Transcription
كتابي الجديد "من خلق الله" أصبح متاحاً الآن على الموقع الرسمي. أنا مؤمن بوجود الله، وهذا الكتاب ليس تشكيكاً في الإيمان، بل تفكيكاً عقلانياً للشبهات الإلحادية والذهنية التي تطرح حوله. هذا الكتاب لا يقدم وعظاً، ولا دفاعاً عن موروث، ولا إجابات جاهزة. هو محاولة عقلية صادقة لمواجهة أسئلة كثيراً ما يخاف من طرحها أصلاً. هل سؤال "من خلق الله" سؤال ذكي، أم سؤال مبني على افتراض خاطئ؟ ما طبيعة الله أصلاً؟ هل الوجود يحتاج خالقاً، أم أن كل شيء جاء بلا سبب؟ وأين الله بعيداً عن الصور الذهنية والمفاهيم المكانية التي ورثناها؟ هذا الكتاب محطة لكل من يريد أن يكمل التفكير إلى آخره، سواء وصل إلى الإيمان، أو توقف، أو رفض.
رابط الكتاب موجود في صندوق الوصف وفي التعليق المثبت، بالإضافة إلى أنه موجود في الموقع الرسمي في صفحة الكتب. وهناك أيضاً كتاب عن البخاري أتحدث فيه عن المنهجية، وعن موقف القرآن مما يسمونه بالوحي الثاني، وكيف كتب البخاري كتابه، والأحاديث الموجودة فيه والتي تناقض البخاري نفسه، والأحاديث التي تناقض القرآن، والتي تناقض العقل والمنطق، والأحاديث التي فيها بصمة وصبغة يهودية في هذا الكتاب، بالإضافة إلى التقارب ما بين نصوص هذا الكتاب والنصوص الموجودة في كتاب التلمود عند اليهود. هذا الكتاب اشتغلت عليه من حوالي شهرين، لكن لسه ما انتهيت منه، ممكن لسه أحتاج شهر لحتى ينتهي، وبعد ما أنتهي منه إن شاء الله سيتم نشره والإعلان عنه. أنا حسين الخليل، وهذه قناتي ومنبري.
كثيراً ما نسمع عن تكفير كل من لا يصلي أو يتهاون بالصلاة، فيقولون: "من ترك الصلاة فقد كفر"، و"العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة"، و"أول ما يحاسب عنه العبد يوم القيامة الصلاة"، "فإن صلحت صلح باقي عمله، وإن فسدت فسد باقي عمله". والكثير من الروايات التي فيها تهديد ووعيد شديد لمجرد التهاون بها. إن النبي الذي وصفه الله في القرآن بأنه رحمة للعالمين، تمنى لو أحرق الناس الذين يتخلفون عن الصلاة عن صلاة الجماعة، يعني مو يلي ما يصلون، بل المتخلفين عن صلاة الجماعة، فما بالكم بالذي لا يصلي أو يتهاون بها؟ وكل حججهم من كتب الروايات التي كتبوها بأيديهم وليس القرآن. وكل ما ينسبونه للنبي من أحكام تخالف شكلاً ومضموناً كتاب الله، فإن النبي بريء منها، بل هم من ألفوها ونسبوها زوراً وبهتاناً للنبي الكريم. يعني لما تتمسك بكتاب الله وتخالف كل ما هو موجود في كتب التراث، وتسمعهم يقولون لك: "أنت تخالف سنة النبي، وتخالف تعليمات النبي، وتطعن بكلامه، وتحاول هدم الدين"، ومن باقي هذه المصطلحات التي تعودنا عليها. لا تخلي هالكلام هذا يأثر عليك، رد عليهم بكل ثقة وقول لهم: "أنا أخالف تعليمات الكهنوت وليس تعليمات النبي". لا يخالف القرآن النبي، لا يأتي بتشريعات من خارج القرآن. النبي مات وترك لنا القرآن فقط، لم يترك لنا لا بخاري ولا كافي ولا بحار أنوار ولا موطأ ولا مسند ولا مئات الكتب المتناقضة فيما بينها، فضلاً عن تناقضها الواضح مع كتاب الله. تارك الصلاة ليس بكافر، وهذا لا يعني التقليل من شأن الصلاة ولا الدعوة إلى تركها، بل وضع الأمور في نصابها القرآني، بعد أن تحول موضوع الصلاة بفعل الكهنوت الديني إلى أداة تكفير وابتزاز روحي، يحاكم بها الناس على إيمانهم، ويسلبون بسببها إنسانيتهم. وكان الله فوض رجال الدين ليكونوا قضاة على قلوب العباد ومصائرهم في الآخرة.
التكفير مسألة خطيرة وعظيمة، لأنها تعني إخراج إنسان من دائرة الإيمان والحكم عليه بالهلاك الأبدي. وهذه سلطة لم يمنحها الله لأي بشر، لا لنبي ولا لفقيه ولا لشيخ ولا لمذهب ولا لآية الله ولا لحجة الله ولا لأي إنسان. ومع ذلك نرى الكهنوت يوزع صكوك الكفر بسخاء. وما أسهل التكفير عند هؤلاء الإخوة، فقط لأن شخصاً لم يلتزم بالصلاة بالشكل الحركي المتوارث، أو خالف ما ألفينا عليه آباؤنا. مع أن الله في كتابه لم يقل إن تارك الصلاة كافر، ولم يربط الإيمان أو الكفر بهذا الفعل الحركي ربطاً وجودياً قاطعاً كما يدعون، ولم يربط دخول الجنة بالمحافظة عليها. لا توجد ولا آية تقول إن تارك الصلاة كافر أو خارج عن الملة أو مخلد في النار. بل العكس، القرآن الكريم ربط دخول الجنة بالإيمان والعمل الصالح. قال تعالى: "وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ". أين الصلاة في هذه الآية؟ لا توجد. وآية أخرى شبيهة لها تقول: "وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا". لا وجود للصلاة. فلماذا نتقول على الله ونربط الصلاة بدخول الجنة؟ ليه بس لأنه أجمعت واتفقت عليه الأمة؟ طيب، إجماعهم مقدس؟ الجواب: كلا. هم بشر مثلهم مثل غيرهم، ولا مكانة لهم عند الله تميزهم عن غيرهم. وممكن أي واحد منكم مكانته عند الله أفضل من كل الأسماء التي ورثنا تقديسها وعدم مخالفة أمرها. بل إن الأكثرية في القرآن مذمومة. هناك آية تقول: "وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ". يعني آيات واضحة وبينة، ويريدون منا بالغصب أن ننكرها ونصدقهم. وإذا ما صدقناهم، يخرجون عن الملة. نرجع للقرآن، نجد أن الله يقول: "وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ". وهناك آية أخرى تقول: "وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ". وغيرها آية تقول: "وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَسَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ". طيب، وين الصلاة بهذه الآيات؟ طبعاً في آيات كثيرة تتحدث عن هذا المعنى، لكن أنا اختصرتها لأني إذا بدي أذكرها كلها أحتاج سلسلة.
لما نقرأ القرآن بعقل ووعي، نجد ارتباطاً وثيقاً بين الإيمان بالله والعمل الصالح، وليس الإيمان بالله والصلاة، بدليل الكثير من الآيات. لا يمكن تجاهل هذه الآيات البينات والتركيز على ما قاله البخاري والكافي وما أجمع عليه الفقهاء، حتى لو كل البشر اتفقوا معهم على إجماعهم، فهو لا يساوي جناح بعوضة عند الله. ولست ملزماً ولا مطالباً به أمام الله. يعني الله سبحانه وتعالى ما راح يسألني عن إجماع واتفاق البشر ومخالفة أمرهم، بل يسألني عن كتابه فقط. القرآن الكريم، ماذا فعلت به؟ هل التزمت بتشريعاته؟ وليس هل التزمت بفتاوى فلان وعلان، الذين هم بالأصل بشر مثلي. عندي كتاب الله متمسك به، وهو ما سأحاسب عنه فقط.
عندما نعود للقرآن، سنجد أن الصلاة ليس لها مفهوم واحد كما صور لنا. وين ما نقرأ كلمة "صلاة" بالقرآن، خلص معناها الصلاة الحركية. هكذا فهمنا، وهذا خطأ. بل هي أوسع وأعمق بكثير. هناك أولاً الصلاة بمعناها الجوهري، الذي ركز عليه القرآن وأخذت هذه الحيز الأكبر من الآيات، وهي الصلة بالله. هذه الصلة ليست حركات جسدية، بل علاقة وعي وأخلاق وعدل ورحمة، رحمة وخير. كل عمل خير هو صلاة، لأنه تعبير عن صلة الإنسان بالقيم الإلهية. ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: "فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ". ولم يقل: "ويل لتاركي الصلاة". ثم فصل من هم المصلون، قال: "الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ". أي عن صلتهم بالله، عن قيمها ومعناها، عن أثرها الأخلاقي والإنساني. فالله في هذه الآية لا يتحدث عن الصلاة الحركية كما أفهمونا، بل عن الصلاة الروحانية. وفي قوله تعالى: "مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ". لا يكون الجواب مجرد ترك حركات، بل منظومة أخلاقية فاسدة. "لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ". أي لم نكن من أهل الصلة بالله، وليس المعنى هنا بالمصلين أي الصلاة الحركية. ثم يشرح مباشرة: "وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ". ربط الصلاة، التي هي الصلة بالله، بإطعام المسكين، لا بعدد الركعات. هذا ربط أخلاقي لا حركي، ربط إنساني لا طقوسي. وهذه الآية أيضاً لا تتحدث عن الصلاة الحركية. ممكن البعض يستغرب، راح أوضح بعد شوي. طيب، إيش الدليل؟ ليه ما تكون هذه الآيات تتحدث عن الصلاة الحركية وليس الروحانية؟ وأنت يا حسين الغلطان؟ ممكن؟ بس نرجع على القرآن. الدليل من القرآن نفسه. في الآية الأولى: "فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ". بدأها الله بقوله: "أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ". ركزوا، يكذب بالدين. "فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ". "وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ". "فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ". "الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ". السورة كلها تتحدث عن القيم الإنسانية، عن اليتيم وإطعام المسكين. وهذه هي الصلة بالله المتمثلة بالعمل الصالح. بالعقل، هل يوجد مسلم لا يصلي أو متهاون بالصلاة يكذب بيوم الدين؟ أكيد لا. بل الطغاة المجرمون هم يلي يكذبون بيوم الدين بعد أن قطعوا صلتهم بالله.
والآية الثانية: "مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ". قالوا: "لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ". نرجع للآية اللي قبلها مباشرة، آية واحدة بس، وهي قوله تعالى بعد سؤال أهل اليمين: "فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ". يتساءلون يا ترى؟ الجواب كما أخبرنا به الله سبحانه وتعالى بقوله: "عَنِ الْمُجْرِمِينَ". أيضاً هنا المجرمين. "مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ". والمجرمين هنا مو بمفهومنا المجتمعي، أصحاب الجنايات يلي تمسكهم الشرطة، بل عن كل من قطع صلته بالله وأفسد في الأرض وصار مجرم لا رادع له. يعني ما في بقلبه رحمة ولا إنسانية تمنعه من الإجرام. وهذا النوع هو عكس المسلم، بدليل قوله تعالى: "أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ". وتكملة الآية تؤكد ذلك في قوله تعالى: "قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ". "وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ". "وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ". لحد الآن مو واضح. ثم يقول: "وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ". ركزوا على الآية الأخيرة: "وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ". وأعيد نفس السؤال أو التساؤل السابق: هل يوجد مسلم يكذب بيوم الدين؟ يلي يكذب بيوم الدين هو بالاصل غير مسلم لحتى يصلي أو ما يصلي. آيات واضحة بين أيدينا، يريدون نرفضها بالقوة وبالغصب ونصدقهم.
أما النوع الثاني من الصلاة، فهي الصلاة الحركية المعروفة، وهي عبادة فردية لها قيمتها الروحية لمن يؤديها عن قناعة ومحبة ووعي. وأنا لا أقلل من شأنها أبداً ولا أنكرها. ومن ينكرها فهذا شأنه. أما أنا فلا أنكرها، لأنه بعض الناس وكثير من التعليقات يقولوا لي: "كيف تنكر الصلاة؟" وبعدين في رواية في حلقات ثانية تؤكده. أنا ما أنكر الصلاة، لكن الله لم يشدد عليها تشديداً يصل للتكفير والخروج من الملة، ولا جعلها معيار الإيمان والكفر، لأنها ببساطة تفقد قيمتها بالكامل إذا كانت قائمة على الغصب والإكراه والتهديد والوعيد. الله لا يعبد تحت الصوت، ولا تبنى الصلة به بالخوف المرضي، ولا تقاس القلوب بعدد السجدات. ولهذا لم يقل الله في القرآن: "من لم يصل فهو كافر"، ولم يقل: "أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة"، ولم يقل: "الصلاة عمود الدين"، ولم يقل: "من تركها فقد هدم الدين"، ولم يقل: "إنها ثاني ركن من أركان الإسلام المزعومة". كل هذه العبارات كلها دون استثناء هي عبارات تراثية جاءت من كتب التراث، نقلت إلينا على أنها مسلمات، ثم بني عليها نظام كامل من الترهيب والتكفير، حتى أصبحت الصلاة أهم من الصدق، وأهم من العدل، وأهم من الرحمة، وأهم من عدم الظلم، وأهم من العمل الصالح. وهذا قلب خطير لأولويات القرآن. النبي ما قال تارك الصلاة أو المتهاون بها كافر. الكهنوت هو من قال هذا وألصق القول بالنبي، والنبي بريء منه، لأن النبي لا يخالف كتاب الله. النبي مو عايش حتى يكذبهم ويكذب كل ما قيل عنه مما يخالف كتاب الله. وعندما يطرح هذا النقاش ونتكلم في حلقات عديدة عن هذا الموضوع، بدل ما يناقش الإخوة أتباع التراث الفكرة بهدوء وعقل ورد الحجة بالحجة، يلجؤون فوراً إلى اتهامات جاهزة، طبعاً بعد السب والشتم والتخوين الذي يدل على البيئة التي تربوا فيها. يقولون: "أنت تحرض على ترك ترك الصلاة"، "بعد هذا الفيديو الناس ستترك الصلاة"، "أنت تشجع على ترك الصلاة"، "أنت تعطي مبرراً لترك الدين". وهذه الاتهامات بحد ذاتها تكشف خللاً عميقاً في تصورهم للإيمان. كان الإنسان يعبد الله على حرف، ينتظر أي ذريعة ليترك كل شيء. وكان الصلاة لا تقوم إلا بالتخويف، ولا تصمد إلا بالقمع. مثل أحد رجال الدين الذي هبد هبده لما قال: "لولا حد الردة لما بقي إسلام". وكلامه فعلاً صحيح، لكن ليس إسلام القرآن، بل إسلام التراث القائم على الخوف والتهديد بالقتل والقمع. يعني بمخيلتهم إذا المصلي سمع أن الصلاة ليست لها الأولوية، فوراً تركها. إيش هالعبادة التي من كلمة واحدة يتركها؟ وإذا قالوا: "بل هي قوية ومتينة ولا تؤثر على الناس"، طيب، ليه تهاجمون وتشتمون وتكفرون كل من ينتقد التراث طالما أنه قوي ومتماسك ولا يتأثر بمن ينتقده؟ المعتقد القوي المتماسك لا يحتاج من يدافع عنه، ولا يتأثر أو يتخلخل لمجرد نقده. بينما الشيء الهالك المتزعزع كالبيت الآيل للسقوط بمجرد انتقاده سيسقط. ولهذا لابد من الدفاع عنه حتى لا يسقط. وهنا يطرح سؤال منطقي بسيط: إذا كان إيمان الناس متيناً كما تزعمون، وإذا كانت الصلاة راسخة في قلوبهم، فلماذا تخافون من النقاش؟ لماذا تفترضون أن مجرد كلام سيجعل الناس تترك الصلاة؟ هل لأنكم في قرارة أنفسكم تعلمون أن ما بني على الترهيب ينهار عند أول سؤال؟ مثل الرواية في البخاري التي تقول: "ينزل ربنا كل يوم بالثلث الأخير مشان يستجيب لمن يدعوه". يمشي بالشوارع؟ طيب، توقيت أي دولة ينزل مشان نعرف مشان ما يروح دعائنا على الفاضي؟ وهل الأرض وسعته حتى يمشي بشوارعها؟ ولطالما أنها وسعته معناها أنها أكبر منه. وطالما أنه ينزل من السماء كما أخبرنا البخاري، معناها له مكان يسكن فيه وزاوية واتجاه. وأنا تحدثت عن هذا الموضوع بالتفصيل في كتاب "من خلق الله". ولما اصطدم الكهنوت بمثل هكذا أسئلة، قال: "بل هو نزول يليق بجلاله". الجماعة ما أنكروا الرواية التي تناقض جوهر القرآن، بل رقعوها. واسأل، اسأل هذا الشيخ أو هذا الشخص أو هذا الأخ الذي يقول: "نزول يليق بجلاله"، اسأله: "إيش يعني نزول يليق بجلاله؟" ممكن توضح لي؟ ما راح يجاوبك، راح يلف ويدور ويلف ويدور ويدخلك بمتاهات، ولا راح يجاوبك، لأنه هو نفسه ما يعرف الجواب. هو مسكين نقل الجواب من شيخه، هو نقله من شيخه، وصار يقوله لكل من يسأل هكذا أسئلة. لكن تعال اشرح لي؟ ما في شرح.
الإيمان الحقيقي يا أصدقائي الكرام لا يخاف من التفكير ولا من المراجعة ولا من إعادة الفهم ولا النقد. السبب الحقيقي لهذا الذعر هو أن الناس ورثوا من التراث أن الصلاة هي أهم شيء في الدين، وأنها ثاني ركن وعموده الفقري، وأول ما يحاسب عليه العبد. فقزم الدين واختزل كله في طقس، وتحول الإنسان إلى آلة أداء، بينما غابت القيم الكبرى التي جاء بها القرآن: العدل، الرحمة، كرامة الإنسان، حرية الاختيار، تحمل المسؤولية الأخلاقية. وهذا ما نراه في واقعنا. كثير من الإخوة المصلين وللأسف بذيئون لسان، يسبون ويشتمون كل من خالفهم. المعتقد، وحتى بعضهم، بعض الشيوخ يسبون ويشتمون. ولنا في كتاب "إسكات كلب العاوي" أكبر مثال، وهو كتاب لرجل دين يرد فيه على رجل دين أيضاً. إذا بين بعضهم يتعاملون بهذه الطريقة، شلون بدكم إياهم يتعاملون معكم أنتم الذين تنكرون كل هذه الكتب؟ طيب، وين أثر الصلاة فيك يا شيخ؟ الجواب: لا يوجد. لأنه يؤديها خوفاً من العقاب. والأخطر من كل ذلك هو التجرؤ على التكفير. مين أنت حتى تحكم على فلان أنه كافر؟ من أعطاك هذه السلطة؟ هل أنت إله أم عن الله؟ هل لديك توكيل إلهي ومختوم للتحدث باسمه؟ الجواب الواضح: كلا. التكفير مسألة غيبية تتعلق بالقلوب والنيات والمصائر، وهي من اختصاص الله فقط. يقول الله سبحانه وتعالى: "إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ". لكن على ما يبدو أن رجال الدين اكتشفوا أن الآية فيها خطأ، فصححوها، فصارت: "إن ربك ورجال الدين أعلم بمن ضل عن سبيله، وهم أعلم بالمهتدين". فجزاهم الله خيراً على تصحيح الآية الخاطئة. من ترك الصلاة الحركية قد يكون إنساناً صادقاً، عادلاً، رحيماً، نقي السرير. ومن يؤدي الصلاة قد يكون ظالماً، قاسياً، منافقاً، ومؤذياً للناس. القرآن لم يمنح أحد حق الحكم النهائي، ولم يجعل الطقوس بديلاً عن القيم. الصلاة التي لا تنهى عن الفحشاء والمنكر ليست صلة بالله، بل عادة اجتماعية يومية. تارك الصلاة ليس بكافر، نص القرآن. ولا يملك أي إنسان حق إخراجه من الإيمان. ولا يحق لأي أحد أن يجعل نفسه حارساً على الجنة والنار. الله أكبر من طقوسنا، وأعدل من كهنوتنا، وأرحم من فتاوانا. ومن أراد الله حقاً، فليبحث عنه في الصدق والعدل والرحمة، قبل أن يبحث عنه في عدد الركعات. هذا هو موضوعنا لهذا اليوم، ودمتم بودع والسلام عليكم.
[موسيقى]
ا
[موسيقى]