Transcription
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته.
قد نقرا القران فنشعر احيانا اننا نقرا قصصا تاريخيه لا علاقه لنا بها. احداثا وقعت وانتهت، امما مضت واندثرت. فلماذا لا نستطيع ربط ذلك كله بواقعنا؟ ما الذي يجعل القران قريبا من مشاعرنا بعيدا عن واقعنا؟ هل المشكله في القران ام في طريقه قراءتنا له؟ وهل ثمه مفاتيح نجهلها لو امتلكناها لانفتح لنا هذا الكتاب فراينا انفسنا فيه؟
ما الموجهات والقواعد التي تعيننا على رؤيه واقعنا في كتاب ربنا وتصحيحه، وتقودنا الى فهم فهم القران فهما حيا فاعلا؟ مجرد تلاوه او تاثر عابر ثم لحظه؟ اليست هذه مهمه العلماء؟ ام ان كل واحد منا معني بان يكون له نصيب من التدبر والفهم؟ وان كان الباب مفتوحا، افلا يخشى ان ينتج ذلك من يعبث بالقران ويؤول اياته حسب هواه، كما راينا في نماذج معاصره؟
ومع الحديث عن مركزيه القران، هل يعني ذلك تهميش سنه نبينا الحبيب صلى الله عليه وسلم؟ ام ان العلاقه بينهما اعمق واوثق مما نتصور؟ ومع اقتراب شهر رمضان، كيف لا يكون شهرا مكررا في علاقتنا مع القران؟ كيف يكون شهرا مختلفا تفتح فيه الابواب لا تعد فيه الختمات فقط؟
هذه الاسئله وغيرها كانت مواضيع النقاش والحوار مع الدكتور نايف بنهار في هذا اللقاء الذي نحاول فيه ان نقترب من سؤال واحد كبير: متى وكيف يفتح لنا القران ابوابه؟
أهلاً وسهلاً دكتور نايف.
يا مرحبا بك استاذ فداء. أهلاً وسهلاً، يا مرحبا، شرفتنا وأنستنا.
الله يحفظك ويسلمك. كيف حالك؟
بخير، الله يسلمك ويعافيك. مرة أخرى مع القران، ولكن من زوايا مختلفة. نبدأ ممكن بسؤال يراود الكثير من الناس، وهو أننا نسمع أن القران صالح لكل زمان ومكان، لكن ما إن نفتح القران ونقرأ، يعني لا نشعر فعلياً أنه مرتبط بواقعنا أو أنه يعالج القضايا المعاصرة. كيف نستطيع أن نفعل القران في حياتنا؟
شوف، هي قضية تفعيل القران قضية ضرورية، وهي واجب شرعي طبعاً، لأن الله عز وجل أنزل القران كي نستهدي به في واقعنا، ليس في واقع معين فقط، يعني الصحابة رضوان الله عليهم أو التابعون أو إلى آخره هم الذين كانوا يستهدوا بالقران ونحن لا نستهدي بالقران؟ لا، كل زمان ومكان يجب أن نستهدي بالقران. لكن مثل ما ذكرت أنت، أحياناً نقرأ القران ونستشعر صعوبة تفعيله في قضايا واقعنا. نعم. وبعض الناس مثلاً ممكن يرى أن هناك انفصالاً بين قضايا الواقع والقران، لأنه يرى قضايا مختلفة، أقوام الأنبياء وأشخاص مختلفين، وإلى آخره، ثم يقول: نحن لدينا قضايا مختلفة عن القضايا التي ذكرها القران. وهذا غير دقيق. وهي كلها المشكلة ترجع إلى تصورات تجاه القران. يعني دائماً المشكلات الكبرى تجد لها جذورها في التصورات. تكون هناك تصورات خاطئة حالت دون وجود الوعي الصحيح. لذلك، مثلاً في تعاملنا مع القران، نحن نمتلك أيضاً تصورات خاطئة تحول دون توظيف القران وتفعيله في قضايا واقعنا. يعني من أهم ما أراه يعني مهما جداً في التعامل مع القران ويضبط تعاملك مع القران بشكل سليم ويمنحك القدرة على تفعيله في قضايا واقع أن ترى القران ككتاب منهج وليس كتاب معلومات.
يا سلام.
إذا نظرت للقران على أنه كتاب منهج، بمعنى كتاب يصنع تفكيرك، يصنع وعيك، وليس كتاب يهدف إلى ضخ المعلومات وتزويدك بالمعلومات. لا، هو يريد كيف يصنع وعي المتلقي. لذلك إذا دخلت إلى القران بحثاً عن المعلومات، ربما لا تجد ما يشبعك. لكن إذا دخلت إلى القران وأنت تبتغي صناعة وعي سليم، وعي راشد، فسوف ترى قطعاً ما ما يروي ظمأك في في هذا الموضوع.
ما الذي تقصد بالمعلومات؟ يعني هو لا ينثر، مثلاً أنت لما تقرأ عن الأحداث الكثيرة التي تناولها القران، لا تجد معلومات كثيرة. لا تجد يعني معلومات عن الأشخاص، معلومات عن الأماكن، معلومات عن الأزمنة. يعني مثلاً فرعون كم مرة تكرر؟ فوق 60 مرة. لكن لم يذكر لنا في أي عصر عاش. تمام؟ لم يذكر لنا اسم والده، لم يذكر لنا حتى اسمه هو، وفرعون لقب. اسمه هو ما ذكر الاسم. عرفت ولا لا؟ ما ذكر عدد جيشه كم كان، في أي مدينة كان يعيش، كم عمره، أين ولد، ها، متى ولد، إلى آخره. كل هذه المعلومات التي المؤرخون عادة يهتمون بها، القران لا يلقي لها بال. لماذا؟ لأنها ليس لها دور في صناعة وعيك. وإنما يركز على القضايا التي تهدف لصناعة وعيك. ولذلك هو لا يذكر المعلومات إلا بالقدر الذي يكفي لصناعة وعي المتلقي. عرفت؟ أنا أضرب لك مثال. شوف مثلاً غزوة الأحزاب. غزوة الأحزاب غزوة خطيرة، غزوة مصيرية، كادت الأمة الإسلامية في ذاك الوقت أن تهلك. يعني آخر مقر الدولة الإسلامية في المدينة المنورة حوصرت من كل الاتجاهات، وكان هناك مشروع لإبادتها. فالمنطقي أو المتوقع أن القران يمطرنا بالتفاصيل. صحيح. في هذه المعركة المفصلية. وفعلاً أنت لو ذهبت إلى كتب المؤرخين ستجد أنها مليئة بالتفاصيل. متى وقعت غزوة الأحزاب؟ ومن المشركون الذين شاركوا فيها؟ وأسماء القبائل، وعدد المشركين، وعدد المسلمين، وأسماء القيادات هنا، وأسماء القيادات هنا، وحتى عدد الخيول وعدد الإبل التي شاركت. كل هذه المعلومات لم يذكرها القران. سبحان الله. لماذا؟ لأنها ليست مهمة في صناعة وعيك. ما المهم إذا؟ تخيل أن القران لما تكلم عن غزوة الأحزاب في سورة الأحزاب، ذكر حوالي صفحتين فقط عن غزوة الأحزاب. تخيل حدث بهذا بهذه الأهمية يأخذ من المؤرخين مئات الصفحات، أخذ من القران صفحتين فقط. لماذا صفحتان فقط؟ لأن هاتين الصفحتين كافيتان في صناعة وعيك. نعم. فمثلاً يذكر القران يقول: "وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً". هذه الفئة الأولى. لأن الآن هو هذا، هذه المعلومة الأولى التي ذكرها لك. يقول إن المنافقين لما رأوا الأحزاب، عرفت ماذا فعلوا؟ بدأوا يشككون في المبادئ. "أوه، اكتشفنا أن الدين نفسه هذا الذي نحن ننتمي إليه ليس ديناً صحيحاً، بدليل أن الآن حصرنا ونحن على وشك الخسارة، إذا المبادئ التي نؤمن بها ليست صحيحة". وهذا يتكرر في واقعنا اليوم. يتكرر. عرفت؟ الآن من هم المنافقون؟ لم يذكر لنا من الذين في قلوبهم مرض، لم يذكر لنا ماذا يريد. إذا يريد أن تفهم منطق منطق تفكير هذه الفئة، لأنها سوف تتكرر معك في كل زمان ومكان. سبحان الله. ثم يبدأ لك بالف بالفئة، فئة أخرى: "وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثربا لا مقام لكم فارجعوا". هذه فئة تريد أن تخذل. "لا ما لكم مقام، ارجعوا، ليش؟ لأن الفريق الآخر أقوى منكم، ما في إمكانية أن نقاوم هؤلاء، خلونا نستسلم ونسلم لهم". "لا مقاومة لكم فارجعوا". تمام؟ فهذه فئة تريد أن تخذل. تأتي فئة ثالثة: "ويستأذن فريق منهم النبي". لاحظ قبل شوية يقول: "طائفة". الآن "فريق". لماذا؟ كي يلفت نظرك أنها فئة مختلفة في منطق التفكير، حتى يصنع وعيك في التعامل مع هذه الفئات المختلفة التي سوف تتكرر في كل زمان ومكان. تمام؟ "ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة". "لدينا بيوت فيها نساء، نريد أن نؤمنها، كيف نتركها هكذا خالية؟". وما هي بعورة؟ طيب، إذا ليش كذبوا هنا؟ القران يكذب عذرهم، أنه عذرهم كان كذب. "إن يريدون إلا فراراً". الله. يعني فريق يريد أن ينسحب. سبحان الله. فريق يريد أن يفر. فأنت عندك الآن كم فئة؟ ثلاث فئات. فئة مشككة، وفئة مخذلة، وفئة هاربة. ولا يخلو منها أي زمان، ولا يخلو منها أي زمان ومكان. ذكر أيضاً الفئة الرابعة وهي فئة المؤمنين. هنا اختلف السياق. "ولما رأى المؤمنون الأحزاب". لاحظ هذا المشهد. ها. لم يقل: "ولما رأى المؤمنون الكفار". لا، هو يريد أن يبين لك الكثرة، أنهم كثر وأحزاب. عرفت؟ شوف أنت المنظر الآن. أحزاب يحيطون بهم، وهم يرون مؤشرات الهزيمة، ويرون مؤشرات الغلبة. وأكثر من ذلك، وادهم ما هو أن فريقهم الذي كانوا يعولون عليه بدأ ينسحب، وفريق آخر يخذلهم، وفريق آخر يشكك في مبادئهم. الآن في هذا الظرف، لم يبق إلا فئة قليلة، وهي تشعر بالخذلان وتشعر بالخيبة. وعادة الإنسان لما يرى معالم الهزيمة يبدأ يشعر بخيبة آماله، ويبدأ يشعر بخيبة مبادئه التي يتبناها، لأن الناس عادة تربط بين الحق والانتصار. "أنا على حق إذا يجب أن أنتصر". لا، ممكن الله عز وجل يبتليك لأسباب أخرى. لكن هذه الفئة، مع أن كل مؤشرات الخسارة يرونها، "ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله". الله أكبر. هنا هم، مع أنهم رأوا المؤشرات، صار عندهم إيش؟ اعتقاد عكسي، عكس الآخرين. لاحظ أنه نفس الحدث، لكن ردود أفعال مختلفة. لماذا؟ لاختلاف الوعي. هؤلاء لديهم وعي يختلف عن هذا الوعي. تمام؟ لذلك: "وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً". يعني يريد الله سبحانه وتعالى أن يقول للمؤمن: إن هذا الحدث وهذا الحصار وهذا الاهتزاز الذي قد يحصل في المبادئ قد يتكرر معك، والمطلوب منك أن تثبت وأن تنهج نهج من سبقوك. أي هذا هو الآن صنع وعينا. الآن الذي قرأ سورة الأحزاب أصبح عنده وعي. سوف يرى في كل أزمة، سوف يرى في كل معركة بين الحق والباطل أن هذه الفئات موجودة أمامه، ولا يتفاجأ. يكون قد وطن نفسه، وهيأ نفسه على أنه سيرى هذه الفئات. لكن الناس اليوم تستغرب. في الثورة الجزائرية رأينا هذه الفئات الأربعة. في الحرب الأفغانية رأينا هذه الفئات الأربعة. في حرب غزة رأينا هذه الفئات الأربعة. في الثورة السورية رأينا هذه الفئات الأربعة. دائماً في كل معركة بين الحق والباطل سترى هذه الفئات الأربعة. فلا تتفاجأ. يعني بعض الناس لما تحصل مثلاً إبادة غزة يقول لك: يا أخي، شوف في ناس يشككون في مقاومة المحتل. يقول لك: لا فائدة من ذلك. أو مثلاً في الثورة الجزائرية كانوا يقولون: فرنسا دولة شرعية وهذا حقها. علماء شريعة كانوا يقولون هذا الكلام. يعني، فأنت ليش مستغرب؟ لماذا القران ركز على هذه المعلومات فقط؟ كي يصنع وعيك تجاهها. فلماذا اليوم أنت ليس لديك وعي؟ هذا يعني أنك لم تقرأ القران قراءة صحيحة. أنت سألتني عن تفعيل القران في الواقع. هذا الآن لم يفعل القران في واقعه لأنه لم ينتبه إلى الأفكار التي أراد القران أن ينتبه لها في في طريقة صناعة وعيك. إذا ما لخصنا نقطة هذه أو الموجه الأول أو القاعدة الأولى هي أن القران الكريم هو كتاب لصناعة الوعي وليس لتزويدنا بمعلومات.
أيوه. هو هذا. دائماً في كل حادث، في كل حدث، في كل حتى يتعامل مع الأشخاص، هو لا يهتم بالأرقام والأسماء والأزمنة والأمكنة. لا، هو يهتم بالقضايا التي تصنع وعيك. لذلك هو لا يزودك بمعلومات كثيرة عن الأحداث، لكن يهمه أن يصنع وعيك تجاه الأحداث، بحيث لو تكررت هذه الأحداث 1000 مرة، أنت ليس لديك مشكلة، لأن لديك الوعي الذي يحسن التعامل مع هذه الأحداث. لديك الوعي الذي يضمن صناعة الموقف السليم في التعامل مع الحدث. عرفت؟ مثل الآن أنت لما يريد واحد يدخل في التجارة، أنت تأتي في البداية تعلمه، تصنع له عقلية التاجر. كيف يتعامل مع الأموال، كيف يتعامل مع الصفقات، كيف يتعامل مع. بعد أن تنتهي من صناعة وعيه، تتركه يتعامل مع التجارة. خلاص، هو لديه وعي تجاري. أنت ما تذهب معه في كل معاملة وتشرح له هذا، وكل بيع وشراء يرجع إليك. لا، أنت صنعت وعيه مرة واحدة. خلاص، بهذا الوعي سيتعامل مع كل شيء. عرفت؟ لذلك الذي يرجع إلى القران ويبحث فقط عن المعلومات دون أن ينتبه إلى المنطق التفكير الذي يريد القران صناعته، بعد ذلك لن يفهم مقصد القران ولن يستطيع تفعيله في في الواقع.
دعني أضرب لك مثالاً آخر في نفس السياق. شوف هذه الآية. الله عز وجل يقول: "وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك". الآن تخيل هذا الرجل قام بدور مهم وخطير جداً، أنقذ نبياً من أنبياء الله. ومع ذلك لم يذكر اسمه. لماذا؟ القران يريدك أن تركز على الدور الذي قام به، لأن هذا الدور مطلوب منك أيضاً. مطلوب منك أن تتحرك دائماً بمثل هذا الدور. يعني هذا الآن الرجل يعيش في نظام قمعي، نظام مخيف، خطير، نظام طاغية فرعون. ومع ذلك وجد مساحة من خلالها يتحرك في إنقاذ هذا المصلح. ولذلك مهما كان الأفق مسدوداً، يجب أن تبحث عن المساحات المتاحة لكي تتحرك.
خليني أضرب لك مثالاً آخر أيضاً، وهذا كثير جداً. أصحاب الجنة في سورة القلم. لم يذكر لنا، لأن العبرة بمنطق التفكير الذي لديهم أيضاً. شوف انظر لـ فكرة الأعمى. "عبس وتولى". أيوه. "عبس وتولى أن جاءه الأعمى". ليش ما ذكر اسمه؟ عبس وتولى. آية. المفروض يقول: "عبس وتولى أن جاءه عبد الله بن أم مكتوم". صح ولا لا؟ هذا اسمه. لكن لماذا قال: "الأعمى"؟ لأنه يريد هنا القران ماذا؟ أن ينبهك إلى الصفة التي لأجلها أعرض عنه، التي لأجلها أهمل، التي لأجلها عبس في وجهه، أنه أعمى. يعني في الظاهر أن الأعمى الناس كيف يتعاملون مع الأعمى؟ لا ينظرون له على أنه قيمة مضافة. لا ينظرون له على أنه سيغير شيئاً كبيراً. لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يهتم بالكبار الذين دخلوا عليه، لأن هؤلاء يعتقد أنهم سيغيرون المعادلة. هنا جاء الدرس القرآني أنه لا يمكن أن تحكم على الناس بناءً على المعايير الظاهرية. لا، ما أنت ما تعرف الاستعدادات الداخلية التي لديهم. "وما يدريك لعله يتزكى". أنت ماذا تعرف عنه؟ سبحان الله. لذلك أنت يجب أن تنظر إلى الناس بحجم إقبالهم على الفكرة، بحجم الاستعدادات التي لديهم. تمام؟ لأن هذا هو المعيار. ولا تجعل المعايير الشكلية الخارجية هي التي تحكم على الناس. لكن لو قال هنا: "عبد الله بن أم مكتوم"، لفسد كل هذا المعنى. انتهت القصة وانتهى المعنى. أيوه. بعض الناس مثلاً تحجج. بعض الملحدين يقول: لماذا وصفه بالأعمال؟ هذه إساءة له. لا، ليست إساءة له. هو يريد أن ينبه. ألا نجعل مثل هذه الأمور معياراً لنا في التعامل معهم. قد يكون الأعمى أفضل من ألف مبصر. ولذلك هي هنا ميزة وليست سلبية. عرفت؟ لكن لو نظرنا إلى الموضوع من باب صناعة الوعي وليس صناعة المعلومات. وهذا كثير. كلما نظرت إلى يعني سوف تفهم منهج القران في كثير من القضايا القرآنية. سوف تفهم هذا المنهج. إذا إذا نظرت إلى القران على أنه كتاب يهدف لصناعة وعيك وليس لتزويدك بالمعلومات وضخ المعلومات، مثل ما يفعل المؤرخون. يعني أنت لو نظرت إلى الغزوات، أي في كتب المؤرخين ستجد كل التفاصيل. لكن لو نظرت لها في القران ستجدها قليلة جداً. والمعلومات لا تذكر إلا قليلاً. يعني أنت انظر إلى قصة يوسف في القران، وانظر إلى قصة يوسف في التوراة في سفر التكوين. إذا دخلت سفر التكوين من الإصحاح الـ 37 وأنت طالع، تقرأ تفاصيل معلوماتية. ها، كم عمر يوسف لما كان موجوداً؟ أسماء إخوة يوسف، لما ذهب إلى القصر كم كان عمره؟ أبناء يوسف كم كان عمرهم؟ لما ذهب وأصبح وزيراً. هذه كلها المعلومات. يذكرها القران. يعني القران يقول لك: "شروه بثمن بخس". كم شرى؟ ما ذكر. لأنه هو يبين لك فقط أنهم استرخصوا هذا النبي. أي هناك مثلاً في التوراة يذكرون أنه بـ 20 درهماً من فضة. بدم كذب. طيب، ما هو الدم هذا؟ من وين جاؤوا به؟ القران لم يذكر لك. لكن في التوراة يذكرون أنه من ماعز. إلى آخره. فهذه التفاصيل، حتى لو قارنت، مش بس تقارن القران مع كتب التاريخ، حتى لو قارنت القران مع كتب الأديان الأخرى، ستجد الفارق واضح. ليش؟ لأن القران يريد من المسلم أن يصنع وعيه حتى يتعامل مع الحياة بوعي سليم.
طيب دكتور، لكن هناك تفاصيل ذكرت في القران، أرقام وأسماء. مثلاً أبو لهب. مثلاً في قصة نوح عليه السلام، 1000 سنة إلا 50 عاماً. أصحاب الكهف ثلاثة، رابعهم كلبهم. الأشياء.
هذا صحيح. أنا لا أقول إنه لا يأتي بمعلومات. لكن أنا أقول: لا يركز على المعلومات. يعني هو يذكر معلومات قليلة جداً. يعني نوح عليه السلام، ماذا تعرف عنه؟ تخيل أن اسم ابنه لا نعرف. في أي عصر عاش؟ أم لا نعرف. في أي بلد عاش؟ لا نعرف. كم مات؟ كم كان عمره حين مات؟ لا نعرف. عرفت؟ فمعلومات كثيرة تعتبر أساسية عند المؤرخين لم يذكرها. لكنه لما ذكر هذه المدة: "1000 سنة إلا 50 عاماً". لماذا؟ لأن هذه جاءت في سورة العنكبوت. تمام؟ وسورة العنكبوت جاءت تعزي المسلمين الذين بدأوا بالتململ في مكة في آخر الحقبة المكية. أن الآن أكثر من 10 سنوات ولم يؤمنوا، ونحن نفر قليل. فحصل نوع من التذمر والاحباط من الحالة المكية. فجاء يقول: أنتم الآن متذمرون لأجل 10 سنوات ولم يستجيبوا لكم. تعالوا شوفوا نوح عليه السلام. الله أكبر. نوح عليه السلام يعني حوالي 1000 سنة وهو يدعو، ومع ذلك لم يستجب له. وذكر في مواطن أخرى أنه كان يدعوهم ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً، ومع ذلك لم يستجيبوا. ولم يستجيبوا. فجاء تعزية للمسلمين. تعزية للمسلمين. فهنا الرقم مهم جداً لصناعة وعي من ورائه ورسالة أيضاً للدعاة والمصلحين. أنه قد لا يستجيب لكم. أيوه. وليس واجبكم أن أن يستجيب الآخرون، وإنما واجبكم أن تستمروا في الدعوة إلى الله. إذا استجابوا، كان بها. ما استجابوا، أنت أديت مهمتك. فذكر ها. أنت وظيفتك أن تذكر. بعد ذلك ردود أفعال الناس ليست تحت مسؤوليتك. تمام؟ أنت مسؤوليتك أن تذكر. حتى أبو لهب. أبو لهب هو الاسم الوحيد الذي ذكر. تخيل يعني من كل الكفار الذين في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، لم يذكر إلا أبو جهل. يهتم أبو جهل. لم يذكر. بس أنت لاحظ. وهذه من الأشياء العجيبة. سورة المسد التي ذكر فيها أبو لهب. السورة التي قبلها ما هي؟ سورة النصر. وهذه غريب. ها. أن سورة النصر هي من آخر ما نزل. سورة المسد من أوائل ما نزل. فجاؤوا وراء بعض. الآن أبو لهب كان من أكثر المكافحين للدعوة الإسلامية. أكثر من حمل هم إجهاض الدعوة الإسلامية. فالله عز وجل جاء بهذه السورة بعد سورة النصر. سبحان الله. ليقول: أنت لكل من يعادي الإسلام، لكل من يعادي الدعوة الإسلامية، المال هو النصر للإسلام. الله. عرفت ولا لا؟ فجاء بهذا الذي حمل لواء العداء للإسلام وربطها بالنصر، لكي يعلم أن ليعلم كل من يجتهد في في تقويض الدعوة الإسلامية ويعتقد أن أمواله الضخمة وأمواله الهائلة وسلطاته الواسعة سوف توقف نشر الإسلام، وسوف توقف نور الله عز وجل في في هذه البسيطة، سيعلم أنه في النهاية النصر عند الله عز وجل. "إذا جاء نصر الله". مش نصرنا. نصر الله والفتح. فبالتالي المسألة محسومة. عرفت؟ "إنا فتحنا لك". فبالتالي الأسماء على قلتها، والأرقام على قلتها، والأماكن على قلتها، هذه دائماً وراءها وعي يقف. يريد يريد القران أن يصنع وعياً من ورائه.
الله يفتح عليك دكتور نايف. يبارك فيك. اللي نستنتج من ما سبق أن قاعدة واحدة أو موجه واحد وهو أن القران الكريم كتاب يصنع وعيك ولا يزودك بمعلومات لا تنعكس على واقعك.
أيوه. هو هذا. دائماً في كل حادث، في كل حدث، في كل حتى يتعامل مع الأشخاص، هو لا يهتم بالأرقام والأسماء والأزمنة والأمكنة. لا، هو يهتم بالقضايا التي تصنع وعيك. لذلك هو لا يزودك بمعلومات كثيرة عن الأحداث، لكن يهمه أن يصنع وعيك تجاه الأحداث، بحيث لو تكررت هذه الأحداث 1000 مرة، أنت ليس لديك مشكلة، لأن لديك الوعي الذي يحسن التعامل مع هذه الأحداث. لديك الوعي الذي يضمن صناعة الموقف السليم في التعامل مع الحدث. عرفت؟ مثل الآن أنت لما يريد واحد يدخل في التجارة، أنت تأتي في البداية تعلمه، تصنع له عقلية التاجر. كيف يتعامل مع الأموال، كيف يتعامل مع الصفقات، كيف يتعامل مع. بعد أن تنتهي من صناعة وعيه، تتركه يتعامل مع التجارة. خلاص، هو لديه وعي تجاري. أنت ما تذهب معه في كل معاملة وتشرح له هذا، وكل بيع وشراء يرجع إليك. لا، أنت صنعت وعيه مرة واحدة. خلاص، بهذا الوعي سيتعامل مع كل شيء. عرفت؟ لذلك الذي يرجع إلى القران ويبحث فقط عن المعلومات دون أن ينتبه إلى المنطق التفكير الذي يريد القران صناعته، بعد ذلك لن يفهم مقصد القران ولن يستطيع تفعيله في في الواقع.
إذا دخلت إلى القران تدخل وأنت تبحث عن ما يصنع وعيك، عما يصحح منطق تفكيرك، لا تبحث عن غيره من المعلومات التفصيلية إلى آخره، مثل ما يفعل كثير من الناس. لا، أنت ركز على كل صورة تحاول أن تصنع وعيك تجاه قضية معينة. مثلاً سورة الأحزاب الآن، كيف تصنع وعيك تجاه الأزمات الوجودية؟ في سورة التكاثر، كيف تتعامل مع التنافس المادي؟ في كل صورة تجد فكرة معينة يريد القران أن يصنع وعيك تجاهها. وهكذا.
طيب، هل من موجّهات أخرى أو قواعد أخرى تعين على تفعيل القران مع واقعنا؟
القواعد كثيرة يعني. منها مثلاً، وهذه ممكن تكون امتداداً للسابق، أن لا تنظر إلى الشخصيات التي ذكرها القران على أنها أشخاص بحد ذاتها. عرفت؟ وإنما يجب أن تنظر لها كنماذج. كيف؟ يعني مثلاً القران ذكر قارون، وذكر فرعون، وذكر هامان، وذكر أقوام الأنبياء. هؤلاء ليسوا أشخاصاً عاشوا في التاريخ وانتهوا. اه، نماذج تتكرر في كل زمن. هذه انظر لها على أنها نموذج يتكرر في كل زمان ومكان. وأنت أحياناً قد يكون فيك من خصائصهم. قد ترى نفسك فيهم. أيوه. وأنت لا من حيث لا تشعر. وقد ترى في الآخرين هذا الأمر. لذلك نحن الآن لما نقرأ الآيات المتعلقة بقارون وفرعون وهامان وإلى آخره، أو الآيات المتعلقة ببني إسرائيل وأقوام الأنبياء السابقة، نشعر أننا غير معنيين. صحيح. ها، كأننا ننتظر فقط أن الله عز وجل يقول: "يا أيها الذين آمنوا". ننتبه. بقية القران نحن لسنا معنيين به. وهذا غير صحيح. صحيح. القران لم يذكر هذه يعني عبثاً، وإنما أراد من خلالها أن ينبهنا على قضايا وزوايا مهمة جداً في صناعة وعينا تجاه الواقع. يعني مثلاً قارون. قارون نموذج. نموذج لديه منطق تفكير واضح. شرحه القران بخصائص معينة. يعني مثلاً قارون يقول: "إنما أوتيته على علم عندي". يعني لما قال له قومه على على الأموال والخزائن التي يملكها، عزى الفضل إلى ذاته. كم شخص منا يفكر بمنطق الاستحقاق الذاتي؟ أم لما يصل إلى منصب، أنا حصلته بـ بذكائي، أنا حصلته بقدرتي. لما يحصل على تميز علمي، أنا الذي حصلته، أنا وكذا. لما تفتح له الدنيا ويتوسع في الأموال، يعزو الفضل لذاته. كل شيء يعزو الفضل لذاته. هذه نزعة قارونية. عرفت؟ هذه نزعة قارونية. يعني لابد أن تسعى في معالجتها. وبالتالي أنت لابد أن تتأمل الخصائص هذه. أنت شوف النبي عليه الصلاة والسلام في مسند الإمام أحمد لما قال عن أبي جهل: "فرعون هذه الأمة". الله. هنا لم ينظر النبي عليه الصلاة والسلام لفرعون على أنه شخص عاش في مصر وانتهى. لا، على أنه نموذج يتكرر في كل زمان ومكان. ولذلك حدد أبا جهل أنه فرعون هذه الأمة. صفات تكررت في شخصية. أي صفات فرعون موجودة فيه. خصائص شخصية فرعون موجودة فيه. لذلك أسقطها عليه. تمام؟ نفس الشيء في قضايا بني إسرائيل، أو حتى علماء بني إسرائيل. أنت الآن لما تذكر القران يتكلم كثيراً عن علماء بني إسرائيل. وهذا ليس عبثاً، لأننا نحن أيضاً سنقع فيما وقعوا فيه. وهذا كثير. عرفت؟ النبي عليه الصلاة والسلام يقول: "لا تتبعون سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة". قال: "يا رسول الله، من اليهود والنصارى؟" قال: "فمن". قال: فنحن سنتبع بشكل كبير جداً حذو السنن السابقة، سنن الأمم التي قبلنا، منها اليهود والنصارى. يعني حتى حديث القران عن بني إسرائيل يمكن أن نراه فينا كمسلمين. طبعاً. تقييد الدين في مقدمة كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم" بين الخصائص المشتركة بين علماء بني إسرائيل وبعض علماء المسلمين. أي يعني بعض علماء المسلمين وقع في نفس الأزمة التي وقعوا فيها علماء بني إسرائيل. أنا أضرب لك مثال. والله كلام خطير. أيوه. الله عز وجل ما قال عن بني إسرائيل: "ولا تشتروا بآياته ثمناً قليلاً". كم عدد العلماء الذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً؟ يجي يتحصل واحد من من متخصصين في الشريعة، يكتب تغريدات أو مقالات فيها تحريف للقضايا الإسلامية، يوجه الآيات توجيهاً معيناً، يخدم فيه مصالح معينة، سواء مصالح حزبية أو حكومية أو للنظام الدولي أو غيره. كم لعبوا بآيات الجهاد والقتال. هذا كله من باب أنك تشتري بآيات الله ثمناً قليلاً. سبحان الله. أيضاً أنت انظر مثلاً لبعض المشايخ مثلاً في المصارف الإسلامية. هذا مساحة واسعة للتجارة في الدين. أنا لا أقول كلهم. في كثير منهم. في النهاية يخشى أنه إذا أفتى بخلاف ما تريد الإدارات المصرفية، أنها ستخرجه. خاصة أن لدينا نظام في المصارف يعني نظام سيء جداً، وهو أن إدارة البنك هي التي تستطيع أن تزيل الهيئة الشرعية. الهيئة الشرعية التي في البنك. فإما أن تستقيم معي الهيئة أو أنقلها. فكثير من المشايخ يأخذهم الضعف الدنيوي. والله حتى لا نفتي فتوى يعني تغضب الإدارة، نجاملهم في هذا الأمر. سبحان الله.
دكتور، وأنت تتكلم تذكرت قصة بني إسرائيل والبقرة. مسألة اختلاق الأعذار للتهرب من الحكم الشرعي.
أيوه. هذا متكرر. لذلك هي نفس الأحداث. لا يوجد. شوف حادثة البقرة تتكرر أيضاً في كل زمان ومكان. نحن لو تأملنا القران بهذه الطريقة، سوف نرى أن القران موجود في كل شيء أمامنا. في كل شيء أمامنا سترى تفسيراً قرآنياً له. سترى نموذجاً قرآنياً يفسر الظواهر الإنسانية والاجتماعية بشكل وافٍ وكامل. لكن مشكلتنا أننا معلقون بالأشخاص، معلقون بالألفاظ نفسها التي يعني نراها دون أن ننفذ إلى الأشياء التي تقف وراءها والأفكار التي تقف وراءها. فهذه أيضاً قاعدة مهمة. نمذجة الأشخاص. أن أن نتعامل مع الأشخاص كنماذج. ننتبه. وهذا كيف نحول الأشخاص إلى نماذج؟ من خلال استخراج خصائص هذه الشخصيات. أنا أقرأ شخصية قارون، أستخرج خصائصها. أقرأ شخصية فرعون، أستخرج خصائصها. كيف فكر؟ كيف قدمه لنا القران؟ أقرأ مثلاً قصص الأعراب. الأعراب. استخرج خصائص تفكيرهم. عرفت ولا لا؟ لما أستخرج الخصائص، أبحث عن هذه الخصائص في ذاتي أولاً قبل الآخرين. أنظر ما الذي أنا مصاب به من هذا. سبحان الله. عرفت؟ قد أكون أنا عندي خصائص كثيرة من هؤلاء وأنا لا أعرف. فابدأ بأن أصححها. لأن ليس الغرض أن تتدبر فقط وتستخرج. الغرض أن تستهدي. التدبر وسيلة وليس ليس غاية. سبحان الله. تدبر وظيفته أن يستخرج المعاني القرآنية. بعد أن نستخرج المعاني القرآنية لدينا وظيفة أخرى وهي الاستهداء بهذه المعاني في واقعنا لإصلاحه. لأن الله عز وجل أصلاً أنزل القران لماذا؟ "شهر رمضان الذي أنزل فيه القران هدى للناس". فيجب أن نستهدي بهذا الكتاب في التعامل مع قضايا واقعنا. وهذه مرحلة تأتي بعد مرحلة التدبر. فعلاً.
دكتورة، النقطة التي ذكرتها مسألة أني أبحث في خصائص وصفات النماذج التي ذكرها القران، سواء منافقين أو أعراب أو بني إسرائيل أو غيرهم، أو فرعون أو قارون، ثم أناقش نفسي: ما هي الصفات التي تنطبق معي؟ ولا أبدأ بالآخرين، حتى لا يتم مثلاً توظيف هذا البحث أو هذه الصفات في الانتقام من الآخرين. أصنف أعدائي. أنت منافق، وأنت بني إسرائيل. مسألة الاستهداء ذي في غاية الأهمية. أنا أرى ما الذي ينطبق من هذه الصفات علي، ثم أهتدي بها قبل أن أطلقها على الآخرين.
كلام صحيح. أنت لابد أن يعني لما تستخرج هذه المعاني، أول ما يجب عليك أن تفعله أن تنظر لنفسك. أم. إذا استخرجت مثلاً خصائص الشخصية الفرعونية، خصائص الشخصية القارونية، خصائص قوم شعيب، خصائص قوم عاد، ثمود، نوح. أول ما يجب أن تسأله هو: ما موقفي من هذا؟ أين تموضعي أنا من هؤلاء؟ ما الخصائص التي في هؤلاء وتوافرت فيا؟ عرفت؟ قبل أن تنظر للآخرين. لأن الغرض أول شيء إصلاح نفسك. ثم تبدأ بإصلاح الآخرين. لكن من المهم أن تبدأ. وهذه النقطة التي ذكرتها أنت مهمة جداً، أن هناك من يستغل هذه المعاني لضرب الآخرين. هذا من التلاعب بالقران.
فتح الله عليك دكتور. طيب، إلى الآن نستطيع أن نقول أن هناك قاعدتان. القاعدة الأولى: أن الكتاب، القران الكريم، كتاب صناعة وعي منهج.
وليس كتاب معلومات.
صحيح. والأمر الثاني: أن القران يهتم بنمذجة الأشخاص.
صحيح. فكل الأسماء التي تقرأها في القران وال والفرق والطوائف هي نماذج قد تتكرر في أي زمان ومكان، وليس أشخاصاً وفرقاً بحد ذاتها.
انتهت.
صحيح. ثم موجّهات أخرى تعين على التفعيل القرآني في واقعنا.
بس قبل أن نتحدث عن قواعد أو موجّهات أخرى، من المهم في القاعدتين هاتين أن القران كتاب وعي وليس كتاب معلومات، أن نفهم أن هذه الخصائص القرآنية يجب أيضاً أن نتحلى بها نحن. كيف يعني؟ صح القران كتاب يهتم بصناعة الوعي أكثر من تزويد المعلومات. أنا أيضاً كباحث يجب أن أهتم بصناعة وعي المجتمع، وليس في إغراقه بالمعلومات. عرفت؟ عرفت؟ لأن كثير من الباحثين، خاصة المؤرخين، يغرقون الناس بالمعلومات، لكن لا يهدفون لصناعة وعي. عرفت؟ ولذلك تجد بعض المؤرخين لديه معلومات تاريخية، لكن ليس لديه وعي تاريخي. عرفت؟ ليس لديه وعي تجاه التاريخ. ولذلك هو يغرق الناس بالمعلومات.
الفرق بين الوعي التاريخي والـ.
أنا أضرب لك مثال على الفرق. قبل كم يوم أنا كنت أسمع لمحاضرة عن حقبة تاريخية. المحاضر أغرق الناس بالمعلومات وعن أشياء تفصيلية. تخرج أنت ما عندك يعني أي تصور ناضج تجاه تلك الحقبة. كيف تستفيد من الأحداث التي حدثت في ذلك الوقت؟ سنن الله عز وجل في تلك الحقبة، الظواهر التي تمت في ذلك الوقت، كيف تفاعلوا معها؟ كيف يعني هذه الأشياء التي تتعلق بصناعة منهج المتلقي لم يهتم بها. فقط أغرقنا بالمعلومات. وهذه مشكلة كبيرة عند الناس. أنه لأن المعلومات تبهر. تعرف هذه فيها مشكلة. هذه لها جاذبية. هذا يسقط في فخ كثير من المثقفين. لما دائماً يجلس في المجلس فيمطر الناس بالمعلومات حتى يكون واو، والله معلوماته واسعة، ثقافته موسوعية، إلى آخره. لكن الناس لم يخرجوا بفائدة حقيقية. وعيهم ما زال كما هو. وعيهم كان كما يعني لم يعني قبل مقابلته تمام. هذه مشكلة. لذلك المثقف هنا لا يصح أن ينخدع بأسئلة الجمهور. لأن الجمهور عادة، الناس عادة تتشوفون للمعلومات. "آه، ماذا حصل هناك؟ ماذا أدم؟ كم كان طوله؟" إلى آخره، من المعلومات التفصيلية. عرفت؟ التي لا تصنع وعيهم. لكن ينبغي عليه أن يعيد توجيه أسئلة الجمهور. عرفت؟ فيسألونك أسئلة ليس لها قيمة. أنت أعد وعي الجمهور لكي يسأل الأسئلة ذات القيمة، حتى من خلالها تبني لهم وعياً سليماً. يعني شوف إيش الفرق بين التاجر العادي والتاجر غير والتاجر الشاطر.
آها.
التاجر العادي هو يفكر كيف يستثمر احتياجات الناس.
آها.
التاجر الشاطر هو يفكر كيف يصنع احتياجات الناس. عجيب.
أي. لذلك التاجر العادي هو يفكر بمنطق: ما الذي يمشي في السوق؟ يدخل سوق معين، تجي بلد معين، إيش اللي يمشي في السوق؟ يمشي في السوق كذا كذا. خلاص، أنا أروح أشتري هذه البضاعة وأبيعها. تمام. التاجر الشاطر هو يفكر: كيف أمشي بضاعتي في السوق؟ أنا ما يهمني السوق، يهمني كيف أمشي بضاعتي في السوق. فمثلاً إذا أنت تريد أن تفتح صالة رياضية، وجئت إلى مجتمع ليس لديه ثقافة رياضية، فأنت قطعاً لو فتحت الصالة الرياضية سوف تخسر. لأن الناس لا يهتمون بالرياضة. لكن يأتي التاجر الشاطر ويصنع ثقافة إيجابية تجاه الرياضة. يبدأ الجمهور يتعطش لوجود صالة رياضية. هنا يفتح. يكون هو أول الرابحين. تمام. أحيااناً أنت هذا طبقه نفس الشيء على المثقفين. أحيااناً أنت تجلس في في مجلس، يمطرونك بأسئلة ليس لها قيمة، ليس لها داعي. مثلاً يجيك يسألك عن سفينة نوح أو أي عصر نوح أو إلى آخره. أي كم حجم حجمها؟ كم كان كبيره؟ ولا ما واين كانت؟ زرا؟ كيف يعني؟ هل كانت في العراق ولا كانت في الحجاز؟ والطوفان بدأ من أين وانتهى إلى أين؟ هذه كلها أسئلة لا تصنع لك وعياً. لذلك أنت ماذا تفعل؟ أنت أعد توجيه أسئلتهم. قول لهم: تمام، قضية نوح قضية مهمة. لكن في قضية أهم من هذه الأسئلة. قوم نوح 1000 سنة جلس نوح يدعوهم، ومع ذلك لم يستجيبوا. دعونا نتعرف على إيش العوائق المعرفية، العوائق النفسية التي حالت دون إيمان هؤلاء القوم لأكثر من لحوالي 1000 سنة. ثم نريد أن نتعرف هل هذه العوائق متوفرة بنا أو غير متوفرة. فهمت؟ ف أنت الآن هنا ماذا فعلت؟ أعدت إنتاج الأسئلة. بدلاً ما كانت الأسئلة أسئلة يعني متعلقة بقضايا لا تصنع وعياً، انتقلت إلى قضايا تصنع وعياً. وهذا هو منهج القران دائماً. ينقل مستوى تفكير المتلقي إلى ما يصنع وعيه، وليس إلى المعلومات العادية التي ليس لها قيمة. إذا عرفتها ولم تعرفها، لا يضيف لك. لا يضيف لك شيئاً. هنا أنت تتقمص منهج القران. عرفت؟ كباحث وكمثقف تتقمص وتركز على ما يصنع وعي الناس. هذه إذا اقتنعت بها المثقف، سيتغير النمط. سيتغير شروط الإنتاج الثقافي في الأمة الإسلامية. أن أنا أبدأ أركز. لا أكتب بحثاً إلا إذا كان له دور في صناعة الوعي. لا أكتب كتاباً إلا إذا كان له دور في صناعة الوعي. لا ألقي محاضرة إلا إذا كان لها دور في صناعة الوعي. ولا أركز على إبهار الناس. عرفت؟ أنا أريد أن أبهر الناس بحجم معلوماتي، وأبهر الناس بكذا. هذا ليس له فائدة حقيقية. الذي ينفع الناس غير الذي يعجب الناس. حتى في القاعدة.
يقول لك: أنا أناقش الأفكار لا الأشخاص. أيوه. يعني كـ مثقف أو كذا. وهذا هذا هذه قاعدة جيدة يعني أيضاً في التعامل مع الأفكار. لأن هذا أيضاً منهج قرآني. لأن القران يتجاوز الأشخاص ويتحدث عن الأفكار التي وراء الأشخاص.
طيب، ثمّت موجّهات أخرى تعين على التفعيل القرآني في واقعنا.
أيوه. هناك قواعد أو موجّهات كثيرة يعني. منها مثلاً، وهذه ممكن تكون امتداداً للسابق، أن القران لا يتفاعل إلا مع المتفاعل. كيف هذا؟ بمعنى القران لن تستطيع أن تفهم مقاصده إلا إذا تبنيت قضايا القران. جاء لإصلاح الواقع. إذا كنت غير مهتم بإصلاح الواقع، ثق تماماً أنك لن تفهم مقاصد القران. القران جاء ليقوم الناس بالقسط. إذا كنت أنت غير مهتم بأن ترى قيام القسط في المجتمعات الإنسانية، ثق تماماً أنك لن تفهم مقاصد القران. يعني مثلاً القران جاء لمواجهة المنافقين، أو واجه المنافقين بكل وضوح. هذه قضية من قضايا القران. أن نواجه المنافقين. إذا كنت لا تواجه المنافقين، فأنت لن تستطيع أن تفهم ما قاله القران عن النفاق وعن ظاهرة النفاق. لأن الحجج التي يقولها المنافقون في كل عصر قالها القران وذكرها وفندها. التحديات التي تواجه من من يواجه المنافقين هي نفس التحديات التي ذكرها القران. ف أنت حينما تواجه المنافقين، ثم تعود إلى القران، سوف تكتشف النموذج الهائل الذي من خلاله عالج القران قضية النفاق. مثل ما ترى في سورة الفتح، وسورة المنافقون، وسورة الأحزاب، وسورة التوبة. ناقش ظاهرة النفاق بشكل غير طبيعي. لكن متى تبدأ تتعرف على ما قاله القران عن ظاهرة النفاق وتفهم عمق ما قاله القران حينما تشتبك مع المنافقين. وهكذا في أي قضية. يعني مثلاً القران تحدث عن الإصلاح الأسري. إذا كنت أنت غير معني بالإصلاح الأسري ولا تهتم بقضايا الأسرة، فما راح تدرك عمق ما قاله القران عن الأسرة. لكن جيب شخص مهتم بالإصلاح الأسري، ودعه يقرأ ما قاله القران عن الأسرة. سيفهم. يقول لك: "أوه، والله فعلاً هذه نقطة نحتاجها في كثير من الأحوال". ما أدري إيش كذا كذا. سيرى أن آيات القران مفصلة على مقاس الواقع تماماً. هذا منطقي طبيعي. يعني أنت إذا تحدثت مع شخص ليس له خلفية عن موضوع معين، لن يتفاعل معك. يعني أنا الآن لو كان عندي مشروع لإصلاح البنوك، وجئت بأشخاص ليس لهم علاقة بالبنوك نهائياً، جلست أتكلم ساعتين، ما راح يفهموا شيء. ولا ولن يفهموا جدول ما أقول. صح ولا لا؟ لكن لو أتيت بأشخاص متخصصين في المصارف والبنوك، وشرحت لهم مشروعي في الإصلاح المصرفي، سيفهمون تماماً. يقول لك: "نعم، فعلاً هذا نحتاجه. عندنا تحدي كبير، متورطون فيه الآن. هذا الإصلاح سوف يعالج هذه النقطة. هذا الأمر سيعالج هذه العقبة. هذه الخطة جيدة في التنمية الفلانية". سيفهم كل ما تقوله. لماذا؟ لأنه اشتبك مع هذه القضية. سبحان الله. فالقاعدة هنا: ما لم تتبنى قضايا القران، لن تفهم مقاصد القران. وهذا دكتور سبحان الله تذكرتنا الآن يعني أحياناً بعض الآيات يعني بعض الناس قد يرتكب ذنباً معيناً، فعندما يقف على الآيات التي تناقش هذا الذنب، يتأثر تأثراً كبيراً جداً.
أيوه. ويفهمها من من بين كل المصلين. مثلاً. أو مثلاً. نقطة أخرى. قد تجد باحثين وعلماء غير مسلمين مهتمين في جانب معين. فمجرد ما يلتقط معلومة يقرأها عرضاً في القران وكذا، يتأثر بها كثيراً ويدخل الإسلام. وهذا في نماذج كثيرة دخلوا الإسلام بسبب هذا.
هذا صحيح 100%. وهذا اللي يعني يقودنا لـ فكرة أننا ندعو الأمة كلها لتدبر القران. لماذا؟ لأن العقول مختلفة، والقدرات مختلفة. والقران كتاب شامل. ما فيه مجال من مجالات الحياة إلا وتحدث عنه. لذلك أنت لا تستطيع أن تتدبر كل آيات القران. يعني مثلاً الآيات الكونية، كيف يستطيع واحد مثلي غير متخصص في الكونيات والطبيعيات أن يتدبرها؟ لكن لما يأتي شخص عالم فيزياء، أو يأتي.
شخص عالم كيمياء تجد لديه تدبرات عجيبة. صحيح. يعني أنا قرأت كتاباً لأحد الكيميائيين عندنا هنا في قطر، عالم في الكيمياء، شرح الآيات المتعلقة بالسماء. شرح يعني مبهر، عجيب. أنا والله يعني ما رأيت مثل هذا الشرح. يعني حتى كان يفصل في قضية جو السماء، لماذا قال جو السماء ولم يقل مسخرات في جو السماء، لم يقل في السماء. تكلم عن قضية الجو بتفصيل علمي. يعني فأنت حتى لما تدعو الناس لتدبر القرآن، كلٌ من تخصصه، كلٌ من الزاوية التي فتح الله عز وجل عليه فيها، سوف ترى أن كنوز القرآن تخرج للعلن. سبحان الله. ترى كنوز القرآن يراها المجتمع جميعاً. وهذه التي تبهر الناس. لأنك أنت إذا تعرفت على مضامين القرآن، سوف تزداد ثقة بالقرآن. ولذلك سبحان الله، دكتور، الله يقول: "كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته". صحيح. لعموم الناس، مسلمهم وكافرهم. صحيح. لأن أصلاً تدبر القرآن هو الشرط الحقيقي لرؤية الاتساق القرآني والانسجام القرآني. "أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا". فالذي لا يتدبر القرآن سيقع، سيرى أن القرآن فيه تعارضات وإلى كذا. لذلك التدبر صمام الأمان لرؤية الاتساق والانسجام القرآني. إذا القرآن يتفاعل مع المتفاعل، ولن يفهم مقاصد القرآن إلا من يتبنى قضاياه. صحيح. هذا موجه. وهذا موجه. وهناك أيضاً موجّهات أخرى كثيرة. منها قاعدة مهمة جداً في ضبط علاقتك بالقرآن أو في قدرتنا على تفعيل القرآن في واقعنا، وهي أن غياب اللفظ المعاصر لا يعني غياب الفكرة المعاصرة. يا سلام. يعني بعض الناس لما يدخل إلى القرآن يبحث عن الأفكار من بوابه ألفاظ معينة، فإذا لم يجدها ظن أن الأفكار التي تقف وراءها ليست موجودة في القرآن. أعتقد هذه أكبر إشكالية. أيوه. هذه مشكلة كبيرة. يعني مثلاً تسأله: هل القرآن تحدث عن أنماط المصلحة في العلاقات الدولية؟ يقول لك: لا، ما تكلم عنه. هو لم يبحث عن الفكرة، لكنه مرتبط باللفظ نفسه. هو لأن القرآن لم يستخدم "أنماط المصلحة"، اعتقد أن القرآن لم يتحدث عن أنماط المصلحة. أو مثلاً لو سألته: هل القرآن تحدث عن توازن القوة أو توازن الرعب أو توازن الرد؟ يقول: لا، القرآن ما تحدث عن هذه الأفكار. لماذا؟ لأنه ينتظر أن القرآن يستخدم هذه الألفاظ كي يدرك أن القرآن تكلم عن هذه الأفكار. لا، هذه ألفاظنا المعاصرة، ليس بالضرورة أن يستعملها القرآن. مثلاً: هل القرآن تحدث عن التفكير الرغبوي؟ نعم، تحدث عنه. هل تحدث عن الأنماط التفكير؟ نعم. هل تحدث عن أنماط الشخصية؟ نعم. كثير من الأفكار نعتقد أن القرآن لم يتحدث عنها لأننا ننتظر أنه يستعمل ألفاظاً نعرفها ونعتقد أنه لن يعبر عنها إلا بهذه الألفاظ. يعني أنا أذكر المفكر الإيراني عبد الكريم سروش يقول: القران لم يتحدث عن السلطة. كيف؟ القران لم يتحدث عن السلطة. إذا كنت تقصد اللفظ، نعم، هو لم يتحدث عن السلطة. بس كونه لم يتحدث عن اللفظ لا يعني أنه لم يتحدث عن الفكرة. صح ولا لا؟ الله عز وجل لما يقول عن داوود عليه السلام: "وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب". شددنا ملكه، هذه فكرة متعلقة بالسلطة. صح ولا لا؟ "وأمرهم شورى بينهم". هذه أيضاً متعلقة بالسلطة. كل الآيات المتعلقة بالحرب والسلم، الآيات المتعلقة بداوود عليه السلام، الآيات المتعلقة "وما أمر فرعون برشيد". هنا يتكلم عن سلطته، كيف أدار السلطة. أمر. فالقرآن يتحدث عن السلطة بألفاظ مختلفة. وهنا نقطة أيضاً مهمة، أن القرآن أحياناً يتحدث عن أفكار بألفاظ لم نعتدها. كيف؟ يعني مثلاً نحن معتدون على مفردة "المستبد" صح ولا لا؟ للتعبير عن الطغيان السياسي. لكن أنت لما تبحث في القرآن، هو لم يذكر كلمة المستبد. فممكن يخيل لشخص أنه لم يتحدث عن الاستبداد. هو صح ذكر الظواهر المستبدة، فرعون وغيره إلى آخره. لكن ما المصطلح الذي يوازي المستبد؟ فربما شخص يبحث يبحث لا يجد أن القرآن ذكر مستبد فيقول: القرآن لم يتعرض إلى هذا المفهوم. مع أنه من أخطر المفاهيم الاجتماعية. لأن كثير من المجتمعات انهارت بسبب الاستبداد. صحيح. فكيف القرآن الذي جاء هدى للناس وجاء يهدي للتي هي أقوم، ومع ذلك لم يتعرض إلى أخطر الظواهر الاجتماعية وهي الاستبداد السياسي من مصطلح معين؟ يعني. لكن الحقيقة أن القرآن تكلم. لديه مصطلح يوازي مصطلح المستبد وهو مصطلح "جبار". "إن فيها قوما جبارين". عرفت؟ "وما أنت عليهم بجبار". فذكر بالقرآن. فالجبار هو الذي يكره الناس على طاعته. يجبر الناس على طاعته. عرفت ولا لا؟ هذا يوازي المصطلح، مصطلح المستبد. فالشاهد أن إذا أردت أن تبحث أو أو أن تستخرج المعارف القرآنية. لحظة دكتور، لكن الجبار من أسماء الله الحسنى. أيوه. لأن الله عز وجل جبار. ما معنى جبار؟ أنه يلزم جميع الخلق بطاعته. اه. والله عز وجل يعني يسير الخلق كله وفقاً لقانونه. يعني مثلاً الشمس تتحرك وفقاً لقانون الله عز وجل، والقمر يتحرك وفقاً لقانون الله عز وجل، والهواء والماء وكل المخلوقات يتحركون بقانون الله عز وجل. الإنسان هو لا يموت بإذنه، وإن الله عز وجل لما يريدك أن تموت ستموت. صحيح. صح. ولما يريدك أن تمرض ستمرض، ولما يريدك أن أن تحيا ستحيا. وكل شيء بقانون الله عز وجل. لذلك هو جبار بمعنى يلزم جميع الخلق بطاعته. لكنه يقول: "لا إكراه في الدين". أيوه. هذه المساحة الوحيدة التي تركها. المساحة الوحيدة التي تركها أن الإنسان لديه الإرادة الإنسانية الحرة حتى يؤمن بقناعة. ليش؟ لأن الإنسان لو آمن مكرهاً لن يقوم باستحقاقات الدين. بمعنى الله عز وجل أرادنا أن نؤمن لأن هذا الدين لديه رسالة ليقوم الناس بالقسط. كيف سيقوم الناس بالقسط إذا كانوا غير مقتنعين به؟ لا يمكن. لذلك كل شخص يؤمن بالإكراه لا فائدة من إيمانه. صح ولا لا؟ لأنه بالعكس أنت تزيد منسوب النفاق في المجتمع. لكن الله عز وجل يريدك أن تؤمن بهذا الدين وتقتنع به، ثم بعد ذلك تبدأ بمشروع القيام بالقسط. "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط". هذا المشروع لا يمكن أن يشرع فيه الإنسان ويسهم فيه إلا إذا اقتنع فيه. والقناعة مكانها القلب. وبالتالي لا فائدة من الإكراه. لذلك قال: "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي". أصبح الناس يدركون ما هو الصح وما هو الخطأ. الآن الخيار لهم. لذلك ماذا قال الجن؟ قال: "إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به". فهو أول شيء إيمان واعٍ. عرفوا أولاً أنه يهدي إلى الرشد، ثم آمنوا به. وليس إيماناً أعمى كما تقول المسيحية. وإنما هو إيمان إيمان واعٍ. "يهدي إلى الرشد فآمنا به". إذاً غياب اللفظ المعاصر لا يشترط غياب الفكرة المعاصرة في القرآن. أيوه. لأن الناس مثل ما ذكرت لك ينظرون إلى الألفاظ أحياناً كأنها نظارات. يعني إذا نزعتها ما يشوفون أي شيء. عرفت؟ وهذه مشكلة تحرمك من من المعرفة القرآنية. لا تستطيع أن ترى المعارف القرآنية السياسية والاقتصادية والمعرفية والتربوية والاجتماعية وحتى الإدارية. كل هذه المعارف أنت لا تراها في القرآن لأنك تنتظر القرآن يستخدم ألفاظاً معينة. تعتقد أنه لا يتناول الأفكار إلا من خلالها. أم. هذه القاعدة إذا ما تترسخ في ذهنك، النتيجة أنك لن ترى المعارف القرآنية. إذاً إلى الآن عندنا: القرآن كتاب وعي لكتاب معلومات. القرآن يقدم نماذج لأشخاص. القران يتفاعل مع المتفاعل، يفهم مقاصده من تبنى قضاياه. صحيح. وغياب الفكرة المعاصرة لا غياب اللفظ المعاصر لا يعني بالضرورة غياب الفكرة المعاصرة. صحيح. هذه قواعد تعيننا على تفعيل القرآن في واقعنا المحاصر. لكن هنا نقطة مهمة وهي أن التفعيل السليم يجب أن يكون مسبوقاً بفهم سليم. لأن إذا لم يكن الفهم سليماً، فسيختل التفعيل. وكيف يتحقق الفهم السليم للقرآن؟ يتحقق الفهم السليم من خلال يعني اتباع القواعد التي تضبط فهمنا للقرآن. يعني الله عز وجل مثلاً تحدث عن المنهج الاقتسامي. المنهج الاقتسامي هذا الذي معظمنا واقع فيه من حيث يشعر أو من حيث لا يشعر. ما معنى اقتسم؟ "كما أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين". يقسمون القرآن، يتعاملون معه بتعضيه، يعني بتجزئة. فهو يأخذ آية ويترك آية أخرى لا تخدمه، أو يأخذ آية ويترك السياق الذي يوضحها. أضرب لك أمثلة. الله عز وجل مثلاً يقول: "لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون". يأتي ملحد هنا ويقول: خلاص، إذا المسألة محسومة، إذاً لماذا الله عز وجل يطالبنا بالإيمان؟ "لقد حق القول على أكثرنا". ما ما يحتاج. لا يجب أن تقرأها وفقاً لآية أخرى. الله عز وجل يقول: "سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق". إذاً الصنف الذين حق عليهم القول هم الصنف المتكبرون على الحق. فإذا المشكلة بدأت من عندك أنت الذي تكبرت عن الحق، فنتج عن ذلك أن صرف الله عز وجل قلبك عن الحقيقة. أو مثلاً: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم". كم يستدل بها أولئك الذين لا يريدون أن ينغص عليهم أحداً. خلي الناس خليهم الناس. لا تنكر على أحد، لا تتكلم على أحد، عليك نفسك. أنت. أمر منتشر جداً. أيوه. لكنه لا ينظر إلى الآيات الأخرى التي توضح المقصود، كقوله تعالى: "يعني الآيات كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن يبلغون رسالات ربهم ويخشون". أيوه. بل إن القرآن لم يأمرنا فقط بإنكار المنكر، وإنما أيضاً على عدم إنكار المنكر. "كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون". فإذا "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم". هذه نفهمها أنها بعدما تؤدي الواجب، واجب الدعوة إلى الله عز وجل، ثم لم يستجيبوا، أنت لست مسؤولاً عنهم. تستفرغ الجهد والـ... أيوه. أنت خلاص عليك نفسك بعد ذلك. لا يضرك من ضل. أو مثلاً: يأتي من يستدل بقوله تعالى: "وأنذر عشيرتك الأقربين" على أن الإسلام خاص خاص بالعرب وأنه دين موجه للعرب تحديداً، أو حتى للقريش على وجه الخصوص. لكن يترك الآيات الأخرى التي تبين عالمية القرآن "ليكون للعالمين نذيرا". "إن هو إلا ذكرى للعالمين". هذه كلها يتجاهلها. كأنه لا يراها. لأنه يريد أن يضخم مثلاً دور العرب أو شيء من هذا القبيل. وأحياناً الإنسان يفعلها عن غير قصد. لكن الشاهد أن فخ الاقتسام نقع فيه كثيراً. وليس فقط هذا النمط الوحيد من الاقتسام. أنك تأخذ آية وتترك آية أخرى. في صورة أخرى أحياناً يكون الأمر متعلقاً بالسياق. أنك تأخذ الآية وتترك الآيات التي قبلها والآيات التي بعدها. ما يسمى السباق واللحاق. هذا مهم في إيضاح معنى الآية. يعني مثلاً: "واقتلوهم حيث ثقفتموهم". يأخذها كنص مستقل لا يدري ما قبلها ولا يدري ما بعدها. آية. الآية التي قبلها ماذا تقول؟ "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا". هذه لا يعرفها. يعرف فقط "واقتلوهم حيث ثقفتموهم". حتى يعطي تصوراً أن القرآن يدعو إلى قتال مفتوح. أيوه. وكم عبثوا بوعي غير المسلمين وبعض المسلمين حتى من بوابه الاقتصاص هذا. فإذا "انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم". كذا كانها إعلان مفتوح. طيب الآية التي قبلها إيش هي؟ ما يعرف. سبحان. الآيات التي بعدها إيش هي؟ ما يعرف. تمام. بعدها تجد آيات توضح تقول: "ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدوكم أول مرة". كل هذه الآيات لا يعرفها. أو قد يعرفها ويتعمد ذلك. أو قد. أنا رأيت نعم. رأيت خاصة مثلاً يعني خصوم الإسلام وبعض الغربيين. أنا رأيت أن حتى في الترجمة يقتطع الآيات من سياقها ويروجها. لأن إذا اقتطعها تصبح فعلاً تدل على معنى مشكل. صحيح. لكن لما تردها إلى سياقها سيتضح. وهذا من أكثر يعني المزالق التي نقع فيها. وأحياناً لا يكون الاقتطاع من سياق حتى الآية نفسها يقتطعونها. يعني لا يكمل الآية. مثل: "وليس الذكر كالأنثى". هذه يأخذها فقط ويعني ينظر لها على أنها إعلان صريح لازدراء المرأة. وهو نفسه لا يعرف هذه العبارة من قالها؟ هل هي منسوبة لله عز وجل أم منسوبة لأم مريم؟ ولماذا قالها؟ وتكملة الآية ما هي؟ ولا سياقه ولا هم يحزنون. شوف أعطيك مثال آخر على اقتطاع من الآية نفسها دون إكمال الآية. يعني يأخذ جزء من الآية ويترك البقية. قول الله عز وجل: "اقرأ باسم ربك الذي خلق". كلمة "اقرأ" انتزعت في العصر الحديث من سياقها. يعني تعاملوا معها كأنها فعل متعلق بالقراءة المعاصرة التي نراها. ولذلك شاع تعبير: "نحن أمة اقرأ". نحن أمة اقرأ. لا، نحن لسنا أمة اقرأ. الأمم الأخرى أيضاً تقرأ. بل إن بعض الأمم قد تقرأ أكثر منا. عرفت؟ لكننا نحن أمة "اقرأ باسم ربك الذي خلق". الله أكبر. نحن أمة القراءة الربانية. نحن أمة أمة القراءة التي تربط المخلوق بالخالق ولا تنظر للأمور بمعزل عن الخالق الذي أنشأ الخلق. عرفت؟ لذلك لما اقتطعنا الآن تحت الضغط الحداثي في العصر الحالي وأصبحنا ننظر للمفاهيم القرآنية بنظرة مادية، نظرنا إلى القراءة كفعل مادي. فعل مادي صرف. وعظمنا وضخمنا موضوع القراءة بدون ما نكمل الآية: "اقرأ باسم ربك الذي خلق". لا، القراءة وحدها لا تكفي ولا تغني. يجب أن تكون مرتبطة بـ "باسم اسم ربك الذي خلق". لذلك مثلاً أنا لما أقرأ الظواهر الكونية، لما أقرأ الظواهر الإنسانية والاجتماعية، يجب أن تكون قراءتي لهذه امتداداً لقراءتي للوحي. الله أكبر. فأنا مثلاً أنظر مثلاً لظاهرة المنافقين بناء على ما قرره الوحي، وليس بناء على التحليلات والنماذج التفسيرية الشائعة. أو مثلاً أقرأ ظاهرة التنافس المادي في الاجتماع الإنساني ليس من خلال النموذج التفسيري الرأسمالي، وليس من خلال النموذج التفسيري الماركسي لظاهرة التنافس المادي، وإنما من خلال سورة التكاثر. لأن سورة التكاثر تزودني بالوعي. نرجع هنا لمسألة الوعي التي ذكرناها في البداية. تزودني بالوعي الذي يجعلني أفهم هذه الظاهرة وكيفية حلها. يعني بالمناسبة، سورة التكاثر تعرضت لمشكلة التنافس المادي وحلتها في هذه الفقرة الصغيرة التي تسمى سورة التكاثر. المشكلة والحل كامل. نموذج متكامل في في المعالجة والحل. فهنا أنا أقرأ صح، لكن "باسم ربي الذي خلق". فقراءتي مرتبطة دائماً بالخالق الذي يهدي. كما قال إبراهيم الخليل: "الذي خلقني فهو يهدين". أنا الله عز وجل خلق هذا الكون، إذاً هو الذي يهدي هذا الكون. فأنظر إلى كل شيء بمنظور الوحي. هذه القراءة الآن لما مزقناها في العصر الحالي وجعلنا الأمر فقط مرتبطاً بـ "أمة اقرأ" بمعزل عن الارتباط الرباني، أصبحنا نفسرها تفسيراً مادياً. وهذا كله يرجعنا إلى يرجعنا إلى مشكلة الاقتسام. أننا نقتسم القرآن ونتعامل معه كأعضاء مجزأة ولا نربط آيات الله عز وجل بعضها إلى مستوى أن الآية نفسها نقسمها. نحن لسنا أمة اقرأ. نحن أمة "اقرأ باسم ربك". جميل العبارة. طيب الله يبارك فيك دكتور. هل من ثم قواعد أخرى في متعلقة بالفهم الصحيح؟ والله أنا قلت لك يا أستاذ فداء أنها يعني القواعد والموجهات في هذا الموضوع كثيرة جداً. يعني منها الانتباه لأسماء سور القرآن، لأن هذه تغذي فهمك للقرآن. منها الانتباه لموضوعات القرآن. وهذه موضوعات يعني الناس عادة يتتبعون الآيات يحاول يفهم كل آية بنفسها، لكن لا ينظر إلى موضوع الصورة. موضوع الصورة مهم جداً في فهم كثير من الظواهر التي تجدها داخل السورة. ماذا تعني بموضوع الصورة؟ يعني مثلاً سورة الحجرات لها موضوع، سورة البقرة لها موضوع، سورة آل عمران لها موضوع. كل سورة لها موضوع أساسي. هذا الموضوع يجب أن تفهم الآيات من خلاله. وأنت أحياناً، أعطيك مثال. الله عز وجل يكرر كثيراً من القصص. أم. أنت لا يمكن أن تفهم المقصد من التكرار إذا لم تفهم السياق الذي جاء فيه جاءت فيه القصة. يعني مثلاً الله عز وجل كرر قصة إبليس. اه. صحيح. لكن هذا التكرار ليس على وجه التماثل، وإنما كل مرة يكرر هناك زاوية أخرى مرتبطة بموضوع الصورة. هناك وعي مختلف. طبعاً. هناك زاوية يريد أن يلفت نظرك إليها. هذه الزاوية مرتبطة بموضوع الصورة. يا سلام. يعني شوف مثلاً لما جاء بقصة قصة إبليس في البقرة، ما توسع مع الشيطان. فقط آية واحدة. لكن توسع مع الملائكة. حوار الملائكة لم يتكرر. صحيح. لكن إبليس تكرر. تمام. ولا لا؟ لماذا؟ لأن سورة البقرة هي تتحدث عن التكليف، وتتحدث عن أهم قضية في التكليف وهي التسليم لله عز وجل. تمام. منذ البداية. حتى أن أن فكرة التسليم فكرة أساسية في سورة البقرة. لما قال: "هدى للمتقين". أول صفة ما هي؟ "الذين يؤمنون بالغيب". الذين يؤمنون بالغيب. نحن لا نقف عند هذه الآية. معناه تبدو غريبة. المفروض يعني أو المتوقع أن يقال: الذين يؤمنون بالله. أم. عرفت؟ الذين يؤمنون بالله. على فكرة لم تتكرر. لا توجد آية أخرى تتكلم عن "يؤمنون بالغيب" كخاصية من خصائص المؤمن. هنا فقط. لأن الغيب هو ما لا يعرف. المجهول. تمام. "ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب". يعني من حيث لا يعرف. تمام. فانت الآن أحياناً الله عز وجل يعطيك تكليفاً وأنت لا تعرف ما هو المقصد، لكن يجب أن تسلم. ولذلك سورة البقرة تعالج هذه القضية، قضية التسليم. في مثال البعوضة. "فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم". خلاص. من الذي ضرب مثال البعوضة؟ الله عز وجل. إذاً انتهى الموضوع. "وأما الذين كفروا فيقولون ماذا ماذا أراد الله به؟". لا، ما اقتنعنا. نحتاج أن نقتنع. فهنا مشكلة التسليم. يجي عند موضوع خلق: "إني جاعل في الأرض خليفة". الملائكة سلمت. إبليس ما سلم. فهو بس ناقش هذه القضية من باب من باب التسليم. لما راح في سورة صاد، لا توسع مع حجج الشيطان. لماذا؟ لأن سورة سورة صاد تتعرض لحجج الكافرين. هذا موضوعها الأساسي. لذلك في البداية: "بل الذين كفروا في عزة وشقاق". عناد. لديهم حجج. ها. بس حجج باطلة كلها. فهنا في هذا السياق ناسب أن يتوسع مع الشيطان. لم يناسب أن يتوسع مع الشيطان في سورة البقرة. ولذلك لما تمشي مع سورة البقرة بعد ذلك، "بني إسرائيل". جاء في قضية التسليم. والتسمية في البقرة لأنها متعلقة أيضاً بالتسليم. ما سلمهم من البداية لما أمرهم بأن يذبحوا بقرة. بعدين كل الأمور تجدها تعود إلى فكرة التسليم. لما قال الله: "طالوت إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني". إلا من اغترف غرفة بيده. ليش؟ إيش الحكمه؟ التسليم. تتعلم أن تسلم. يعني كان يقدر يسمح لك غرفتين ثلاثة أربعة. بس هنا يريد أن يربيك على التسليم للتكليف. اللي هو موضوع سورة البقرة. اللي هو موضوع سورة البقرة. لذلك لما تفهم هذا الموضوع تعرف لماذا تناول قصة إبليس بهذا المستوى، ولماذا تناول قصة بني إسرائيل بهذه الطريقة، ولماذا ذكر البقرة. تفهم هذه المعطيات. نفس الشيء لما تأتي عند سورة الرعد. مثلاً. سورة الرعد موضوعها يدور على فكرة: لماذا لا تكون هناك معجزة حسية؟ هذا السؤال حاول المشركون أن يشغبوا على النبي عليه السلام وأن يكرروا عليه هذه الفكرة. أن لا، أنت تريد أن تقنعنا أنك نبي، خليك مثل الأنبياء السابقين. موسى عند عصا، عيسى كان يحيي الموتى إلى آخره. أين معجزاتك الحسية؟ تمام. ويبدو أن النبي عليه السلام كان يتشوف إلى وجود مثل هذه المعجزات الحسية. تمام. لكن الله عز وجل قال: "لكل أجل كتاب". بعض المفسرين والعلماء قالوا: هي المفترض أن تكون لكل كتاب أجل. يعني الكتاب مثلاً التوراة له أجل إلى مجيء الإنجيل، ثم انتهى. والإنجيل إلى مجيء القرآن، ثم انتهى. والقرآن يستمر إلى يوم القيامة، ثم ينتهي. لا، لكن الله عز وجل قال: "لكل أجل كتاب". يعني لكل زمن حكم مختلف. الكتاب يأتي بمعنى أحياناً الحكم. "كتاباً موقوتاً". يعني حكم مؤقت. فبالتالي هنا يقول: إذا جئت لكم بمعجزة حسية قد تقتنعون وتنبهرون، لكن بعد ذلك الأجيال الأخرى من يقنعها؟ وهي معجزة خاتمة. لابد أن تكون معجزة خاتمة. وحتى تكون معجزة خاتمة تستمر إلى يوم القيامة، يجب أن تستمر في حالة الإدهاش والإبهار. وهذا لا يمكن إلا أن تكون معجزة عقلية. لذلك اسم الصورة ما هو؟ سورة الرعد. الرعد إيش فكرته؟ صوت قوي يدعو إلى الإبهار، لكنه يستمر ثواني قليلة. سبحان الله. ثم ينتهي. لا يستمر. ليس له أثر. فالمعجزة الحسية نعم ستبهركم ويكون صوتها عالياً، لكن لن يكون لها أثر. أما القرآن فالى اليوم نعيش حالة تراكم من الإبهارات لا يتخيلها الإنسان. لا إله إلا الله. وهذه من الآن لما تتعرف على موضوع الصورة. نفس الشيء لما تجي عند سورة الحجرات. سورة الحجرات لها موضوع كامل. أنا ذكرتها قبل قليل، بس يمكن ما توسعنا في موضوع أسماء الصورة. اسمها سورة الحجرات. صح؟ ما معنى الحجرات؟ الحجرات واحدها حجرة. غرف. أيوه. الأرض المحجورة بسور. تمام. نعم. وهذا السور يهدف أن يحميك في غرفتك. صح ولا لا؟ أو في حجرتك. الآن سورة الحجرات كلها تتحدث عن القواعد التي تشكل سورا تحمل المجتمع. عجيب. أيوه. منذ البداية: "لا تقدموا بين يدي الله ورسوله". أهم شيء المرجعية. شوف. ضبط لك هنا البوصلة. لأنه هو سيذكر في سورة الحجرات مثل ما ذكرنا قبل قليل القواعد الاجتماعية. لكن ما فائدة القواعد الاجتماعية بدون مرجعية اجتماعية؟ يعني هذه القواعد الاجتماعية ما هو الضابط فيها؟ ما هي مرجعيتها؟ لابد من مرجعية راشدة. لا يمكن أن تبني مجتمعاً راشداً بدون مرجعية راشدة. لذلك "لا تقدموا بين يدي الله ورسوله". من يقدم على الله ورسوله على على القرآن والسنة مرجعية أخرى لن تنضبط عنده البوصلة في صناعة القواعد والقوانين الحاكمة للمجتمع. أول خطوة هو ضبط المرجعية. شوف هذا المنهج العظيم. ضبط لك أولاً البوصلة. ثم بعد ذلك انتقل إلى ما بعدها من القواعد. الله. هذا منهج متكامل. انظر مثلاً في نظرية المعرفة. لما تقرأ في الأدبيات الغربية، تجدهم توسعوا جداً في حديث نظرية المعرفة. ابتداءً من فرانسيس بيكون وديفيد هيوم وديكارت وباروخ سبينوزا. يعني الفلاسفة الكبار. مونتسكيو غيرها إلى آخره. لكن لما تنتقل من هذا الحقل، حتى لو انتقلت إلى علماء الإسلام سابقاً مثل أبي حامد الغزالي وابن رشد وغيره. إذا قرأت لهؤلاء ثم انتقلت إلى سورة النحل، ستجد منطق مختلف. منهج مختلف. هذه الكتابات المتعلقة بنظرية المعرفة تفتح لك ملفات كثيرة. صحيح. وتوسع مداركك وتوسع عقلك في النظر وزوايا مختلفة. لكن لا تقدم لك إجابات مريحة. لا تقدم لك إجابات مرضية. وإنما هي آفاق مفتوحة. لكن لا تعرف أين تنتهي. لما تذهب إلى سورة النحل، توضح لك بوضوح ما هي مصادر المعرفة، ما هي طبيعة المعرفة، ما هي حدود المعرفة، ما هي عوائق المعرفة، ما هي وسائل المعرفة، ما هي غايات المعرفة. بس شوف أنت موضوع عوائق المعرفة. هذا المبحث لا يأخذ أهمية كبيرة عند الفلاسفة. لكنه جوهري في القرآن. لأن أحياناً المعرفة تكون واضحة، بس المشكلة في العوائق. لذلك يفصل في العوائق. القرآن هنا يقدم المعرفة بطريقة مختلفة شوي عن الفلاسفة. ليش؟ يقول إن القرآن يحدثنا عن المعرفة أن حركة المعرفة منسجمة مع حركة النفس. لا يمكن أن تفصل بينهما. إذا أردت أن تفهم كيف تتحرك المعرفة في عقل الإنسان، يجب أن تفهم كيف تتحرك حركة النفس. لذلك هو يجمع بينهما. يتكلم عن المعرفة ويذكرك العوائق النفسية المتعلقة بها. لذلك الفصل بين المعرفة النفسية والمعارف الأخرى الاجتماعية، التربوية، وإلى آخره. هذا فصل متكلف نعيشه في الجامعات اليوم. يقول لك: علم النفس، علم الاجتماع، علم التربية. هذه لا يمكن أن نفصلها. لأنها كلها يجب أن تنطلق من فهم الإنسان. وحدة التحليل، وحدة البحث والدراسة هو الإنسان. والإنسان أساسه في الجانب النفسي. يعني كل التصرفات التي تراها للإنسان تعود إلى جانبه النفسي. سواء في السياسة، في الاقتصاد، في الاجتماع، في غيرها من المجالات. هذه انعكاسات لتحيزات الإنسان النفسية ولقناعاته النفسية. حتى لو في السياسة. يعني أنت اليوم تشوف ترامب في تعامله مع الـ هو يعتمد على الجانب النفسي. أم. كل القضية معتمدة على الجانب النفسي. يجي بتهديد عالٍ. ينظر ردة فعل صانع القرار الآخر. هل ارتبكت نفسه؟ هل مثلاً يجي على الأوربيين يقول: أنا سأفرض عليكم 200% رسوم في الجمارك. ثم ينظر بعدين يقول: خلاص 100% 100%. ممكن يكون الحين أهون صار. تمام. فهو دائماً يعطي تهديدات عالية حتى يربك نفسية صانع القرار. ثم بعد ذلك ينزل معه أقل. لكن اللي صاحب الصلابة النفسية لا يتأثر. هنا بعدين ترامب ينسجم معه في في المقام. لكن هو يعتمد هذا كثيراً. وهذا نفس الشيء يتعاملون مع التجار. لما تدخل أول شيء يعطيك سعر عالٍ. مثلاً السلعة أصلاً بـ 20 ريال. تدخل يقول لك 100 ريال. لا كيف 100 ريال؟ يقول لك خلاص خلاص 70. لا. أنت تقول لها 60. يقول لك خلاص 60. وهي بـ 20 ريال. بس لعب بنفسيتك شوي. القران دائماً ينطلق أكثر فكرة يركز فيها الجانب النفسي. لأن إذا ضمن أن لديك صلابة نفسية، سواء كنت صانع قرار سياسي في العلاقات الدولية.
سوف يختلف سلوكك، سواء كنت إنسانًا عاديًا تتعامل في البيع والشراء، سيختلف سلوكك. سواء كنت رب أسرة، سيختلف سلوكك. المسألة كلها متعلقة بالنفس الإنسانية. لذلك، أنت تكون لديك بوصلة واضحة.
هذا علاوة على أنه طبعًا، لما نقول إن القرآن يركز في الجانب الجانب النفسي، لا يعني أنه لا يركز أيضًا في بناء الوعي المعرفي والعقلي. نثر قواعد كثير لضبط صناعة الوعي المعرفي. مثلًا، القرآن ماذا يقول؟ "وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى". شوف العبارة، دعوة كبيرة. لن يدخل الجنة إلا إذا كان يهوديًا أو نصرانيًا. ماذا قال القرآن؟ "تلك أمانيهم". هذه رغبات، رغبات ليست حقائق. ليش؟ كمل الآية: "قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين". تريدون أن تتحول هذه الرغبات إلى حقائق؟ هناك معيار بسيط حققوه: "قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين". هذا يفصل الآن بين التفكير الرغبوي والتفكير الحقيقي. علمني الآن القرآن هذا الأمر. إذا كانت قناعاتك مبنية على رغبات، فأنت عندك تفكير رغبوي لا قيمة له، أماني. إذا أردت أن تنتقل إلى تفكير حقيقي، يجب أن تبنيه على معطيات حقيقية، على أدلة وبراهين. التفكير البرهاني بالتعبير القرآني.
لذلك، هذا ينفعنا مثلًا حتى في أكثر ما ينفعنا في التحليل السياسي. تجد الناس يقول لك: والله هذه الدولة ستنهار، وهذه الدولة سوف تهزم، وهذه الدولة سوف تنتصر. تقول: عندك معطيات؟ عندك أدلة؟ يعني أنت متابع عندك تتابع سباق التسلح بين هذه الدول؟ إلى لا، والله بس رغباتها. أي هذه الدولة خلاص، منهارة، منهارة. أصلًا التحاليل تتشيع وتنتشر بين الناس اللي توافق رغباتهم وأمانيهم. تحاليل رغبوية. تحاليل رغبوية أنها تعتمد على رغبات الإنسان. لكن أنت الآن لما تنطلق من القرآن، سوف تدرك أنها هذه لا تستقيم لأنها تفكير رغبوي، والقرآن يريد أن تبني تفكيرًا برهانيًا.
انظر مثلًا إلى آية: "بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه". هذه قاعدة معرفية فيه أن الإنسان يميل إلى تكذيب ما لم يعتد عليه. عرفت؟ أنا ما شفت هذا من قبل، إذا هذا غير صحيح. لذلك شوف مثلًا بعض الناس الذين كانوا ينكرون روايات وأحاديث كثيرة لأنها في اعتقادهم لم يعرفوها. الحسن البصري يتكلم عن أبواب الجنة يقول: إن أبواب الجنة إذا قلت لها افتحي تفتحي. الآن من يقرأ هذا الكلام يقول لك: يا أخي كيف هذا مستحيل؟ كيف يقول الباب افتح يفتح؟ اليوم أنت تقول الجهاز يؤلف لك كتابًا يؤلف لك كتابًا. عرفت؟ لما تطورت التكنولوجيا، مش بس يقول لك يفتح الباب، صح ولا لا؟ فأحيانًا كثيرًا بعض الآيات المتعلقة بالجنة والنار كانوا يكذبون يقول لك: مستحيل. لما تطورت التكنولوجيا، اكتشفنا أن التواصل سهل هذا جدًا. يعني عرفت؟ مثلًا يقول: كيف يخاطب أهل النار أهل الجنة؟ مثلًا وهم وين وهذول وين؟ مثلًا. الآن تبين أن مشكلة التواصل ليست مشكلة أصلًا. الاتصال، أنت ممكن تكون في آخر الدنيا وأنا في أولها، ومع ذلك نتواصل. صحيح؟ صح ولا لا؟ مرئيًا أيضًا، ليس فقط بالصوت. فكثير من الأشياء كانوا يكذبون بها لأنهم لم يعرفوها. سبحان الله. فالقرآن يرشدك إلى بناء وعيك.
انظر مثلًا إلى قوله تعالى: "وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرًا ما سبقونا إليه". وإذ لم يهتدوا به فسيقولون: "هذا إفك قديم". يعني لأنهم لم يؤمنوا به، ذهبوا ويعيبونه. الإنسان يميل إلى عيابه ما لا يستطيعه. وهذا يعني فاشل ومنتشر بين الناس عمومًا. وتوماس كون تكلم عن هذه الفكرة في كتابه "بنية الثورة العلمية". قال: إنسان مثلًا أنت متخصص في الكيمياء، تأتي بنظرية جديدة، أول من يكذبك زملاؤك لأنهم هم وصلوا إليها. عرفت؟ فيبدؤون بتكذيبك. لكن العبرة بالجيل الثاني لأنه لا يشعر بهذا الأمر بهذا التنافس. فهو الآن القرآن يعبر عن هذه الحقيقة أنك لا يغرك تكذيب هؤلاء. لأن هؤلاء الآن بما أنهم شافوا مثلًا الفقراء وغيرهم هم الذين سبقوهم بالإيمان، قالوا خلاص إذا. "وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم". قديم. فالشاهد أن القرآن لما تتبع مضامينه تجد أشياء تبهرك. يعني أنا أتحدى أن تأتي لي بكتاب يحلل شخصية المنافق مثل القرآن. أنا لا أعرف كتابًا في التاريخ كله يعني حلل شخصية المنافق وفكك دوافع المنافق، الدوافع المادية والدوافع النفسية مثل القرآن. ولذلك أنت أحيانًا لما تسمع حجج المنافقين، لما ترى أفعالهم وسلوكياتهم، هي نفسها نفسها التي أشار إليها القرآن. لا يوجد جديد. عرفت ولا لا؟ فهذا المعارف لما تتعرف عليها، تتعرف على محتوى القرآن ومضامينه، وتكون أقرب إليه، وتدخل إلى عالم القرآن، سوف تنشأ لديك ثقة واسعة جدًا ومطلقة بالقرآن العظيم.
إذا نسترد الثقة، بأولًا الثقة في المنزل، في الله سبحانه وتعالى، ثم في المضمون. صحيح. مضامين الكتاب. صحيح. بس دكتور، ربما في جانب آخر له علاقة بالثقة، وهي أحيانًا قد لا تكون فعلًا أزمة الثقة بقدر ما هي كسل معرفي. يعني إذا مثلًا أخبرت واحدًا بأني عنده مشكلة أو يريد نموذجًا تربويًا أو اقتصاديًا في المعين، فتقول فتعطيه القرآن. قد يجد الأمر يعني أسهل لو يأخذ كتابًا معينًا يجمع له من عدة مراجع. فليس بالضرورة أن يكون مثلًا عنده أزمة في الثقة في مضامين هذا القرآن أو في المنزل.
أيوه، عذر الكسل عذر صحيح. يعني لا ينكر هذا العذر. لكن هذا العذر ربما يصح مع الناس، مع جمهور الناس، مع عموم الناس الذين منشغلون بأرزاقهم وطلب المعيشة، لكن ليس لديهم وقت لتحصيل المعرفة. هؤلاء شيء طبيعي يقول لك: أنا أريد يعني كتابًا مختصرًا، ليس لدي وقت في البحث. هذا إذا تفهمنا أنه عذر في حقهم. لكن لا يمكن أن تفهم هذا العذر في حق الباحثين. أه. يعني أنت باحث، وهذا مجالك. ما عذرك أنك لم تبحث في القرآن؟ يعني أنت باحث متخصص في التربية، والقرآن بمئات الآيات تحدث عن القضايا التربوية وأبعادها النفسية وغيره إلى آخره. ما عذرك أنك لم تقرأ هذه الآيات؟ وما عذرك أنك لم تستثمر وتستهدي هذه الآيات في بناء المعرفة التربوية؟ أنت لا تقول لي: والله هذه علوم وليس لها علاقة. لا، غير صحيح. هذه المعارف، العلوم، ما يسمى العلوم الاجتماعية والإنسانية كلها تحتوي على قيم. في دراسات تعبر عن جانب موضوعي في في الوقائع الاجتماعية، لكن أيضًا فيها قيم. مثل ما قال ماكس فيبر: لا يخلو علم من قيم. هذه القيم من يصنعها؟ تصنعها عادة الأيديولوجيات. الآن الأيديولوجية المهيمنة والغالبة هي الأيديولوجيا الليبرالية. فلماذا لا تضيق درعًا بوجود الأيديولوجيات الأخرى؟ لكنك تضيق درعًا بوجود الإسلام. يعني أنت لما تصف ظاهرة، كيف تصفها؟ تصفها أيضًا بقيم معينة. لا يمكن أن تصف ظاهرة أو تفسرها إلا بناء على قيم معينة. وهذا لا ينفي الجانب الموضوعي من الدراسات. لكن الآن مثلًا أنت لما تتكلم عن النموذج التربوي في حل الخلافات الأسرية مثلًا، هنا القرآن تحدث عن هذا الأمر بشكل واسع. لماذا لم ترجع؟ أو مثلًا لما تتكلم عن المصالح والمعاهدات وإلى آخره، القرآن تكلم عن هذه القضايا السياسية بشكل واسع. فالشاهد أن كل باحث هو مهتم بموضوعات تخصصه، وهذه الموضوعات تطرق لها القرآن. عدم رجوع الباحثين للقرآن هو يدل على أزمة وجود أزمة لديهم في تصورهم تجاه القرآن. ما الذي منعهم من هذا الأمر؟ عرفت.
بس هي مجالكم. يعني هذا الذي أقصده بهذه الفكرة. صحيح. إذا هي أزمة ثقة وأزمة كسل. صحيح. في هناك من لديه مشكلة ثقة، وفي هناك من لديه مشكلة كسل. يعني وهذا مثل ما قلت لك، ليس كل نعم، وإنما جانب من الناس. لكن القضية الأخطر من هذا والمشكلة الأكبر في هذا الأمر هي مشكلة الصدق مع القرآن. قبل موضوع الثقة وقبل موضوع كذا، هل أنت في دخولك للقرآن صادق؟ لأننا نحن نفترض بأننا صادقون حينما ندخل القرآن.
ما الفرق بين الصدق والثقة؟ لا، الثقة بأن هو صادق مع القرآن، لكن هو لا يثق بأنه سيجد ما يريد. الصدق أنك تدخل إلى القرآن ولديك تحيزات مسبقة، ولديك قناعات سابقة، تريد تريد أن تبحث في القرآن عما يؤيد هذه القناعات. أه. وهذه نفعلها أحيانًا دون أن نشعر. تجرد من التحيز. أيوه. نبحث في القرآن عما نريده وليس عما يريده القرآن. أيوه. فمثلًا أنا عندي موقف سياسي معين، أريد أن أبحث في القرآن عما ينصر هذا الموقف. أو داخل في صراعات مذهبية ومناكفات أيديولوجية، فأريد ما ينصرني من القرآن. إلى الآيات الأخرى التي لا تخدمني، لا أتعرض لها. لن يسعفك ولن يفتح لك أبواب. أيوه. أو مثلًا يجيك واحد عنده تحيزات عنصرية. أي. بعض الناس مثلًا عنده تحيز قومي، فيبحث عن الآيات التي تنصر اتجاهه الأيديولوجي هذا. فهمت؟ أو مثلًا شخص لديه نظرة ازدراء للمرأة، أو العكس لديها نظرة ازدراء للرجل ودوره. عرفت؟ كل واحد يحاول أن يبحث عما يريده في القرآن. فهنا مهما كان، مهما قدمت، في النهاية لا يمكن أن تنتفع بالقرآن إذا لم تدخل إليه بقلب سليم. إذا لم تدخل وأنت صادق، تريد أن تستهدي بهذا القرآن، أن توقن يقينًا أنك تعيش في الظلمات، وأن الطريق الوحيد الذي يخرجك من هذه الظلمات إلى النور هو هذا الكتاب. لذلك لا يوجد طرف أنك لا تكون صادقًا معه. يجب أن تكون صادقًا حتى تخرج من هذه الظلمات. لذلك هذه الأرضية التأسيسية، إذا وجدت، بعد ذلك نتكلم عن كيف نتفاعل مع القرآن، كيف نفهم القرآن. هذه الأرضية الأساسية إذا فقدتها، كانك تكتب على الماء. مهما كتبت، لن يكون لها أثر. أو كانك مثل الشخص الذي يريد أن يزرع فوق الرصيف. تعرف؟ جايب رصيف وحاط البذرة فوقها ويسقيها بالماء. لو سقى إلى يوم السقي، عرفت، لن ينتفع بشيء ولن تنمو هذه الشجرة. لماذا؟ لأن الأرضية خاطئة. فأنت مهما كان علمك واسعًا، ومهما كانت معرفتك واسعة، في النهاية لن تنتفع بالقرآن إلا إذا أقبلت عليه بقلب صادق. الآية لخصت الموضوع تمامًا، موضوع الصدق مع مع القرآن. يقول الله عز وجل: "ولو علم الله فيهم خيرًا لأسْمَعَهُم". وبالتالي إذا علم الله فيك خيرًا، سوف يفتح لك أبواب القرآن. فإذا كان الخير قارا في قلبك وراسخًا، وأنت داخل إلى القرآن وأنت فعلًا تريد أن تعرف ما الذي يريده الله عز وجل منك، هنا ستجد أبواب القرآن تفتح لك. وإلا فستجدها مغلقة. كما قال الله عز وجل: "أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها". فالمشكلة تكون في الأقفال التي في قلوبنا.
طيب دكتور، حتى لا أنسى، نحن الآن على أبواب رمضان، شهر القرآن، الشهر الذي نقبل فيه جميعًا على كتاب الله. صحيح. نريد نصائح عملية للتعامل مع القرآن في هذا الشهر الكريم، حتى يكون تعاملنا معه مختلفًا ومميزًا عما سبقه من الشهور.
شوف، الإمام مالك رضي الله عنه، روي عنه أنه قال: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. طيب، إذا فكرنا ما الذي صلح به الأولون؟ هنا نتذكر كلام ابن مسعود رضي الله عنه لما قال: كنا يعني تكلم، تكلم عن ثقافة الصحابة رضوان الله عليهم. إذا تعلمنا العشر آيات، لا نتجاوزهن حتى نعلم ما فيهن ونعمل بهن. شوف، لا يتجاوزون العشر آيات حتى يعلمون بما فيها ويعملون. يعلمون ويعملون. نحن اليوم لا نفكر بالعلم ولا نفكر بالعمل. الفكرة كيف تختم؟ كيف تحفظ؟ كيف إلى آخره، دون أن نسير على منهج الصحابة رضوان الله عليهم في التعامل مع القرآن. وهو التعامل الذي لا ينبغي أن أن نتزحزح عنه، لأنه هو الذي يجعل علاقتنا بالقرآن علاقة وعي، علاقة دراية، علاقة تجسيد وتطبيق واستهداء. يعني أنت الآن تجد مسلمًا يختم منذ 20 سنة القرآن. تسأله: هل طوال الـ 20 سنة كانت هناك كلمة قرآنية لم تعرف معناها؟ تعلمت معناها؟ لا. هل هناك صورة كنت لا تعرف موضوعها؟ تعلمت موضوعها؟ لا. يعني 20 سنة وأنت تختم، لم تضف لرصيدك القرآني ولو مفردة واحدة. هذه مشكلة. عرفت؟ لذلك من المهم أن يكون رمضان القادم مختلفًا، وأن يشهد تحولًا مفصليًا في علاقتنا بالقرآن. كيف؟ يعني ضع في بالك في هذا الشهر، شهر رمضان القادم، أن تتعلم على الأقل عشر مفردات قرآنية. يعني أنت لما تختم القرآن، ستمر بك مفردات ربما لا تعقلها جيد. ضع في بالك أن تتعلم عشرًا منها. يعني أنت مررت بآية مثلًا: "إنما النسيء زيادة في الكفر". ما معنى النسيء؟ لا تعرف. تعلمها. "إنا أعطيناك الكوثر". ما معنى الكوثر؟ لا تعرفها. تعلمها. هكذا أنت تجمع مثلًا 10 مفردات هذه السنة. أي في السنة القادمة 10 مفردات التي بعدها. عشر مفردات بعد مثلًا 10 سنوات، ستكون لديك 100 مفردة قرآنية. هذه ثروة هائلة. بعد 20 سنة، 200 مفردة قرآنية. هذه ثروة هائلة أيضًا. لذلك تخيل أنت المسلمين جميعًا يقومون بهذه الطريقة، ستكون سيكون وعيهم القرآني عاليًا. يا سلام. ستكون ثقافتهم القرآن القرآني عالية. ضف إلى ذلك، لو أنهم تعرفوا على موضوعات الصور. بمعنى هذه هذا رمضان القادم، اختر صورة واحدة على الأقل. مثلًا صورة العنكبوت. قل: أنا أريد أن أعرف ما هو موضوعها. حاول أن تتعرف على موضوع هذه الصورة. يعني كل مجموعة آيات، ضع لها عنوانًا. ضع لها عنوانًا. ثم حاول أن ترى ما هو الرابط بين هذه العناوين. تصبح علاقتك مع سورة العنكبوت علاقة عضوية. سبحان الله. علاقة وعي ومعرفة. واختر من الصور الصغيرة على الأقل في جزء. مثلًا صورة معينة، أنت استخرج منها الفوائد. الفائدة الأولى منها كذا، الفائدة الثانية. وعبر عن هذه الفوائد بغير ألفاظ الصورة حتى تجبر نفسك على التعامل المعرفي مع الصورة. لأن بعض الناس يأخذ نفس ألفاظ الصورة ويجيبها. لا، ما استفاد شيء. أنت عبر عنها بأسلوبك، بألفاظك، حتى أعرف أنت فاهم ولا لا. فهمك الخاص. أيوه. فأنت مثلًا هذه السنة صارت لك علاقة مع سورة العنكبوت. السنة القادمة مع سورة النور. السنة التي بعدها مع سورة الرعد، سورة هود. فهكذا كل سنة أنت لا تختم القرآن فقط، وإنما تتقدم في معرفتك وعلاقتك مع القرآن وتزيد من رصيدك القرآني. فتكون هذه الختمة ختمة مختلفة أيضًا. من الأشياء التي ممكن أن تفعلها أن تجمع الموضوعات القرآنية. مثلًا القرآن تتكلم عن خصائص الشخصية المنافقة. اجعل مثلًا من واجباتك في هذا الشهر أن تجمع خصائص الشخصية المنافقة. اذهب إلى سورة المنافقون، شوف ماذا قال القرآن عن المنافقين. حط الخاصية الأولى كذا، الخاصية الثانية كذا، الخاصية الثالثة كذا. اذهب إلى سورة الفتح، ستجد بعض الخصائص. اذهب إلى سورة التوبة من آية 42 فما فوق، ستجد أنه يبدأ يتكلم عن بعض خصائص الشخصية المنافقة. فأنت الآن جمعت مثلًا 20 خاصية من خصائص المنافق. ماذا تفعل بعد ذلك؟ هنا الاستهداء. فكر: ما هي الخاصية من هذه الخصائص التي أنت مصاب بها؟ يا سلام. أو أحد من أهلك أو من أقربائك أو من أصدقائك مصاب بهذه الخاصية من خصائص الشخصية المنافقة. وتشتغل على نفسك في التخلص منها. أو العكس، ابحث عن خصائص الشخصية المؤمنة. يعني مثلًا في سورة المؤمنون ذكر بعض الخصائص. في سورة الفرقان في آخرها ذكر بعض خصائص الشخصية المؤمنة. اجمع هذه الخصائص. عرفت؟ ثم انظر ما هي هذه الخصائص التي لم تتوافر فيك. في خصائص في الشخصية المؤمنة غير موجودة فيك. يجب أن تشتغل حتى تتوافر فيك. وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا. طيب أنت إذا خاطبك الجاهلون، ما تقول سلامًا؟ تتهاوش معهم؟ تفتح يعني كل ما فتحوا لك باب دخلت فيه. فإذا عندك مشكلة أنت في خاصية من خصائص المؤمن غير مطبقة فيك، تبدأ وتشتغل في أن تكون هذه الخاصية موجودة فيك، بحيث رمضان القادم أنت متأكد أن هذه الخصائص قد توافرت فيك. يا سلام. هذا الأمر لو فعلناه، سوف تتغير علاقتنا مع القرآن تمامًا. وسوف تبدأ الأمة الإسلامية بالانتقال من علاقة شكلية بالقرآن إلى علاقة معرفية وعلاقة وعي بالقرآن. وليس ختمة فقط دون الوعي بمعاني القرآن. أنا لا أطالب بشيء كبير. هذا شيء صغير يستطيع الكل أن يفعله. العامي والعالم، كل أصناف المجتمع يستطيعون أن يتواصلوا مع القرآن. هذا التواصل المعرفي. جميل جدًا.
دكتور، الله يبارك فيك، إن شاء الله يكون شهرًا مختلفًا وبداية انطلاقة مختلفة في تعامله مع القرآن إن شاء الله.
طيب دكتور، هذه الدعوة لعموم الناس، لجميع الناس نحو القرآن، ألن تكون أيضًا دعوة لمن يعبث بالقرآن، زي شحرور مثلًا وأمثاله؟ ما هو الضابط لهذه المسألة؟
شوف، هنا قضية مهمة جدًا، وهي أن فتح باب التدبر أو إغلاق باب التدبر، هذا ليس من صلاحية أحد. هذه أوهام نحن نعيشها. نعتقد أننا إذا أغلقنا باب التدبر، الكل سيتوقف. لا. هؤلاء المبطلون الذين يريدون أن يعبثوا بالقرآن، هؤلاء لم ينتظروا بابًا بابًا يفتح أو بابًا يغلق. هؤلاء دخلوا في تدبر القرآن وعبثوا فيه وخرجوا. لكن من الذي أسهم في حضور هؤلاء وانتشارهم؟ هو أننا خوفنا الناس من تدبر القرآن. لو أن التدبر ثقافة عامة في الأمة الإسلامية، وكان هناك وعي قرآني، لما لما بقي هؤلاء العابثون. لأن هؤلاء لبرز لهمش طبعًا. لكان أقل متدبر للقرآن يستطيع أن يفك إشكالاتهم وشبهاتهم. لأن هؤلاء فعلًا يعبثون بالقرآن. يجي واحد مثلًا يعتمد على الاستقراء الناقص، يأتي مثلًا إلى مفردة في آيتين معينة ويقول لك: شوف، هي تعني كذا. لكن يترك الآية الثالثة لأنها تفسد عليه معناه. فيعبثون بمغالطات واضحة. لكن لأن الأمة الإسلامية خوفت من القرآن، ولا تقتربوا من القرآن، ولا تتدبروا القرآن، والقرآن فقط خاص للعلماء، وجد هؤلاء المبطلون مساحة واسعة للعبث والتلاعب في الأمة الإسلامية. وإلا لو كنا مقبلين على القرآن وكان لدينا وعي قرآني، لما تمكن هؤلاء المبطلون من العبث. لذلك هؤلاء لم يأتوا بسبب دعوة الدعوة إلى إلى تدبر القرآن، وإنما جاؤوا بسبب التحذير من القرآن. فهم الذين هؤلاء أجرموا في حق الأمة الإسلامية لما أخافوهم من القرآن. وجعلوا هؤلاء المبطلين الآن كم يتبعهم من شباب المسلمين؟ عشرات الآلاف. لديهم من الجمهور. هؤلاء كيف تبعوهم؟ مع أن مغالطاتهم سطحية وساذجة. لكن نحن لأننا أفكرنا الأمة في وعيها القرآني، فنتج عن هؤلاء أن هؤلاء استطاعوا أن يتلاعبوا بعقول الأمة الإسلامية. لذلك يجب أن ندرك أن تدبر، فتح باب التدبر، أو الدعوة إلى باب التدبر، هذا هو صمام الأمان عجيب لوعي الأمة الإسلامية. وهو الذي من خلاله سيقل منسوب العبث في القرآن. لأن الله عز وجل أشار إلى إلى ظاهرة العبث بالقرآن منذ البداية، منذ وقت تنزيله. لما قال الله عز وجل: "وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه". فظاهرة اللغو موجودة. "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب، وأخرى متشابهات. فأما الذين في قلوبهم زين فيتبعون ما تشابه منه". طيب، إذا في ناس تريد أن تعبث وتتبع ما تشابه منه، ماذا فعل القرآن؟ قال: يا جماعة، خلينا نغلق باب التدبر ولا أحد يتدبر القرآن؟ لا. قال: "أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها". وهذه دعوة كانت للمشركين أن يأتوا ويتدبروا القرآن. لأنهم لو تدبروا القرآن حقًا، لوجدوا الأمر منسجمًا ومتسقًا. لكنهم لا يتدبرون القرآن.
طيب، قد يقول قائل: الخطاب الإلهي هذا كان موجهًا للمشركين، لأنه كان عندهم مستوى معين من اللغة العربية، وبالتالي يسمع لهم أن يتبرر هذا. المبرر غير صحيح. غير صحيح. لأن العرب الآن أيضًا يدركون القرآن، لكن يدركون بمنسوب أقل بطبيعة الحال. يعني أنت الآن لو جئت بأي عربي، لو لم يدرس ولم يقرأ ولم يحزن، وتلوت عليه سورة العصر، سيعقلها أو لا يعقلها؟ لو تلوت عليه مثلًا سورة النصر أو سورة الحجرات أو سورة حتى سورة البقرة، سيدرك كثيرًا منها. صحيح؟ لماذا؟ لأنه عربي. الآن ما الفرق بينه وبين العربي السابق؟ لا، العربي السابق معرفته أكثر. بس عدم وصولي لمستوى العربي الأول لا يعني أني لا أفقه القرآن ولا أفهم القرآن. صح ولا لا؟ ولذلك أنت تجد الناس يتأثرون اليوم بالقرآن ويبكون خلف أئمة المساجد حينما مثلًا في القيام وإلى آخره. لماذا؟ لأنهم يعقلون القرآن. فكيف قلنا والله العرب فقط الأوائل هم الذين يفهمون القرآن؟ هذا كلام غير دقيق. الشيء الثاني، أن العربية وحدها لا تكفي لفهم القرآن فهمًا كاملاً. يعني مثلًا صحيح، المشركون كانت لديهم العربية، لكن هل كانوا يعرفون سياقات القرآن؟ هل كانوا يعرفون المثاني؟ هل كانوا يعرفون المحكم المتشابه؟ هل كانوا يعرفون قرائنه اللفظية والحالية؟ لا، لم يكونوا يعرفوا ذلك. يعني لو جئت أنت بأبي جهل وأنت تعال يا أبا جهل، أنا بقول لك مثلًا: "إنا أعطيناك الكوثر". ما معنى الكوثر؟ سيحار فيها. لأنها مفردة قرآنية. عرفت؟ لذلك تجد بعض الصحابة، بعض الصحابة استشكلوا بعض الآيات القرآنية. "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم". بعض الصحابة فهم الظلم هنا بمعنى اللغوي العام. فجاء النبي عليه السلام وأعادهم إلى المعهود القرآني. قال: لا، الظلم هنا المقصود به الشرك. "إن الشرك لظلم عظيم". شوف، هم عرب ومع ذلك احتاجوا أن يفهموا المعهود القرآني. لذلك لما قال مثلًا: "أفلا يتدبرون القرآن". تقول لي مثلًا: هذا الخطاب للمشركين وهم يعرفون العربية. صح، يعرفون العربية. بس ما يعرفون الشروط الأخرى. ومع ذلك دعاهم القرآن لتدبر القرآن. لأن مجرد دخولك لعالم القرآن، والبدء بتدبر القرآن، سوف يزيدك علمًا بالقرآن. وبالتالي تتطور. لكن أنت برا القرآن وتقول لي: والله أنا لازم أتعلم. لا، أنت ادخل إلى القرآن. العربية هي الشرط الأول. هذا الشرط الأساسي الذي يجب أن تدخل إلى القرآن من خلاله. لأنه بدون عربية ما راح تفهم القرآن. لذلك "بلسان عربي مبين". بعد أن تبدأ بالقرآن، س سوف تبدأ وتتعلم. لذلك التدبر هو شرط لتحصيل العلم القرآني وليس نتيجة له فقط. لا، أيضًا هو شرط. بمعنى أنت تريد أن تتعلم القرآن، يجب أن تتدبر. وليس أنت تتعلم بمعزل عن التدبر. وحين نتدبر القرآن، تكون لدينا ركيزتان: التثوير والتقويم. التثوير يعني نثور وور معاني القرآن. ثم بعد أن نستخرج المعاني، نقوم هذا التثوير وهذه المعاني التي وصلنا إليها. من يقوم هذا؟ يقومها العلماء. علماء القرآن. يعني لما نقول العلماء في السياق الشرعي، علماء الشريعة، منهم الأساس الذي لديه علم القرآن، ثم لديه العلوم الأخرى المختلفة. لكن شخص ليس لديه علم بالقرآن، لا يسمى عالمًا بالشريعة. حتى لو كان عالمًا في المجالات الأخرى، مثلًا هو عالم بأصول الفقه، أو عالم في الفقه، أو عالم في المقاصد، أو الحديث، غيره. هو عالم في هذه العلوم. لكن لا يسمى عالمًا بالشريعة إلا إذا أضاف إلى هذه العلوم العلم بالقرآن. لأن لا يمكن أن تكون عالمًا بالشريعة وأنت جاهل بالقرآن، أساس الشريعة. ثم جعلناك على شريعة من الأمر. عرفت؟ الشاطبي يقول: القرآن هو ينبوع الشريعة. فإذا كنت تجهل هذا الينبوع، كيف أسميك عالم شريعة؟ نعم، أنت تبقى فقيهًا، تبقى أصوليًا، تبقى محدثًا. لكن حتى أسميك عالم شريعة، يجب أن تضيف إلى ذلك العلم بالقرآن. وإلا ما يعقل. أنت مفردات القرآن، موضوعات القرآن، سياقات القرآن تجهلها، ثم أسميك عالم شريعة؟ لذلك هؤلاء العلماء الذين اعتنوا بالقرآن، والذين أنفقوا أعمارهم في البحث في القرآن، هؤلاء يجب أن نرجع إليهم لكي نقوم أفهامنا في فهم القرآن. هذه مساحة العلماء طبعًا. نرجع للعلماء في المساحة التي تحتاج إلى بيان وتوضيح. التفسير القرآني. أيوه. لذلك ابن عباس رضي الله عنه لما تكلم عن أنواع التفسير، ذكر النوع الأول هو الذي لا يقع جهله. يعني يعرفه جميع الناس. يعرفه جميع الناس. مثل ما ذكرت قبل قليل: "إذا جاء نصر الله والفتح، ورايت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا". يجي شخص عادي ليس لديه كل الشروط التي يتحدث عنها في في الدخول إلى القرآن، ويقول لك: والله هذه الصورة تعلمنا الافتقار عند الانتصار. الآن انتصرنا، فبدل ما نشعر بالافتخار والزهو، كيف نتعلم التواضع؟ فبالتالي أي قيمة، أي نعمة في الدنيا أتعرض لها، يجب أن أتذكر الافتقار إلى الله عز وجل. إذا حصلت على منصب، إذا حصلت على تميز، على أي شيء من هذا القبيل، كيف أفتقر إلى الله عز وجل؟ هذا تدبر يستطيعه أي مسلم. لكن إذا جاء نصر الله والفتح في نفس الصورة، ما الفرق بين النصر والفتح؟ هنا ربما تجد الناس لا يدركون. تحتاج أن ترجع إلى العلماء لكي يميزوا بين النصر والفتح. ليش؟ لأن هو سيستخدم أدوات المفسر المعهود القرآني، ويرجع ينظر إلى استعمالات القرآن، يرجع إلى المعاجم، يرجع إلى غيرها، يرجع إلى أشعار العرب، لكي يعرف هذه الأمور. ففيه مثل ما قال ابن عباس رضي الله عنه: أقسام التعامل. الآيات القرآنية ليست كلها بمستوى واحد. مستوى واضح يعقله الجميع، ومستوى أعلى يتطلب تدخل العلماء. وهنا مهم أن نشير إلى هذه النقطة أن التفسير ليس نمطًا واحدًا. هناك عده أنواع أو هناك عده طرق لتفسير القرآن. هناك تفسير القرآن بالقرآن، وهناك تفسير القرآن بالسنة، وهناك تفسير القرآن بواقع التنزيل، وهناك تفسير القرآن بكلام العرب، وهناك تفسير القرآن بكلام الصحابة، لأنهم حضروا التنزيل وأدركوا معاني المفردات القرآنية وسياقاتهم. لذلك ليس مستوى واحد. لكن ما هو أعظم هذه الطرق وما هو أفضل هذه الطرق؟ بالاجماع، تفسير القرآن بالقرآن. بالاجماع. هذه الطريقة يقول السيوطي: "من أراد تفسير الكتاب العزيز، فعليه بالقرآن". قال العلماء: نعم. تقي الدين ابن تيمية في في مقدمة أصول التفسير ذكر أن أحسن طرق تفسير القرآن أن تفسير القرآن بالقرآن. ثم قال: "فإن أعياك" يعني إذا لم تستطع، بحثت في القرآن بكل الطرق، ما وجدت الحل، فهنا قال: "فعليك بالسنة". عرفت؟ وهذا أصلًا ما يقتضيه القرآن. الله عز وجل يقول: "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم". فبالتالي لو سألنا: ما هي أقوم طريقة للوصول إلى القرآن؟ فهو القرآن. عرفت؟ وهذا هو منهاج النبوة. مثل المثال ذكرت لك قبل قليل، لما فزع الصحابة إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قالوا: يا رسول الله، أينا لم يظلم؟ الله عز وجل يقول: "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم". ماذا فعل؟ فسر القرآن بالقرآن. عاد إلى أن الشرك لظلم عظيم. فهو منهاج النبوة. وبالتالي مثلًا، لكن للأسف اليوم صارت عندنا نظرة دونية لتفسير القرآن بالقرآن. يعني هذا التفسير هو كان عمده العلماء في العصر الأول، وكان منهاج النبوة، وهو المنهج الذي أجمع له العلماء. لكن الآن هجر في عصرنا. صار الآن بمجرد ما يسمعونك تتكلم عن القرآن، يقول لك: هذا ينكر السنة. هذا لديه موقف سلبي من. فصار عندهم فوبيا من القرآن. فهنا ابتلينا بفئتين: فئة تريد أن تقتصر على القرآن فقط. عرفت؟ وتنكر السنة. وفئة من حيث لا تشعر تريد أن تقتصر على السنة وتهمل القرآن. عرفت؟ ولذلك كل من يقترب من القرآن، يقول لك: هذا قرآني. لا، هذا أعظم طرق تفسير القرآن هو الرجوع إلى القرآن نفسه. لكن نحن نتجعل مثلًا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي قبل 60 سنة كتب كتابه "أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن". طيب، هل هو ينكر السنة؟ لا، لا ينكر السنة. لكنه اعتمد على أعظم طريقة في تفسير القرآن، وهو تفسير القرآن بالقرآن. تمام. لذلك تفسير القرآن بالقرآن هو الطريق الأفضل، لكنه ليس الطريق الوحيد. أيضًا عندنا تفسير القرآن بالسنة. وهذا نوعان: تفسير القرآن بالسنة القولية، تفسير القرآن بالسنة الفعلية. مثلًا النبي عليه السلام في الصحيحين فسر: "ولقد آتيناك سبعًا من المثاني". ما معنى سبع من المثاني؟ قال في الصحيحين: إنها الفاتحة. أي أو مثلًا جاء في صحيح ابن حبان: معنى "حبل الله". "واعتصموا بحبل الله جميعًا". وما معنى حبل الله؟ حبل الله فسرها النبي عليه السلام بأنها القرآن. عرفت؟ وفي طبعًا السنة العملية التي تفسر. يعني كثير الشاهد أن هذه طرق مختلفة، ولها مضانها ومجال بحثها. لكن بشكل عام، طرق تفسير القرآن متنوعة. أعظم طريقة لتفسير القرآن هو أن نفسر القرآن بالقرآن. القرآن. وأن لا نتعامل بالقرآن على أنه بس مصدر الأسئلة. نقرأ القرآن، فإذا جاءنا سؤال واشكال، قفزنا إلى خارج القرآن. لا، يجب أن نعطي القرآن حقه، وأن نبحث في القرآن عن الإجابات. القرآن. ثم إذا أعيا ننتقل إلى غيره. عرفت؟ يعني مثلًا الله عز وجل يقول: "وأمطرنا عليهم مطرًا، فانظر كيف كان عاقبة المجرمين". أنت هنا ممكن يأتي في ذهنك سؤال: الله عز وجل أمطر عليهم مطرة، والمطر ماء، والماء خير. كيف صار يعني عقوبة للمجرمين؟ لا، هنا الآن بعض الناس يقفز خارج القرآن. ولكن في موطن آخر أوضحها: "أمطرنا عليهم حجارة من سجيل". فهو مطر لم يكن ماء، كان حجارة. أو مثلًا انظر إلى قوله تعالى: "لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان". ما معنى عقدتم الأيمان؟ انتظر، ستجد آيات أخرى توضحها. لا، في آية أخرى تقول: "لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم". عرفت ولا لا؟ فـ "عقدتم الأيمان" يعني ما كنتم تقصدونه. جزاك الله خير دكتور. الله يبارك فيك وينفع بك. حلقة ثرية جدًا. إن شاء الله لنا عودات أخرى وحلقات أخرى إن شاء الله. باذن الله. يفتح عليك الله. يبارك فيك. سلمك.