، وليس جميعهم صما عن صرخات المروين والجرحى الذين تعرضوا للاغتصاب. فهناك عدد كبير منهم يدرك حقيقه ما جرى في عام 1948، ويفهم التما المضامين الاخلاقيه للتطهير العرقي، ويدرك اي مخاطر اعاده تفعيل برنامج التطهير في محاوله اخرى للمحافظه على الاغلبيه اليهوديه المطلقه. في نهايه الامر، علينا عدم الكف عن نشر جرائم الاحتلال الشنيعه، وتوعيه الاجيال القادمه بان الارض ارضنا، وهم مجرد محتلين.