📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

سعدون حمادي ؛ خطبة الجمعة [ غزوة الأحزاب دروس وعبر ]

قناة سعدون حمادي الرسمية21:35

Transcription

يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون.

فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون.

الحمد لله، الحمد لله يبتلي عباده المؤمنين بما شاء، وأجزل المثوبة للصابرين والعطاء. أحمده على ما قدر من السراء والضراء، وأشكره على جزيل المنح والعطاء، وأستغفره من جميع الذنوب والأخطاء. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، سبحانه تفرد بصفات الجلال والكمال، وتنزه عن الأنداد والأمثال. وأشهد أن نبينا وحبيبنا وقرة عيوننا محمدا عبده ورسوله، مست البأساء والضراء، وأحاطت به المصائب واللواء، فصبر على عظيم الأذى، وتحمل في سبيل الله عز وجل شدة الابتلاء. صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أولي الصدق والنقاء، وأهل التضحية والفداء، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ومن اهتدى واقتفى.

أما بعد، ففي زمن الضعف والانكسار، وعندما يشتد على الأمة الحصار، عندما تدلهم الخطوب وتشتد الكروب، وتبلغ القلوب الحناجر، حتى يقول المؤمنون: متى نصر الله؟ هذه الحال الشديدة عباد الله أقرب ما تكون انطباقا على حال وواقع المسلمين اليوم. أجل، فقد أحاطت بهم المحن وعصفت بهم الفتن. ففي مثل هذه الأوقات العصيبة، ما أحوج المسلمين عباد الله إلى مراجعة أحوالهم والترتيب لحسن مآلهم. ما أحوجنا عباد الله إلى أسباب الثبات، وبما يمسكنا بديننا حتى الممات. تلك سنة الله مع رسوله صلى الله عليه وسلم ومع صحبه الكرام، فكانت حين تشتد بالنبي صلى الله عليه وسلم الكربات، فإن الذي يثبته هو رب الأرض والسماوات سبحانه جل في علاه، يثبته بما شاء من أسباب الثبات، كما قال الله عز وجل: "وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين".

لذا تعالوا معي عباد الله واستمعوا للقرآن العظيم وهو يقص علينا الحق. فماذا تقول عباد الله عندما تحاصر فئة مؤمنة قليلة في مكان ضيق من الأرض من قبل جيش عرمرم كبير؟ فما الذي يحدث؟ أخبرنا بذلك القرآن العظيم. حدث هذا عباد الله في شهر شوال من السنة الخامسة للهجرة، عندما حاصر عشرة آلاف مقاتل من مشركي العرب، حاصروا المدينة من أمامها، ونقض يهود بني قريظة العهد من خلفها. فوصف الله عز وجل لنا هذا الموقف بقوله، فقال عز وجل: "إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا. هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا".

في مثل هذه المواقف العصيبة الثقيلة، تظهر المعادن الأصيلة. في مثل هذه المواقف الشديدة، تظهر مواقف ومعادن الناس على حقيقتها. أما المؤمنون فقد أخبرنا الله عز وجل عنهم، قالوا، فقال عز وجل: "ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما". وأما المنافقون فقد أخبرنا الله عز وجل عنهم بما قالوا، فقال عز وجل: "وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا". هكذا في هذه المواقف العصيبة التي تصيب المسلمين، ترى ثبات المؤمنين وإيمانهم برب العالمين، وتعجب والله كل العجب من وقاحة المنافقين عندما يصيب المسلمين ما يصيبهم. تعجب والله من شك وتردد المترددين، يعجب والله من ضعف إيمان بعض المسلمين. أجل عباد الله، لذا في ذلك الحصار دروس لأولي الألباب، ظهرت فيها شمس الحقيقة بعد أن كشف عنها السحابة.

إليكم بعض هذه الدروس: منها أخوة الإيمان، منها ذلك التفاؤل والأمل الكبير في قلوب المؤمنين، فالمؤمنون حقا يعلمون أن النصر من عند الله عز وجل مهما كان العدد والعتاد، فناصر هو الله، الناصر هو الله سبحانه جل في علاه. وإن اجتمع من اجتمع، فإن كان الله معك فممن تخاف؟ فمن كان الله معه هانت عليه المشاق، وانقلبت المخاوف في حقه أمنا، فبالله يهون كل صعب، ويسهل كل عسير، ويقرب كل بعيد. بالله تزول الهموم والغموم والأحزان، فلا حزن مع الله، ولا غم، ولا شقاء مع الله، ولا هم.

لذا عباد الله، عندما حوصر النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة النبوية، ضرب صخرة عظيمة شديدة بيده عند حفر الخندق، وقال: بسم الله، فكسر ثلثها، ثم قال صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة". هذا هو الأمل، هذا هو الإيمان، هذا هو الإيمان برب العالمين. ثم ضربها ثانية فقطع ثلثا آخر، فقال صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض". ثم ضرب الثالثة صلى الله عليه وسلم وقال: بسم الله، فقطع بقية الحجر، وقال: "بابي هو وأمي صلى الله عليه وسلم، الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكان هذا". هذا هو الإيمان وهو محاصر بعشرة آلاف مقاتل عباد الله، بفئة مؤمنة قليلة من المؤمنين معه في المدينة. هذا هو الأمل، هذا هو التفاعل الذي كان عند أهل الإيمان.

أما المنافقون الذين سمعوا ما قال عليه الصلاة والسلام، كانوا على عكس ذلك تماما، فكانوا يقولون: "يعدنا محمد أن نفتح كنوز كسرى وقيصر، واحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب لقضاء الحاجة". خابوا وخسروا. كم من منافق اليوم يشكك بنصرة هذا الدين عباد الله؟ كم من منافق اليوم يشكك بأن العاقبة للمتقين؟ كم من منافق اليوم هو خلف وحفيد لهؤلاء المنافقين؟

أما الدرس الثاني أيها الكرام، اعلموا أن العزة بالإسلام، إذن، العزة بالإسلام والصبر والثبات وعدم قبول المساومات والتنازلات على حساب هذا الدين. عندما حاصر الكفار المشركون، عندما حاصر المدينة، استشار النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، وهما سيدا الأوس والخزرج رضي الله تعالى عنهما. استشاره النبي صلى الله عليه وسلم على أن يصالح هؤلاء، على أن يصالح قبيلة غطفان على ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعوا عن المدينة وعن حصار المدينة، رفقا وشفقة منه صلى الله عليه وسلم بحال المسلمين. فقالا له، واسمعوا عباد الله ماذا قالا: قالا له: "يا رسول الله، إن كان الله أمرك بهذا فسمعا وطاعة. إن كان الله قد أمرك بهذا فسمعا وطاعة، وإن كان شيئا تصنعه لنا فلا حاجة لنا فيه. يا رسول الله، كنا نحن وهؤلاء (أي غطفان وهؤلاء الأحزاب) على الشرك وعبادة الأوثان، كنا نحن وهؤلاء لا نعبد الله ولا نعرفه، فكيف يطعمون منا اليوم من ثمار المدينة؟ كانوا لا يطعمون منها (أي من ثمار المدينة) إلا بيعا أو قرا (أي ضيافة). والله يا رسول الله، ليس لنا بهذا من حاجة. أ فحرمنا الله، أفحين أكرمنا الله بهذا الإسلام وهدانا به وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ والله لا نعطيهم إلا السيف يا رسول الله حتى يحكم الله بيننا وبينهم". فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فرح عليه الصلاة والسلام بما رأى من الصمود والثبات. هكذا فليكن المسلمون أهل عزة وصبر وثبات على هذا الدين في كل وقت وحين، كما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

ومن الدروس كذلك عباد الله في ذلك الحصار، الحذر من بث الأخبار التي تضعف المؤمنين وتنشر الخوف بينهم وتفت في أعضائهم. فعندما سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو محاصر هو وأصحابه صلى الله عليه وسلم، سمع عن نقض يهود بني قريضة للعهد، فبعث بعضا من أصحابه ليتثبت، قال لهم: "انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقا فلحن لي لحنا أعرفه، لا تخبروا الناس بذلك، ولا تشيعوا بهذه الأخبار بين الناس، ولا تجهروا بذلك. إن كان حقا فحنوا لي لحنا أعرفه، ولا تفتوا في أعضاء الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم، فاجهروا به بين الناس". فلما رجعوا قالوا: "يا رسول الله، عضل والقارة" (أي غدر اليهود غدر كعضل والقارة الذين غدروا بأصحاب الرجيع من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم). فعندما سمع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ماذا قال؟ قال: "وافق دائما بوعد الله عز وجل. الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين، أبشروا يا معشر المسلمين". فماذا كان بعد ذلك؟ هذا ما سنعرفه إن شاء الله تعالى في الخطبة الثانية.

أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، وكان الله قويا عزيزا. وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما مزيدا.

أما بعد، فها نحن عباد الله بعد قرابة شهر من الحصار في غزوة الأحزاب، في جوع وخوف وبرد شديد، بدأت بشائر الفرج تلوح في سماء الكرب، كما قال صلى الله عليه وسلم للمسلمين: "الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين". وذلك لأمرين اثنين: الأمر الأول وهو أن نعيم بن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أتى للنبي صلى الله عليه وسلم وهو محاصر في المدينة، فقال له: "يا رسول الله، إني أسلمت وقد كان كافرا، يا رسول الله، إني أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت يا رسول الله". فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما أنت فينا رجل واحد، إنما أنت فينا رجل واحد، ماذا تفعل أمام هؤلاء؟ ولكن خذ عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة". فماذا فعل نعيم؟ نقل نعيم بن مسعود كلاما بين المشركين واليهود، كان سببا، كان سببا في الشك والفرقة والاختلاف بين المشركين وبين اليهود، حتى انتهى التحالف بينهم، فشك المشركون باليهود، وشك اليهود بالمشركين. هكذا ينبغي عباد الله أن نستخدم هذه الأساليب في الحرب، من الحيل والضغط على الأعداء بأي جهد كان، حتى ولو كان من شخص واحد. فكانت هذه الحادثة بداية النصر.

أما الأمر الثاني، فهو الدعاء، الدعاء وما أدراكم ما الدعاء، الدعاء واستنزل النصر من السماء. فقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم وهو محاصر على المشركين، لما رأى الكرب قد أصاب المسلمين، فقال عليه الصلاة والسلام: "اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم". كلمات صادقات اخترقت السماوات. فما الذي حدث عباد الله؟ أرسل الله عز وجل على المشركين جندا من الريح، حتى قوضت خيامهم، حتى قوضت خيامهم، ولم تدع لهم قذرا إلا كفها، ولا طنبا إلا قلعته، ولم يقروا لهم قرارا، حتى إن الرجل منهم لم يكد يهتدي إلى رحله من شدة الريح. كيف لا عباد الله والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "نصرت بالصبا (أي بريح الصبا) وأهلكت عاد بالدبور". فأرسل الله عز وجل عليهم جندا من جنوده، ألا وهي الريح، فهزمهم. وكذلك بسبب هذا الدعاء، أرسل الله عز وجل على الأحزاب جندا من الملائكة يزلزلون ويلقون في قلوبهم الرعب والخوف، كما قال الله عز وجل: "يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فارسلنا عليهم فارسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا". فتحقق نصر عظيم بهذا الدعاء. فعليك بالدعاء عباد الله، ولا تعجزوا عن الدعاء. ادعوا لإخوانكم في فلسطين، عليكم بالدعاء. أتهزأ بالدعاء وتزدريه؟ وما تدري بما صنع الدعاء؟ سهام الليل لا تخطي، ولكن لها أمد، وللأمد انقضاء.

اللهم يا جامع الشتات، اللهم يا جامع الشتات، ومخرج النبات، اللهم يا سامع الأصوات من فوق سبع سماوات، اللهم يا مجيب الدعوات، اللهم يا قاضي الحاجات، يا فارج الكربات، يا عليما بحالنا وحال إخواننا المسلمين في فلسطين، اللهم اجعل لهم من كل هم فرجا، اللهم اجعل لهم من كل هم فرجا، اللهم اجعل لهم من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا. اللهم وحد صفوفهم، وفرج كربتهم، واعل كلمتهم. اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم اليهود وأعوانهم، اللهم اهزم اليهود وأعوانهم، اللهم اهزم اليهود وأعوانهم، اللهم زلزلهم واهزمهم يا ذا الجلال والإكرام. اللهم أنزل عليهم رجزك وغضبك ومقتك وسخطك وعذابك، إله الحق. اللهم خالف بين كلمتهم، اللهم سلط عليهم جندا من جندك، اللهم سلط عليهم جندا من جندك، اللهم سلط عليهم جندا من جندك، اللهم سلط عليهم عدوا من أنفسهم يسومهم سوء العذاب، يا ذا الجلال والإكرام.

هذا عباد الله، وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه. فاللهم صل وسلم وزد وبارك وانعم على نبينا وحبيبنا محمد. والحمد لله رب العالمين.